![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
||
![]() |
||
![]() |
![]() |
|
|
|
|
|||||||
|
|
رقم المشاركة : ( 1 ) | ||||
|
نائب المدير العام للأنساب والمشجرات
|
الدر المنثور في طبقات ربات الخدور المجلد الأول
حرف الألف آمنة ابنة وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب أم النبي صلى الله عليه وسلم قال القرماني: أعطاها الله تعالى من الجمال والكمال ما كانت تدعى به حكيمة قومها، وكانت من الفصاحة والحكمة والبلاغة على جانب عظيم لم يسبقها إليه أحد من نساء العرب، توفيت بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم بست سنوات، ودفنت بالأبواء. قال ياقوت في "معجمه": "والسبب في دفنها هناك أن عبد الله والد رسول الله كان قد خرج إلى المدينة يمتار تمرا، فمات بالمدينة، فكانت زوجته آمنة تخرج إلى المدينة تزور قبره، فلما أتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ست سنوات خرجت زائرة لقبره، ومعها عبد المطلب وأم أيمن حاضنة رسول الله، فلما صارت بالأبواء منصرفة إلى مكة ماتت بها. ويقال: إن أبا طالب زار أخواله بني النجار بالمدينة، وحمل معه آمنة (أم رسول الله صلى الله عليه وسلم )، فلما رجع منصرفا إلى مكة ماتت آمنة بالأبواء). وقيل: دفنت بدار رائعة وهو موضع مكة. وقيل: بمكة في شعب أبي دب، وكانت من شاعرات العرب المجيدات. ومن شعرها قولها وهي في نزع الموت وكانت نظرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يلعب بجانبها فتأسفت على تركه صغيرها وأنه سينشأ يتيما من الأب والأم، ولكن تأست بما يناله من الفخر والمجد في قومه وفي العالم بأسره مما رأته منه في حال صغره وهذا ما قالته: بارك اللـه فـيك مـن غـلام يا ابن الذي في حومة الحمام نجا بعون المـلـك الـعـلام فودي غداة الضرب بالسهـام بمـائة مـن إبـل ســـوام إن صح ما أبصرت في المنام فأنت مبـعـوث إلـى الأنـام تبعث في الحل وفي الحـرام تبعث بالـتـوحـيد والإسـلام دين أبيك الـبـر أبـراهـام فالله أنهـاك عـن الأصـنـام أن لا تواليهـا مـع الأقـوام ثم قالت: كل حي ميت، وكل جديد بال، وكل كبير يفنى، وأنا ميتة وذكري باق. وسلمت روحها. وقيل: إن بعضهم رثاها بهذه الأبيات: نبكي الفتـاة الـبـرة الأمـينة ذات الجمال العـفة الـرزينة زوجة عبد الـلـه والـقـرينة أم نبي اللـه ذي الـسـكـينة وصاحب المنبـر بـالـمـدينة صارت لدى حفرتها رهـينة لو فوديت لـفـوديت ثـمـينة وللمنـايا شـفـرة مـتـينة لا (تبقى) ظعانـا ولا ظـعـينة إلا أتت وقطـعـت وتـينـه أما دلـلـت أيهـا الـحـزينة عن الذي ذو العرش يعلي دينه فكـلـنـا والـهة حـــزينة نبكيك للعطـلة أو لـلـزينة آمنة ابنة عتيبة بن الحارث بن شهاب اليربوعي كانت شاعرة من شاعرات العرب في الجاهلية اللاتي يشار لهن بالبنان، وكان شعرها قليلا إلا أنه ذو بلاغة عجيبة. وكان أبوها عتيبة قتله ذواب بن ربيعة الأسدي يوم خو من أيام العرب، ثم أسر ذواب وقتل فورا بعتيبة ولآمنة في أبيها مراث كثيرة لم يصل إلينا منها إلا قولها: على مثل ابن مية فـانـعـياه بشق نواعم البشر الجـيوبـا وكان أبي عيتبة سـمـهـريا فلا تلقاه يدخر النـصـيبـا ضروبا للكمي إذا اشمعـلـت عوان الحرب لا ورعا هيوبا آمنة ابنة أبان بن كليب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن ولها يقول نابغة بني جعدة: وشاركتم قريشا في تقاهـا وفي أنسابها شرك العنان بما ولدت نساء بني هلال وما ولدت نساء بني أبان وكانت آمنة هذه تحت أمية بن عبد شمس معاصرا لعبد المطلب بن هاشم جد النبي فولدت لأمية العاص وأبا العاص، وأبا العيص والعوص، وصفية، وتوبة، وأروى بني أمية وقد سموا بالأعياص وكانت دائما تفتخر بهم، فلما مات تزوجها بعده ابنه أبو عمرو، وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك يتزوج الرجل امرأة أبيه بعده فولدت له أبا معيط فكان بنو أمية من آمنة إخوة أبي معيط وعمومته. وقيل: إن ابنها أبا العاص زوجها أخاه أبا عمرو، وكان هذا نكاحا تنكحه الجاهلية فأنزل الله تعالى تحريمه. قال الله تعالى: (ولا تنكحوا ما نحك آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا) (النساء: 22) فسمي نحاك المقت. وكانت آمنة مسموعة الكلمة مطاعة عند قومها، وكانت موصوفة بالشجاعة والمنعة وطالما افتخرت على باقي العرب في عزها ورجالها. آمنة الرملية رضي الله عنها كانت من أهل القرن الثالث للهجرة، وكانت من الزاهدات العابدات المنقطعات للتبتل، وكان أكثر زهاد زمانها يترددون عليها، ويتبركون بها، وكان بشير بن الحارث -رضي الله عنه- يزورها. ومرض بشير مرة فعادته آمنة من الرملة فبينما هي عنده إذ دخل الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - يعوده كذلك فنظر إلى آمنة فقال لبشير: من هذه فقال له بشير: هذه آمنة الرملية بلغها مرضي فجاءت من الرملة تعودني فقال أحمد لبشير: فاسألها أن تدعو لنا فقال لها بشير: ادعي الله لنا. فقالت: اللهم إن بشير بن الحارث وأحمد بن حنبل يستجيران بك من النار فأجرهما يا أرحم الراحمين. قال الإمام أحمد: فلما كان من الليل رأيت فيما يرى النائم أن طرحت لي رقعة من الهواء مكتوب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم قد فعلنا ذلك ولدينا مزيد رضي الله عنهم. آن لويز جرمان ابنة الكونت نكر وزير مالية فرنسا ولدت هذه الشهيرة بباريس سنة 1766 م، وتولت أمها تعليمها ولكنها كانت تجهل مقتضيات التربية ومراعاة حال الأولاد من حيث مزاجهم وميلهم واتجاه عواطفهم، فشددت على ابنتها فيا لتعليم، واتخذت الصرامة ديدنا في التربية والتأديب، فلذلك لم يعلق قلب ابنتها بها ولا كان لكلامها وقع في نفسها، ومن جملة ما بين ذلك أنها كانت تحب اللعب بما يشبه التشخيص في المراسح، وتميل إلى ذلك ميلا شديدا فتعمل ملوكا وملكات من الورق، وتشخص لها مواقع من فكرتها، وتتكلم في التشخيص عنها. وكانت أمها تكره المراسح والتشخيص وتمنعها من اللعب بتلك الصور غير مراعية ميلها الشديد إلى ذلك فكانت ابنتها تختبئ وتلعب خفية عنها، ولا تكاشفها بشيء مما يخطر ببالها من ذلك. وأما أبوها: فكان أوفر من أمها حكمة وأكثر معرفة في معاملة ابنته فيلاطفها ويمازحها ويحدثها حتى تأنس إليه وتكشف له قلبها، وكان رجلا عظيما ووزيرا على مالية (لويس السادس عشر) ملك فرنسا، مهيبا بعيد الصيت والسطوة والنفوذ يختلف إلى بيته عظماء فرنسا، وعلماؤها وشعراؤها، كانت أمها تأتي بها وهي صغيرة السن إلى قاعة الاستقبال، وتجلسها على كرسي مستدير بجانبها وتوصيها من حين إلى حين بالجلوس مستقيمة لئلا تكون حدباء الظهر متى كبرت فتجلس هناك شاخصة إلى الزوار وتلتقط كل كلمة تخرج من أفواههم وتصغي أتم الإصغاء إلى أحاديثهم، وتذوق معانيهم حتى يرى الناظر من علامات وجهها أنها لا تدع فائدة تفوتها، وأنها تبتلع المعاني ابتلاعا على صغر سنها، وكانوا كلهم يحدثونها كما يحدثون كبار السن ويباحثونها فيما تعلمته ويحدثونها على درس ما لم تتعلمه، فلم تكثر عليها السنون حتى بلغت قوى عقلها مبلغا قلما تدركه العقول في سنها ولم تجيء عليها السنة الخامسة عشرة حتى شرعت في التأليف واشتد حبها للعلماء والعظماء فكان قلبها ينبض شديدا عند رؤيتهم، وصيتهم يستفزها إلى مجاراتهم ومسابقتهم، ولما بلغت عشرين سنة من عمرها شاع ذكرها في الآفاق، وانطلقت الألسنة بوصفها تزوجت بسفير أسوج في فرنسا واسمه (روستايل) سنة 1786 م فانفتح أمامها باب السياسة، وكانت في بداية عمرها تعتبر فلسفة (جان جاك روسو) اعتبارا عظيما. ولما ابتدأت الثورة الفرنساوية وكان أبوها قد أنجد حزب الثائرين مالت إليها حاسبة أنها الطريقة الوحيدة لسعادة فرنسا ونعيمها، ولكن لما تفاقم خطبها ورأت فظائعها، وعلمت أن أحسن أهل وطنها يقتلون بها نفرت منها وجعلت همها تخليص الذين قد وقعوا في حبالها من الموت فسعت في نجاة العائلة الملكية وفرارها إلى بلاد الإنكليز، ولكنها خابت مسعى فعمدت إلى تخليص غيرهم وكانت كلما خلصت شخصا لا تستريح حتى تخلص كل من يتعلق به من الأقرباء والأصدقاء وتخاطر بنفسها لخلاص غيرها مخاطرة أعظم الناس بأسا، واتفق أن الدول المتحالفة ضيقت على الحكومة الثورية سنة 1792 م، فقال رجال هذه الحكومة: لا نأمن على أنفسنا إن لم نقتل كل من له ضلع مع الملكية في باريس فاستباحوهم قتلا ونهبا. وكان لمدام (روستايل) أصدقاء كثيرون بينهم فخلصت بواسطتهم حياة كثيرين وبقي رجل اسمه (دومونتسكيو) فعزمت على أن تخرج به من باريس كخادم لها فلقيها الثائرون في الطريق فأنزلوها من مركبها كرها وذهبوا بها إلى زعيمهم فاخترقت الصفوف مرتجفة والسيوف والبنادق قد سدت الآفاق من حولها، ولو زلت قدمها لقتلت دوسا، ولكنها ثبتت على ضعفها ست ساعات تسمع صراخ القتلى وأنين المعذبين حتى أطلق سبيلها، فخرجت من فرنسا فرحة بأنها قد لقيت ما لقيت فداء نفس خلصتها من الموت، وكتبت كتابا بليغا في الدفاع عن الملكة (ماري أنتوانيت)، لكنه لم يأت بالفائدة المقصودة فجزعت على قتلها جزعا شديدا. وفي سنة 1797 م: عادت من سويسرا حيث كانت متوجهة إلى باريس فوقع خلاف بينها وبين (نابليون بونابرت) لأنها أوجست منه السوء بعد تعرفها به بقليل قالت: إني لما تعرفت به أعجبني خلقه وعقله وقلت: إنه قد انفرد بهما كما انفرد بنصراته، وإنه رجل معتدل الطباع من أهل الجد والوقار بعكس زعماء الثورة ذوي الطباع الصعبة الذين كانوا يحكمون قبله، ولكن لما هدأ الجأش من إعجابي به وعدت إلى نفسي شعرت بنفور عظيم منه لما وجدته فيه، فإنه كالسيف البارد الماضي يجمد جمودا حين يجرح جرحا، وعلمت أنه يحتقر الأمة التي يريد أن يملك عليها. وجاهرت بمعاندته، فكنت ترى قاعتها غاصة بجماهير النافرين من (بونابرت) الناقمين عليه، فأوجس (بونابرت) خيفة منها، وحاول أن يرشوها بالمال لترجع عن معاندته فوعدها بأن يدفع لها مليوني ليرة كانا لأبيها على الدولة فرفضت قبول تلك الرشوة. فقال لها (جوزف بونابرت): (قولي إذا ماذا تشتهين) قالت: (لا أشتهي شيئا وإن سيري هذا طبق لما اعتقده). وكانت تحب سكن باريس محبة شديدة وتخاف النفي منها جدا ولا تسر إلا بمعاشرة الأدباء محفوفة بأهل الفضل والأصدقاء. وكان (نابليون بونابرت) يعلم ذلك فلما رأى إصرارها على معاداته أبى إلا أن ينتقم منها، فنفاها إلى مدينة سويسرا ولم يسمح لها بالاستبعاد عن منزلها أكثر من ميلين وحرمها من العودة إلى باريس فكان ذلك عليها مصيبة لا تطاق فقضت باقي أيامها حزينة على فراق باريس، وتولت تربية أولادها فكانت تعلمهم أكثر النهار ولم تنقطع عن ذلك في أشد أيامها حزنا وكآبة، وذلك كان أولادها يحبونها حبا عظيما، ويخاطرون بأنفسهم دفاعا عنها كما روى ذلك كثيرون من المؤرخين المشهورين، وقد اشتهرت مدام (روستايل) بمحامد كثيرة ظهر بعضها فيما مر نزيد عليه محبتها للحق والوقوف على حقائق الأمور ولذلك كانت تبذل جهدها في تعلم كل شيء ولو مهما كلفها من المشقة وكانت تقول: (جهل الناس للحق والحقائق أكبر دليل على انحطاطهم). وقالت عن بونابرت: (إني علمت بانحطاطه منذ رأيته لا يهتم بحقائق الأمور). وكانت تحب الموسيقى وتلهو بها عن أشغال التأليف، وتزيد السامعين طربا بحلاوة صوتها، وكان لها ميل شديد إلى التشخيص، وموهبة عظيمة فيه فكانت تعرف كل المراسح الأجنبية جيدا، وتعلمت في كبرها اللغات التي فاتها تعلمها في صغرها ومن أقوالها: إن درس اصطلاحات اللغة أحسن المثقفات للعقل وأسهل السبل لمعرفة أخلاق أهلها. كما هي وأعظم ما اشتهرت به كتبها التي بلغ عددها ثمانية عشر مجلدا في كل فن مستظرف حتى سموها (فولتير النساء) لكثرة المباحث التي بحثت فيها وقد قضت مؤلفاتها ثلاث غايات من أسمى الغايات. إحداها: توسيع علم الجمال عما كان في زمانها. والثانية: مهاجمة فلاسفة فرنسا المؤدبين ك(ديدور) و(دولباش) و(كندلاك) وغيرهم. مهاجمة عنيفة زعزعت أركان فلسفتهم. والثالثة: بث روح الحرية في صدور قومها إذ أبانت لهم أن الحرية أعظم شرط لسلامة الآداب والديانة الصحيحة، وكانت فاضلة تقية ورعة غير مترفضة. وماتت في 14 تموز (يوليو) سنة 1817 م بعد أن جالت زمانا في النمسا وروسيا وأسوج وبلاد الإنكليز الذين كانت تعتبرهم اعتبارا عظيما. إيت كججك ابنة السلطان أوزبك قال ابن بطوطة في رحلته: اسمها "إيت كججك وأيت" (بكسر الهمزة وياء مد وتاء مثناة، وكججك بضم الكاف وضم الجيمين). وقال: إنه لما كان عند السلطان (أوزبك) طلب منه أن يزور نساءه وبناته وخواص مملكته على حسب عادة أهل ذلك الزمان فأذن له وكان من ضمن بناته (كججك) هذه قال: إنه لما توجه إلى هذه الخاتون وهي في محلة منفردة على نحو ستة أميال من محلة والدها أمرت بإحضار الفقهاء والقضاة والسيد الشريف ابن عبد الحميد، وجماعة الطلبة، والمشايخ، والفقراء، وحضر زوجها الأمير عيسى فقعد معها على فراش واحد وهو معتل بالنقرس لا يستطيع السعي على قدميه، ولا ركوب الفرس، وإنما يركب العربة، وإذا أراد الدخول على السلطان أنزله خدمه وأدخلوه إلى المجلس محمولا ورأى من هذه الخاتون ابنة السلطان من المكارم وحسن الأخلاق ما لم يره من سواها، وأجزلت له الإحسان وأفضلت، وأما معارفها وعلومها وكرمها فلم يضاهها فيها أحد سواها من نساء زمانها. أتالانتا ابنة شيني ملك سكروس (مملكة يونانية) كانت شديدة الكلف بالصيد، فاكتسبت من ذلك سرعة في العدو لا مزيد عليها حتى إنه لم يكن لأحد من الرجال الأقوياء السريعي الجري أن يجاريها في الميدان، وقتلت بالنساب حيتين كبيرتين تبعاها ليقتلاها وكانت ذات جمال باهر فتان فطلبها كثيرون للاقتران بها وألحوا عليها فأقسمت أن لا تقترن إلا بالذي يسبقها فيا لميدان بشرط أن يكون عاريا من السلاح، ويكون بيدها حربة تضربه بها إذا أدركته فهلك بمسابقتها كثيرون من طلابها وأتاها (إبومان)، وكان من المقربين عند الكهنة والفائزين بوقايتها فتسابقا ولما وصلا إلى نصف الميدان أخذ (إبومان) ثلاث تفاحات من ذهب كانت قد أعطته إياها الكهنة المذكورون، فرماها على الأرض بعياقة ولياقة، فتشاغلت (أتالانتا) بها فتمكن من سبقها؟، وتقرر له الفوز فاقترن بها، وبعد ذلك غضب عليهما الكهنة لأنهما دلسا هيكل الزهرة فقتلومها. وقد قيل في (أتالانتا) هذه غير ذلك، وهو أنها ولدت في (أركاديا) وأنها ابنة (باسيوس) كان أبوها قد طلب إلى معبوداته أن ترزقه ولدا ذكرا فولدت (أتالانتا) فاغتاظ من ولاتها وألقاها على الجبل البرتنباتي فرضعت من دبة وأخذت تنمو حتى بلغت مبلغ النساء، وحافظت على بكارتها، وصارت أسرع الناس جريا على قدميها، فغلبت الحيتين المقدم ذكرهما واشتركت مع الأبطال في قتل الخنزير وكان لها مواقع في الألعاب البليانية ثم رضي عنها أبوها وألح عليها بأن تتزوج، فكان من أمرها ما تقدم. ولعل الرواية الأولى أصح. أديسا ابنة أدغر ملك إنكلترا ولدت سنة 961 للميلاد ربتها أمها في (دير ولتون) بالقرب من (سلزيري)، ولما كانت السنة الخامسة عشرة من عمرها صارت راهبة، وبعد ذلك بثلاث سنين قتل أخوها (إدوارد) الذي خلف أباها، وذلك بأمر رايته (ألفريدا) فعرض عليها تاج الملك فرفضته باتضاع مسيحي وآثرت تخصيص نفسها لتقرية الفقراء والأيتام على تخت الملك، وصرفت أيامها في ذلك إلى أن توفيت سنة 984 م. ودفنت في كنيسة (سان دنيس) التي بنتها في حياتها وتعتبرها الكنيسة الرومانية الكاثوليكية. ولها عندها تذكار في 16 أيلول (سبتمبر) من كل سنة. إديلينه ديباتي المغنية إن هذه المغنية كانت تربت من صغرها في المراسح وتخرجت بضروب الغناء، وساعدها الحظ بحسن صوتها وجمالها الذي جذب إليها الأنظار ولما آنست رشدها بلغت من الشهرة ما لم يبلغه غيرها من مغنيات الإفرنج وزادت شهرة في بلادها على شهرة مغنيات الخلفاء في مدة العباسيين والأمويين، ونالت من الثروة ما يبلغ دخله السنوي المليون فرنك، وقد حازت جملة (نياشين) افتخار من ملوك أوروبا وملكاتها والذي زاد افتخارها تشرف ملوك أوبوا بوضع إمضاءاتهم على مروحتها لأنها كانت تحمل مروحة فريدة من نوعها وبلا مثيل في العالم فإن جميع الملوك والمعاصرين لها كتبوا عليها بخط أيديهم أقوالا مختلفة تتضمن الثناء عليها والرضا عنها، فكتب القيصر الروسي: (لا شيء يسكن مثل غنائك). وكتب إمبراطور ألمانيا: (إلى بلبل جميع الأزمان) وكتب الملكة (خرستيان) في أسبانيا: (ملكة تفتخر بأن تحسبك في جملة رعاياها). وكتبت (فكتوريا) ملكة إنكلترا: (إذا صدقت كلمات الملك ليار القائل: (إن الصوت العذب موهبة) تكونين أنت يا عزيزتي إديلنه أغنى النساء). والإمبراطور النمساوي والملكة (إيزابلا) وضعا إمضاءهما أيضا وكتبت ملكة البلجيك صورة المشرع الأول للأغنية الشهيرة، ثم يوجد في وسط المروحة هذه الكلمات: (أمد إليك يدي يا مليكة الطرب) مذيلة بهذا الإمضاء (بترس) رئيس الجمهورية الفرنساوية إن هذا الافتخار وهذا الاعتبار لم ينله أحد في العالم وما ذلك إلا لحسن الآداب من هذه المرأة التي بها جذبت إليها قلوب أكبر أهل الأرض. أرجى ابنة أدرستوس هي زوجة (بوليلينكيوس) اشتهرت بمحبتها لزوجها فغنها بعد انهزام الرؤساء السبعة أمام (طيوه) عاصمة المصريين القدماء ذهبت مع (انتيقونه) امرأة أخيها لتقدم لزوجها الواجبات الأخيرة فقتلت بأمر (كريون) ملك ذاك الزمان وماتت صابرة حبا في زوجها لكي تلحقه في حفرته. أراكة ملكة قسطيلة هي بكر (ألفونس السادس) وأخت (بتريسة) زوجة ملك البرتوغال تزوجت أولا ب(ريمون البرغوني) الذي جعله (ألفونس السادس) كونت جيليقة، ثم تزوجت سنة 1109 م (بألفونس لوبانلبود) ملك (نواره) و(أراغون) ثم كرهها زوجها هذا لابتذال الحرية في سلوكها وعنادها في طلب حقوق الملك إرثا عن أبيها (ألفونس السادس)، ثم خلعت نائب ملك قسطيلة بواسطة زوجها الذي اتخذ له حزبا قويا هناك فأسرت وحجز عليها في (أراغون)، لكنها فرت من السجن وطلبت إلى الكرسي فسخ عقد زوجيتها، فصالحها (ألفونس) مؤقتا، ثم طلقها ثانيا سنة 1111 م فلجأت إلى محاربته لتطرده من مملكتها فاكنسرت ومضت إلى جيليقة وكان لها من زوجها ولد (ألفونس الثامن) فنادت باسمه ملكا سنة 1112 م وحكمت اسم محبوبها كونت (لاراه) في سنة 1112 م فخلعه كبار قسطيلة ونادوا باسم (ألفونس الثامن) فلم تقبل ذلك أراكة إلا بعد معاركة انتشبت بينها وبين ابنها فأسرت وحجز عليها في دير (سردتها) فماتت فيه بعد أربع سنوات. أريا الرومانية قد اشتهرت بشجاعتها وذلك أن زوجها دخل في مؤامرة ضد الإمبراطور فحكم عليه بأن يقتل نفسه فكلي تشجعه أخذت خنجرا وطعنت به نفسها، ثم ناولته إياه وقالت: خذه فإنه لا يؤلم ففعل مثلها وماتا معا. أرسلان خاتون هي خديجة ابنة داود أخي السلطان (طغرلبك) السلجوقي تزوجها الخليفة القائم بأمر الله العباسي سنة 448 هجرية، ثم لما وقعت الوحشية بينهما أخذها (طغرلبك) بصحبته إلى الري سنة 455 هجري) ثم أعيدت إلى بغداد سنة 459 هجري واستقبلها الوزير فخر الدولة بن جهير على بعد فرسخ. وهي التي دعتها امرأة السلطان ملك شاه في تزويج بابنتها بالخليفة المقتدي من غير اشتراط المهر لأنها كانت تعززت واشترطت حمل مهرها أربعمائة ألف دينار، فأشارت عليها أرسن خاتون بان تزوجها بدون اشتراط مهر فوثقت بكلامها، وفعلت ما أرادت وكانت المترجمة من النساء الكريمات الخيرات محبة للعلماء ولها جملة أوقاف على محلات خيرية مثل جوامع وتكايا وبيمارستانات ومدارس وخلافها في بغداد وغيرها من الممالك الإسلامية. أرسولا العذراء. هي من الكنسية الرومانية الكاثوليكية قيل: إنها ابنة أمير مسيحي من بريطانيا، وقد اختلفوا في تاريخ استشهادها فقيل: سنة 237 بعد الميلاد. وقيل: سنة 383 م. وقيل: 541 م. وسبب ذلك قيل: إن أميرا طلب أن يتزوجها فأجابته في الظاهر خوفا على بيت أبيها من شره، لكنها اشترطت أن يعطيها فرصة ثلاث سنوات وإحدى عشرة سفينة وعشر رفيقات من بنات الأشراف، ولها ولكل واحدة منهن 1000 عذراء فلما أعطيت ذلك أخذت تدرس معهن فن سلك البحار، ولما دنا وقت زفافها تضرعن إلى الله فأرسل فجأة عاصفة قذفت سفنها إلى مصب نهر (الرين) ومن هناك إلى (بازل) فتركن السفن ومضين ماشيات إلى رومية وبينما هن راجعات صادفن في (كولونيا) جيشا من الهوتيين، فلما رآهن أمير الجيش دعاهن إليه فلما حضرن أعجبته (أرسولا) فطلب أن يقترن بها فأبت عليه، فأمر بقتلهن جميعا وتركوهن وانصرفوا، فوارى أهل (كولونيا) أشلاءهن في التراب وأقيم لتذكارهن بعد ذلك معبد مخصوص إلى الآن يوجد في ذلك المعبد مجموع عظام يقال: إنها عظام (أرسولا) ورفيقاتها وجعل (لأرسولا) عيد في 21 تشرين الأول (أكتوبر) من كل سنة. أرسينوي ابنة بطليموس الأول ملك مصر تزوجت ب(ليسيماخوس) ملك تراقة بعد أن طلق امرأته لأجلها فحاولت (أرسينوي) أن يكون الملك لولدها بعده فسعت بقتل (أغاتوكليس) ابن زوجها، وهربت امرأته بأولادها إلى سوريا ملتجئة إلى (سلوقس)، وطلبت إليه أن يأخذ بثأرها فنشأت عند ذلك حرب بين ملك تراقة وملك سورية قتل بها (ليسيماخوس) سنة 281 قبلا لميلاد فمضت (أرسينوي) إلى (كسندريه) من مدن (مكدونية) وبقيت هي وأولادها مدة تحت ظل الأمان. فلما قتل (بطليموس) (سيروتوس سلوقس) واستولى على (مكدونية) سنة 280 ق.م طمعا في الزواج ب (أرسينوي) ليقتل أولاد (ليسيماخوس). فلما أجابته إلى الزواج واستولى على كسندرية قتل الأولاد بين يدي أمهم فهربت هي إلى تراقة ومنها إلى مصر فقبلها (بطليموس فلاذ) بالإكرام ثم تزوج بها. أرسينوي ابنة بطليموس أقلية وأخت كليوباترا الشهيرة أقامها الإسكندريون ملكة بعد أن أسر القيصر أخاها (بطليموس دنيسبيوس) سنة 47 قبل الميلاد، ثم وقعت هي أيضا في قبضة القيصر المذكور سنة 46 ق.م فأرسلها إلى رومية افتخارا بأسرها غير أن حسن سلوكها مال بالرومانيين إليها فأرجعت إلى مصر، ولما هربت من وجه أختها (كليوباترا) إلى هيكل (ديانا) أخرجها منه (أنطونيوس) بأمر (كيلوباترا) وقتلها في سنة 41 قبل الميلاد. أرسينوي ابنة بطليموس أقرجيه تزوج بها أخوها (فيلوباتر) ورافقته في حربه مع (أنطيوخوس الكبير) سنة 217 قبل الميلاد، وبعد سنين قليلة قتلها (فيلمون) أحد خواص امللك فنهض أصحابها وقتلوه بثأرها مع كل عائلته، و(أرسينوي) هذه هي أم (بطليموس أبيفانوس فيلوباتر) قد اشتهرت بحسن سياستها وخبرتها بالأحكام وخصوصا في الفنون الحربية، ولذلك كان زوجها دائما يرافقها ف غزواته، وقد انتصر على أعدائه جملة مرارا وكل ذلك بآرائها الصائبة. أريانو ابنة منيوس ملك أكريت هي ابنة (منيوس) من زوجته (باسيفا) قال: (أوميروس) أحبت (تيسيوس) لما أتى (أكريت) لمقابلة (فيوتود) مع الأتيينين الذين أتوا ليقدموا له الجزية وأعطته ربطة من الخيطان استعان بها على الخروج من البربي التي دخلها لقتل (مينوثور) فعرض عليها (تيسيوس) أن يتزوجها مقابلة لها على صنيعها فأجابته (أريانو) إلى ذلك وسافرت معه إلا أنهما لما وصلا إلى جزيرة (نكسوس) تركها (تيسيوس) ورجع إلى بلاده قائلا: (إن التي لم يكن لها خير في وطنها وأهله لم يكن لها خير في غيره) وبقيت هناك إلى أن ماتت جوعا. أريانو ابنة لاون ملك اليونان تزوجت (زينون) الذي جلس على تخت الملك سنة 474 للميلاد وساءها ما بدا من فواحش زوجها وخطئه ويقال: إنها دفنته في الأرض حيا وهو سكران، وتزوجت (أنسطاس) وأجلسته على تخت الملك بدلا عنه، وكانت وفاتها سنة 515 للميلاد ولها جملة مآثر في مملكتها. أزدوجا خاتون زوجة السلطان أوزبك اسمها (أردوجا) (بضم الهمزة وإسكان الراء، وضم الدال المهملة، وجيم وألف) وأورد: بلسانهم المحلة، وسميت بذلك لولادتها في المحلة، وهي ابنة الأمير الكبير (عيسى) بيك أمير الألوس (بضم الهمزة واللام) ومعناه أمير الأمراء. قال ابن بطوطة في (رحلته): لما مررت بتلك البلاد وزرت السلطان أوزبك وامرأته ووزراءه وكان ذلك الأمير حيا وهو متزوج ببنت السكان (آيت كججك) وابنة (أردوجا خاتون) من أفضل الخواتين وألطفهن شمائل، وأشفقهن وهي التي بعثت إلي لما رأت بيتي على التل عند جوار المحلة، ولما دخلنا عليها رأينا من حسن خلقها وكرم نفسها ما لا مزيد عليه وأمرت بالطعام فأكلنا بين يديها ودعت بالشراب فشرب أصحابنا وسألت عن حالنا فأجبناها، وانصرفنا من عندها ونحن شاكرون معروفها. ولها مآثر وخيرات دارة على مساجد وتكايا ومدارس في بلادها وكانت مقربة عند السلطان لتقرب أبيها منه ومسموعة الكلمة عنده. أورجا ملكة كيلوكرى في بلاد طوالس هذه الملكة بنت ملك (طوالس) وهي بلاد واسعة مجاورة لبلاد الصين كان أبوها يفتح الفتوحات ويضع فيه من يشاء من أولاده، ولما فتح (كيلوكرى) وضع ابنته (أورجا) لعلمها بالسياسة وشجاعتها بالحرب وإقدامها على الأهوال. قال ابن بطوطة في (رحلته): (لما وصلنا إلى (كيلوكرى) ورسينا بميناها استدعت هذه الملكة الناخورة (أي القبودان) صاحب المركب والكواني - وهو الكاتب - والتجار على عادتها، ورغب الناخرة مني أن أحضر معهم فأبيت الذهاب. فلما حضروا عندها قالت لهم: هل بقي أحد منكم لم يحضر فقال لها الناخورة: لم يبق إلا رجل واحد بخشي وهو القاضي بلسانهم (وبخشي بفتح الباء الموحدة وسكون الخاء وكسر الشين المعجمتين) وهو لا يأكل طعامكم فقالت: ادعوه، فجاء جنادرتها وأصحاب الناخورة فقالوا: أجب الملكة. فأتيتها وهي بمجلسها الأعظم وبين يديها نسوة بأيديهن الأزمة يعرضن ذلك عليها، وحولها النساء القواعد وهن وزيراتها، وقد جلسن تحت السرير على كراسي الصندل وعليه صفائح الذهب، وبالمجلس مساطب خشب منقوش، عليها (أوان) ذهب كثيرة من كبار وصغار كالخوابي والقلال واليواقيل، أخبرني الناخورة أنها مملوءة بشراب مصنوع من السكر مخلوط بالأفاويه يشربونه بعد الطعام وأنه عطر الرائحة حلو الطعم يفرح ويطيب النكهة، ويهضم. لما سلمت على الملكة قالت لي بالتركية: - ما معناه -: كيف حالك، كيف أنت؟ وأجلستني بالقرب منها، وكانت تحسن الكتابة بالعربية فقالت لبعض خدمها: آتني دواة وقرطاسا فأتى بذلك، فكتبت: بسم الله الرحمن الرحيم فقالت: ما هذا؟ فقلت لها: تنضري تنكري نام (وتنضري بفتح التاء الفوقية وسكون النون وفتح الضاد وراء وياء) ونام (بنون وألف وميم) ومعنى ذلك اسم الله فقالت: جيد، ثم سألتني من أي البلاد قدمت فقلت لها: من بلاد الهند. فقالت: بلاد الفلفل؟ فقتل: نعم، فسألتني عن تلك البلاد وأخبارها، فأجبتها. فقالت: لا بد أن أغزوها وآخذها لنفس فإني يعجبني كثرة مالها وعساكرها. فقلت لها: افعلي، وأمرت لي بأثواب وحمل فيلين من الأرز وبجاموسين، وعشرين من الضأن، وأربعة أرطال جلاب، وأربعة مرطبانات وهي ضخمة مملوءة بالزنجبيل والفلفل والليمون والضبا، وكل ذلك مملوح مما يعد للبحر. وأخبرني الناخورة أن هذه الملكة لها في عسكرها نسوة وخدم وجوار يقاتلن كالرجال وأنها تخرج في عساكر من رجال ونساء فتغير على عدوها وتشاهد القتال، وتبارز الأبطال. وأخبرني أنه وقع بينها وبين أعدائها قتال شديد، وقتل كثير من عسكرها وكادوا ينهزمون فدفعت بنفسها وخرجت الجيوش حتى وصلت إلى الملك الذي كانت تقاتله فطعنته طعنة كان فيها حتفه وانهزم عسكره، وجاءت برأسه على رمح فافتكه أهله منها بمال كثير فلما عادت إلى أبيها ملكها تلك المدينة التي كانت بيد أخيها. وأخبرني أن أبناء الملوك يخطبونها فتقول: لا أتزوج إلا من يبارزني فيغلبني فيحتشمون مبارزتها خوفة المعرة أن تغلبهم. ولهذه الملكة غارات ووقائع غريبة مع ملوك الهند ومولك الصين من المسلمين وعبدة الأوثان وما زالت مالكة تلك البلاد مدة من الزمان حتى توفي والدها وإخوتها جميعا وملكت سائر ملك أبيها وأخيرا قتلت بفراشها بدسيسة أحد ملوك الصين وانقرض ملكها بموتها. أربلاي المؤلفة مدام (دو أربلاي) مؤلفة إنكليزية ولدت سنة 1752 م، توفيت سنة 1840 م، وكانت في حداثتها قليلة الكلام جبانة، لكنها لما كبرت هذب العلم أخلاقها فكتبت سنة 1778 م قصة تشهد ببراعتها وطول باعها في هذا الفن، ثم كتبت عدة روايات غيرها واتخذتها الملكة لخدمتها الخصوصية. وبعد أن خدمت 5 سنوات ألحأها ضعف جسمها إلى الاستعفاء، واقترنت سنة 1793 م برجل فرنسي واستمرت على التأليف حتى إن مؤلفاتها زادت جدا وبقيت بعدها ميراثا لورثتها حتى أغنتهم غنى فائق الحد وطبعت جميع مؤلفاتها وانتشرت في جميع أنحاء العالم الغربي. أرتمسيا ملكة هاليكرناسوس من كاريا هذه الملكة كانت من ذوي الحكمة والدراية بالأمور الحربية والسياسية، وكان قورش ملك فارس لما هاجم بلاد اليونان اشتركت معه لكونها كانت خاضعة له، وأخذت معها أسطولا مؤلفا من خمس سفن. واشتهرت بما كان منها من البسالة والحكمة في معركة (سلاميس) التي انتشبت سنة 480 قبل الميلاد، وذكر في رواية مشكوك في صحتها أنها شغفت بحب شاب من (أبيذوس) اسمه (وردانوس) إلا أنه لم يشاركها في حبها فسلمت عينيه لكنها ندمت فيما بعد على قساوتها، واستشارت المعبودات فيما يجب أن تفعل كفارة عن ذنبها فقالت لها: من الواجب أن تطرح نفسها في البحر عن منحر جزيرة (لوكاريا) ففعلت ذلك وماتت غريقة. أرجون جارية أبي العباس الذخيرة وهو محمد بن القائم (بأمر الله) العباسي بسببها بقيت الخلافة في ولد القائم لأنه لم يكن له سوى أبي العباس هذا، وتوفي في حياة أبيه ولم يعقب فحزن القائم في أواخر أيامه حزنا لا مزيد عليه، وانقطع أمل الناس من خلافة عبقه وظنوا أن دولة البيت القادري قد انقرضت، وكان أبو العباس يختلف إلى هذه الجارية فاتفق أنها حملت منه، فلما رأى الناس هذه الحالة، وما ألم بالقائم من الهم والحزن أعلنت حملها فتعلقت آمال الناس بها وتوجهت الأفكار إليها، ثم إنها ولدت بعد وفاة مولاها بستة أشهر غلاما ففرح القائم فرحا مفرطا، وفرح الناس لبقاء الخلافة في بيته، وهذا هو الذي لقب بالمقتدر، وكان من أمره ما جاء في تاريخه وأرجو أن هذه أم ولد أرمنية تدعى قرة العين وأدركت خلافة ابنه المستظهر بالله وخلافة ابن ابنه المسترشد بالله. أروى ابنة عبد المطلب أروى ابنة عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكرها أبو جعفر في الصحابة وذكر أيضا أختها عاتكة ابنة عبد المطلب قال محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي لما أسلم طليب بن عمير دخل على أمه أروى بنت عبد المطلب فقال لها: قد أسلمت وتبعت محمدا أو تتبعينه فقد أسلم أخوك حمزة. قالت: انظر ما تصنع إخوتي ثم أكون مثلهن. قال: فقلت: إني أسألك بالله ألا أتيته وسلمت عليه وصدقته، وشهدت أن لا إله إلا الله. فقالت: فإني أشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم كانت بعد تعد النبي لصلى الله عليه وسلم وتتبعينه بلسانها وتحض ابنها على نصرته والقيام بأمره وكانت من الشاعرات الأديبات والمتكلمات في العرب. ومن قولها ترثي والدها عبد المطلب مع باقي أخواتها حين طلب منهن ذلك قبل موته ليعلم قوتهن في الرثاء: بكت عيني وحق لها البـكـاء على سمح سجيته الـحـياء على سهل الخليفة أبطـحـي كريم الخيم شيمته الـعـلاء على الفياض شيبة ذي المعالي أبيك الخير ليس له كـفـاء طويل الباع أملس شيظـمـي أغر كان غـرتـه ضـياء أقب الكشح أروع ذو فضـول له المجد المقدم والـثـنـاء أبي الضيم أبلـج هـبـرزي قديم المجد ليس له خـفـاء ومعقل مالك وربـيع فـهـر وفيصلها إذا التمس القضاء وكان هو الفتى كرما وجـودا وبأسا حين تنسكب الـدمـاء إذا هاب الكماة الموت حتـى كأن قلوب أكثرهـم هـواء مضى قدما بذي رأي مصيب عليه حين تبصره البـهـاء وقد أسنت وماتت في خلافة عمر بن الخطاب ودفنت بما يليق بها من الإكرام. أروى ابنة الحارث بن عبد المطلب بن هاشم كانت فريدة زمانها وبليغة عصرها وأوانها إذا خطبت أعجزت، وإن تكلمت أوجزت، ولا غرو ابنة البلاغة ومعدن الفصاحة والحصافة. قيل: إنها وفدت على معاوية بن أبي سفيان لما ولي الخلافة وكانت عجوزا كبيرة فلما رآها معاوية قال: مرحبا بك وأهلا يا خالة فكيف كنت بعدنا فقالت: يا ابن أخي، لقد كفرت يد النعمة، وأسأت لابن عمك الصحبة وتسميت بغير اسمك، وأخذت غير حقك من غير دين كان منك ولا من آبائك، ولا سابقة في الإسلام بعد أن كفرتم برسول الله صلى الله عليه وسلم فأتعس الله منكم الجدود، وأضرع منكم الخدود، ورد الحق إلى أهله ولو كره المشركون، وكانت كلمتنا هي العليا ونبينا صلى الله عليه وسلم هو المنصور فوليتم علينا من بعده وتحتجون بقرابتكم من رسولا لله ونحن أقرب إليه منكم وأولى بهذا الأمر فكنا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون، وكان علي بن أبي طالب رحمه الله بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى فغايتنا الجنة وغايتكم النار، فقال لها عمرو بن العاص: كفى أيتها العجوز الضالة وأقصري عن قولك مع ذهاب عقلك إذ لا تجوز شهادتك وحدك. فقالت له: وأنت يا ابن الباغية، تتكلم وأمك كانت أشهر امرأة بغي بمكة وآخذهن للأجرة ادعاك خمسة نفر من قريش فسئلت أمك عنهم فقالت: كلهم أتاني فانظروا أشبههم به فألحقوه به فغلب عليك شبه العاص بن وائل فلحقت به. فقال مروان: كفى أيتها العجوز وأقصري لما جئت له. فقالت له: وأنت أيضا يا ابن الزرقاء تتكلم، ثم التفتت إلى معاوية فقالت: والله ما جرأ علي هؤلاء غيرك فإن أمك القائلة في قتل حمزة: نحن جـزينـاكـم بـيوم بـدر والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان لي عن عتبة من صبـر وشكر وحشي علـي دهـري =حتى ترم أعظمي في قبري فأجابتها ابنة عمي وهي تقول: خزيت في بدر وبعد بدر يا ابنة جبار عظيم الكفر فقال معاوية: عفا الله عما سلف يا خالة هات حاجتك. فقالت: ما لي إليك حاجة، وخرجت عنه. وبعد خروجها التفت معاوية إلى أصحابه وقال لهم: والله لئن كلمها كل من في مجلسي لأجابت كل واحد منهم بجواب خلاف الآخر بدون توقف. وهكذا فإن نساء بني هاشم أصعب في الكلام من رجال غيرهن وأمر لها بجائزة تليق بمقامها، وبقيت مكرمة بين قومها إلى أن توفيت بالمدينة بخلافة معاوية. أروى ابنة كريز بن عبد شمس كذا نسبها ابن منده وأبو نعيم والصواب ابنة كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس وهي أم عثمان بن عفان وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم ماتت في خلافة عثمان، وكانت عاقلة ورعة لها صحبة بالنبي صلى الله عليه وسلم وروت عنه الحديث وحدثت أناسا كثيرين. أزرميدخت ابنة أبرويز كانت من أجمل النساء وجهاً وأحسنهن ذكاء، وأوفرهن عقلا، وأليقهن فعلا ولتعلق الفرس بمحبتها ورغبتهم في علو همتها ملكوها عليهم بعد قتل (خشينده) من بني عم (أبرويز) والدها الأبعدين، وكان عظيم الفرس يومئذ: (هرمز أصبهبد) خراسان فأرسل إليها يخطبها فقالت: إن التزوج للملكة غير جائز وغرضك قضاء حاجتك مني فسر إلي وقت كذا ففعل وسار إليها تلك الليلة فتقدمت إلى صاحب حرسها أن يقتله فقتله وطرح في رحبة دار المملكة، فلما أصبحوا رأوه قتيلا فغيبوه. وكان ابنه رستم وهو الذي قاتل المسلمين بالقادسية خليفة أبيه بخراسان فسار إليها في عسكر حتى نزل بالمدائن وحاصرها حتى ضاقت به ذرعا فطلب أهلها منه الأمان فأمنهم بشرط تسليم الملكة إليه فقبلوه منه ذلك ودخل المدينة وألقى القبض على (أزرميدخت) وسمل عينيها وقتلها. وقيل: بل سملت نفسها وكانت مدة ملكها ستة عشر شهرا. أسباسيا زوجة بركليس كانت من أشهر نساء اليونان حسنا وجمالا وعقلا، وفصاحة، وبلاغة، وأدبا، وفطنة، وخطابا لها اليد الطولى على جميع نساء عصرها بموفقتها لزوجها حتى إنها كانت تسير معه أين سار، وتشاركه في كل أعماله العقلية والفعلية، والأتعاب الرياضية وميادين النزال، وتعمل أعمالا يعجز عنها أقوى الرجال حتى أنها اكتسبت بذلك شجاعة وشهرة لم يسبقها عليها أحد من نساء اليونان، وتقاطرت على بابها العلماء والشعراء والفلاسفة والرياضيون والبلغاء، وكان ناديها أحسن ناد جمع فيه العلم والأدب، ولذلك وصفتها المؤلفة الشهيرة مدام (أون) في كتابها المشتمل على سير أبطال النساء عند ترجمتها إذ قالت: إن بيتها أعظم بيت من بيوت عظماء اللاتينيين فلذلك لو نظرت إلى جدرانه تجدها مرصعة بتماثيل الرجال العظام، وأمام بابه رواق رفيع العماد وعلى الباب أسجاف الأرجوان، وبجانبه أفاريز من المرمر الأصفر وكوى البيت مشكبة كلها بقضبان النحاس على أشكال وضروب شتى، وأرضه مغطاة بالفسيفساء البديعة الأشكال، وعليها أرائك من القرمز والأرجوان، أهدابها مطرزة بالذهب، وفي البيت مكتبة من الخشب الثمين مملوءة بالدروج من الرق والحلفاء فلو نظر القارئ في الصباح إلى هذا البيت يرى (أسباسيا) قد نزلت من غرفتها على درج من المرمر الأبيض ومشت فيا لصحن، وخرجت إلى الرواق الجنوبي الذي يطل على بستان البيت لتستنشق نسيم الصباح مضمخا بأريج الأزهار والرياحين، وخرج (بركليس) وهو ماش بجانبها وتجاذبا أطراف الحديث في السياسة والفلسفة وهي طويلة القامة ممشوقة القد جعدة الشعر شقراؤه، نجلاء العينين حوراؤهما، شماء الأنف صغيرة الأذنين، حمراء الوجنتين والشفتين. تفتر عن لؤلؤ رطب وعـن بـرد وعن أقاح وعن طلع وعن حبب لابسة رداء أبيض على ردنيه أبازيم من الذهب وفوقه رداء قصير من الأرجوان بل أردان أذياله مطرزة بالذهب وعلى كتفيها رداء ثالث مسدول عليهما سدلا، والنسيم يبعث به في ذهابها وإيابها فتخالها ملكا ناشرا جناحيه للطيران وفي أصابعها خواتم الذهب مرصعة بالحجارة الكريمة ولم تكن (أسباسيا) من ربات الغنج والدلال اللواتي يباهين بالحلي والحلل، بل من أهل الحجة المربين مع الفلاسفة والحكماء، وكان بيتها هذا ناديا تتقاطر إليه الفلاسفة ورجال السياسة كسقراط وأفلاطون وغيرهما فتباحثهم في أسماء المواضيع الفلسفية والسياسية حتى إذا كل عصب الدماغ منها ومنهم أدارت أزمة الحديث إلى الفكاهات واللطائف تديرها عليهم صرفا فتسكرهم بعذوبة كلامها كما أسكرتهم بسمو معانيها، وكان سقراط الحكيم يعترف بفضلها عليه ويشهد بأنها هذبت أخلاقه وكملت معارفه و(بركليس) زوجها كان ينسب إليها كل شهرته في الخطابة وقال: إنه تعلم منها البلاغة والسياسة. وكان نساء أثينا يترددن على بيتها أيضا ويتعلمن منها التهذيب واللباقة، وكانت الفنون الجميلة كالتصوير والبناء والنقش في أوج مجدها فعضدتها (أسباسيا) بيمينها وسعت جهدها في رفع شأن ذويها ولم تكن هذه الفاضلة من الأثينيات، ولذلك لم تحسب زوجة شرعية ل(بركليس) لأن شريعة أثينا كانت تحرم على الأثينيين اتخاذ الزوجات من الأجانب إلا أن جمالها المفرط وسمو عقلها وغزارة معارفها، وكثرة فضائلها ألجمت ألسن الناس عن الطعن عليها زمانا طويلا، والحسد - وقاك الله منه - عدو وألد لا يبهره الجمال، ولا تتغلب عليه الفضائل فنفخ في آذان بعض ذويه فقاموا عليها واتهموها باحتقار الأثينيات وبلغت القحة منهم حتى طعنوا في عرضها واتهموا معها (آتكفوراس) الفيلسوف (وفيدياس) النقاش فقتلوا أحدهما ونفوا الآخر نفيا مؤبدا وحامى (بركليس) عنهما بكل جهده فلم يستطع إنقاذهما. ولما وصل الدور إلى (أسباسيا) صار كله ألسنة وبلاغة فدافع عنها في مجمع (أرنوس باغوس)، وكان من أفصح أهل زمانه لسانا، وأثبتهم جنانا، وأقواهم حجة، ولما عجز لسانه عن أقوال إربه دافع عنه بدموع عينيه حتى قيل: إنه أنقذها من الموت بالدمع ولم يكن من ضعاف العزائم الذين تفيض دموعهم عند أخف النكبات ولا كان من المتعلقين بحبال الهوى المنقادين بزمام الشهوات فإنه لما فشا الوباء واختطف ابنته البكر وأخته وكثيرين من أقاربه تحمل هذه النكبة الشديدة بصدر أرحب من البيد، وصبر أغزر من البحر، ولم يسكب عليهم دمعة، ولكنه لما رأى الفضيلة مهانة بإهانة زوجته، والعفة والطهارة مهتوكة أستارها ظلما وعدوانا لم يتمالك عن البكاء، وكذا لما اختطفت أيدي المنون ابنته الصغرى وحمل إكليل الفرهر ليكلل به جبينه غلبت عليه الشفقة واقترن بها (بركليس) بعد أن هجر زوجته الأولى، وانقاد إليها الانقياد حتى قال (أرستوفاينس): إنها هي التي حملته على إثارة حرب (ساموس) و(بلويومتبسوس) ولكن (فلوطرخس) المؤرخ الثقة نفى عنها هذه التهمة وتوفي (بركليس) بالطاعون فتزوجت (أسباسيا) بعده رجلا من التجار فصار بسببها من مشاهير أثينا وخطبائها. إستير ستنهوب ابنة كارلوس الثالث في عائلة ستنهوب امرأة إنكليزية شريفة ذات أطوار غريبة ولدت في لندن في 12 آذار (مارس) سنة 1776 م، وتوفيت في جون التابعة إقليم الخروب من جبل لبنان في 23 حزيران (جونيو) سنة 1839 م، وكانت أكبر أولاد (كارلوس الثالث أرلات ستنهوب) من زوجته (إستير) ابنة (إرل تشتام) دخلت في السنة العشرين من عمرها بيت عمها (وليم بت) فكان يعتمد عليها ويكاشفها أسراره، واستمرت عنده إلى أن مات سنة 1806 م، وقبل وفاته أوصى بها الأمة الإنكليزية فيعن لها مرتب سنوي قدره 200 ليرة إنكليزية غير أن المبلغ لم يكف لسد المصاريف التي كان يقتضيها مركزها وبذخها فانفردت في (والسن) ثم تركتها وطافت أوروبا وكانت حينئذ فتية نضرة جميلة غنية، فقوبلت في البلدان التي زارتها بالتكريم والتعظيم اللذين تقتضيهما صفاتها إلا أنها أبت الزواج مع أن خاطبيها كانوا من أهالي الرفعة والشأن وبعد أن زارت أكبر عواصم أوروبا لاح لها أنها تحصل في الشرق على مركز عظيم فسارت إلى القسطنطينية، وأقامت فيها بضع سنين واختلف الناس ي سبب خروجها من بلادها فذهب بعضهم إلى أنه حملها على ذلك حزنها على جنرال إنكليزي شاب قتل في إسبانيا وكانت تحبه فأثر فيها موته تأثيرا شديدا حتى لم تطب لها الإقامة بعده في إنكلترا، وذهب آخرون إلى أن الذي حملها على ذلك إنما هو ميلها إلى القيام بعظائم الأمور وحب الشهرة. ثم خرجت من القسطنطينية قاصدة سورية سنة 1810 م في سفينة إنكليزية كان فيها قسم كبير من ثروتها وأنواع كثيرة مختلفة من الحي والتحف، فلما وصلت السفينة إلى الجون (مكري) تجاه جزيرة (رودس) صدمت صخرا فتحطمت على مسافة بعض أميال من الساحل، وغرت أمتعة (إستير ستنهوب) وأموالها ولم تنج هي من الموت إلا بعد عناء شديد فحملت على لوح السفينة إلى جزيرة صغيرة قفرة فقامت فيها 24 ساعة لم تذق طعاما ولم يكن لها منقذ ولا مجير إلا أن جماعة من صيادي (مرموريزا) وجدوها في تلك الجزيرة في أثناء تفتيشهم على بقايا السفينة، فساروا بها إلى (رودس) وهناك أخبرت قنصل إنكلترا فجمعت ما بقي لها من المتاع وباعت قسما من أملاكها، بأبخس الأثمان وركبت سفينة ملأتها تحفا نفيسة وهدايا ثمينة للبلدان التي عزمت على السياحة فيها لم يصادفها في مسيرها نوء. وأتت اللاذقية فأقامت هناك، وتعلمت اللغة العربية وعرفت عادات الأهالي وطباعهم، وجهزت قافلة كبيرة، وحملت إلى البدو هدايا نفيسة على ظهور الجمال، وطافت أنحاء سورية كلها، فزارت القدس،ودمشق، وحمص، وبعلبك، وتدمر. ولما وصلت إلى تدمر اجتمع إليها كثيرون من قبائل البدو ومكنوها من الوصول إلى تلك المدينة، وكان عددهم حينئذ من 40 إلى 50 ألفا وكانوا كلهم يتعجبون من جمالها ولطفها، وأبهتها فجعلوها ملكة لتدمر وعاهدوها على أن جميع الإفرنج الذين يحصلون على حمايتها يمكنهم أن يزوروا (بعلبك) وتدمر آمنين على أرواحهم، ولكن بشرط أن يدفع كل منهم ضريبة قدرها ألف قرش، واستمرت تلك المعاهدة مدة طويلة يعمل بها وعند رجوعها من تدمر عزمت قبيلة قوية من البدو عدوة لتدمر التعدي عليها، غير أن أحد حشمها أنبأها في الحال بوقوعها في ذلك الخطر الجسيم فأخذت في السير ليلا، وكان خيلها من أجود الخيل فاجتازت في مدة 24 ساعة مسافة طويلة وبذلك تمكنت هي ومن معها من النجاة وأتت دمشق وأقامت فيها أشهرا عند الوالي العثماني الذي كان الباب العالي قد وصاه بإكرامها وإعزازها وصرفت زمانا طويلا فيا لطواف والجولان في البلاد الشرقية وأذهل الأهالي ما شاهدوه ومن أعمالها وغناها فكانوا يعاملونها كملكة، وكانت هي تحاول بحذاقتها أن تضاهي (زينوبيا) ملكة الشرق في أعمالها وسنة 1813 م. استوطنت دير القديس إلياس المهجور الواقع في جوار قرينه على مسافة ساعة من صيدا، فبنت هناك عدة بيوت محاطة بسور أشبه بالأسوار التي كانت تبنى في القرون المتوسطة، وأنشأت هناك بستانا على نسق البساتين التركية فغرست فيه الأزهار والأشجار والفاكهة وكروما، وأقامت كشوكا مزينة بالنقوش والصور العربية، وجعلت للماء قنوات من الرخام وكانت تنبعث من نافورات وسط بلاط من الرخام مزين بأنواع النقوش أيضا، وكانت أشجار البرتقال والين والأترج الملتفة تزيد ذلك البستان جمالا ونزهة ولم يمكث ذلك الدير حتى صار حصنا وملجأ يلتجئ إليه المظلومون فتجيرهم، فبقيت هناك عدة سنين في أبهة شرقية محاطة بتراجمة سوريين وأوربيين وحاشية كبيرة من النساء، وجماعة من العبيد السود وكانت تلبس لبس أمير وتتقلد السلاح وتدخن وكان لها علائق حبية وسياسية مع الباب العالي، وعبد الله باش، والأمير بشير الشهابي حاكم لبنان، والشيخ بشير جان بلاد ومشايخ البدو في براري سورية وبغداد. ثم اتخذت لها مسكنا في بيت أخذته من رجل دمشقي مسيحي غني واقع على مرتفع يعرف بظرف جون نسبة إلى قرية (جون) التابعة لمديرية إقليم الخروب من جبل لبنان على مسافة 8 أميال من صيدا، ووسعت دائرة ذلك البيت، وأقامت حوله جنينة وسورا وبقيت فيه إلى أن توفيت، ثم أخذت ثروتها العظيمة تتناقص لعدم انتظام مصالحها التي لم يكن من يحسن القيام عليها في غيابها فبلغ دخلها السنوي 130 و40 ألف فرنك وكان مع ذلك غير كاف لسد المصاريف التي تقتضيها حالتها، غير أنه مات بعض الذين صحبوها من الإفرنج وتركها البعض الآخر وخمدت محبة الأهالي لها لأن توافدها كان موقوفا على مواساتهم بالهدايا والعطايا فأمست منفردة وقلت علائقها مع الناس، ولكن ظهر منها في هذه الأحوال ما يدهش الخواطر ويحيرا لعقول لأنها صبرت وتجلدت ولم يخطر لها البتة أن ترجع عن الأعمال التي أقبلت عليها، ولم تتأسف على ما فات ولا على العالم أجمع ولم يحزنها ترك خلانها وثروتها وميليها إلى الشيخوخة فأقامت وحدها من غير كتب ولا جرائد ولا رسائل من أوروبا ولم يكن عندها صديق يؤانسها ولا سمير يجالسها، بل بقي لها فقط جماعة من الجواري السود وعبيد سود صغار السن، وبضعة فلاحين سوريين يعتنون بشأنها وخيلها، ويسهرون عليها من الطوارق. وقد تحققت أن ما امتازت به من الصبر والعزم والحزم لم يكن ناشئا عن طباعها فقط، بل عن مبادئها الدينية المؤذنة بالشطط وكان في تلك المبادئ ما يدل على أنها جمعت بين الحقائق وعوائد شرقية خرافية ولاسيما غرائب فن التنجيم وعجائبه وقصارى الكلام أنها حصلت بأعمالها على شهرة عظيمة في الشرق وزهدت أوروبا كلها وكان الأهالي عموما يسمونها بالست الإنكليزية. وأما الإفرنج فتعرف عندهم ب (لاري ستنهوب). ولما عزم إبراهيم باشا على فتح سورية سنة 1833 م اضطره الأمر إلى أن طلب إليها أن تكون على الحيادة، ويقال: إن بعد حصار عكا في السنة نفسها آوت مئين من الفارين وكانت تتعاطى فن التنجيم وغيره من الفنون السرية، واستمسكت ببعض عقائد دينية مستغربة فلم تعدل عنها حتى مماتها، ومما يدل على أن عقلها لم يخل من الاختلال في بعض الأمور أنها ربت حجرتين في إسطبل لتركب المسيح واحدة منها عند مجيئه إلى الأرض وتركب هي الأخرى مرافقة له إلى القدس، وفي السنين الأخيرة من حياتها كان قد بلغ أهلها في إنكلترا ما كان من أمرها، وإسرافها فقطعوا عنها الإمدادات المالية فتراكمت عليها الديون التي كانت تقترضها من الأهالي بسعي رجل يعرف باللقمجي فتوفيت ولم تقدر على وفائها، وهكذا الذين كانوا يحسبون أن في القرب منها ربحا لهم آل الأمر إلى خسارتهم. ويقال: إن مضايقاتها المالية مما كان بينها وبين الأمير بشير الشهابي من الاختلاف والضغينة، وقد سبب ذلك فيها من الخوف الذي أوقعها في مرض عضال قضت به نحبها ولم يكن عندها حال وفاتها أحد من الإفرنج، بل أحاط بها جماعة من خدامها من أهل البلاد فنهبوا بيتها حالما أدركتها المنية وعند وفاتها حضر قنصل الإنكليز من بيروت لأجل دفنها، ودفنت بالبستان المجاور لدارها، وقد روى الأهالي عنها قصصا كثيرة غريبة تكاد أن تكون من الخرافات لا يوثق بها وكتب الدكتور (مريون) الذين بقي عندها بضع سنين طبيبا لها سيرة حياتها بالإنكليزية في ثلاثة مجلدات رواية عنها وقصة أسفارها في ثلاثة مجلدات طبعت بالإنكليزية بعد وفاتها بمدة قصيرة. وقد زارها كثير من السياح الأوروبيين ومن جملتهم (دو لامرتين) الشاعر الفرنساوي المشهور فإنه لما كان في سورية سنة 1832 م يطوف في نواحيها ويتفرج على بلدانها ومناظرها رغب في زيارة تلك الخاتون إلا أنه كان في ذلك الوقت من أصعب الأمور على الإفرنج أن يقابلوها ولاسيما الإنكليز ومن كانوا من ذوي قرابتها فبعث إليها مع رسول بالرسالة الآتية ترجمتها: سيدتي، من سائح مثلك في الشرق وغريب في هذه الديار جاءها ليتأمل في مناظر الطبيعة وآثارها وأعمال الله فيها، وقد وصل إلى سورية منذ مدة مع عائلته وهو يحسب يوما يتمكن فيه من مقابلة امرأة هي نفسها من عجائب الشرق الذي جاءه زائرا من أجمل سياحته وألذها، فإذا شئت أن تقابليني فاذكري لي اليوم الملائم لذلك وقولي لي أينبغي أن أتوجه وحدي أو يمكنني أن أسير إليك بجماعة من خلاني يرغبون مثلي كل الرغبة في التشرف بمقابلتك، وأرجو يا سيدتي أن لا يكون هذا الطلب سببا لتكلفك ما يزعجك في عزلتك فإنني أعرف من نفسي قيمة الحرية ومحاسن الانفراد ولذلك لا يسوءني البتة رفضك مقابلتي، بل أتلقى ذلك بالتوقير والاحترام إلى آخره. وفي 30 أيلول (سبتمبر) من السنة نفسها سار إليه طبيبها ودعاه إلى جون فذهب مع الدكتور (ليوزدي) والموسيو (يرسيقال) ولما وصلوا نزل كل منهم في غرفة ضيقة لا نوافذ لها ولا أثاث فيها ولم يتمكنوا من مقابلتها حال وصولهم لأنها لم تكن تقابل الناس قبل ساعة الثالثة بعد الظهر، فلما حان الوقت أتاه غلام أسود وأدخله غرفتها قال: وكان الظلام قد أسبل عليها ذيله فلم أتمكن بسهولة من أن أتبين هيئتها اللطيفة المؤذنة بالهيبة والجلال وذلك الوجه الأبيض الصبيح، فنهضت وهي في زي الشرقيين، ودنت مني، ومدت إلى يدها مسلمة علي فأمعنت بها بالنظر، وإذا فيها من لطف المعاني ما لا تستطيع السنون محوه. نعم، إن نضارة الوجه واللون والرونق تمضي مع الفتوة إلا أنه متى كان الجمال في القد وهيئة الوجه مع العظمة والجلال، وطرأ عليه تقلبات باختلاف أزمان الحياة لا يزول تماما، وهذا كله على (لاري ستنهوب) وكان على رأسها عمامة بيضاء وعلى جبهتها عصابة من الكتان أرجوانية اللون طرفاها مرسلان على كتفيها وعلى بدنها شال من الكشمير الأصفر وفستان تركي كبير من الحرير الأبيض، كماه متدليان وهو مشقوق عند الصدر يظهر من تحته فستان آخر من نسج الفرس تتصاعد منه أزهار تكاد أن تصل إلى عنقها وهي مرتبطة بعضها ببعض بخرز من اللؤلؤ، وكان في رجليها خفان تركيان أصفران وهي تحسن لبس ذلك جميعه كأنها تعودته من صغرها. وبعد السلام قالت لي: قد أتيت من مكان بعيد وكلفت مشاق السفر لترى ناسكة فأهلا بك وإنني قلما يزورني الأجانب فيراني منهم في السنة واحد أو اثنان في الأكثر غير أن مكتوبك أعجبني وودت أن اعرف إنسانا يحبا لله والطبيعة والانفراد، وذلك نفس ما أحبه ولاح أيضا أن يجمعنا متحابين وإننا نتوافق في المشرب ويسرني الآن أني لم أخطئ في ظني وقد توسمت فيك عندما رأيتك أمورا تجعلني أن لا أندم على رغبتي في مشاهدتك، وناهيك أنني لما سمعت وقع قدميك وأنت داخل خالجني نفس تلك الخواطر فاجلس ودعنا نتحدث لأنك قد صرت لي صديقا فقلت لها: يا سيدتي، وكيف تشرفين بهذا اللقب رجلا لا تعرفين اسمه ولا سيرته قالت: نعم إنني لا أعرف حالك قدام الله ولا تحسبني مجنونة كما يسميني العالم في الغالب لأن صدري قد انشرح لك فلا أستطيع أن أخفي عليك شيئا وقد نشأ في الشرق علم ضاع الآن في بلادكم غير أنه لم يزل باقيا إلى الآن في البلاد الشرقية، وقد تعلمته وأتقنته فإنني أرصد الكواكب وأدرك أسرارها فكل منا ولد لنار من تلك النيران المساوية التي تولت أمر ولادتنا وتأثيرها، إما حسن وإما رديء وهو يظهر في عيوننا وجباهنا وهيئتنا وأسارير أيدينا وشكل أرجلنا وحركاتنا ومشيتنا، وبذلك عرفتك حق المعرفة كأننا معا منذ قرن كامل مع أنني لم أرك إلا منذ بضع دقائق. فقلت باسما: مهلا يا سيدتي إنني لا أنكر ما أجهل ولا أثبت ما لا يوجد في الطبيعة المنظورة وغير المنظورة التي تتجاذب فيها الأشياء أو يرتبط بعضها ببعض كائنات كالإنسان دونه الكائنات تحت سلطة كائنات أعظم منها كالكواكب والملائكة إلا أنني أحتاج إلى وحيهم لأعرف نفسي التي هي عبارة عن فساد وسقم وشقاوة. وأما أسار مستقبلي فأحب أن لا أعرفها وعندي أنني أجازف على الله الذي أخفاها عني إذا طلبت إلى مخلوق أن يوضحها لي، فأمر المستقبل بيد الله وإني لا أعتقد إلا فيه، وفي الحرية والفضيلة. قالت: ما لي ولهذا فاعتقد فيما يحلو لك، أما أنا فأرى أنك خلقت تحت سلطة ثلاثة أنجم سعيدة، قادرة، صالحة فاعتقد مثل تلك الصفات وهي تشوقك إلى غاية يمكنني أن أكاشفك بها الآن إذا شئت ذلك وقد أرسلك الله إلي لأنير عقلك وأنت من الرجال الذين حسنت نواياهم وطابت سريرتهم ويستنفذ منك الله بإنقاذ الأعمال العجيبة التي يريد أن يجريها بين الناس وهذا جواب كاف وبعد أن أطالا الجدال في هذا الباب. قالت له: وهل ترى في سياسته ودينه ومعشره كامل الانتظام ولا تشعر بما يشعر به العالم أجمع من أنه لابد من موح وفاة وهو المسيح الذي تنتظره وتطير شوقا إليه فلا ترى أحد موافقا لك في ذلك، وأن العالم أجمع محتاج إلى الإصلاح، وأني أتوقع أكثر من الناس كلهم قدوم مصلح يقوم المسالك ويرشد الناس إلى سواء السبيل فإن كان ذلك المصلح هو ما تسميه مسيحا فهذا أنتظره مثلك، وأرجو أن يظهر بعد أمد وجيز وأطالت الكلام في هذا الباب وقالت لي: اعتقد كما تشاء، أما أنا فعندي أنك رجل من الذين كنت أنتظرهم وقد أرسلتك العناية إلي وسيكون لك دخل كبير في العمل المزمع حدوثه، وسترجع أوروبا إلا أن أوروبا قد مضى زمانها وبقي لفرنسا وحدها أن تقوم بعمل عظيم، ستشترك فيه، ولم أعلم بعد كيف يكون ذلك، ولكنني إن شئت أذكر لك في هذا المساء عندما أستشير أنجمك ولم أعرف إلى الآن أسماءها كلها فقد رأيت منها أكثر من ثلاثة فهي أربعة أو خمسة وربما كانت أكثر ولا شك أن عطارد من جملتها فهو يهب العقل نورا، واللسان طلاقة وطلاوة، وأنت شاعر لا محالة لن في عينيك، والقسم الأعلى من وجهك ما يدل على ذلك إلى أن قالت: فاشكر الله على هذه النعمة لأنه قلما ولد تحت سلطة أكثر من نجم وندر من كان نجمه سعيدا وإذا كان سعيدا فلما يخلو من مفاعيل نجم آخر خبيث يقارنه أما أنت فقد كثرت نجومك وأجمعت كلها على أن تخدمك وهي تتعاون على ذلك فما اسمك؟ فذكرت لها اسمي قالت: هذه أول مرة سمعت به، ثم ذكرت لها ما نظمته من الشعر وأن اسمي مشهور عند أهل العلم في أوروبا إلا أنه لم يتمكن من اجتياز البحور والجبال حتى يصل إلى الشرق قالت: سيان عندي كونك شاكرا أو غير شاعر فإنني أحبك ولي فيك أمل أتحقق أننا سوف نلتقي ثانية فإنك سترجع إلى الغرب، ولكن لا تلبث حتى تعود إلى الشرق فإنه وطنك، قلت: إن لم يكن وطني فهو ميدان أفكاري. قالت: دع عنك المزح فإن وطنك الحقيقي ووطن آبائك وقد تحققت ذلك الآن فانظر إلى رجلك فإنها أشبه برجل رجل عربي، وما زلنا نتحادث حتى دخل عبد أسود فخر على وجهه ساجدا أمامها ويداه على رأسه؟، وخاطبها بكلمات عربية لم أفهمها، فالتفتت إلي وقالت: قد هيئ لك الطعام فاذهب فكل، أما أنا فلا أواكل أحدا لأن عيشتي عيشة نسكية فاغتذي بالخبز والثمار عندما أحس بالجوع ولذلك لا ينبغي لي أن أكره ضيفي على مجاراتي. وبعد أن فرغت من مناولة الطعام استدعتني إليها، فلما حضرت وجدتها تدخن بقضيب طويل، واستحضرت لي قضيبا لأدخن أيضا قال: وكنت قد رأيت أجمل نساء الشرق وأظرفهن يدخن مثلها فلم أستغرب ذلك، وكان الدخان ينبعث من شفتيها اللطيفتين على شكل أعمدة فتعطرت به الغرفة، وأقمنا نتحدث في أمورها وأطلت فيها التفكر فتبين لي أنها أشبه بالساحرات القديمات المشهورات وهي أشبه ب(سيرسه) معبودة الأقدمين، وأن عقائدها الدينية وإن كانت غامضة فهي مقتطفة بحذق من أديان مختلفة فقد جمعت بين أسرار (الدروز وتسليم المسلمين واعتقادهم القدر، وانتظار اليهود مجيء المسيح، وعبادة النصارى للمسيح، وممارسة تعاليمه وآدابه، وزد على ذلك التصورات البعيدة الغريبة الناشئة عن فكر مشغوف بالشرق، ومتوقد بطول العزلة والانفراد وبعض إيضاحات أوضحها لها المنجمون العربيون فإذا تصورت ذلك كله انجلى لك شيء من هذا السر العظيم المستغرب الذي يؤثر في الإنسان ما يسميه جنونا ليتخلص من مشقة البحث وإمعان النظر فيه. والحق أولى أن يقال: إن هذه المرأة غير مجنونة فإن للجنون أمارات واضحة تظهر في العنيني وليس له أثر البتة في تلك الألحاظ اللطيفة ويظهر الجنون أيضا في الكلام فإن صاحبه كثيرا ما ينقطع عن الحديث فترى فيه اختلالا وشططا أما حديثها فسامي المعاني رمزي متسلسل مرتبط منتسق قوي وفي مذهبي أن جنونها اختياري وأنها تعرف نفسها حق المعرفة ولها أسباب تحملها على التظاهر بما قد تظاهرت به وما أخذ القبائل العربية المجاورة للجبال من العجب من حذقها وبراعتها يدل دلالة واضحة على أن ما ترجم به من الجنون إنما هو وسيلة لبلوغ بعض مآرب ولا يخفى أن سكان أرض أجريت فيها العجائب وكثرت فيها الصخور والبراري وتلونت تصوراتهم بألوان جوهم لا يصيخون سمعا إلا إلى كلام نبي أو إلى كلام من كان ك(لاري ستنهوب) فإنهم يميلون إلى فن التنجيم والنبوات و الوحي وما أشبه وقد عرفت ال(لاري) المذكورة ذلك واتضحت لها الحقيقة لما هي عليه من قوة الحذق، ولكن ربما ساقتها القوة المذكورة كما هو الغالب في أمثالها إلى الاهتداء إلى مذهب وضعته لغيرها. وبعد أن جالت هذه التصورات في فكري قلت لها: لا ألومك إلا على أمر واحد، وهو أنك حسبت للحوادث حسابا فعاقك ذلك عن الوصول إلى مركز كان في طاقتك أن تصلي إليه. فأجابته: إنك تتكلم كمن يعتقد اعتقادا صحيحا في الإرادة البشرية، ويشك في فعل القدر، فقوتي على حالها لم تتغير غير أنني انتظر سنوح الفرصة ولا أجد في طلبها وقد أمسيت وحدي مهجورة بين هذه الصخور القفرة عرضة لمفاجئ جسور يطرق منزلي فينهب أمتعتي وحولي جماعة من الخدم الخائنين والعبيد الكنودين وهم ينهبونها في كل يوم ويتهددون حياتي أحيانا وفي المدة الأخيرة لم ينجني من الموت الأحمر إلا هذا الخنجر (وأرته إياه) الذي اضطرني الأمر إلى استخدامه لأدفع عني عبدا أسودا لئيما ربي في بيتي، ومع ذلك تراني سعيدة بقولي: الله كريم وأتوقع المستقبل الذي أخبرك به ويا حبذا لو كنت تحققه مثلي. وبعد أن تباحثنا كثيرا وشربنا القهوة التي كان يأتي بها العبيد كل ربع ساعة مرة قالت لي: هلم، فإني سأسير بك إلى مكان مقدس لا يدخله أحد من البشر وهو بستاني فدخلناه وجلسنا فيه مسروري الفؤاد لأنه من أجمل البساتين الشرقية التي رأيتها وكنا من وقت إلى آخر نجلس في الكشوك براحة ونتحدث على النسق الأول فلبثنا مدة على هذه الحالة ثم التفتت إلي وقالت: إذا كان القدر قد ساقك إلى هذا المكان وما بين نجمينا من الاتفاق يمكنني من مكاشفتك بأمور أخفيها عن كثيرين من بني البشر سأريك بعينك عجيبة من عجائب الطبيعة لا يعرف مستقبلها إلا أنا وأتباعي وهي التي ذكرها الأنبياء الشرقيون منذ قرون عديدة في نبواتهم، ثم فتحت بابا من أبواب البستان يشرف على حوش صغير فوقع نظري على حجرتين عربيتين جميلتين من أطيب أصل وأكمل شكل فقالت لي: هيا بنا فأريك هذه المهرة الكميت، ألم تتحفها الطبيعة بكل ما هو مكتوب عن المهرة التي ينبغي أن يركبها المسيح (وستوله مسرجة) فأمعنت بها النظر فرأيت فيها من غرائب الطبيعة ما يقوي ذلك الاعتقاد عند قوم لم يزح عنهم الجهل ستاره، لأن لها في مكان المنكبين تجويفا عميقا واسعا يشبه السرج وشيئا أشبه بركابين في مكان ركوبها من دون سرج صناعي ولاح لي أن تلك المهرة أحست بما لها من المنزلة والاعتبار عند (لاري ستنهوب) وعبيدها بما سيكون من أمرها في المستقبل، لأنها لم تركب البتة، وقد عهدت سياستها إلى سائسين عربيين يسهران عليها ليلا ونهارا ولا يفارقانها لحظة، وبالقرب منها مهرة أخرى بيضاء أجمل منها تشاركها فيما لها من المنزلة عند ال(لاري) المذكورة وهي كأختها لم يركبها أحد، وفهمت من كلام مضيفتي أنه وإن كان مستقبل المهرة البيضاء دون مستقبل المهرة الكميت قداسة فهو سري، وهي وإن كانت لم تقل لي ذلك قولا صريحا استنتجت منه أنها تركبها هي حين تسير بجانب المسيح إلى أورشليم ثم أمرت السائسين أن يخرجا الحجرتين إلى مرج خارج السور ففعلا وبعد أن أطلت النظر فيهما وتأملت في محاسنها رجعت إلى الدار وطلبت منها بإلحاح أن تأذن لموسيو (برسيفال) بمقابلتها فإنه كان صديقي وتبعني رغما عني وأقام منذ الصباح ينتظر صدور الإذن بمقابلتها وهي تبخل عليه بذلك فأجابتني إلى طلبي وببعد التردد مدة ودخلنا جميعا إلى غرفتها لنصرف فيها ليلتنا فأقمنا ندخن ونشرب القهوة بعد مباحثة طويلة دارت بيننا في أمور السياسة ونظام الحكومات فانتقلت أنا منها إلى أمور مزحية عن طريقة تنبئها. قال: وأردت أن أختبرها فسألتها عن سائحين أو ثلاثة من أصحابي مروا بها منذ 15 سنة فأدهشني كلامها عن اثنين منهم لأنني رأيتها مصيبة في حكمها كل الإصابة ومن العجب العجاب أنها وصفت بحذق وبلاغة لا مزيد عليهما واحد من ذينك الاثنين كنت أعرفه حق المعرفة مع أن من أصعب الأمور أن يعرف إنسان طباعه من أول وهلة لأن ظواهره تؤذن ببساطة تامة ويخدع أبعد الناس عن الانخداع، ومما أذهلني أيضا قوة ذاكرتها لأن السائح المذكور لم يصرف عندها إلا ساعتين ومضى بين زيارتي لها وزيارته 16 سنة كاملة فلا جرم أن العزلة تجمع قوى النفس وتقويها وقد تحقق ذلك الأنبياء والقديسون وأكابر رجال الدنيا والشعراء فكانوا يطلبون البراري والقفار ويعتزلون وهم بينهم. ثم تكلمنا عن بونابرت وعن مواضيع أخرى بحرية تامة ومازلنا على تلك الحالة إلى أن مضى أكثر الليل. قال: ولما حان الافتراق ظهر الحزن والكدر على وجهينا فقالت لي: لا تودعني لأننا سنلتقي مرارا في هذه السياحة ونلتقي كثيرا في سياحات أخر مل تخطر لك ببال بعد فاذهب واسترح واذكر أنك قد تركتني في قفار لبنان، ثم مدت إلي يدها فوضعت يدي على قلبي على عادة العرب مودعا وكان خاتمة اجتماعنا. هذا ملخص ما دار بينها وبين (لامرتين) من الكلام والمقام يضيق دون ما ذكره بالتفصيل أما بينها في (جون) فقد استولى عليه صاحبه الدمشقي الذي مات بعدها بقليل فانتقل إلى ابن له وحيد مسلم، ثم اقتضى به الأمر إلى أن شنق نفسه فأخذت امرأته تبيع كل ما يمكن بيعه من أدوات البناء خوفا من أن يؤخذ البيت منها. وهكذا عجلت خراب تلك الدار الجميلة حتى أمست الآن خاوية على عروشها يأوي إليها البوم وينعق الغراب وكذلك تكاد آثار الضريح الذي أقيم لها تمحى. وهكذا لم يبق لتلك المرأة التي حاولت أن تضاهي ملكة الشرق ولا أعمالها أثر في بطون التواريخ حفظت ذكرها ليكون عبرة لمن يعتبر وتذكرة لأولي الألباب. أسماء ابنة أبي بكر الصديق هي أسماء ابنة أبي بكر الصديق، وأمها قتيلة بنت عبد العزى وهي أخت عائشة لأبيها تسمى ذات النطاقين لأنها صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم طعاماً لما هاجر فلم تجد ما تشده به فشقت نطاقها، وشدت به الطعام فدعيت ذات النطاقين. تزوجها الزبير بن العوام فولدت له عبد الله وعدة أبناء، وكان عبد الله أول مولود ولد في الإسلام بعد الهجرة، ثم طلقها الزبير فكانت مع عبد الله ابنها بمكة المشرفة حتى قتل ابنها فبلغت من العمر مائة سنة حتى عميت، وماتت بمكة سنة 73 هجرية و 692 ميلادية. ولها شعر قليل في رثاء زوجها وابنها ومن كلامها لابنها عبد الله حين قاتل الحجاج إذ دخل عليها وقال لها: يا أماه قد خذلني الناس حتى ولدي وأهلي، ولم يبق معي إلا اليسير، ومن ليس عنده أكثر من صبر ساعة والقوم يعطونني ما أدرت من الدنيا، فما رأيك؟ فقالت: أنت أعلم بنفسك إن كنت تعلم أنك على حق، وإليه تعود فامض له فقد قتل عليه أصحابك ولا تمكن من رقبتك تلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت أهلكت نفسك ومن معك، وإن قلت كنت على حق فلما وهن أصحابي، ضعفت فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين، ولم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن. فقال: يا أماه، أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني قالت: يا بني إن الشاة لا تتألم بالسلخ فامض على بصيرتك، واستعن بالله. فقبل رأسها وقال: هذا رأيي والذي خرجت به رائيا إلى يومي هذا ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله وأن تستحل حرماته ولكني أحببت أن أعلم رأيك، فقد زدتني بصيرة فانظري يا أماه فإني مقتول في يومي هذا فلا يشتد حزنك وسلمي الأمر إلى الله فإن ابنك لم يعهد بإيثار منكر ولا عمد بفاحشة، ولم يجز في حكم الله، ولم يغدر في أمان، ولم يتعمد ظلم مسلم أو معاهد، ولم يبلغني ظلم عن عمالي فرضيت به، بل أنكرته، ولم يكن شيء آثر عندي من رضا ربي اللهم لا أقول هذا تزكية لنفسي، ولكني أقوله تعزية لأمي حتى تسلو عني. فقالت أمه: لأرجو أن يكون عزائي فيك جميلا إن تقدمتني احتسبتك وإن ظفرت سررت بظفرك أخرج حتى أنظر إلام يصير أمرك فقال: جزاك الله خيرا فلا تدعي الدعاء. قالت: لا أدعه لك أبدا فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق ثم قالت: اللهم ارحم طول ذلك القيام بالليل الطويل وذلك النحيب والظمأ في هواجر مكة والمدينة، وبره بأبيه وبي اللهم قد سلمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت فأثبني فيه ثواب الصابرين الشاكرين، فتناول يدها ليقبلها فقالت: هذا وداع فلا تبعد فقال لها: جئت مودعا لأني أرى هذا آخر أيامي من الدنيا. قالت: امض على بصيرتك وادن مني حتى أودعك، فدنا منها فعانقته وقبلته فوقعت يدها على الدرع فقالت: ما هذا صنيع من يريد ما تريد؟ فقال: ما لبسته إلا لأشد متنك. قالت: إنه لا يشد متني، فنزعها ثم درج لمته وشد أسفل قميصه وجبته تحت أثناء السراويل وأدخل أسفلها تحت المنطقة وأمه تقول له: البس ثيابك مشمرة، فخرج وهو يقول مرتجزا: إنـــي إذا أعـــرف يومـــي أصـــبـــــر وإنما يعرف يومه الحرإذ بعضهم يعرف ثم ينكر فسمعته فقالت: تصبر إن شاءا لله أبوك أبو بكر والزبير وأمك صفية ابنة عبد المطلب، ثم حمل على القوم وقاتل حتى قتل وصلب وطلبته أمه من الحجاج فأبى عليها إعطاءه، فكتبت لعبد الملك، فسمح لها بذلك فغسلته ودفنته، وبقيت بعده قليلا وماتت بعدما أضرت وذلك في سنة 73 هجرية. ومن قولها في زوجها الزبير بن العوام حين قتله عمرو بن جرموز المجاشعي وهو منصرف من وقعة الجمل بوادي السباع. غدر ابن جرموز بفارس بهـمة يوم الهياج وكان غير معـرد يا عمرو لو نبهته لـوجـدتـه لا طائشا رعش الجنان ولا اليد ثكلتك أمك إن قتلت المسلـمـا حلت عليك عقوبة المتعـمـد أسماء ابنة سلمة أسماء ابنة سلمة وقيل: سلام بن مخرمة بن جندل بن أبير بن نهشل بن دارم التميمية الدارمية وهي أم الجلاس، قاله أبو عمر. وقال ابن منده وأبو نعيم: أسماء ابنة محزبة التميمية، وهي أم الجلاس، وأم عياش وعبد الله بن ربيعة. روى عنها عبد الله بن عياش والربيع بن معوز وذكر ابن منده وأبو نعيم حديث عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم بعض بيوت أبي ربيعة إما لعيادة مريض أو لغير ذلك فقالت له أسماء التميمية - وكانت تكنى أم الجلاس وهي أم عياش بن أبي ربيعة -: يا رسول الله ألا توصيني؟ قال: "ائتي إلى أختك بما تحبين أن تأتي إليك" ثم أتى بصبي من ولد عياش به مرض فجعل يرقي الصبي ويتفل عليه، وجعل الصبي يتفل على النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل بعض أهل البيت ينهى الصبي وقال أبو عمر - ذكر نسبها كما تقدم - وقال: "كانت من المهاجرات هاجرت مع زوجها عياش بن أبي ربيعة إلى أرض الحبشة وولدت له بها عبد الله بن عياش ثم هاجرت إلى المدينة وتكنى أم الجلاس روت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروى عنها عبد الله بن عياش وجملة من التابعين وتوفيت في خلافة عمر بن الخطاب". أسماء ابنة عميس أسماء ابنة عميس بن معبد بن الحارث بن تميم بن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن معاوية بن زيد بن مالك بن بشر بن وهب الله بن شهران بن عفرس بن حلف بن أقبل وهو خثعم، وأمها هند ابنة عوف بن زهير بن الحارث الكنانية أسلمت أسماء قديما وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب فولدت له بالحبشة عبد الله وعونا ومحمدا، ثم هاجرت إلى المدينة، فلما قتل عنها جعفر بن أبي طالب تزوجها أبو بكر الصديق فولدت له محمد بن أبي بكر ثم مات عنها، فتزوجها علي بن أبي طالب فولدت له يحيى لا خلاف في ذلك. وزعم ابن الكلبي أن عون بن علي أمه أسماء بنت عميس ولم يقل ذلك غيره وأسماء أخت ميمونة ابنة الحارث زوجة النبي صلى الله عليه وسلم وأخت أم الفضل امرأة العباس وأخت أخواتها لأمهم وكن عشر أخوات لأم. وقيل: تسع أخوات. وقيل: إن أسماء تزوجها حمزة بن عبد المطلب فولدت له بنتا، ثم تزوجها بعده شداد بن الهاد ثم جعفر وهذا ليس بشيء وإنما التي تزوجها حمزة سلمة ابنة عميس أخت أسماء ابنة عميس أكرم الناس أصهارا فمن أصهارها النبي صلى الله عليه وسلم وحمزة والعباس - رضي الله عنهما - وغيرهم. |
||||
|
| الأوسمة والجوائز لـ » المحارب |
| بينات الاتصال لـ » المحارب |
| اخر مواضيع » المحارب |
| إحصائية مشاركات » المحارب | |
| عدد المواضيـع : | 456 |
| عدد الـــــــردود : | 658 |
| المجمــــــــــوع : | 1,114 |
|
|
رقم المشاركة : ( 2 ) | ||||
|
نائب المدير العام للأنساب والمشجرات
|
أسماء ابنة النعمان بن شراحيل
وقيل: أسماء ابنة النعمان بن الأسود بن الحارث بن شراحيل بن النعمان قال أبو عمر. وقال ابن الكلبي: أسماء بنت النعمان بن الحارث بن شراحيل بن كندي بن الجون بن حجر آكل المرار بن عمرو بن معاوية بن الحارث الأكبر الكندية، تزوجها رسولا لله صلى عليه وسلم فاستعاذت منه ففارقها. وقال يونس عن أبي إسحاق: كان رسول الله صىل الله عليه وسلم تزوج أسماء ابنة كعب الجونية فمل يدخل بها حتى طلقها. قال أبو عمر: أجمعوا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها، واختلفوا في سبب فراقه لها، فقال قتادة: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل اليمن أسماء بنت النعمان بن الجون فلما دخل عليها دعاها فقالت له: تعال أنت فطلقها، قال: وزعم بعضهم أنها قالت: أعوذ بالله منك، قال: قد عذت بمعاذ وقد أعاذك الله مني فطلقها. وقيل: إنما التي قالت له كانت امرأة من بلعنبر من سبي ذات الشقوق، كانت جميلة فخاف نساؤه أن تغلبهن على النبي صلى الله عليه وسلم فقلن لها إنه يعجبه أن يقال: نعوذ بالله منك وذكر نحو ما تقدم في فراقها قال: وقال أبو عبيدة: كلتاهما عاذتا بالله منه. وقال عبد الله بن محمد عقيل: ونكح رسولا لله صلى الله عليه وسلم امرأة من كندة وهي الشقية، فسألت رسولا لله صلى الله عليه وسلم أن يردها إلى أهلها ففعل وردها مع أبي أسيد الساعدي وكانت تقول عن نفسها الشقية. وقيل: إن التي قال لها نساء النبي صلى الله عليه وسلم: لتتعوذ بالله منه هيا لكندية ففارقها فتزوجها المهاجر بن أبي أمية المخزومي، ثم خلف عليه قيس بن مكشوح المرادي قال: وقال آخرون: إن التي تعوذت بالله منه امرأة من سبي بلعنبر وذكر في قول أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لها نحو ما تقدم قال: وقال آخرون: وكان بها وضح كالعامرية ففارقها. وقيل: إنه قال لها (هبي لي نفسك)، قالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة، فأهوى بيده إليها فاستعاذت منه ففارقها. قال أبو عمر: الاختلاف في الكندية كثير جدا منهم من يسميها: أسماء، ومنهم من يسميها: أميمة. واختلفوا في سبب فراقها على ما ذكرناه. والاختلاف فيها وفي صواحباتها اللواتي لم يجتمع بهن عظيم. أسماء ابنة يزيد الأنصارية من بني عبد الأشهل هي رسول النساء إلى النبي صلى الله عليه وسلم روى عنها مسلم بن عبيد أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه فقالت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله عز وجل بعثك إلى الرجال والنساء كافة فآمنا بك وبإلهك وإنا معشر النساء محصورات مقصورات قواعد بيوتكم ومقتضى شهواتكم، وحاملات أولادكم وإنكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمع والجماعات وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيلا لله عز وجل وإن أحدكم إذ خرج حاجا أو معتمرا أو مجاهدا حفظنا لكم أموالكم وغزلنا أثوابكم وربينا لكم أولادكم، أفما نشارككم في هذا الجر والخير؟ فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه بوجهه كله ثم قال: " هل سمعتم مسألة امرأة قط أحسن من مسألتها في أمر دينها من هذه؟" فقالوا: يا رسول الله، ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا. فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها فقال: " أفهمي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء أن حسن تبعل المرأة لزوجها وطلبها مرضاته وإتباعها موافقته يعدل ذلك كله" فانصرفت وهي تهلل حتى وصلت إلى نساء قومها من العرب وعرضت عليهن ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرحن وآمن جميعهن. وسميت المترجمة: "رسول نساء العرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم". إستير ابنة أبي حائل بن شمعي بن قيس ملكة الفرس كانت أحسن نساء زمانها جمالا وأبهاهن منظرا وكمالا، وأعذبهن منطقا ومقالا، تزوجت بالملك "أحشويروش" ملك الفرس الذي ملك من الهند إلى "كوش" على مائة وسبع وعشرين كورة، وكانت في ابتداء أمرها رباها رجل إسرائيلي يدعى "مردخاي"، وهو ابن عمها لأن أباها وأموها توفيا فأخذها هو وجعلها ابنة لنفسه وكان في شوشن القصر الذي هو كرسي ملك "أحشويروش" لأنه سبى من أورشليم مع السبي الذي سبي مع "بكنيا" ملك بهوذا الذي سباه "نبوخذنصر" ملك بابل. وسبب زواجها بالملك "أحشويروش" المذكور أنه جلس ذات يوم على كرسي ملكه الذي في شوشن القصر وعمل وليمة لجميع رؤسائه وعبيده وجيش فارس وأخذت هذه الوليمة مائة وثمانين يوما وعند قضاء هذه الوليمة عمل لجميع الشعب الموجودين في شوشن القصر من الكبير إلى الصغير وليمة سبعة أيام، وفي اليوم السابع لما طاب قلبه أرسل إلى "وشتى" الملكة زوجته أن تأتي أمامه بتاج الملك ليرى الشعوب والرؤساء جمالها لأنها كانت حسنة المنظر فأبت أن تأتي حسب أمر الملك فاغتاظ جدا واشتعل غضبه، وقال لمن حوله من العارفين بالأزمة: ما يعمل بالملكة "وشتى" لأنها خالفت أوامري؟ فقال أحدهم: ليس إلى الملك وحده أساءت بل إساءتها عمت جميع الرؤساء وجميع الشعوب الذين في كل بلدان الملك، وسوف يبلغ خبرها إلى جميع النساء حتى يحتقرن أزواجهن في أعينهن عندما يقال: إن الملك "أحشويروش" أمر أن يؤتى بالملكة "وشتى" إلى أمامه فلم تأت، فإن رأى الملك فليكتب أمرا من عنده أن لا تأتي " وشتى" مطلقا، وليعط ملكها لمن هي أحسن منها فرأى الملك والرؤساء ذلك صوابا فأرسل كتبا إلى كل بلدانه يخبرهم بذلك. وبعدما خمد غضب الملك "أحشويروش" قيل له: فليطلب الملك فتيات عذارى حسنات المنظر ويوكل وكلاء في كل بلاده ليجمعوهن بشوشن القصر ويعين عليهن خصيا، ويرتب لهن لوازمهن مما يحتجن إليه وبعد ذلك يختار منهن التي توافقه ويملكها مكان "وشتى" فرأى ذلك حسنا فأمر بجمع البنات حتى اجتمع عنده منهن شيء كثير فلما سمع "مردخاي" مربي "إستير" أمر الملك وقد اجتمعت فتيات كثيرات إلى شوشن القصر أخذ "إستير" إلى بيت الملك وسلمها إلى حارس النساء فلما نظرها الحارس استحسنها ونالت نعمة بين يديه فبادرها بأدهان عطرها بها ونقلها إلى أحسن مكان في بيت النساء ولم تخبر "إستير" عن شعبها وجنسها لأن "مردخاي" أوصاها بذلك واستمرت "إستير" مقيمة إلى أن بلغت نوبتها للدخول إلى الملك بعد أن أقامت اثني عشر شهرا لأنه هكذا كانت تكمل أيام تعطرهن ستة أشهر بزيت المر وستة أشهر بالطياب، فلما دخلت عليه ونظرها أحبها أكثر من جميع النساء ووجدت نعمة وإحسانا أمامه أحسن من جميع العذارى فوضع التاج على رأسها وملكها مكان "وشتى" وعمل وليمة عظيمة لجميع رؤسائه وعبيده ودعاها وليمة "إستير" وأعطى عطايا حسب كرم الملوك. وفي تلك الأيام بينما "مردخاي" جالسا في باب الملك إذ علم بفتيين ورئيس الخصيان في دار الملك أرادا أن يغتالاه فعلم الأمر عند "مردخاي" فأخبر "إستير" وهي أخبرت الملك باسم "مردخاي" ففحص عن الأمر فوده حقيقيا، فأمر بصلبهما فصلب كل منهما على خشبة وازداد اعتبار "مردخاي" في عيني الملك وقربه منه قربا عظيما، وبعد هذه الأمور قدم الملك "أحشويروش" وزيره "هامان" وجعل كرسيه فوق جميع الرؤساء الذين معه فكان كل من بباب الملك يسجد ل"هامان"، كنا أوصى به الملك. وأما "مردخاي" فلم يسجد له فقال عبيد الملك الذين ببابه لمردخاي: لماذا تتعدى أمر الملك ولم تسجد ل"هامان" فقال: لا أسجد لغير الملك وإني أعلم ما لا تعلمون فأخبروا "هامان" بذلك وأعلموه بأنه يهودي، ولما رأى هامان ذلك امتلأ غضبا وأسر في نفسه على إهلاك "مردخاي" وشعبه ولما أمكنته الفرصة قال للملك: إنه موجود شعب متشتت ومتفرق بين الشعوب في كل بلاد مملكتك وسنتهم مغايرة لجميع الشعوب وهم لا يعلمون بسنن الملك فلا يليق بالملك تركهم فإذا رأى الملك فليكتب بأن يبادروا وأنا أزن عشرة آلاف وزن من الفضة تعطى للذين يعملون العمل من مالي الخاص، فلما سمع الملك كلامه نزع الخاتم من يده وأعطاه لهامان وقال له: الفضة قد أعطيت لك من الخزينة الملكية والشعب أيضا تفعل به ما تريد، فاستدعى بالكتاب وكتب إلى جميع عمال البلاد يأمرهم بإبادة جميع اليهود من الطفل إلى الشيخ وأن يسلبوا أموالهم غنيمة وختم الكتب بختم الملك وسلمها إلى السعاة وخرجت بها ولما علم مردخاي كل ما عمل شق ثيابه ولبس مسحا برماد وخرج إلى وسط المدينة وصرخ صرخة عظيمة وجاء إلى باب الملك وكانت مناحة عظيمة عند اليهود وصياح وبكاء ونحيب. فلما رأى جواري إستير ذلك دخلن عليها وأخبرنها فاغتمت غما شديدا وأرسلت ثيابا لمردخاي لأجل نزع مسحه عنه فلم يقبل فدعت إستير واحدا من خدامها وأمرته أن يذهب إلى مردخاي ويأتيها بالسبب فذهب الخادم إليه وأخبره مردخاي بكل ما أصابه وأعطاه صورة الكتب التي صدرت من الملك لجميع الجهات لكي يريها لإستير ويخبرها ويوصيها أن تدخل إلى الملك وتتضرع إليه وتطلب منه العفو عن شعبها فرجع الخادم إلى إستير وأخبرها بكلام مردخاي فأمرت الخادم بأن يرجع إليه ويعلمه بأن كل عبيد الملك وشعوب بلاده يعلمون أن كل شخص دخل إلى الملك بالدار الداخلية بدون إذن لم ينج من القتل إلا الذي يمد إليه الملك قضيب الذهب فيحيا فأخبره الخادم بذلك فقال له: أخبر إستير بأنك لا تفتكري في نفسك إنك تنجين في بيت الملك من دون اليهود، إنك إن سكت في هذا الوقت يكون الفرج والنجاة لليهود من مكان آخر، وأما أنت وبيت أبيك فتبادون فقالت إستير للخادم: أخبر مردخاي بأن يجمع اليهود الموجودين في شوشن القصر ويصوموا من جهتي ولا يأكلوا ولا يشربوا ثلاثة أيام ليلا ونهارا، وأنا أيضا أصوم كذلك وهكذا أدخل على الملك ولعل الله أن يمد إلي يد المساعدة. فانصرف مردخاي وعلم على حسب ما أوصت به إستير وفي اليوم الثالث لبست إستير ثيابا ملكية ووقفت في دار بيت الملك الداخلية مقابل الملك وهو جالس على كرسي ملكه، فلما رأى إستير واقفة مد لها قضيب الذهب الذي بيده، فدنت ولمست رأس القضيب فقال لها الملك: ما لك إستير وما هي طلبتك؟ إذا كانت نصف مملكتي تعطى لك؟ فقالت له: إذا رأى الملك فيأت ومعه هامان اليوم إلى الوليمة التي عملتها. فقال الملك: أسرعوا بهامان تنفيذا لكلام إستير، فحضروا به وأتى الملك وهامان إلى الوليمة التي عملتها إستير فقال لها الملك عند شرب الخمر: ما هو سؤالك وما هي طلبتك فيعطى لك؟ فقالت: إن سؤالي أن يأتي الملك وهامان إلى الوليمة التي أعملها لهما غدا وهناك أطلب طلبي، فخرج هامان في ذلك اليوم فرحا. وفي اليوم الثاني جاء الملك وهامان عند إستير فقال الملك لإستير ما هو سؤالك يا إستير وما هي طلبتك فأجابته: إن كنت قد وجدت نعمة في عين الملك فيعطى لي الملك طلبتي بالعفو عن شعبي لأنه قد صار بيعنا أنا وشعبي للهلاك والقتل، ولو كنت بعتنا عبيدا وإماء لكنت سكت مع أن العدو لا يعرض عن خسارة الملك. فقال لإستير: من هو وأين هو الذي يتجاسر بقلبه على أن يعمل هكذا؟ قالت: هو رجل خصم وعدو هذا هامان الرديء الخبيث، فارتاع هامان أمام الملك والملكة فقام الملك بغيظه عن شرب الخمر إلى جنة القصر ووقف هامان لنفسه أمام إستير الملكة لأنه رأى أن الشر قد أعيد عليه من قبل الملك، ولما رجع الملك من جنة القصر إلى بيت شرب الخمر وهامان متواقع على السرير الذي كانت إستير عليه قال: وهو أيضا يدخل على الملكة معي في البيت وأمر بصلبه فصلبوه على خشبة ارتفاعها خمسون ذراعا ثم سكن غضب الملك. وفي ذلك اليوم أعطى الملك لإستير بيت هامان وأتى مردخاي أمام الملك لأن إستير أخبرته فنزع الملك خاتمه الذي أخذه من هامان وأعطاه لمردخاي وأقامت إستير ومردخاي في بيت هامان ثم عادت إستير وسقطت عند رجلي الملك وتضرعت إليه أن يزيل شر هامان الذي دبره على اليهود، فأجاب طلبها وقال لها ولمردخاي اكتبا أنتما ما يحسن في أعينكما باسم الملك واختماه بختمي لأن الكتابة التي كتبت أولا لا ترد، فدعا كتاب الملك في ذلك الوقت وكتب حسبما أمر به مردخاي وختم عليه الملك وأرسل إلى كل الجهات وخرج مردخاي من أمام الملك بلباس ملكي وتاج من ذهب وكان اليوم عند اليهود يوم بهجة وفرح وصار عيدا يعيدون فيه وهو الثالث عشر من شهر آذار في كل سنة. إسكندره ملكة اليهود وهي زوجة إسكندر ملك بهوذا، ملكت وحدها بعد وفاة زوجها وذلك في مدة قصر ابنها (هرفانوس الثاني) وقد ارتكب الفريسيون في عهدها مظالم كثيرة. وقد ذكرها خلدون فقال: " وأوصى إسكندر امرأته الإسكندره قبل وفاته بكتمان موته حتى يفتح الحصن (وهو حصن كان خرج لحصاره ولم يذكر ابن خلدون اسمه) ويسير بشلوه إلى القدس فتدفنه فيه وتصانع الربانيين على ولدها (هرفانوس الثاني) فتملكه لأن العامة أميل إليه ففعلت ذلك واستدعت من كان من الربانيين وجمعتهم وقدمتهم للمشورة، واستبدت بالملك وكان لها ابنان من الإسكندر اسم الأكبر منهما (هرفانوس) والآخر (أرستيلوس) وكان صغيرتين عند موت أبيهما فلما كبرا عنيت (هرفانوس) للكهنوتية، وقدمت (أرستيلوس) على العساكر والحروب وضمت إليه الربانيين وأخذت الرهن من جميع الأمم وسألها الربانيون في الأخذ بثأرهم من القرايين وكانوا خلقا كثيرا وجاء القرايون إلى ابنها الكهنوت ينكرونه ذلك وإنه إذا فعل بهم ذلك وقد كانوا سيفا لأبيه الإسكندر فقد تحدث النفرة من سائر الناس وسألوه أن يلتمس إذنها في الخروج عن القدس والبعد عن الربانيين فأذنت له رغبة في انقطاع الفتنة، وخرج معه وجوه العسكر ثم ماتت خلال ذلك لتسع سنين من دولتها ويقال: إن ظهور عيسى - صلوات الله عليه- كان في أيامها. وفيما ذكره ابن خلدون في آخر هذه القصة: إن ظهور السيد المسيح كان في أيام الإسكندره مخالفة لم تتفق عليه المؤرخون المحققون. والصحيح أنها توفيت سنة 71 أو 70 قبلا لميلاد. أسماء معشوقة جعد بن مهجع العذري هي من بني كلب ولم أعثر لها على اسم إلا من قوله: لعمرك ما حبي لأسماء تاركي صحيحا ولا أقضى به فأموت وكان سبب عشقه لها أن له أخوالا من كلب حول ماله إليهم خشية التلف فأقام عندهم ثم خرج يوما على فرس وقد صحب شرابا فاشتد الحر وظهرت له دوحة، فقصدها ونزل تحتها، فما استقر حتى بان له شخص عليه درع أصفر وعمامة سوداء يطرد سخلة وأتانا فقتلهما وقصد الدوحة ونزل بها فحادثه فوجد في ألفاظه عذوبة لا تقدر وخلب عقله فدعاه إلى الشراب فشرب وقام ليصلح من شأن فرسه فتزحزح الدرع عن ثدي كحق العاج فقال: امرأة أنت؟ قالت: نعم، ولكن شديدة العفاف حسنة الأخلاق والمفاكهة. فعلقها من تلك الساعة وسألها الزيارة فذكرت أن لها إخوة شرسة وأبا كذلك ثم مضت ولازم الوساد سنة كاملة ثم شكى إلى أحد أصحابه، فأشار عليه أن يخطبها من أبيها ومضى معه حتى نزلا بالشيخ، فأحسن ملقاهما فقال له: قد أتيتك خاطبا. قال: فوقا لكفاءة. وزوجه بها، فبنى بها من ليلته، فلما كان الغد جاء صاحبه فقال: كيف كانت ليلتك وكيف وجدت صاحبتك؟ قال: أبدت لي كثيرا مما أخفته عني قديما وسألتها فأنشدت: كتمت الهوى إني رأيتك جازعـا فقلت فتى بعد الـصـديق يريد فإن تطرحني أو تقـول فـتـية يضير بها برح الهوى فتعـود فوريت عما بي وفي الكبد والحشا من الوجد برح فاعلمن شـديد فبارك لهما وانصرف فكان ينشد: يا رب كـل غـدوة وروحـــه من محرم يشكو الضحى والرحه =أنت حسيب الخصم يوم الروحه أسماء ابنة حصن هي ابنة حصن بن حذيفة الفزارية قد استودعهما عامر بن الطفيل درعه في يوم الرقم فأدتها إليه بعد ذلك وذكرها في شعره الذي هجا فيه بني غطفان إذ قال: قد سألت أسماء وهي خـفـية بصحائها أطردت أم لم أطرد فلأبغينكم اتصاد عوارضها=ولأقبلن الخيل لابة خرغد ولأبرزن بمالـك وبـمـا لـك وأخي المروءات الذي لم يسند وهي طويلة اقتصرنا على هذا المقدار. فأجابه نابغة بني ذبيان يلومه على تعريض عقائلهم في شعره فقال: فإن يك عامر قد قال جهـلا فإن مطية الجهل الشبـاب فإنك سوف تحلم أو تبـاهـي إذا ما شبت أو شاب الغراب فكن كأبيك أو كأبـي بـراء توافقك الحكومة والصواب فلا تذهب بحلمك طامـثـات من الخيلاء ليس لهن بـاب أسماء ابنة رويم كانت من النساء العاقلات الحكيمات الأديبات الولودات وكانت تسمي أولادها بأسماء الوحوش الضارية. قيل: إنه مر بها وائل بن ساقط فرآها منفردة في خبائها فهم بها فقالت: والله لئن هممت بي لأدعون أسبعي. فقال: ما أرى سواك في الوادي فصاحت ببنيها: يا كلب، يا ذئب، يا فهد، يا دب، يا سرحان، يا سبع، يا ضبع، يا نمر. فجاءوا يتعادون بالسيوف فقال وائل: ما هذا إلا وادي السباع فلزم هذا الاسم ذلك الوادي وقالوا لها: ما شأنك؟ قالت: إنه نزل بنا ضيفا فأحببت أن تكرموه إكراما زائدا وانصرف وهو يتعجب من ذريتها ومن حضور بديهتها لتحمل العذر الذي أبدته لأولادها. أسماء ابنة محمد بن صصرى هي أخت قاضي القضاة نجم الدين بن صصرى، كانت شيخة مسندة جليلة مباركة كثيرة البر سمعت العلماء وحدثت وحجت مرارا وكانت تتلو في المصحف وتفيد الفائدة التامة لمن يسمع منها ومما قيل فيها: كذلك فلتكن أخت ابن صصرى تفوق على النسا صبيا وشيبا طراز القوم أنثى مثـل هـذي فلا التأنيث لاسم الشمس عيبا أسماء العامرية كانت فصيحة ظريفة أديبة لطيفة عذبة المنطق سلسلة الألفاظ، لها أشعار رائقة ومعانيها شائقة وقصائد مطولة تمدح فيه خلفاء زمانها ونثر منسجم لطيف العبارة، فمن ذلك الرسالة التي أرسلتها إلى عبد المؤمن بن علي التي نمت إليه بنسبها العامري وتسأله رفع الضريبة عن دارها والاعتقال عن مالها وفي آخرها قصيدة أولها: عرفنا النصر والفتح المبينا لسيدنا أمير المؤمـنـينـا إذا كان الحديث عن المعالي رأيت حديثكم فينا شجونـا ومنها:رويتهم علمه فعلمتموه=وصنتم عهده فغدا مصونا فلما اطلع على قصيدتها ومقالها أجاب طلبها في جميع ما سألته عنه. آسية ابنة مزاحم امرأة فرعون كانت من خيار النساء المعدودات، تزوجت بفرعون موسى ملك مصر ولم تلد منه مدة حياتها معه وكان بحبها مستهاما ولكلامها مطيعا. وكان فرعون رأى مناما قد هاله، فأحضر الكهنة والمفسرين من أرباب دولته، وقص عليهم رؤياه فحذروه من مولود يولد في ذلك العام ويكون هو سببا لخراب ملكه، فأمر فرعون بقتل كلا غلام يولد في ذاك العام من بني إسرائيل، وكان في دار فرعون بستان فيه نهر كبير فخرجت الجواري إليه ذات يوم ليغتسلن فيه فوجدن تابوتا فأخذنه وظنن أن فيه مالا، فحملنه على حالته حتى أدخلنه إلى آسية، فلما فتحته رأت فيه غلاما فألقى الله عليها محبة منه، فرحمته آسية وأحبته حبا شديدا، فلما بلغ الذباحين أن في دار الملك غلاما استأذنوه بأن يدخلوا داره ويذبحوا الغلام تنفيذا لأمره، فأذن لهم بذلك، فأقبلوا على آسية بشفارهم ليذبحوا الغلام، فقالت آسية للذباحين: انصرفوا فإن هذا ليس من بني إسرائيل فإن أتى فرعون استوهبته منه، فإن وهبه لي كنتم أحسنتم وإن أمركم بذبحه فلا مانع من ذلك، ثم إنها أتت به إلى فرعون وقالت له: ليس لي ولا لك ولد فلا تقتلوا هذا عسى أن ينفعنا، فسمح به إليها أن تربيه، فلما آمنت آسية عليه سمته موسى وأحضرت المراضع فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل ثديها حتى أشفقت آسية عليه أن يمنع من اللبن فيموت فأمرت بإخراجه إلى السوق ترجو أن يصيب امرأة يرضعوه من ثديها إلى أن أتت أمه وأعطته ثديها فرضع منها، فانطلق البشير إلى آسية يبشرها بأنه وجد لابنها امرأة مرضعة فأمرت بإحضارها وقالت لها: امكثي عندي لترضعي ابني هذا فإني لم أحب شيئا مثل حبه قط، فقالت لها: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع فإن طابت نفسك أن تعطينه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي ولا أولي له إلا خيرا فعلت وإلا فإني غير تاركة بيتي، فأعطتها إياه فأخذته ورجعت إلى بيتها، فلما ترعرع قالت آسية لأم موسى: أحب أن تريني ابني، فوعدتها يوما تريها إياه فيه فقالت لخواصها وجواريها: لا يبقى منكن أحد إلا استقبل ابني بهدية ومكرمة فإني باعثة بأمينة تحصي ما تصنع كل قهرمانة منكن. فلم تزل الهدايا والتحف تستقبله من وقت أن خرج من بيت أمه إلى أن دخل على آسية، فلما دخل عليها أكرمته وفرحت به وأعجبها ما رأت من حسن أثرها عليه ثم قالت لها: انطلقي به إلى فرعون ليكرمه، فلما دخل عليه أكرمه ووضعه في حجره فتناول الغلام لحية فرعون حتى جذبها ونتف منها بعض شعيرات، فغضب غضبا شديدا وخاف منه وقال: هذا عدوي المطلوب، فأرسل الذباحين ليذبحوه، فبلغ ذلك آسية، فجاءت تسعى إلى فرعون وقالت له: ما بدا لك في هذا الصبي الذي وهبته لي؟ فأخبرها بما فعل، فقالت له: إنما هو صبي لا يعقل وإنما صنع هذا من صباه، وأنا أجعل فيه بيني وبينك أمرا نعرف به الحق وأضع له حليا من الذهب والياقوت، وأضع له جمرا فإن أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه وإن أخذ الجمر علمت أنه صبي، ثم وضعت له طشتا فيه الياقوت وطشتا آخر فيه الجمر فمد الغلام يده إلى الجوهر ليقبض عليه فزاغت عينه إلى الجمر فقبض على جمرة ووضعها في فمه فجاءت على لسانه فأحرقته فقالت له آسية: ألا ترى إلى فعله وأنه صبي لا يعقل فكف عن قتله. وكانت يوما متطلعة من كوة في قصر فرعون إذ نظرت إلى الماشطة امرأة (حزقيل) تعذب وتقتل فبينما فبينما هي كذلك إذ دخل عليها فرعون وجعل يخبرها بخبر الماشطة امرأة حزقيل وما صنع بها فقالت آسية: الويل لك يا فرعون. فقال لها: لعلك قد اعتراك الجنون الذي اعترى صاحبتك. فقالت: ما اعتراني جنون ولكني آمنت بالله ربي وربك ورب العالمين، فدعا فرعون أمها وقال لها: إن ابنتك قد أخذها الحنون الذي أخذ الماشطة ثم إنه أقسم لتذوقن الموت أو لتكفرن بإلهها فخلت بها أمها وسألتها موافقة فرعون فيما أراد فأبت وقالت: تريدين أن أكفر بالله؟ فلا والله ما أفعل ذلك أبدا، فأمر بها فرعون فمدت بين أربعة أوتاد ثم ما زالت تعذب حتى ماتت ولسانها لا يفتر عن ذكر الله وهي تقول: (رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله)(التحريم: 11). رحمها الله رحمة واسعة. اعتماد زوجة المعتمد بن عباد هي أم أولاده وتشتهر بالرميكية، وسبب اتصالها بالمعتمد هو كما قيل: إن المعتمد ركب في النهر ومعه ابن عمار وزيره وقد زردت الريح النهر فقال ابن عمار لوزيره: أجز (صنع الريح من الماء زرد). فأطال الوزير الفكرة فقالت امرأة من الموجودات على ضفة النهر: أي درع لقتال لو جمد. فتعجب ابن عباد من حسن ما أتت به مع عجز ابن عمار ونظر إليها فإذا هي غاية في الحسن والجمال فأعجبته فسألها: أذات بعل أنت؟ قالت: لا، فتزوجها وولدت له أولاده الملوك النجباء. ولما قال الوزير ابن عمار قصيدته اللامية الشهيرة في المعتمد والرميكية أغرت المتعمد به حتى قتله والقصيدة أولها: ألا حي بالغرب حيا حـلالا أناخوا جمالا وحازوا جمالا وعرس بيومين أم الـقـرى ونم فعسى أن تراها خيالا ويومين في قرية بأشبيلية كانت منها أولية بني عباد ومنها: تخيرتها من نبات الهـجـان رميكية ما تسوى عـقـالا فجاءت بكل قصير العـذار لئيما يجارين عمـا وخـالا قصار القدود ولـكـنـهـم أقاموا عليها قرونا طـوالا أتذكر أيامنـا بـالـصـبـا وأنت إذا لحت كنت الهلالا أعانق منك القضيب الرطيب وأرشف من فيك ماء زلالا وأقتع منك بدون الـحـرام فتقسم جهدك أن لا حـلالا سأهتك عرضك شيئا فشـيئا وأكشف سترك حالا فحالا فيا عامر الخـيل يا زيدهـا منعت القرى وأبحت العيالا ومنها: ولما خلع المعتمد وسجن بأغمات قالت له: فقال: يا ســـــيدي لقد هنـاهـنـا قالت لقد هناهنـا مولاي أين جاهنا قلت لها إلا هنـا صيرنا إلى هنـا أغسطينا عذراء سرقسطة عذراء توفيت في كوتا من إسبانيا في شهر حزيران سنة 1857 م بعد أن طعنت في السن كانت في صباها تبيع مشروبات في سرقسطة، فلما حاصر الفرنسيون المدينة المذكورة سنة 1808 م وسنة 1809 م اشتركت فيا لمدافعة واشتهرت بما بدا منها من الشجاعة ولقبت بلرتيبارا ومعناه طوبجيه لأنها نزعت فتيلة من لبرطوبجي كان في حالة النزع وأطلقت المدفع على المحاصرين، ومكافأة لها على خدمتها في وقت الحصار وجهت إليها قيادة فرقة من العساكر الإسباتيولية مع عدة نياشين، واستمرت فيا لقتال حتى حازت النصر مرارا بفرقتها على الفرنساويين. أفروسيني القديسة ولدت بالإسكندرية لنحو سنة 413 للميلاد وكان أبوها من الأغنياء وتربت هي على العبادة والتقوى ونذرت نفسها للبتولية وأنها لا تقبل زوجا لها أيا كان، فلما بلغت مبلغ النساء أراد أبوها أن يزوجها بأحد أقربائها، فلما أيقنت ذلك لبست ثوب رجل وفرت من بيت أبيها ولجأت إلى أحد النساك، ثم مضت إلى أحد الأديرة وسمت نفسها زمرد فقبلها الرهبان ولم يعرفوا أمرها، فأخذ أبوها يبحث عنها حتى جاء الدير وأخبر الرئيس بالخبر وهي حاضرة تسمع بدون أن يعرفها أبوها ولا الرئيس، فكانت تخاف أن تعرف، وعلى الخصوص أن أباها تردد كثيرا إلى ذلك الدير وكان يشكو للرئيس أمره، واستمرت على هذه الحالة 18 سنة. وقيل: 30 سنة وهي ملازمة للصلاة والصوم والتشقفات والعبادة الحارة حتى مرضت وعرفت أن أجلها قد اقترب فدعت والدها وكشفت له أمرها وتوسلت إليه أن يفرح بذلك، ثم توفيت. أفروسيني إمبراطورة الشرق هي امرأة ألكسيس الثالث الملقب أنجلوس أي الملاك ودبرت على وضعه على تخت الملك عوضا عن أخيه إسحاق أنجلوس سنة 1195 م، غير أنها هي التي ملكت بالحقيقة وكانت موصوفة بجودة العقل والشجاعة والفصاحة غير أنها كانت متكبرة وسيرتها غير مرضية فعلم بذلك ألكسيس سنة 1178 م وخشي حدوث فتنة شديدة فطردت أفروسيني من البلاط وحبست في دير. وسنة 1184 م استدعاها الإمبراطور إلى البلاط غير أنها لم تهنأ بالملك ثانية من جراء ثورة ألكسيس الملقب بالشباب وهو ابن أخي ألكسيس الإمبراطور فإنه ثار على الإمبراطور بعد خذلانه في حرب البلغاريين واستنجد الجيوش الصليبية فأتت لمساعدته، ولما استولى الفرنساويون في الحرب الصليبية الخامسة على القسطنطينية هربت أفروسيني وطافت مدة مع زوجها في آسيا ثم قبض على زوجها وحبس فبقيت منفردة من سنة 1210 م إلى أن توفيت سنة 1215 م. أفذوكسيا زوجة الإمبراطور أركاريوس أثليا ابنة الكونت بوثون الفرنجي، قائد بتودسيوس الكبير زوجها أطروبيوس الخرجبي بالإمبراطور أركاديوس وباسم أركاديوس ملك كلاهما، ولما سقط أطروبيوس من الملك حكمت إفذوكسيا بالقسط بين الناس ولم تقبل رشوة البتة كعادة ملوك ذلك الزمان، ولما نفت القديس يوحنا فم الذهب سنة 403 م لأنه وعظ عن زينة النساء وأبطل زهوهن وشعب عليها الشعب فاستدعته بعد أشهر ثم نفته سنة 404 م لأنه وبخ الشعب بقوة على ما حدث من الأمور غير اللائقة عند نصب تمثال أفذوكسيا ثم توفيت أفذوكسيا وكانت قد ولت لأركاديوس تيورسيوس الثاني. أفذوكسيا ابنة الفيلسوف ليونكيوس اليوناني امرأة تيورسيوس الثاني كان اسمها قبل أن تعمدت وتزوجت أثيناس وكان أبوها قد علمها العلوم الفلسفية والمعارف والآداب وكانت فوق ذلك بديعة الجمال ولما رآها أبوها في درجة عالية من حسن العقل والجد حرمها من ميراثه لعلمها بكفايتها في تحصيل أكثر مما يلزمها فتوجهت إلى القسطنطينية تطلب حقها من الإمبراطور بلكيريوس فعجب من علمها وحسن تصرفها وزوجها بأخيه تيورسيوس سنة 421 م فلم تهمل العلوم واشتهرت بها ونشطتها فازدحمت على بابها أقدام العلماء وأحبها واحد منهم يقال له: يولنبوس فقتله تيورسيوس الثاني غيرة إذ رأى كثرة اتصاله بها وأسقط منزلة أفذوكسيا فطلبت الرحيل إلى بيت المقدس، فأذن لها وأتبعها الملك بالرقباء، وأمر والي أورشليم بقتل خوري وشماس كانا يترددان إليها فغضبت أفذوكسيا وقتلت الوالي فنزع عنها الملك كل شرف واستحقاق ملكي. وكانت أفذوكسيا قد تبعت رأي أوطنجا غير أنها ارتدت بإرشادات القديس أفتيموس. وتوفيت بأروشليم سنة 460 م بعد أن برأت نفسها بالإقسام من التهم التي اتهمها بها الإمبراطور، وكانت قد أسست أديرة وكنائس وألقت عدة تآليف وكتب سيرة حياتها فليفور المؤرخ الشهير. أفذوكسيا أنفثا زوجة فالنتيانوس كانت أفذوكسيا امرأة تيورسيوس وتلقب بالفتاة، ولدت في القسطنطينية سنة 422 م، ولما قتل زوجها كان شخص يدعى مكسيميوس شريكا في قتله وهي لم تعلم ذلك فتزوجته وزوجت ابنتها بابنه لكنها لما علمت الأمر من نفس مكسيميوس استدعت إلى إيطاليا جنسريك ملك القندالة فاكتسح رومية وأبقى أفذوكسيا عنده سبع سنين ثن رجعت إلى القسطنطينية سنة 462 م وأكملت حياتها بالرياضيات والعبادة. أفذوكسيا زوجة الإمبراطور قسطنطين دوكاس دعت لنفسها بالملك بعد وفاة زوجها سنة 1067 م لتثبت لأولادها حق الملك وأرادوا بعض كبراء الدولة أن يخلعها من السلطنة فحكمت بقتله غير أنها لما رأته لبها بجماله غضت عنه وجعلته قائد جيوش المشرق، ثم تزوجته سنة 1068 م بعد أن احتالت على البطريك كسيفينوس وأخذت منه صكا كانت قد تعهدت فيه لزوجها الأول إنها لا تتزوج بعد موته طول حياتها ولما تولى الإمبراطورية ابنها ميخائيل بعد ثلاث سنين من زواجها حبسها في دير، وكانت أفذوكسيا قد تضلعت من العلوم وألفت تآليف معتبرة منها تآليف في نسب المعبودات والأبطال من رجال ونساء وهو كتاب لطيف جدا وكتاب في تعليم النساء، وكتاب في شغل الأميرات، وكتاب في عيشة الرهبانية إلى غير ذلك من الكتب العلمية والتاريخية التي خلدت لها ذكرا في بطون الأوراق. أفذوكسيا لابوشين إمبراطورة روسيا هي أول امرأة لبطرس الأكبر وأم ألكسيس - المنكود الحظ- اتهمها زوجها بمواصلة رجل من الأشراف اسمه "كلبو" وهجرها ثم نفاها إلى دير بالقرب من بحيرة لادوغا، وأما كلبو فحكم عليه بالموت تحت العذاب الشديد ومع ذلك لم ينطق إلا ببراءة أفذوكسيا ثم استرجع الإمبراطور امرأته وماتت بعد ذلك بقليل. أكتافيا شقيقة الإمبراطور أوغسطوس زوجة مرقس أنطونيوس توفيت سنة 11 قبل الميلاد، تزوجت أولا بكلوريوس مرشلوس وكان يوليوس قيصر يرغب في فصلها عنه ليزوجها ببمباي إلا أن بمباي أبى ذلك فبقيت مع زوجها، ولما توفي سنة 41 قبلا مليلاد تزوجها مرقس أنطونيوس فتمكن بذلك الاتحاد بينه وبين أكتافيوس وصحبت زوجها الجديد في حروبه بالشرق وبواسطتها زال ما كان بيه وبين أخيها من الخلاف سنة 37 قبل الميلاد. ثم سار مرقس أنطونيوس لمحاربة البرثيين فشغف بحب كيلوباتره ولما أتت أكتافيا إلى بلاد الشرق سنة 35 قبل الميلاد بنجدات ومهمات ونقود لزوجها قبل ما أته به ولكنه أبى مقابلتها، فرجعت إلى إيطاليا ولم ترغب قط في مقابلة زوجها، بل أقامت في بيته وكانت تربي أولاده إلا أن أخاها أوغسطوس ساءه ذلك وعزم على الأخذ بالثأر، فشهر الحرب على أنطونيوس وكسره في موقعة أكتيوم المشهورة غير أن مرقس بعث إلى أكتافيا بكتاب الطلاق سنة 32 قبل الميلاد فانتقلت إلى بيت أخيها أوغسطوس وبعد وفاة زوجها المذكور جعلت أولاده من فولفيا وكيلوباتره مع أولادها فكانت تربيهم تربية واحدة من دون فرق بينهم وكان لها خمسة أولاد ثلاثة من مرشلوس، وابنتان من مرقس أنطونيوس اسم كل منهما أنطونيا، وإحداهما تزوجت بدوميتيوس أهينو بريوس دتيرون الذين جلسوا على تخت يالإمبراطورية الرومانية وماتت أكتافيا حزنا على ابنها مرشلوس الذي ولد لها من زوجها الأول فإنه توفي في عنفوان شبابه بعد أن كان أوغسطوس قد زوجه ابنته جوليا وعينه وارثا له في الإمبراطورية. وكانت أكتافيا على جانب عظيم من التهذيب وحسن الأخلاق، وجودة العقل، وسعة المعارف. وقد أجمع أهل زمانها على أنها كانت أجمل من كيلوباتره. أكتافيا ابنة الإمبراطور كلوريوس من زوجته مسالينا خطبها لوسيوس سيلاتوس حفيد أوغسطوس إلا أن أمها أبطلت تلك الخطبة وزوجتها بابنها نيرون من زوجها دوميتيوس أهينو بريوس فطلقها لما جلس على تخت الملك مدعيا أنها عاقر، وتزوج ببوبيا وبعد ذلك نفاها إلى أكميانيا لأن بوبيا اتهمتها بعشق عبد مصري شاب اسمه أوساروس كان يحسن الغناء بالمزمار فاضطرب لذلك، وساءهم هذا الظلم جدا، فاضطر إلى أن يطفئ غيظهم نيرون فاستدعى أكتافيا إلى روية فقابلها الشعب بإكرام وسرور لا مزيد عليهما، وكسروا تمثال بوبيا فعزمت هذه على الانتقام وحرمت نيرون بتذمرها لذيذ المنام فأمر أنبسيت قاتل أمه أن يصرح أنه ضاجع أكتافيا فنفاها إلى جزيرة بنداثاريا، وهناك قطعت عروقها لقتلها بنزف دمها فمنعت الرعية جريان الدم فخنقت ببخار حمام حار، وأرسل رأسها إلى بوبيا سنة 62 للميلاد وكان لها من العمر حينئذ 20 سنة فقط. أليصابات زوجة زكريا هي أم القديس يوحنا المعمدان وقد ولدته في شيخوختها بعد أن كانت عاقرا وكان أبوها من نسل هارون وأمها من سبط يهوذا، ولذلك كانت من ذوات قرابة السيدة مريم العذراء، وقد زارتها السيدة المذكورة في حبرون الخليل في أيام حملها، وذهب القديس بطرس الإسكندري إلى أنها تركت تلك المدينة عندما قتل هيرودس الأطفال والتجأت مع ولدها إلى كهف في جبال بهوذا فماتت هناك بعد أربعين يوما من دخولها الكهف المذكور، وتركت القديس يوحنا وحده من دون معين فأقام على هذا الحال مدة طويلة. وقد طنب المؤرخون في تعداد فضائلها ووصف تقواها. أليصابات ابنة هنري الثامن، ملكة إنكلترا ولدت لهنري من زوجته حنة بولين وآخر من ملك من بيت تودور ولدت سنة 1533 م، وتوفيت سنة 1603 م. وجعلت ولية للعهد حال ولادتها وذلك بموجب قرار صدر من المجلس العالي، وبه حرمت أختها ماري ابنة كاترينا الأراغونية من الملك مع أنها كانت أكبر منها بسبع عشرة سنة. وفي السنة الثالثة من عمرها حدث ما أفضى إلى قتل أمها فصرح بأنها ابنة غير شرعية وتبدل ما كان لها من الاعتبار بالاحتقار، وتعلمت أليصابات اللغات اللاتينية والفرنساوية والإيطاليانية، والإسبانيولية، والفلمنكية وترجمت مؤلفا من اللغة الإيطاليانية إلى الإنكليزية وجعلته تقدمة لرابتها غير أنها كانت تفضل التاريخ على ما سواه من العلوم، وشاركت أخاها في الدروس التي ألقاها عليه رجل من أوفر أهل إنكلترا علما وأوسعهم معرفة. ولما توفي هنري الثامن في سنة 1547 م بالملك من بعده لابنته ماري ولأليصابات من بعدها، وعين لأليصابات مرتبا وافرا، وكان الناس حينئذ يحسبونها مناظرة لأختها ماري ورئيسة للحزب البروتستانتي، كما كانت ماري رئيسة للحزب الكاثوليكي. وسنة 1554 م تزوجت ماري بفليب الثاني، ملك إسبانيا وأمست تؤمل أن ترزق منه ولدا يرث الملك من بعدها وكان فيليب يعامل أليصابات باللطف، ويظهر لها الوداد، وتمكنت الصداقة والمحبة بين الأختين في الأشهر الأخيرة من حياة ماري، ولما توفيت ماري سنة 1558 م خلفتها أليصابات على تخت الملك من دون ممانع وبعد ستة أشهر من جلوسها على التخت أبطلت الصلوات الكاثوليكية من كنيستها الخصوصية وأبت في أول الأمر أن تلقب برئيسة الكنيسة البروتستانتية وسمت نفسها والية لها إلا أنها أنفذت فيها سلطتها أخيرا ولم يكن لها معارض فيما تفعله وكان القوم في فرنسا يدعون لماري ستوارت ملكة سكوتلندا بحق التملك على إنكلترا، وكانت هذه الدعوى من شانها أن تأتي بنتائج ردئية وتسوق إلى الحرب، وأخذت أليصابات تتداخل في أمور سكوتلاندا ونجح الحزب البروتستانتي فيها بمساعدتها وحاول الباب بيوس الرابع أن يرد الملكة إلى الدين الكاثوليكي فحبط سعيه، وأرجعت قيمة المسكوكات الإنكليزية إلى ما كانت عليه سنة 1560 م فنشأ عن ذلك الإصلاح خير عظيم ونجاح للبلاد وأرسلت إلى الهوغنو الفرنساويين إمدادا من المال والسلاح والرجال وأمدت أيضا بروتستانت الفلمنك سرا، ولما طلبت ماري ملكة سكوتلاندا أن يسمح لها أن تنطلق بأمان من فرنسا إلى سكوتلاندا لم تجبها أليصابات إلى طلبها ويقال: أنها حاولت إلقاء القبض عليها. وسنة 1563 م طلب إليه المجلس العالي أن تتزوج لأن مسألة إرث الملك مما يهم رعاياها وخطبها كثيرون من إنكلترا والبلدان الأجنبية وكان من أعظم الإنكليز الذين يرغبون في الاقتران بها هنري فتزالان، ثامن عشر أرلات أرندل وآخرهم، وطلب إليها أيضا أن تعترف بماري ستوارت ولية للعهد فأبت، ولم تبرم المسألة وخطبها شارل التاسع ملك فرنسا فلم تجبه إلى سؤاله ومن جملة الذين رغبوا في الاقتران الأرشيدوق كارلوس ابن إمبراطور ألمانيا وكانت محبة الأرشيدوق تنمو يوما فيوما في قلبها، وكان الناس ينتظرون يوما فيوما اقتران الملكة بحبيبها وساء أليصابات تزوج دارنلي بماري ستوارت وتكدر الإنكليز عموما من ولادة ولد لهما لأن ذلك دل على أن الملك سينتقل فيما بعد إلى كاثوليكي، وفي تلك الأثناء حدثت قلاقل داخلية جديدة، واشتدت المصاعب الخارجية على الدولة لأن قبول المضطهدين الفارين من الفلمنك في إنكلترا وتأمينهم على أرواحهم ساء إسبانيا فأهينت الراية الإنكليزية في خليج مكسيكو وكذلك سفيرها في مدريد، فاستولت الملكة على مال لإسبانيا وجدته في سفن إسبانيولية التجأت إلى مرافئ إنكلترا ولما حجز الفلمنكيون أملاك الإنكليز في الفلمنك وسجن أصحابها، ألقت القبض على كل الإسبانيول المقيمين في إنكلترا وعلى سفير دولتهم أيضا وخاطبت فيليب الثاني في ذلك رأسا فأجابها بكبرياء وتهددها بالحرب، وكان دوق نرفلك قد انحاز إلى ماري ستوارت، وتعلق بها فحذرته أليصابات من ذلك، ثم ألقت عليه القبض وسجنته. وسنة 1569 م حدثت الثورة الشمالية العظيمة تحت رياسة أرلي وستمورلاند ونورثمبرلاند الكاثوليكيين فأخمدها أرل سكس في الحال، وقتل 800 من العصاة. وسنة 1570 م حرم الباب بيوس الخامس الملكة أليصابات وعلق رجل من الكاثوليك اسمه فلتون نسخة من الحرم على باب قصر الأسقفية في لندن فقبض عليه وقتل صبرا وبعد أن حبط مسعى القوم في عقد الزواج بينهما وبين الأرشيدوق كارلوس عرض عليها أن تتزوج بدوق أنجو الذي صار فيما بعد ملكا لفرنسا وسمي هنري الثالث وكان آخر رجل من بيت. قالوا: ألقيت المسألة على ديوان المشورة قال بعض الأعضاء: إن الدوق لا يلائم الملكة لأنه أصغر منها سنا (وكان عمره 20 سنة وعمرها 37 سنة) فأغضبها ذلك جدا. ويستدل من هذه الحادثة وما أشبهها أنها لم تكن تراعي جانب الخلوص في مثل هذه الأمور، وأنها كانت تغتاظ غيظا شديدا عندما ترى أحدا من خاطبيها يتزوج بغيرها بعد أن ييأس منها وجعلت سسيل لورد بورليغ وزيرا لها ووجهت إليه نظارة الخزينة وإلى السير توماس سميت مستشارية الدولة، وحصل لهاتون أهمية كبرى لأن الملكة أحبته كثيرا لكمال صفاته وجماله، واتهمها الناس أنها تعشقه وحبا بنفعه نزعت من أسقف لها كثيرا من الأوقاف وبعثت إليه برسالة في ثلاثة أسطر غاية في الخشونة. وفي أثناء الكلام عن اقترانها بدوق أنجو عرضت عليها أمها أن تزوجها بأخيه ألنسون وكان أصغر منها باثنتين وعشرين سنة قبيح الخلق والخلق، ثم انقطعت المراسلات بين أليصابات وأنجو فطلب إليها الإمبراطور مكسيميليان الثاني أن تتخذ ابنه رودلف بعلا لها مع أنها كانت في العمر أكبر من أمه وعرض عليها أيضا هنري دو نوارة إلا أن قلبها كان لم يزل متعلقا بدوق أنجو وأظهرت أنها عدلت عنه لأسباب دينية، وداول فيليب الثاني أن يقتلها فواطأ على ذلك كلا من نرفلك وماري ستوارت فكشفت المؤامرة وقتل نرفلك وماري ستوارت ثم استؤنف الكلام عن اقترانها بألنسون أخي دوق أنجو، وأصدر المجلس العالي قرارا بقتل ماري ستوارت فمل تسلم أليصابات بذلك، وفي تلك الأثناء حدثت ملحمة سنت برثلماوس سنة 1572 م، فاشتد غيظ الإنكليز وهاجوا على ماري وطلبوا قتلها فلم تجبهم أليصابات إلى ذلك رأسا، بل قبلت بتسليمها إلى السكوتلانديين الذين كان الإنكليز يعتقدون أنهم يقتلونها حالما يقبضون عليها. وسنة 1575 م طلب الهولنديون إلى أليصابات أن تملك عليهم لأنهم كانوا يعتبرونها من نسل فيليب أدوهينو فلم تجبهم إلى ذلك، ولا ساعدتهم، ولكنها قلبت سنة 1578 م أن تمدهم بالمال والرجال، واشترطت عليهم شروطا يمكنها بها أن تسترجع ما تنفه عليهم وحدث في إيرلاندا ما أتبعها وأقلقها، وكان الإيرلانديون يسمون الحرب التي أقامها اللورد منتجوى هناك الساحرة استهزاء بالملكة وتكاثرت مداخلة مندوزا سفير إسبانيا في إحداها فأكره على الخروج من إنكلترا وقتل وسجن كثيرون من المتآمرين. أما فليب هورد أرل أرندل وابن دوق نرفلك فحكم عليه بالقتل وبعد أن حبس مدة طويلة مات في السجن وألف ليستر جمعية لوقاية الملكة ممن سماهم بالمتآمرين الثانويين، وأثبت المجلس العالي ذلك بقرار أصدره وعزم على قتل ماري ستوارت إذ سعت في قتل أليصابات ثم كشفت مؤامرة تحت رياسة أنثوني بابنفتون كان في نيتها قتل الملكة وإخلاء سبيل ماري فعاد ذلك بالويل على ماري بدلا من أن تجر منه نفعا فجرت محاكمتها واختلف القضاة في ذلك اختلافا عظيما غير أنه حكم عليها بالاشتراك في المؤامرة وقتلت في فوثرنفاي في 8 شباط (فبراير) سنة 1587 م فحزنت عليها أليصابات ظاهرا حزنا شديدا، وقد تقرر فيما بعد واتضح جليا أن توقيعها على الحكم الصادر بقتل ماري كان محض تزوير. ومما لا ريب فيه أنها أرسلت إلى قلعة فوثرنفاي من دون علمها ولا أمرها، وكانت أحوال فرنسا مما لا يوجب الخوف من هذا القبيل إلا أن الباب وملك إسبانيا كانا من أعداء أليصابات الألداء يرغبان في تنكيلها وقهرها فحرمها البابا سكستوس الخامس وشهر عليها حربا صليبية وادعى فيليب الثاني بتاج الملك وبنى دعواه على أنه وارث شرعي لبيت لانكستر لكونه من سلالة ابنتي جون أف غونت اللتين ملكتا برتوغال وقسطيلة وتجهز جهازا للحصول على مطالبه ووعده البابا بمساعدات كثيرة شرطية، وفي تلك الأثناء أغار دراك على سواحل إسبانيا فعاث ونهب سفنها وهجم على ميناء قادس فألحق بسفنها ضررا كبيرا وتهيأ الإنكليز بسرعة لملاقاة عسكر فيليب فنزعوا الشقاق من بينهم واتحد الكاثوليك والبيورتيانة وباقي الشعب فكانوا يدا واحدة وجهزوا أسطولا مؤلفا من 180 سفينة تحت قيادة اللورد هورد أف أفنغام وقيادة دراك وفربيشر وهوكنس وجمعوا جيشين مؤلفين من 60 ألف مقاتل. أما الأسطول الإسبونيولي فسار من إسبانيا في 29 أيار (مايس) سنة 1588 م لغزو إنكلترا ولكن هبت زوبعة شديدة أكرهته على الرجوع ولم يلتق الأسطولان إلا في شهر تموز (جولية) فتقاتلا قرب ساحل إنكلترا وبعد أن استمرت الحرب بينهما سجالا مدة سعة أيام انكسر الإسبانيون وتبدد شملهم. وسنة 1589 م أرسلت أليصابات جيشا لتخليص البرتوغال من أيدي الإسبانيون فصادف فشلا مع أنه خرج من البحر، ووصل إلى ضواحي لبسبون وأمدت هنري الرابع ملك فرنسا بالمال والرجال لأنه كان يحارب إسبانيا والاتحاد المشهور بين سنة 1590 م، وسنة 1591 م، وسنة 1593 م التأم المجلس العالي وبعد مشاحة جرت له مع الملكة خضع لها وساء أليصابات عزم هنري الرابع على ترك المذهب البروتستانتي وكشفت مؤامرة عقدها جماعة أرادوا أن يدسوا المس في شراب أو غيره وقتلت رودريا غولوبس وهو بهوري إسبانيولي الأصل كان في خدمتها عدة سنين، وذلك لاشتراكه في تلك المؤامرة وفي ذلك الوقت عمت الاضطهادات الدينية إنكلترا كلها وقتل كثيرون من وجوه البيورتيانة، وكانت الحرب مع إسبانيا جارية على قدم وساق. وسنة 1596 م فتح قادس أسطول وجيش إنلكيزيان تحت قيادة هورد أف أفنغام وأسكس. وكان أكسس حينئذ أكثر أهل إنكلترا نفوذا وسطوة، إلا أنه لقصر عقله وسوء تدبيره لم يعد عليه مركزه ولا اعتبار الملكة له بأقل نفع، وكثرت الدسائس في البلاط الملكي فأمسى أسكس وهو أكرم رجال الدولة وأقلهم دراية آلة في أيدي أهل الغايات والمطامع وأرسل أسكس لمحاصرة الإسبانيين في بلادهم وفي الأقيانوس الأتلنتيكي: أن فيليب الثاني حاول أن يجعل ابنته ملكة لإنكلترا فلم يفعل شيئا فأغضب ذلك الملكة، ولكن لم تلبث أن رضيت عنه وتمكن من مقاومة بورليغ ومضادته إلى أن عرف بورليغ المذكور أن بينه وبين ملك سكوتلاندا مراسلة، ولما عزم هنري الرابع على عقد الصلح مع إسبانيا ورأى أن ذلك مما يغيظ أليصابات عرض على إنكلترا وإسبانيا عقد الصلح وتوسط الخلاف بينهم، فصادق بورليغ على ذلك وخالفه أسكس، وفي مجلس من الوزراء عقدته الملكة للنظر في مصالح إيرلندا حول أسكس قفاه للملكة باستخفاف فصفعته وقالت له: اذهب، لا سلمك الله فأغلظ لها إرل أسكس الكلام وهاج وماج وخرج من المجلس وبينما كان قوم يحاولون مصالحتهما توفي بورليغ في 4 آب (أغسطوس) سنة 1598 م. وبعد ذلك بستة أسابيع توفي فيليب الثاني فرجع أسكس إلى البلاط الملكي وبعد مدة وجيزة انتخب لوردا واليا لإيراندا وكانت تلك البلاد حينئذ في حال تعيسة ولم يوجه إليه ذلك المنصب عن حب بل عن غيظ وسعى له فيه أعدائه المدبرون على هلاكه وكان هو من أهل السياسة الدولية لا من المضطلعين بسياسة الأهالي ومن أهل الشرف لا من رجال الحرب فحبطت مساعيه في إيرلاندا فرجع منها من دون إذن، وسلك طريق التهور والشطط فكان كالباحث على حتفه بظلفه فسيق إلى دكة المجرمين فقتل عليها سنة 1601 م، وأمسى السير روبرت سسيل بن بورليغ أكثر وزراء أليصابات نفوذا وكان بينه وبين ملك سكوتلاندا مراسلة وطلبت الملكة أن هنري الرابع ملك فرنسا يزورها في دوفر لأنه كان في كالي إلا أنه أرسل إليها سفيره موسيودي روسني فقابلته ودار بينهما حديث مهم فإنها تكلمت في أول الأمر عن ملك سكوتلاندا، وقالت له: إنه سيخلفها في الملك ويصير لبريطانيا العظمى كلها, وهي أول من لقب بهذا اللقب، ثم أرسل إليها "هنري الرابع" سفارة أخرى فأحسنت ملتقاها وكان آخر اجتماعات المجلس العالي في أيامها في شهر تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1601 م فقاومت الامتيازات الجائزة التي كانت قد منحتها قبلا مقاومة شديدة، ولكن إذ رأت أن مقاومتها له لا تجدي نفعا عدلت عنها بوجه لا يمس فيه شرفها. وفي أوائل سنة 1603 م ورد عليها تشكيات شتى فاعتلت لذلك صحتها إلا أن سبب موتها هو أنه أصابها نزل في "رشتمند" فتوفت فيها ودفنت في 28 نيسان هذا, وإن الحوادث التي جرت في عهدها هي من أهم الحوادث التي جرت في إنكلترا والعصر ال "أليصاباتي" في التاريخ الإنكليزي هو من أزهى الأعصر وأزهرها وقد جعل له رجال السياسة والحرب والفلاسفة الكثيرون الذين نبغوا فيه من غيرهم من أهل الحذق والدراية مقاما في تاريخ العالم لم يتجاوزه عصر ألبتة, والحوادث المهمة التي جرت في حياة "أليصابات" مقررة ثابتة لا يتدافع فيها اثنان أما أوصافها فقد اختلف فيها المؤرخون. وهذه ترجمة ما ذكره عنها "فرويد" في آخر تاريخه قال: "إن مركزها من أول الأمر كان متعبا جدا, وتعلقها ي "لبستر" تعلقا مشؤوما أو غير مرتب جعلها تكره الزواج وما حل بها من اليأس زاد أطوارها غرابة, ولم تتحزب للإصلاح عن طيب خاطر بل ظروف زمانها حكمت عليها بذلك فاضطرتها إلى وقاية الأراتقة والعصاة مع أنه لم يكن لها صالح في مقاصدهم ولا كانت تؤمن بتعاليمهم وكانت تشعر بالضرورة حال خضوعها لها وما بدا منها من التردد نشأ عن حملها رغما عنها على سلوك طريق تكره المسير فيه وكانت حاذقة جدا تدرك دقائق الأمور إلا أنها لم تكن تهتم كثيرا بالأمور الخطيرة وكانت خالية عن الانفعالات النفسية التي تجعل للطبع البشري قوة وثباتا غير أنه كان لها صفة أدبية سامية جدا وهي الشجاعة فاستمرت ثلاثين سنة عاكفة على قتل الناس ولم يلحق بعقلها من جراء ذلك خلل ولا هالها أمر القساوة وكانت تحتقر التنعم والحلم في غير موضعهما وتحب البساطة في المعيشة وتقوم بأشغال صعبة, وتسلك مسلك الاقتصاد في بيتها ومع أن غرورها لم يفق عند حد لم يحل لها التملق ألبتة. وكانت إذا سمعت غيرها يتكلم بالكذب لا تنفر منه ولذلك هان عليها ارتكاب الكذب, وكانت كثيرة الدهاء والحيل لا تلوح عليها البساطة إلا عندما تخايل وتخادع وكانت إذا وعدت بشرفها تنسى ما وعدت به فضلا عن أنه لم يظهر منها ألبتة ما يدل على أنها تفهم معنى الشرف, ولاغترارها بدرايتها وفهمها كانت لا تقوم بتغيرات يسددها إليها "بورليغ" من دون أن تلحق ضررا بالمملكة وبنفسها معا ولم تعدل عن مقاومة أو مضادة إلا بعد وقوعها في المشاكل وكانت حذاقة "بورليغ" المذكور وحذاقة "ولسنفهام" مما لا تكاد تكفي لتخليصهما منها, والنتائج العظيمة التي حصلت عليها إنكلتر في أيامها لم تنشأ عن سياستها بل عن سياسة رجالها التي كان من رأيها أن تضعفها وتوهنها مع أن الأمرو كانت تقتضي عزما وحزما وإجماعا ولم تركب في إبرام الأمور متن الشتت والعجلة ونسبوا ذلك إلى حكمتها لأنه طالما كانت له نتائج حميدة فربحت بذلك وقتا وأعقد مشاكلها ما كان حله حلا مرضيا مما يقدر عليه الوقت فقط, وكانت تحب أن تملك بالراحة إلى حين وفاتها تاركة للأجيال التابعة حل ما يعرض فيها من المشاكل, وكانت ترغب كل الرغبة في أن تشتهر بالحلم والرأفة التي عاملت بها المتآمرين هي من الأمور الغريبة التي لم يبارها فيها أحد إلى الآن, وكان بينها وبين أبيها في هذا الباب بون عظيم فإنه كان يعاقب رؤساء المتآمرين ويعفو عن أتباعهم. أما "أليصابات فقلما تمكنت من حمل نفسها على إمضاء أمر بقتل بعض الأشراف على أنها كانت تستطيع أن تأمر بخنق فلاحي "يوركشير" عشرات بموجب النظام الحربي من دون أن يؤاخذها ضميرها في ذلك. والحاصل أنها طالما كانت صارمة عند وجود الحلم وحليمة عند وجود الصرامة وسبب نجاحها وسلامتها إنما هو انقسام أعدائها وضعفهم لا حكمتها وثبات عزمها". أليصابات ملكة إسبانيا ولدت سنة 1602 م، وتوفيت سنة 1644 م, وهي ابنة "هنري الرابع" ملك فرنسا من زوجته "ماريا رومديشي" زفت إلى "فيليب" ابن ملك إسبانيا سنة 1615 م. وسنة 1621 م جلس زوجها على تخت الملك وسمي "فيليب الرابع" فعهد زمام المملكة إلى كونت "اوليفارز", وانهمك في اللذات والملاهي فحاولت "أليصابات" أن تبهه من غفلته وتحمله على مقاومة سياسة وزيره التي كان من شأنها أن تفضي بالبلاد إلى الخراب, فحبط مسعاها. وسنة 1640 م حدثت ثورة في "قطلونية", وانفصلت البرتوغال عن إسبانيا وساعدت عسكر مؤلفا من خمسين ألف مقاتل ثم سارت على القصر الذي كان ينعم فيه الملك في "بون رتيرو" فأخذت ولدها من يده وقالت للملك: سيدي, إن هذا الغلام ولدنا الوحيد سيكون أفقر إنسان في أوروبا إن لم تعزل جلالتكم في الحال وزيرا ساق إسبانيا إلى الخراب فنفى "أوليفارز" ودبت الحماسة مؤقتا في عروق "فيليب" أما "أليصابات" فقطعت كل علائقها مع بيت أبيها لأنهم أمسو ألداء أعداء إسبانيا وقبضت على زمام المملكة بيدها وأخذ "فيليب" يحاول في مقدمة عساكره استرجاع ما خسره من بلاده فلم يصادف نجاحا, وأبدت "أليصابا" في إدارة مصالح البلاد حكمة ومحبة لوطنها ووفقت بين الأحزاب بإنذاراتها وفصاحتها, وباعت حليها وقللت مصاريف بيتها كثيرا مساعدة للخزينة حتى حسب الإسبانيول وفاتها مصيبة وطنية وحزنوا عليها حزنا شديدا. أليصابات بتروفنا إمبراطورة روسيا هي ابنة "بطرس الكبير" من زوجته "كاترينا الأولى", ولدت سنة 1709 م, وتوفيت سنة 1762 م. تولت بعد وفاة أبيها "بطرس الثاني" ابن "ألكسيس" (سنة 1727 م أو 1730 م) وابنة عمها "حنة أبفانفنا" بنت أكبر أولاد "بطرس الكبير" (سنة 1730 م أو 1740 م). ولم تكن "أليصابات" تميل إلى التملك بل كانت تقول: إن لذة الحب أشهى شيء غليها إلا أن "حنة" جعلت "إيفان" ابن "أنطوني أولزيك" دوق "برنسوبك" ولي عهدها تحت وصاية أمه "حنة" لأنه كان ولدا لم يبلغ من العمر إلا بضعة أشهر, وأوصت أن تكون وكالة الملك مدة قصره في يد محبوبها "بيرون" فحرمت "أليصابات" الملك بذلك ثالثة, ولم تقف الأمور عند هذا الحد بل أمست حرية "أليصابات" في خطر, لأن الحسد الذي ربي في عروق أم الغلام الذي جعل وليا للعهد حملها على أن تتبصر في التخلص من وكيل الملك, ومن "أليصابات" نفسها, فأشارات عليها أن تترهب إلا أن "لستوق" جراحها ومحبها واطأ جماعة على رد كيد أعدائها في نحورهم وساعده على ذلك الحزب الروسي الوطني ودسائس سفير "لويس الخامس عشر" ملك فرنسا فأفضى الأمر بالمتآمرين على حمل السلاح والخروج على الحكومة, فغلبوا "حنة" "وإيفان" ونصبوا "أليصابات" إمبراطورة في شهر كانون الأول (ديسمبر) سنة 1741 م. وجعلت "حنة" مع زوجها وكثيرين من حزبها في السجن وحبس "إيفان" في قلعة "شلسلبرغ" فلم يخرج منها فيما بعد وعهدت مصالح الدولة والبلاد إلى جماعة من رجال "أليصابات" كانوا مثلها خالين عن الشهامة والدراية واستوت فيها محبة البطل والشهوات وبدا منها أحيانا ما دل على شدة قساوة, وتوحش إلا أنها كانت مرارا حليمة وكانت كريمة الأخلاق وقد رقت على المناصب العلية رجالا روسيين من الأفاضل وأهل السياسة وعينت "بطرس" ابن أختها "حنة روشيس هلستين غترب" المتوفاة وليا للعهد. وانتصرت في حرب جرت لها مع أسوج وانتهت بمعاهدة صلح انعقد في "آبو" سنة 1743 م, ثم كشفت مؤامرة أقيمت عليها فألقت القبض على المتآمرين وقاصصتهم قصاصا شديدا وأمدت "مريا تيريزا" بجيش لمحاربة "فرديريك الكبير" فساعدت بذلك على عقد معاهدة صلح في "أكس لا شابيل" سنة 1748 م, ثم حركها كل من "شوفالوف" و"بستوزف" ضد بروسيا وكان قد ساءها استهزاء وقع عليها من ملكها فحالفت النمسا وفرنسا عليه في الحرب المعروفة بحرب السنين السبعة وقامت عساكرها تحت إمرة "سوتيكوف" و"بوتورلين" و"أبراكسين" وفر "مور" بأعمال جرت ويلات كثيرة على بروسيا فانتصروا في موقعتي "غروس ياغرندرف" و"كورنسدرف" كلتيهما واستولوا على "كلبرغ" وحلوا في نفس برلين, ولما توفيت الإمبراطورة تخلص فرديريك من عدوة قوية وترجى أن يلقى مساعدة من خلفها "بطرس الثالث", أما الفساد الذي وقع في بلاطها فاستمر فيه على وفاتها وكان "راز" و"موفسكي" في الأصل من القزق المجهولي الحسب والنسب فجعلته من بعض حشمها ثم جعلته نديمها ووجهت إليه رتبة فلد مارشال واتخذته لها بعلا في السر ويقال: إنه أب لثلاثة من أولادها ومن الأعمال الخطيرة التي تذكر بها "أليصابات" تأسيسها المدرسة الكائنة في موسكو وأكاديمية الفنون المستطرفة في "بطرس برج" وكانت تحب نشر الفنون المذكورة وجرى لها مع "فولتير" المشهور مراسلة مكنته بها من الحصول على المواد اللازمة لتاريخ أبيها. أليصابات ملكة بوهيميا ولدت سنة 1596 م, وتوفيت 1662 م, وهي ابنة "جيمس الأول" ملك إنكلترا. كانت حسنة الصفات أديبة, خطبها كثيرون فآثرت هي وأبوها "فرديريك الخامس" المنتخب البلاتيني لأنه كان على مذهب البروتستانت فعقد الزواج باحتفال عظيم سنة 1613 م بلغت مصايفه 53 ألف ليرة, وكان المهر ألف ليرة إنكليزية, وكان زوجها رأس الحزب البروتستانتي في ألمانيا, ولما عرض عليه عصاة بوهيميا سنة 1619 م أن يتملك عليهم ألحت عليه بإجابتهم إلى ذلك, وقالت له: إن كنت تخشى أن تصير ملكا فلماذا تزوجت ابنة ملك؟ ثم دخلت "براغ" وجلست على تخت الملك بأبهة, غير أن مدة ملكها لم تطل لأن جنود الإمبراطورية تقدمت إلى أملاك "فرديريك" الأصلية وأغارت على بوهيميا أيضا. وبعد موقعة "براغ" سنة 1620 م اضطر الأمر كلا من "فردريك" وزوجته الملكة إلى الفرار فأمنهما عنه "موريس دوناسوفي هاغ" وولدت هناك أكثر أولادها, ومن جملتهم البرنس "روبرت" المشهور في تاريخ الحروب الأهلية الإنكليزية أما صغرى أولادها فصارت أميرة منتخبة ل "هانوفر" وهي جدة البيت الملكي الإنكليزي الحالي, ولدت سنة 1630 م بعد ولادة "شارل الثاني" ابن أخيها ورجعت "أليصابات" على إنكلترا سنة 1660 م, فأقامت نحو ستة أشهر في بيت اللورد "كرافن", وتوفيت به بعد وفاة زوجها سنة 1638 م, وكان بينهما مودة عظيمة وقد تغزل السير "هنري وتون" بمحاسنها في بعض أشعاره. أليصابات دو فالوا أو إيزابلا دو فالوا ملكة إسبانيا ولدت في "فونتينيلو" في 13 نيسان (أفريل) سنة 1545 م, وتوفيت في مدريد في 3 تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1568 م, وهي ابنة "هنري الثاني" ملك فرنسا من زوجته "كاترينا دو مديشيط, خطبت بموجب معاهدة عقدت في "أنجلس" سنة 1551 م ل "إدورد السادس" ملك إنكلتر إلا أن "إدورد" المذكور توفي قبل قيام عقد الزواج ثم خطبت بموجب مقدمات معاهدة الصلح التي أبرمت في "كاتو كمبريسيس" للدون "كارلوس" ابن ملك إسبانيا وفي 3 نيسان (أبريل) سنة 1559 م قررت المعاهدة ولكن إذ كانت زوجة "فيليب الثاني" والد الدون "كارلوس" قد توفيت اتخذها له عوض ابنه. وسنة 1560 م أقيم في "توليدو" احتفال عظيم للعرس. ألينورا رغويانه هي ابنة "وليم العاشر" آخر دوقات "أكونيانيا" ووارثتهو ولدت سنة 1122 م, وفي سنة 15 من عمرها تزوجت "لويس الثامن" ملك فرنسا فجعلت دوقية "غويانه" و"غسكونيا" و"سنتونج" و"بوانو" و"بيارن" مهرا لها إلا أن طيشها وميلها إلى الخلاعة والملاهي ساء "لويس" زوجها واشتد الختلاف بينهما في أثناء الحرب الثانية الصليبية وكانت قد صحبته فيها سنة 1147 م فاستأذن مجمع "بوجنسي" في طلاقها فسمح له بذلك فطلقها سنة 1152 م وبعد ذلك بستة أسابيع تزوجت "هنري نلانتاجنت" كونت "آنجو" و"روف بورمنديا" الذي صار بعد ذلك ملكا لإنكلترا وسمي "هنري الثاني" سنة 1154 م, فانتقلت بذلك ولايات "أكوتيانيا" إلى إنكلتر إلا أن زواجها هذا لم يكن خبرا من الأول لأن نساء البلاط الملكي حسدنها كثيرا وقتلت "روزمندا" إحداهن وألقت الرعب في قلوب أهل البيت الملكي وحركت البنين على آبائهم فمل "هنري" بأعمالها فسجنها في دير سنة 1173 م, فلم تخرج من سجنها إلا عندما جلس ابنها "رتشرد" الملقب بلقب الأسد على تخت الملك وذلك سنة 1189 م, وعهدت إليها إدارة المملكة مدة غياب "رتشرد" المذكور في الحرب الثالثة الصليبية وبعد رجوعه إلى إنكلترا بمدة وجيزة دخلت دير "فونتفرو" وبقيت فيه إلى أن ماتت سنة 1203 م. ألينورا روغوزمان امرأة إسبانيولية كانت تعتبر في زمانها أجمل نساء إسبانيا, عشقها "ألفونس الحادي عشر" ملك "قسطيلة" الملقلب بالمنتقم, واستعرت في قلبه نيران الغرام, فغاب عن الهدى وافتضح فيها افتضاح العاشقين, وخلع العذار, وتصامم عن كلام العاذلين, وكان يعاملها معاملة زوجة فلا يستحي في هواها ولا يخشى لوم لائم ولولا أسباب سياسة مهمة جدا لطلق زوجته البرتوغالية, واتخذها له زوجة بدلا منها, غير أن "ألينورا" لم تكن دون الملكة إلا في اللقب فقط واستمرت 20 سنة مالكة قلب "ألفونس" وولد لها منه توأمان أحدهما "هنري روترتستامار" الذي جلس على تخت الملك والآخر "فرديريك" رئيس "كافليريه مار يوحنا" ولما توفي الملك سنة 1350 م أرادات الملكة أن تنتقم من عشيقته فألقت عليها القبض في "إشبيلية" سنة 1351 م, ولم يتمكن ولداها من إنقاذها مع أنهما بذلا في ذلك السبيل ما في وسعهما فقتلت خنقا في قصر الملكة على مرأى منها ومن ولدها "بطرس" الملقب بالعاس. ألينورا زوجة دون جوان دواكنبها كانت بديعة الجمال وكان زوجها غنيا إلا أنه كان دونها في الشرف وأكبر منها سنا, سار بها إلى بلاط "ليسبون", ولما رآها "فردينندو الأول" أسره حسنها ودلالها وحرمه حبها لذيذ المنام, فأخذ يلاطفها ويغازلها ويؤلنسها, وطلب إليها أن تكون له عشيقة فأبت, فحمل زوجها على أن يطلقها واتخذها له زوجة بعد أن قطع ما كان بينه وبين بنت ملك "قسطيلة" من العلائق, فنشأ عن ذلك ثورة في "ليسبون", ولكنها أخمدت في الحال, وجعلت "ألينورا" ملكة سنة 1371 م. وكانت على جانب عظيم من الكبرياء والطمع فوجهت إلى ذوي قرابتها أسمى المناصب وخشيت أن يقع بينها وبين أختها زوجة "ألانفنك دون جوان" منازعة على تخت الملك فحملت "دون جوان" المذكور على قتلها وقتلت أيضا باقي أعدائها وغمرت المتحزبين لها بالعطايا والأموال, ثم جعلت "الدون جوان أنديرو" من أعيان "قسطيلة" رئيسا للوزارة ووجهت إليه لقب كونت "أورين" وذلك لأنها كانت تحبه أكثر من زوجها وجعلها "فيردنند" قبل وفاته وكيلة للملكفأشركت حبيبها المذكور في غدارة المملكة إلا أن الوقت لم يصف لهما لأن ال "دون جوان" أراد أن ينزع الوكالة من يدها فدخل قصرها وقتل "أنديرو" في حضنها سنة 1383 م, وتفاقم غيظ الشعب من سلوكها فخافت على نفسها وخرجت من "ليسبون" ولم تزل سائرة إلى أن وصلت إلى "شنترين" فاستطعت صهرها "فردينندو" ملك "قسطيله" وتخلت له عن الملك وكانت تؤمل أن يأخذ بثأرها من سكان "لبستون" فإنها كانت تبغضهم جدا إلا أنه هو أيضا خشي عواقب خبثها وطمعها فحبسها في دير "تورديز بلاس" قرب بلاد الوليد فتوفيت فيه سنة 1405 م بعد أن مزق الحزن فؤادها. أمستريس زوجة دارا ملك فارس اشتهرت بشدة انتقامها من امرأة شقيق زوجها "أردانيت" وكان زوجها قد عشقها وكان من عادة ملوك فارس أن يمنحوا زوجاتهم في بعض الاحتفالات أي شيء طلبنه فانتهزت " امستريس" تلك الفرصة وطلبت أن تدفع إليها "أردانيت" فأجابها إلى ذلك فقطعت أنفها وأذنيها وحاجبيها ولسانها, وثدييها وطرحت شلوها للكلاب فتحرك الغيظ في قلب زوجها "ماسستس" وعزم على أن يأخذ بثأرها فلم تمهله "أمستريس" بل أنفذت إليه من قتله ولكي تؤدي للآلهة شكرها على ما أولتها من نجاح مقاصدها الفظيعة قربت لها 14 شابا من أشراف فارس أمرت بإحراقهم أحياء. انظر إلى هذه العظمة والكبرياء التي كانت أول خراب ملك "دارا" حتى صار كما اراناه التاريخ. أمستريس ابنة أخي داريوس وامرأة "ديوينسيوس" طاغية هرقلية النبطش يظن أنها أسست مدينة "أمستريس" المسماة الآن أمصترا أو حسنتها. ويقال: إنها ابنة الملك "داريوس" لا ابنة أخيه كانت ذات جمال فائق وعقل رائق سلبت عقول اليونان بحسن سياستها وتدبير أعمالها حالة كونها ابنة ألد أعدائهم, وتوفيت وهم راضون عنها حتى إن بعضهم كان يعظمها مثل المعبودات. أليصابات كارمن سيلفا ملكة رومانيا هو الاسم الذي انتخبته لنفسها وأصل اسمها "أليصابات أوتيلي لويز رونويد" ولدت هذه الملكة في 29 خلت من ديسمبر سنة 1843 م ببلدة "موتربو" بقرب "تويد" اقترن بها في الخامس عشر من شهر نوفمبر سنة 1869 م البرنس "شارل دي هوهترلون" الذي ألقيت إليه فيما بعد مقاليد الحكم برومانيا فقبل, وجعل هذه الإمارة من عداد الممالك المشهورة وذلك بعد حرب الترك والروس سنة 1877 م, وقد رزقه الله في بادئ الأمر ببنت يسحر جمالها الألباب وتأخذ نباهتها وذكاؤها بالقلوب, ولكن لم يكن لها من طول الحياة نصيب حيث قصمت المنية عود شبابها, وقد سبب موتها لوالدتها من الآلام المرة ما لا يمكن الفهم وصفه ومحا من مخيلتها ما هي فيه من العز والجاه والفخار, ولها الحق في أن تقدم نفسها ضحية على مذبح الهموم والأكدار لأن ابنتها وقطعة كبدها حلت من الأدب والعلم إلى درجة قل أن يدرك شأوها من كان أكبر منها سنا من الذكور والإناث. وكان للملكة ميل غريزي للسفر كامن فيها, فلما توفيت ابنتها برز هذا الميل وقالت من الشعر الرقيق, واللفظ الرشيق حتى إنها حازت بين قومها شهرة لم يسبقها إليها من انتهى إليه علم الشعر وكانت لها المشاركة الكلية في علم الأدب والوقوف التام على كلام الفصحاء. وأما خصالها الحميدة وأفعالها المحمودة فحدث ولا حرج فإنها هي التي استحوذت على قلوب قومها, واستولت على عقول عشيرتها بما لها من لهجة الجانب ووداعة الأخلاق, والشفقة على المساكين من الرعايا واللطف بهم. وشاهدنا على ذلك لما كان زوجها يحارب تحت أسوار مدنية بلغتا بشجاعته المشهورة وشهامته التي لا تنكر كانت هي من جهة أخرى تواسي من أصيب بالجروح من العساكر وتسليه بالألفاظ التي لو كان به مهما كان لقام على قدم الصحة وشاركها في طريق العافية والشفاء. ولما عمل عقد السلم وانقشعت سحب الحرب عادت إلى مقر وحدتها ومركز عزلتها وهو قصر السمائية نفسها في مخالب الحزن والهم على بنتها وتقطع حبل الوقت بمواصلة الليل بالنهار في المطالعة. وإليها تنسب الآن نهضة أهل رومانيا في العلوم الأدبية لاسيما في الشعر منها وطالما شدت أذن الشاعر المشهور "إسكندر باشيلي" الذي هو الآن معتمد رومانيا في باريس ومدت إليه يد المساعدة في الأعمال الفكرية والمؤاثرة الشعرية, والمؤلفات المترجمة عديدة كثيرة التباين والاختلاف, فمنها ما هو نثر ومنها ما هو شعر وقد اشتهر فضلها في البلاد الفرنساوية فأخذ علماء هذه الديار في ترجمة مؤلفاتها النفيسة فقد ترجم الكاتب الشهير "لويز أولياك" كتابا لها عنوانه: "خطرات أفكار ملكة" وترجم الكاتب "سال" مؤلفاتها الشعرية والحوادثية. وممن تصدى إلى كتابة تاريخ حياة هذه الملكة باللغة النمساوية جناب البارون "هكلرج" وقد طبع تاريخ حياتها جملة مرات, وكانت الطبعة الخامسة بمدينة "هردلبرق" سنة 1889 م وجناب الموسيو "ميت كرمنتر" طبعه بمدينة "يرسلو" سنة 1882 م, ومفصل ترجمة حياتها أيضا بقلم الموسيو "سرجي" طبع في باريس سنة 1890 , ولم تشتهر ترجمة ملكة مثل ترجمة هذه الملكة. |
||||
|
| الأوسمة والجوائز لـ » المحارب |
| بينات الاتصال لـ » المحارب |
| اخر مواضيع » المحارب |
| إحصائية مشاركات » المحارب | |
| عدد المواضيـع : | 456 |
| عدد الـــــــردود : | 658 |
| المجمــــــــــوع : | 1,114 |
|
|
رقم المشاركة : ( 3 ) | ||||
|
نائب المدير العام للأنساب والمشجرات
|
أم السعد ابنة عصام الحميري
وتعرف بسعدونة من أهل قرطبة روت عن أبيها وجدها وغيرهما, وأنشدت لنفسها في تمثال نعل النبي صلى الله عليه وسلم تكملة لقول غيرها هذا البيت: سألثم التمـثـال إن لـم أجـد للثم نعل المصطفى من سبيل وهي قولها: لعلي أن أحظى بتـقـبـيلـه في جنة الفردوس أسنى مقيل في ظل طوبى ساكنـا آمـنـا أسقى بأكواب من السلسبـيل وأمسح القـلـب بـه عـلـه يسكن ما جاش به من غلـيل فطالما استشفى بأطـلال مـن يهواه أهل الحب في كل جيل أم العلاء بنت يوسف الحجاريه كانت شاعرة, لبيبة, أديبة, ذات حسن, وجمال, وأدب وكمال, لها قصائد طنانة وموشحات رنانة ذكرها صاحب المغرب وقال: إنها من أهل المائة الخامسة. فمن شعرها قولها: كل ما يصدر منكم حسـن وبعلياكم يحلى الـزمـن تعطف العين على منظركم وبذكراكـم تـلـذ الأذن من يعش دونكم في عمره فهو في نيل الأماني يغبن وعشقها رجل أشيب فكتبت إليه: الشيب لا ينجع فيه الصـبـا بحيلة فاسمع إلى نصحـي فلا تكن أجهل من في الورى يبيت في الحب كما يضحي ولها أيضا: افهم مطارح أحوالي وما حكمت به الشواهد واعذرني ولا تلـم ولا تلكني علـى عـذر أبـينـه شر المعاذير ما يحتاج للكـلـم وكل ما جئته من زلة فـبـمـا أصبحت في متن من ذلك الكرم وتوفيت في بلدها وادي الحجارة بالأندلس. أم الكرام هي ابنة المعتصم بن حماد ملك المرية كانت تنظم الشعر وتقول العروض, ولها الباع الطويل بالموشحات الأندلسية وقد افتخرت بها نساء العرب. وكانت عشقت الفتى المشهور بالجمال من دانية المعروف بالسمسار وعملت فيه الموشحات ومن شعرها فيه: يا معشر الناس ألا تعجبوا مما جنته لوعة الحـب لولاه لم ينزل بدر الدجى من أفقه العلوي للترب حسبي بمن أهواه لو أنه فارقني تابعه قلـبـي أم الهناء ابنة القاضي أبي محمد عبد الحق بن عطية سمعت عن أبيها وكانت حاضرة النادرة, سريعة التمثل من أهل العلم والفهم والعقل, ولها تأليف في القبور ولي أبوها القضاء في المرية, دخل مرة وعيناه تذرفان وجدا لمفارقة وطنه فأنشدته تمثله: يا عين صار الدمع عندك عادة تبكين في فرح وفي أحزان وهذا البيت من جملة أبيات وهي: جاء الكتاب من الحبيب بأنـه سيزورني فاستعبرت أجفاني غلب السرور علي حتى إنـه من عظم ما قد سرني أبكاني وبعده البيت السابق وبعد هذا البيت الآتي: فاستقبلي بالبشر يوم لـقـائه ودعي الدموع لليلة الهجران أم بسطام بن قيس النصراني سيد بني شيبان كانت من نساء العرب المتقدمات في الأدب ذات شعر رائق, ومعنى فائق, فمن قولها ترثي ولدها بسطام حين قتل يوم الشقيقة قتله بنو ضبة: لبيك ابن ذي الجدين بكر بـن وائل فقد بان فيها زينها وجمـالـهـا إذا ما غدا فيها غـدون كـأنـهـم نجوم سماء بينهـن هـلالـهـا فيا لله عينا من رأى مثلـه فـتـى إذا الخيل يوم الروع هب نزالهـا عزيز مكـر لا يهـد جـنـاحـه وليث إذا الفتيان زلت نعـالـهـا وحمال أثقال وعـائذ مـحـجـر وليث إذا الفتيان زلت نعـالـهـا سيبكيك عان لم يجد مـن يفـكـه وتبكيك فرسان زلت رحـالـهـا وتبكيك أسرى طالما قد فككتـهـم وأرملة ضاعت وضاع عيالـهـا مفرج حومات الخطوب ومدرك ال حروب إذا صالت وعز صيالهـا فغشى بها حيا كذاك ففـجـعـت تميم بها أرماحهـا ونـبـالـهـا فقد ظفرت منا تـمـيم بـعـثـرة وتلك لعمري عثرة لا تقـالـهـا أصيبت به شيبان والحي يشـكـر وطير يرى أرسالها وحبـالـهـا أم حكيم ابنة عبد المطلب الهاشمية الملقبة بالبيضاء كانت من النساء الحكيمات العاقلات في بني هاشم جمعت مع الحكمة وفرة الأدب, ومع البلاغة فصاحة العرب كانت مع أخواتها رثت أباها في حياته كطلبه بهذه الأبيات: ألا يا عين جودي واستهلـي وبكى ذا الندى والمكرمات ألا يا عين ويحك أسعدينـي بدمعك من دموع هاطلات وبكى خير من ركب المطايا أباك الخير تيار الـفـرات طويل الباع شيبة ذا النعالـي كريم الخيم محمود الهبات وصولا للقـرابة هـبـرزيا وغيثا في السنين الممحلات وليثا حين تشتجر العـوالـي تروق له عيون الناظرات عقيل بني كنانة والمرجـي إذا ما الدهر أقبل بالهنـات ومفزعها إذا ما هاج هـيج بداهية خصيم المعضـلات فبكيه ولا تسمـي بـحـزن وبكى ما بقيت البـاكـيات أم حكيم ابنة قارظ هي حليلة عبد الله بن العباس بن عبد المطلب كانت من فصحاء نساء العرب وأحسنهن أدبا وجملا, وأثبتهن جنانا, وكانت تقول الشعر وأكثر أشعارها رثاء على ولديها وكانا صغيرين, اسم أحدهما عبد الرحمن, والآخر قثم. فلما فاز معاوية بعد تحكيم الحكمين بعث بالضحاك بن قيس, وبسر بن أرطأة بجيش وأمرهما أن يقتلا كل من كان من شيعة على بن أبي طالب حتى الأطفال والحرم فذهب بسر إلى اليمن وكان عبيد الله بن العباس عاملا هناك فلما لم يجده أغار على بيته فعثر بولديه المذكورين فذبحهما بشفرة كانت معه فجزعت أمهما عليهما جزعا شديدا, وخالط عقلها تطوف الأحياء وتقصد المنتديات في المواسم وحيثما رأت مجتمعا رفعت صوتا يقطعه البكاء وتنشد مراثي يرق لها الجلمود ومن مراثيها قولها: يا من أحس بابني الـلـذين هـمـا كالدرتين تشظى عنهما الصـدف يا من أحس بابني الـلـذين هـمـا سمعي وقلبي فقلبي اليوم مردهف يا من أحس بابني الـلـذين هـمـا مخ العظام فمخي اليوم مختطـف نبئت بسرا وما صدقت ما زعمـوا من قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا أنحى على ودجي ابنـي مـرهـفة مشحوذة وكذاك الإفك يقـتـرف حتى لقيت رجالا مـن أرومـتـه شم الأنوف لهم في قولهم شـرف فالآن ألعن بسرا حـق لـعـنـتـه هذا لعمر أبي بسر هو السـرف من دل والـهة حـرى مـولــهة على حبيبين ضلا إذ غدا السلـف فكان كل من يسمعها تنفجر منابع عينيه حزنا عليها وتنفطر صفاة قلبه رثوا إليها فسمعها يوما يماني ذو نفس أبية ونخوة جاهلية, فذهب إلى بسر وتلطف بالتزلف إليه حتى وثق به فخرج يوما بولديه إلى وادي أوطاس وقتلهما ثم فر وأنشد: يا بسر بسر بني أرطاة ما طلـعـت شمس النهار ولا غابت عن النـاس خير من الهاشميين الـلـذين هـمـا عين الهدى وصمام إلا سوق القاسي ماذا أردت إلى طفـلـي مـولـهة تبكي وتنشد من أثكلت في النـاس أما قتلتهما ظلمـا فـقـد شـرفـت من صاحبيك قناتـي يوم أوطـاس فاشرب بكأسهما ثكلا كما شـربـت أم الصبيين أو ذاق ابـن عـبـاس ومن قولها أيضا: ألا يا من سبى الأخوي ن أمهما هي الثكلى تسائل من رأى ابنيهـا وتستسقي فما تسقى فلما استيأست رجعت بعبرة واله حـرى تتابـع بـين ولـولة وبين مدامع تتـرى وقيل: إنه لما بلغ علي بن أبي طالب قتل "بسر" الصبيين جزع لذلك جزعا شديدا ودعا على "بسر" بقوله: اللهم اسلبه دينه ولا تخرجه من الدنيا حتى تسلب عقله. فأصابه ذلك, وفقد عقله وكان يهذي بالسيف ويطلبه فيؤتى بسيف من خشب, ويجعل بين يديه زق منفوخ, فلا يزال يضربه حتى يسأم. وقيل: دخل عبيد الله بن العباس على معاوية بن أبي سفيان وعنده بسر بن أرطأة فقال له عبيد الله: أنت قاتل الصبيين أيها الشيخ؟ قال: نعم, أنا قاتلهما. فقال عبيد الله: لوددت أن الأرض كانت أثبتتني عنك. قال: فقد أثبتتك الآن عندي فقاما فقال عبيد الله: ألا سيف. فقال له "بسر": هاك سيقي فلما أهوى عبيد الله إلى السيف ليتناوله أخذه معاوية ثم قال ل "بسر" أخزاك الله شيخا, قد كبرت وذهب عقلك وذاك رجل من بني هاشم قد وترته وقتلت ابنيه تدفع إليه سيفك إنك لغافل عن قلوب بني هاشم والله لو تمكن منه لبدأ بي قبلك. قال عبيد الله: أجل والله, وكنت أثني به. أم خالد النميرية كانت من نساء العرب المشهورات بالعقل والذكاء والتدبير في قبيلتها بني نمير وهي مشهورة بأم خالد وشهرتها غلبت اسمها, ولذلك لم تأت الرواة عليه ولها أبيات في ولدها خالد وكان توفي في بعض الغزوات ودفن في الغربة وهي: إذا ما أتتنا الريح من نحو أرضه أتتنا برايات نصاب هبوبـهـا أتتنا بمسك خالط المسك عنبـر وريح خزامى باكرتها جنوبها أحن لذكراه إذا مـا ذكـرتـه وتنهل عبرات تفيض غروبها حنين أسير نـازح شـد قـيده وأعوال نفس غاب عنها حبيبها وقالت وهو يروى لأم الضحاك المحاربة: وكيف يسـاوي خـالـدا أو ينـالـه خميص في التقوى بطين من الخمر أم الخير ابنة الحريش بن سراقة البارقية كانت من المتكلمات الخطيبات البليغات من نساء العرب وفدت على معاوية كما قال عبد الله بن عمر الغساني عن الشعبي أن معاوية كتب إلى واليه بالكوفة أن يحمل إليه أم الخير ابنة الحريش ورحلها وأعلمه أنه مجازيه بالخير خيرا, وبالشر شرا بقولها فيه, فلما ورد عليه كتابه ركب إليها فأقرأها كتابه فقالت: وأما أنا فغير زائغة عن طاعته, ولا معتلة بكذب. ولقد كنت أحب لقاء أمير المؤمنين لأمور تختلج في صدري فلما شيعها وأراد مفارقتها قال لها: يا أم الخير إن أمير المؤمنين كتب إلي أنه مجازيني بالخير خيرا, وبالشر شرا فما عندك؟ قالت: يا هذا, لا يطعمك برك بي أن أسرك بباطل ولا يؤيسك معرفتي بك أن أقول فيك غير الحق فسارت خير مسير حتى قدمت على معاوية, فأنزلها مع الحرم. ثم أدخلها في اليوم الرابع وعنده جلساؤه فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته, قال لها: وعليك السلام يا أم الخير بحق ما دعوتني بهذا الاسم. قالت: يا أمير المؤمنين, لكل أجل كتاب. قال: صدقت, فكيف حالك يا خالة وكيف كنت في مسيرك؟ قالت: لم أزل يا أمير المؤمنين في خير وعافية حتى سرت إليك فأنا في مجلس أنيق عند ملك رفيق, قال معاوية: بحسن نيتي ظفرت بكم. قالت: يا أمير المؤمنين, يعيذك الله من دحض المقال وما تخشى عاقبته. قال: ليس هذا أردنا, أخبريني كيف كان كلامك إذ قتل عمار بن ياسر؟ قالت: لم أكن زورته قبل ولا رويته بعد وإنما كانت كلمات نفثها لساني عند الصدمة فإن أحببت أن أحدثك مقالا غير ذلك فعلت, فالتفت إلى جلسائه فقال: أيكم يحفظ كلامها؟ فقال رجل منهم: أنا أحفظ بعض كلامها يا أمير المؤمنين. قال: هات. قال: كأني بها بين بردين زائرين كثيفي النسيج وهي على جمل أرمك, وبيدها سوط منتشر الضفيرة, وهي كالفحل يهدر في شقشقته تقول: "يا أيها الناس, اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة في عمياء مدلهمة, فأين تريدون رحمكم الله إفرارا عن أمير المؤمنين أم فرارا من الزحف, أم رغبة عن الإسلام, لأم ارتدادا عن الحق؟ أما سمعتم الله جل شأنه يقول: (ولنبلونكم حتى نعلم المجهدين منكم والصبرين ونبلوا أخباركم) (محمد:31). ثم رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول: اللهم قد عيل الصبر وضعف اليقين وانتشرت الرغبة وبيدك يا رب أزمة القلوب فاجمع اللهم بها الكلمة على التقوى وألف القلوب على الهدى واردد الحق إلى أهله هلموا رحمكم الله إلى الإمام العادل والرضي التقي, والصديق الأكبر إنها إحن بدرية وأحقاد جاهلية وسببها واثب حين الغفلة ليدرك ثارات بني عبد شمس, ثم قالت: قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون صبرا, يا معاشر المهاجرين والأنصار قاتلوا على بصيرة من ربكم وثبات من دينكم فكأني بكم غدا وقد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة فرت من قسورة لا تدري أيا يسلك بها من فجاج الأرض باعوا الآخرة بالدنيا, واشتروا الضلالة بالهدى وعما قليل ليصبحن نادمين حين تحل بهم الندامة فيطلبون الإقالة ولات حين مناص إن من ضل والله عن الحق وقع في الباطل, ألا إن أولياء الله استصغروا عمر الدنيا فرفضوها واستطابوا الآخرة فسعوا لها, فالله الله أيها الناس قبل أن تبطل الحقوق, وتعطل الحدود, وتقوى كلمة الشيطان فإلى أين تريدون رحمكم الله عن ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهره وأبي سبطيه خلق من طينته وترفع من نبعته وجعله باب دينه, وأبان ببغضه المنافقين, وها هو ذا مفلق الهام ومكسر الأصنام صلى والناس مشركون, وأطاع والناس كارهون فلم يزل في ذلك حتى قتل مبارزيه وأفنى أهل أحد وهزم الأحزاب وقتل الله به أهل خبير وفرق به جمع أهوائهم فيا لها من وقائع زرعت في القلوب نفاقا, وردة, وشقاقا, وزادت المؤمنين إيمانا. قد اجتهدت في القول وبالغت في النصيحة وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله. فقال معاوية: يا أم الخير ما أردت بهذا الكلام إلا قتلي, ولو قتلتك ما حرجت في ذلك. قالت: والله ما يسوءني أن يجري قتلي على يد من يسعدني الله بشقائه. قال: هيهات, يا كثيرة الفضول ما تقولين في عثمان بن عفان رحمه الله؟ قالت: وما عساني أن أقول في عثمان, استخلفه الناس وهم به راضون, وقتلوه وهم له كارهون. قال معاوية: يا أم الخير, هذا ثناؤك الذي تثنين؟ قالت: لكن والله يشهد وكفى بالله شهيدا ما أردت بعثمان نقصا, ولكن كان سابقا إلى الخير وإنه لرفيع الدرجة غدا. قال: وما تقولين في الزبير؟ قالت: وما أقول في ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة وأنا أسألك بحق الله يا معاوية فإن قريشا تحدثت أنك أحلمها أن تعافيني من هذه المسائل وتسألني عما شئت من غيرها قال: نعم ونعمة عين قد عفيتك منها. ثم أمر لها بجائزة رفيعة وردها مكرمة إلى الكوفة وبقيت في عز إلى أن توفاها الله. أم سلمة زوجة السفاح هي ابنة يعقوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة المخزومي وكانت ذات أدب وجمال ومال تزوج بها عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك فهلك عنها, ثم كانت عند هاشم فهلك عنها, وسبب زواجها بالسفاح هو أنها بينما كانت ذات يوم جالسة في منزلها إذ مر بها أبو العباس السفاح وكان جميلا وسيما فسألت عنه, فنسب لها, فأرسلت له مولاة لها تعرض عليه أن يتزوجها. وقالت لها: قولي له هذه سبعمائة دينار أوجه بها إليك وكان معها مال عظيم وجوهر وحشم فأتته المولاة فعرضت عليه ذلك فقال: أنا مملق لا مال عندي, فدفعت إليه المال فأنعم لها وأقبل إلى أخيها فسأله التزويج بها فزوجه إياها فأصدقها خمسمائة دينار وأهدى لها مائة دينار ودخل عليها من ليلته وإذا هي على منصة فصعد عليها فإذا كل عضو منها مكلل بالجوهر فلم يصل إليها فدفعت بعض الجواري فنزلت وغيرت لبسها ولبست ثيابا مصيفة وفرشت له فرشا على الأرض دون ذلك فلم يصل إليها فقالت: لا يغرك هذا كذلك كان غيرك يصيبه مثل ما أصابك فلم تزل به حتى وصل إليها من ليلته, وحظيت عنده وحلف أن لا يتزوج عليها ولا يتسرى فولدت له محمد وريطة, وغلبت على أمره غلبة شديدة حتى إنه كان لا يقطع أمرا إلا بمشورتها حتى آلت الخلافة إليه فلم يكن يدنو من غيرها لا حرة ولا أمة, ووفى لها بما حلف أن يغيرها فبينما كان ذات يوم في خلافته إذ خلا به خالد بن صفوان فقال: "يا أمير المؤمنين, إني فكرت في أمرك وسعة ملكك وقد ملكت نفسك امرأة واحدة فإن مرضت مرضت, وإن غابت غبت, وحرمت نفسك التلذذ واستطراف الجواري ومعرفة أخبارهن وحالاتهن والتمتع بما تشتهي منهن فإن منهن يا أمير المؤمنين الطويلة الغيداء, والغضة البيضاء, والعقيقة الأدماء, والدقيقة السمراء, والبربرية العجزاء, من مولدات المدينة تفتتن بمحادثتهن وتلذ بخلوتهن, وأين أمير المؤمنين من بنات الأحرار والنظر إلى ما عندهن وحسن الحديث منهن, ولو رأيت يا أمير المؤمنين الطويلة البيضاء, والسمراء اللعساء, والصفراء العجزاء, والمولدات من البصريات, والكوفيات ذات الألسن العذبة, والقدود المهفهفة والأوساط المخصرة, والأصداغ المظرفنة, والعيون المكحلة, والثدي المحققة, وحسن زيهن وزينتهن وشكلهن لرأيت شيئا حسنا". وجعل خالد يجيد في الوصف ويجد في الإطناب بحلاوة لفظه, وجودة وصفه, فلما فرغ كلامه قال له أبو العباس: ويحك يا خالد ما حك مسامعي والله قط كلام أحسن مما سمعته منك فأعد علي كلامك فقد وقع مني. فإعاد عليه خالد أحسن من الأول ثم انصرف وبقي أبو العباس مفكرا فيما سمع منه, فدخلت عليه أم سلمة امرأته, فلما رأته مفكرا مغموما قالت: إني لأنكرك يا أمير المؤمنين فهل حدث أمر تكرهه أو أتاك خبر فارتعت منه؟ قال: لم يكن من ذلك شيء قالت: فما قصتك أخبرني عنها؟ فلم تزل به حتى أخبرها بمقالة خالد فقالت: فما قلت لابن الفاعلة؟ قال لها: سبحان الله ينصحني وتشتميه؟ فخرجت من عنده مغضبة وأرسلت إلى خالد عشرة من الخدم ومعهم العصي وأمرتهم أن لا يتركوا منه عضوا صحيحا. قال خالد: فانصرفت إلى منزلي وأنا في غاية السرور بما رأيت من أمير المؤمنين وإعجابه بما ألقيت إليه ولم أشك أن صلته ستأتيني فلم ألبث حتى صار أولئك الخدم وأنا قاعد على باب داري, فلما رأيتهم قد أقبلوا نحوي أيقنت بالجائزة واصلة حتى وقفوا علي فسألوا عني فقلت: ها أنا ذا خالد فبادر إلي أحدهم بهراوة كانت معه. فلما أهوى بها إلي وثبت فدخلت منزلي وأغلقت الباب علي واستترت ومكثت أياما على تلك الحال لا أخرج من منزلي ووقع في خلدي أني أوتيت من قبل أم سلمة وطلبني أبو العباس طلبا شديدا فلم أشعر ذات يوم إلا بقوم قد هجموا علي وقالوا: أجب أمير المؤمنين, فأيقنت بالموت فركبت وليس علي لحم ولا دم, فلما وصلت إليه أومأ إلي بالجلوس ونظرت فإذا خلف ظهري باب عليه ستور قد أرخيت, وحركة خلفها فقال: يا خالد لم أرك منذ ثلاث!قلت: كنت عليلا يا أمير المؤمنين. فقال: ويحك وصفت لي في آخر دخلة من أمر النساء والجواري ما لم يخرق سمعي قط كلام أحسن منه فأعده علي. قلت: نعم يا أمير المؤمنين, أعلمتك أن العرب اشتقت اسم الضرة من الضر, وأن أحدهم ما تزوج من النساء أكثر من واحدة إلا كان في جهد فقال: ويحك لم يكن هذا في الحديث قلت: بلى والله يا أمير المؤمنين وأخبرتك أن الثلاث من النساء كأنهن في قدر يغلي عليهن. قال أبو العباس برئت من قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كنت سمعت منك هذا في حديثك الأول. قال: وأخبرتك أن الأربعة من النساء شر صريح لصاحبهن يشيبنه ويهرمنه ويسقمنه قال: ويلك, والله ما سمعت هذا الكلام منك ولا من غيرك قبل هذا الوقت!قال خالد: بلى والله. قال: ويلك أتكذبني؟ قال: أو تريد أن تقتلني؟ قال: مر في حديثك. قال: وأخبرتك أن أبكار الجواري رجال, ولكن لا خصي لهن قال خالد فسمعت الضحك من وراء الستر قلت: نعم وأخبرتك أيضا أن بني مخزوم ريحانة قريش وأنت عندك ريحانة من الرياحين وأنت تطمح بعينك إلى حرائر النساء وغيرهن من الإماء قال خالد فقيل لي من وراء الستر: صدقت, والله يا عماه بهذا حدثت أمير المؤمنين, ولكنه بدل وغير ونطق بما في ضميره عن لسانك فقال له أبو العباس: ما لك قا تلك الله وأخزاك وفعل بك وفعل. قال: فتركته وخرجت وهو يشتم وقد أيقنت بالحياة فلما وصلت منزلي أخذت راحتي وصرت أفكر فيما حصل فما أشعر إلا ورسل أم سلمة قد صاروا إلي ومعهم عشرة آلاف درهم وتخت وبرذون وغلام فأخذتها وانصرفوا وبقيت أم سلمة عند السفاح إلى أن توفاه الله وهي مالكة قلبه. أم سنان ابنة جشمة كانت من شاعرات العرب الموصوفات بالأدب اللائي لهن اليد الطولى بالنظم والنثر مع رقة المعنى ودقة المبنى والحماسة الزائدة التي تقصر عنها حماسة الرجال وناهيك ما قالته في مدح آل البيت وتحريض آل مذحج على نصرتهم, وقد وفدت على معاوية كما قال سعيد بن أبي حذافة قال: إن مروان بن الحكم وهو والي المدينة حبس غلاما ليس في جناية جناها فأتته جدة الغلام وهي أم سنان ابنة جمشة المذحجية فكلمته في الغلام فأغلظ لها مروان فخرجت إلى معاوية, فدخلت عليه, فانتسبت فعرفها فقال لها: مرحبا يا ابنة جشمة ما أقدمك أرضنا وقد عهدتك تشتمينا وتحضين علينا عدونا؟ قال: إن لبني عبد مناف أخلاقا طاهرة وأحلاما وافرة لا يجهلون بعد علم, ولا يسفهون بعد حلم, ولا ينتقمون بعد عفو, وإن أولى الناس باتباع ما سن آباؤنا لأنت قال: صدقت نحن فكيف قولك: عذب الرقاد فمقلتـي لا تـرقـد والليل يصدر بالهمـوم ويورد يا آل مذحج لا مقام فشـمـروا إن العدو لآل أحمـد يقـصـد هذا علي كالـهـلال تـحـفـه وسط السماء من الكواكب أسعد خير الخلائق وابن عم محـمـد إن يهدكم بالنور منه تهـتـدوا مازال مذ شهر الحروب بمظفر والنظر فوق لوائه ما يفـقـد قالت: كان ذلك يا أمير المؤمنين, وأرجو أن تكون لنا خلفا, فقال رجل من جلسائه كيف يا أمير المؤمنين وهي القائلة: أما هلكت أبا الحسين فلم تـزل بالحق تعرف هاديا مـهـديا فذهب عليك سلام ربك ما دعت فوق الغصون حمامة قمـريا قد كنت بعد محمد خلفا كـمـا أوصى إليك بنا فكنت وصـيا قالت: يا أمير المؤمنين, لسان صدق وقول حق ولئن تحقق ما ظننا فحظك الأوفر والله ما أورثك الشنآن في قلوب المسلمين إلا هؤلاء فأضحد مقالتهم وأبعد منزلتهم إنك إن فعلت ذلك تزدد من الله قربا ومن المؤمنين حبا. قال: وإنك تقولين ذلك قالت: سبحان الله والله ما مثلك مدح بباطل ولا أعتذر إليه بكذب وإنك لتعلم ذلك من رأينا وضمير قلوبنا كان والله علي أحب إلينا منك, وأنت أحب إلينا من غيرك. قال: فمن قالت من مروان بن الحكم وسعيد بن العاص. قال: وبما استحققت ذلك عندك؟ قالت: بسعة حلمك وكريم عفوك. قال: إنهما يطعمان في ذلك. قالت: هما والله من الرأي على غير ما كنت عليه لعثمان بن عفان رحمه الله. قال: والله لقد قاربت ما حاجتك؟ قالت: يا أمير المؤمنين إن إثارات المسلمين, ويكشف عورات المؤمنين حبس ابن ابني فأتيته. فقال: كنت وكنت, فأسمعته أخشن من الحجر, وألقمته أمر من الصبر, ثم رجعت إلى نفسي بالملامة, وقلت: لم لا أصرف ذلك إلى من هو أولى بالعفو منه فأتيتك يا أمير المؤمنين لتكون في أمري ناظرا وعليه معديا. قال: صدقت لا أسألك عن ذنبه والقيام بحجته اكتبوا بإطلاقه قالت: يا أمير المؤمنين وأنى لي بالرجعة وقد نفد زادي وكلت راحلتي فأمر لها براحلة وخمسة آلاف درهم وانصرفت إلى قومها. أم عقبة زوجة غسان بن جهضم كانت ابنة عمه وكان مفتونا بها لأنها كانت من أجمل النساء وأحسنهن وأفضلهن خصالا وكان لما حضرته الوفاة جعل ينظر إليها ويبكي, ثم قال لها: إني منشدك أبيات أسألك فيها عما تصنعين بعدي وأعزم عليك أن تصدقيني فقالت: قل فو الله لا أكذبك. فأنشد: أخبري بـالـذي تـريدين بـعـدي ما الذي تضمرين يا أم عـقـبـه تحفظين من بعد موتي لـمـا قـد كان مني من حسن خلق وصحبه أم تـريدين ذا جـمـال ومـــال وأنا في الترب رهن سجن وغربه فأجابته: قد سمعنا الذي تقول وما قد خفته يا خليل من أم عقبه سوف أبكيك ما حييت شجوا ومراث أقولها وبنـدبـه فقال: أنا والـلـه واثـق بـك لـكـن ربما خفت منك غدر النـسـاء بعد موت الأزواج يا خير من عو شر فارعي حقي بحسن وفـاء إنني قد رجوت أن تحفظي العه د فكوني إن مت عند رجـائي فلما مات توافد عليها الخطاب فقالت: سأحفظ غسانا على بـعـد داره وأرعاه حتى نلتقي يوم نحشـر وإني لفي شغل عن الناس كلهـم فكفوا فما مثلي من الناس يغدر سأبكي عليه ما حييت بعـبـرة تجري على الخدين مني فتكثر فلما طالت الأيام وكثر إلحاح الناس أجابت الخاطب فلما كانت الليلة التي زفت فيها جاءها غسان في النوم فأنشد: غدرت ولم ترعى لبعلـك حـرمة ولم تعرفي حقا ولم تحفظي عهدا ولم تصبيري حولا حفاظا لصاحب حلفت له يوما ولم تنجزي وعـدا غدرت به لما ثوى في ضريحـه كذلك ينسى كل من سكن اللحـدا فانتبهت مرعوبة كأنما كان معها فقالت النساء لها: ما دهاك؟ قالت: ما ترك غسان لي في الحياة أربا ولا في السرور رغبة أتاني في المنام فأنشدني هذه الأبيات, ثم جعلت ترددها وتبكي فشاغلنها بالحديث فلما غفلن عنها أخذت شفرة فذبحت نفسها ووفت لزوجها. أم عمران ابنة وقدان كانت من النساء المتحمسات في الجاهلية وكلامها يغلب عليها الهيجان بين العرب, قيل: إنها حينما قتل بعض رجال قومها قالت تحرضهم على أخذ ثأره وتوبخهم على تغافلهم عنه: إن أنتم لم تطلـبـوا بـأخـيكـم فذروا السلاح ووحشوا بالأبرق وخذوا المكاحل والمجاسد والبسوا نقب النساء فبئس رهط المرهق ألهاكم أن تطلـبـوا بـأخـيكـم أكل الخزير ولعق أجرد أمحق أم قيس الضبية لها في ابن سعد زوجها مراث روى منها صاحب الحماسة قولها: من لـــلـــخـــصـــوم إذا الـــضـــجـــــــاج بـــــــهـــــــم بعد ابن سعد ومن للضمر القودومشهد قد كفيت الغائبين بهفي مجمع من نواصي الناس مشهود فرجـــتـــه بـــلـــســـان غـــير مـــلــــــتـــــــبـــــــس عنـــد الـــحـــفـــاظ وقــــــلـــــــب غـــــــير مـــــــذؤد إذا قــــنـــــــاة امـــــــرئ أزرى بـــــــهـــــــا خـــــــور هز ابـــن ســـعـــد قـــنـــاة صـــلــــــبة الـــــــعـــــــود أم كلثوم ابنة علي بن أبي طالب أمها فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولدت قبل وفاة النبي خطبها عمر بن الخطاب إلى أبيها علي فقال: إنها صغيرة. فقال عمر: زوجنيها يا أبا الحسن فإني أرصد من كرامتها ما لم يرصده أحد. فقال له: علي أنا أبعثها إليك فإن رضيتها فقد زوجتكها فبعثها إليه ببرده فقال لها: قولي له: هذا البرد الذي قلت لك عليه. فقالت: ذلك لعمر. فقال لها: قولي له: قد رضيت رضي الله عنك ووضع يده عليها. فقالت له: أتفعل هذا؟ لولا أنك أمير المؤمنين لكسرت أنفك, ثم جاءت أباها فأخبرته وقالت له: بعثتني إلى شيخ سوء. قال: يا بنية, إنه زوجك فجاء عمر فجلس إلى المهاجرين في الروضة وكان يجلس فيها المهاجرون الأولون. فقال: ارفئوني فقالوا: بماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: تزوجت أم كلثوم بنت علي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " كل سبب ونسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي وصهري" وكان لي به صلى الله عليه وسلم النسب والسبب فأردت أن أجمع غليه الصهر فرفأوه, فتزوجها على مهر أربعين ألفا فولدت له زيدا ورقية, وتوفيت أم كلثوم وابنها زيد في وقت واحد وكان زيد قد أصيب في حرب كانت بين بني عدي خرج ليصلح بينهم فضربه رجل منهم في الظلمة فشجه وصرعه, فعاش أياما ثم مات هو وأمه وصلى عليهما عبد الله بن عمر وقدمه الحسن بن علي وذلك بعد وفاة عمر بن الخطاب, ولما قتل عنها عمر تزوجها عون بن جعفر. وقيل لما تأيمت أم كلثوم بنت علي من عمر بن الخطاب دخل عليها الحسن والحسين أخواها فقالا لها: إنك ممن قد عرفت سيدة نساء المسلمين وبنت سيدتهن وإنك والله إن أمكنت عليا من رمتك لنكحك بعض أيتامه, ولئن أردت أن تصيبي بنفسك مالا عظيما لا تصيبينه فو الله ما لبثا حتى طلع علي يتكئ على عصا فجلس فحمد الله وأثنى عليه وذكر منزلتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قد عرفتم عندي يا بني فاطمة, وآثرتكم على سائر ولدي لمكانكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابتكم منه. قالوا: صدقت رحمك الله فجزاك عنا خيرا. فقال: أي بنية, إن الله عز وجل قد جعل أمرك بيدك, وأنا أحب أن تجعليه بيدي. فقالت: أي أبت إني امرأة أرغب فيما يرغب فيه النساء وأحب أن أصيب مما تصيب النساء من الدنيا, وأنا أريد أن أنظر في أمر نفسي. فقال لها: لا يا بنية ما هذا من رأيك وما هو إلا رأي هذين قام فقال: والله لا أكلم رجلا منهما أو تفعلين, فأخذا بثيابه فقالا: اجلس يا أبانا فو الله ما على هجرتك من صبر. فقالا لها اجعلي أمرك بيده. فقالت: قد فعلت. قال: فإني قد زوجتك من عون بن جعفر وإنه لغلام. وبعث لها بأربعة آلاف درهم وأدخلها عليه وبقيت معه حتى ما عنها قتيلا في وقعة كربلاء وهي مع أخيها الحسين ورجعت مع السبايا من العراق إلى الشام ثم إلى المدينة وذلك في قصة مشهورة وتوفيت في المدينة. أم كلثوم ابنة عقبة بن أبي معيط أسلمت وهاجرت وبايعت الرسول صلى الله عليه وسلم وكانت هجرتها سنة 7 هجرية وتزوجها زيد بن حارثة فقتل عنها يوم مؤتة, ثم تزوجها الزبير بن العوام فولدت له زينب وطلقها فتزوجها عبد الرحمن بن عوف فولد إبراهيم وأحمد وغيرهما. ومات عنها فتزوجها عمرو بن العاص فماتت عنده وكانت أول مهاجرة من مكة إلى المدينة. قيل: مشت على قدميها من مكة إلى المدينة ولما عزمت على المهاجرة أتى أخواها عمارة والوليد يطلبانها فنزلت الآية: (فإن علمتموهن مؤمنت فلا ترجهوهن إلى الكفار) (الممتحنة:10) وكانت أم كلثوم أخت عثمان ابن عفان لأمه وقد نزلت فيها (يأيها الذين أمنوا إذا جاءكم المؤمنت مهجرت فامتحنوهن الله أعلم بإيمنهن) (الممتحنة:10) إلى آخرها. أم كلثوم ابنة عبدود كانت أحسن نساء زمانها جمالا, وأوفرهن عقلا وكمالا. ذات أدب وفصاحة, وكياسة, وملاحة. ولها باع طويل في الشعر. ولما قتل أخوها يوم الخندق وكان قد خرج في نفر من القرشيين إلى المسلمين وقال لهم: من يبارز فبرز له علي بن أبي طالب له: يا عمرو إنك آليت على نفسك أنه لا يدعوك أحد إلى ثلاث إلا أجبته وإني أدعوك إلى الإسلام. فقال: لا حاجة لي بذلك. فقال: أدعوك إلى الانصراف فإن كان محمد صادقا تقربت عنده بذلك, وإن كان كاذبا فما عليك من كذبه شيء ويقع بيد غيرك. فقال: كيف تقول عني نساء قريش إن تركت النزال ورجعت. فقال له: إني أدعوك إلى النزال. فقال: هذه. ما كنت أظن أحدا من العرب يتجاسر أن يدعوني إليها, ولكن يا بن أخي فو الله ما أحب أن أقتلك. فقال له علي: لكنني أحب أن أقتلك فحمى عمرو عند ذلك واقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه, ثم أقبل على علي فتنازلا وتجولا فقتله علي 5 للهجرة أو 627 للميلاد وذلك في خبر طويل. ولما نعي عمرو إلى أخته أم كلثوم سألت من قاتله فقيل لها علي بن أبي طالب فقالت لم يأت يومه على يد كفء كريم وأنشدت: أسدان في ضيق المكر تجاولا وكلاهما كفؤ كريم باسـل فتخالسا سلب النفوس كلاهما وسط المجال مجالد ومقاتل وكلاهما حسر القناع حفيظه لم يثنيه عن ذاك شغل شاغل فاذهب علي فما ظفرت بمثله قول سديد ليس فيه تحامـل وأنشدت أيضا: لو كان قاتل عمرو غير قاتـلـه لكنت أبكي عليه آخـر الأبـد لكن قاتلـه مـن لا يعـاب بـه من كان يدعى أبوه بيضة البلـد من هاشم في ذراها وهي صاعدة إلى السماء تميت الناس بالحسد قوم أبى الله إلا أن يكون لـهـم مكارم الدين والدنـيا بـلا لـدد يا أم كلثوم ابكـيه ولا تـدعـي بكاء معولة حرى علـى ولـد ولما بلغت أبياتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم علم وفور عقلها وأنها مائلة إلى الإسلام فدعاها إلى ذلك فلبت طلبه وكان ذلك يوم فتح مكة وبقيت إلى أن توفيت في حياته. أم موسى الهاشمية هي امرأة أديبة عاقلة حكيمة ذات مكر ودهاء وفطنة قد جعلها المقتدر كهرمانة داره سنة 298 هجرية فكانت تؤدي الرسائل من المقتدر وأمه إلى الوزير, وكان لها كلمة نافذة وهي التي تسببت في عزل علي بن عيسى عن وزارة المقتدر سنة 304 هجرية, وذلك أنها أرادت الدخول عليه لتتفق معه على ما يحتاج حرم الدار والحاشية من الكسوات والنفقات, فوصلت إليه وهو نائم فقال لها صاحبه: إنه نائم فلا أحد يوقظه فاجلسي في الدار ساعة حتى يستيقظ فغضبت من هذا وعادت, فاستيقظ علي بن عيسى في الحال وأرسل إليها حاجبه وولده يعتذر لها فلم تقبل ودخلت على المقتدر وتحرشت على الوزير عنده وعند أمه, فعزله وأعيد أبو الحسن علي بن الفرات ثم عزلها المقتدر سنة 310 ه, وذلك لأنها زوجت ابنة أختها من أبي العباس أحمد بن محمد بن إسحاق بن المتوكل وأكثرت من النثار والدعوات وخسرت أموالا جليلة فسعى بها أعداؤها إلى المقتدر وقالوا: إنها قد سعت لأبي العباس في الخلافة وحلفت له القواد وكثر القول عليها فقبض عليها المقتدر وأخذ منها أموالا جسيمة وجواهر نفيسة. أم ندبة زوجة بدر بن حذيفة كانت عقيلة قومها كريمة بيتها مسموعة كلمتها وكان ولدها ندبة يكنى أبا قرافة قد قتله قيس بن زهير العبسي في حرب داحس والغبراء فقالت ترثيه وتلوم زوجها بقبول الدية: حذيفة لا سلمت من الأعـادي ولا وقيت شـر الـنـائبـات أيقتل ندبة قـيس وتـرضـى بأنعـام ونـوق سـارحـات أما تخشى إذا قـال الأعـادي حذيفة قلبه قلب الـبـنـات فخد ثأرا بأطراف العـوالـي أو البيض الحداد المرهفـات وإلا خلني أبـكـي نـهـاري وليلي بالدمـوع الـجـاريات لعل منيتي تـأتـي سـريعـا وترميني سهام الـحـادثـات أحب إلي من بـعـل جـبـان تكون حياتـه أردى الـحـياة فيا أسفي على المقتول ظلمـا وقد أمسى قتيلا في الـفـلاة ترى طير الأراك ينوح مثلـي على أعلى الغصون المائلات وهل تجد الحمائم مثل وجـدي إذا رميت بسهم من شـتـات فيا يوم الرهان فجـعـت فـيه بشخص جاز عن حد الصفات ولا زال الصباح عليك لـيلا ووجه البدر مسود الجهات ويا خيل السباق سقيت سمـا مذابا في المياه الجـاريات ولا زالت ظهورك مثقـلات بصمان الجبال الراسـيات لأن سباقكم ألقى عـلـينـا هموما لا تزال إلى الممات أمالتونسا ابنة ثيودوريك وأمها "اوديفليد" أخت "كلوفيس" ملك فرنسا, وكانت "امالتونسا" بيدها أزمة أحكام البلاد الإيطالية, وذلك لأنه لم يكن "لثيودوريك" ابن يرث ملكه من بعده, فزوج ابنته هذه بفتى, سليل أحد أعضاء العائلة الملكية, الذي فر هاربا إلى إسبانيا فرقاه الملك الفوثي إلى رتبة قنصلية وأمير, ولكن ذلك الفتى لم يتمتع زمانا طويلا بلذة ارتقائه واقترانه ب "أمالتونسا", بل مات مخلفا طفلا يدعى "أثالاريك" فتولت زوجته بعد وفاته وموت أبيها أحكام البلاد بالنيابة عن ابنها القاصر, واشتهرت هذه بجمالها البديع وحسنها الباهر وذكائها العظيم, وسعة معارفها, وكثرة عوارفها, وكان لها القدم الأولى في المباحث العلمية والفلسفية. قيل: إنها درست اللغة اليونانية, واللاتينية, والفوثية, وتضلعت منها حتى أصبحت قادرة أن تتكلم بكل منها بفصاحة ورشاقة ولا ريب أنها كانت حسنة المبادئ كريمة النفس لأنها عاملت الرومانيين سكان روميا وإيطاليا الأصليين معاملة رعاياها وأشفقت عليهم خلافا للفوثيين الذين لم يزالوا يعتبرونهم أعداء وعبيدا. وكان ابنها "أثالاريك" خملا يبغض العلوم والمعارف, ويتأوه من الدرس ومشقاته وإجهاد العقل في سبيل التحصيل وينفر من والدته لإكراهها إياه على المواظبة والاجتهاد فحدث ذات يوم أن الفوثيين كانوا مجتمعين في قصر "رافنا" ففر هذا الأمير الفتى من غرفة أمه, وانتصب بين الجميع وهو يذرف عبرات الغضب والكبرياء وشكا إلى الحاضرين قساوة أمه وضربها إياه بسبب عصيانه وعناده فأثر هذا الكلام بأولئك المتوحشين وتوهموا أن الملكة راغبة في إهلاك ابنها واختلاس سرير ملكه وطلبوا خلاص الفتى وتربيته كأجداده ورجال أمته في ميادين القتال والعراك لينشأ بطلا, وقدروا بفظاظتهم وإلحاحهم أن يحرموا الغلام وسائل التمدن والتهذيب فتركوه وشأنه يقضي أوقاته في السكر والملاهي وارتكاب الفواحش ولما رأت الملكة عصيان ابنها وزيغه وإحاطة الأعداء بها من كل جانب خابرت "بوستنيان" بقصد السكن في بلاده, وأرسلت إلى مدينة "دار خيوم" في إقليم "أبيروس" 40 ألف دينار غير أن حب التسلط على الناس كان متسلطا على فؤادها فأعارت صبوة الطمع أذنا صاغية وقلبا واعيا, وحينما أومعت على مبارحة إيطاليا نجحت بدسائسها وقدرت أن تهلك بعضا من كبار الرؤساء الثائرين عليها, وتمكنت بموت هؤلاء من الاستبداد بالأحكام والقبض على أزمة البلاد بالنيابة عن ابنها كما كانت أولا غير أن هذا الفتى الجاهل لم يعش زمانا طويلا لأن الفسق والفواحش واللذات أضنته, فمات يافعا لم يتجاوز السادسة عشرة من العمر فاضطرت إذ ذاك إلى مشاركة ابن عمها "سيبودونس" الجبان البخيل فثار الفوثيون عليها ونفوها إلى جزيرة صغيرة في بحيرة "بوليسنا" وهناك قتلوها سنة 538 ق.م بالحمام خنقا, وهكذا انتهت حياة هذه الملكة الفاضلة. أمامة ابنة أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد مناف القرشية الهاشمية أمها زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولدت على عهد جدها صلى الله عليه وسلم وكان يحبها وحملها في الصلاة وكان إذ ركع أو سجد تركها, وإذا قام حملها. وروي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهديت له هدية فيها قلادة من جزع فقال: "لأدفعنها إلى أحب أهلي إلي". فدعا أمامة ابنة زينب فعلقها في عنقها ولما كبرت أمامة تزوجها علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بعد موت فاطمة -عليها السلام- وكانت فاطمة أوصت عليا أن يتزوجها, فلما توفيت فاطمة تزوجها من الزبير بن العوام لأن أباها قد أوصاه بها, فلما جرح علي خاف أن يتزوجها معاوية فأمر المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أن يتزوجها بعده, فلما توفي علي وقضت العدة تزوجها المغيرة فولدت له يحيى وبه كان يكنى فهلكت عند المغيرة. أمامة ابنة حمزة بن عبد المطلب أمها سلمى بنت عميس وهي التي اختصم فيها علي وجعفر وزيد -رضي الله عنهم- لما خرجت من مكة وسألت كل من مر بها من المسلمين أن يأخذها فلم يفعل, فاجتاز بها علي فأخذها فطلب جعفر أن تكون عنده لأن خالتها أسماء ابنة عميس عنده وطلبها زيد بن حارثة أن تكون عنده, لأنه كان قد آخى بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لجعفر لأن خالتها عنده, ثم زوجها رسول الله من سلمة ابن أم سلمة وسماها الواقدي عمارة وأخوها لأمها عبد الله وعبد الرحمن ابنا شداد وهي من الصحابيات المحدثات اللاتي أخذ عنهن جملة من مشاهير المحدثين. أمامة المريدية كانت شاعرة من شاعرات نساء العرب إلا أن شعرها قليل ولم يكن في وقتها من يجمع الشعر وكانت صحابية محدثة أخذ عنها جملة من المحدثين. ومما يروى عنها أنها قالت: لما قتل سالم بن عمير أبا عتيك - أحد بني عمرو بن عوفز وكان من المنافقين وظهر نفاقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من لي من هذا الخبيث؟" فخرج إليه سالم بن عمير فقتله- فقالت في ذلك" تكذب دين اللـه والـمـرء أحـمـدا لعمري الذي أمناك أن بئس ما يمني حباك حنيف آخر الـدهـر طـعـنة أبا عاتك خذها على كبـر الـسـن أمامة ابنة ذي الأصبع أبوها ذو الأصبع العدواني الشاعر الفارس المشهور. كانت أمامة شاعرة مشهورة يشار غليها بالبنان, أخذت العلم والشعر عن والدها وهي اصغر أولاده, وكان يحبها محبة عظيمة ولمحبته أحبها جميع قبيلتها ولها يقول ورأته قد نهض وسقط وتوكأ على العصا فبكت فقال: جزعت أمامة إذ مشيت على العصا وتذكرت إذ نحـن مـلـفـتـيان فلقـبـلـمـا رام الإلـه بـكـيده إرما وهذا الحـي مـن عـدوان بعد الحكومة والفضيلة والنـهـى طاف الزمان عـلـيهـم بـأوان وتفرقوا وتقطـعـت أشـلاؤهـم وتبددوا فرقـا بـكـل مـكـان خربوا البلاد فأعقمت أرحامـهـم والدهر غيرهم مع الـحـدثـان حتى أبادهـم عـلـى أخـراهـم صرعى بكل نقـيرة ومـكـان لا تعجبين أمام مـن حـدث عـرا فالدهر غـيرنـا مـع الأزمـان ومن شعرها قولها ترثي قومها: كم من فتى كانت له مـنـعة أبلج مثل القمر الـزاهـر قد مرت الخيل بحافـاتـهـم مر غيث بجبـل عـاطـر قد لقيت فهـم وعـدوانـهـا قتيلا وهلكا آخر الغـابـر كانوا ملوكا سادة في الـورى دهرا لها الفخر على الفاخر حتى تساقوا كأسهم بـينـهـم بغيا فيا للشارب الخـاسـر بادوا فمن يحلل بأوطانـهـم يحلل برسم مقـفـر داثـر أمة العزيز ابنة دحية الأندلسية الشريفة الحسينة كانت ذات قناع, تفرعت من دوحة سناء أصلها ثابت وفرعها في السماء, وتجردت من سلالة أكابر وأشراف رقاة أسرة منابر من بني عبد مناف. تصرفت في أثناء شبيبتها بين دراسة معارف وإفاضة عوارف لها أشعار رائقة معناها, بديعة مبناها, منها ما قاله الحافظ أبو الخطاب بن دحية في "المطرب من أشعار المغرب" قال: أنشدتني أخت جدي الشريفة الفاضلة أمة العزيز الحسنية لنفسها: لحاظكم تجرحنا في الـحـشـا ولحظنا يجرحكم في الخـدود جرح بجرح فاجعلـوا ذا بـذا فما الذي أوجب جرح الصدود قال العلامة المقري في كتابه "نفح الطيب": هذا السؤال يحتاج على جواب وقد رأيت للقاضي غلإمام الفاضل أبي الفضل قاسم العقباني التلمساني -رحمه الله تعالى- جوابه والغالب أنه من نظمه وهو قوله: أوجبـه مـنـي يا سـيدي جرح بخد ليس فيه جحود وأنت فيما قـلـتـه مـدع فأين ماقت وأين الشهـود أمة ابنة خالد بن سعيد أمة ابنة خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية الأمكوية تكنى أم خالد مشهورة بكنيتها ولدت بأرض الحبشة مع أخيها سعيد بن خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس, وأمها أميمة بنت خلف تزوج أم خالد الزبير بن العوام وولدت له عمرو بن الزبير وخالد بن الزبير وبه كانت تكنى وهي من المحدثات المشهورات بالصدق وقد روى عنها جملة من التابعين منهم موسى وإبراهيم ابنا عقبة وكريب بن سليمان الكندي وغيرهم ويروى عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من عذاب القبر. أميمة ابنة رقيقة أميمة ابنة رقيقة ابنة خويلد بن أسد أخت خديجة بنت خويلد فأميمة ابنة خالة أولاد النبي من خديجة, وهي أميمة بنت عبد بن بجاد بن عمير بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرة وكانت من المبايعات المحدثات روى عنها محمد بن المنكدر وابنتها حكيمة بنت أميمة. وروي عن محمد بن المنكدر أنه سمع أميمة بنت رقيقة تقول: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم في نسوة فقال لنا: "فيما استطعتن وأطقتن" قلت: الله ورسوله ارحم بنا منا بأنفسنا. ومما روته حكيمة بنت أميمة عن أمها بنت رقيقة قالت: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان يبول فيه يضعه تحت السرير, فجاءت امرأة اسمها بركة فشربته فطلبه فلم يجده فقيل شربته بركة فقال: "لقد احتظرت من النار بحظار". أميمة ابنة قيس بن أبي الصلت الغفارية كانت عابدة زاهدة محبة للخير صانعة للمعروف ناهية عن المنكر لها صحبة حسنة, وروت أحاديث كثيرة وروى عنها جملة من التابعين, وكانت شفيقة على المجاهدين ودائما تحضر الوقائع وتداوي الجرحى وتدور بين القتلى وكانت تحث الناس على ذلك فقالت يوما لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جاءته في نسوة من غفار: إنا نريد أن نخرج معك في وجهك هذا فنداوي الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "على بركة الله" وكان ذاهبا إلى خيبر فذهبن معه وصرن يداوين الجرحى ويوارين القتلى وهي تهديهن لما يلزم لذلك حتى انتهت الحرب ورجع المسلمون منصورين فنالت بذلك رضا ربها ومدح قومها. أم جعفر ابنة عبد الله بن عرفطة أم جعفر ابنة عبد الله بن عرفطة بن قتادة بن معد بن غياث بن نداح بن عامر بن عبد الله بن خطمة بن مالك بن جشم بن الأوس. كانت ذات عقل وأدب وعفة وكان يشبب بها الأحوص ولم يرها قط فلما كثر تشبيبه وشاع ذكره توعده أخوها أيمن وهدده ولم ينته, فاستعدى عليه والي المدينة فربطهما في حبل ورفع إليهما سوطين, وقال لهما تجالدا, فتجالدا, فغلب أخوها الأحوص وأتبعه أيمن حتى فاته الأحوص هربا وقد كان الأحوص قال فيها: لقد منعت معروفها أم جعـفـر وإني إلى معروفها لفـقـير وقد أنكرت بعد اعتراف زيارتي وقد وغرت فيها علي صدور أدور ولولا أن أرى أم جعفـر بأبياتكم ما درت حـيث أدور أزور البيوت اللاصقات ببيتهـا وقلبي إلى بيت الحبيب يزور وما كنت زوارا ولكن ذا الهوى إذا لم يزر لا بد أن سـيزور أزور على أن لست أنفك كلمـا أتيت عدوا بالـبـنـان يشـير فقال السائب بن عمر يعارض الأحوص في هذه الأبيات ويعيره بفراره: وقد منع المعروف من أم جعفر أخو ثقة عند الجلاد صبـور علاك بمتن السوط حتى اتقيتـه بأصفر من ماء الصفاق يفور فقال الأحوص: إذا أنـا لـم أغـفـر لأيمـــن ذنـــبـــه فمـن ذا الـذي يغـفـر لـه ذنـبـه بـعـدي أريد انتقام الذنب ثم تردني يد لا يدين مباركة عندي ولما اكثر الأحوص من ذكرها جاءت متنقبة عليه وهو في مجلس قومه ولا يعرفها فقالت له: اقض ثمن الغنم التي ابتعتها مني. قال: ما ابتعت منك شيئا فأظهرت كتابا قد وضعته عليه وبكت وشكت حاجة وفاقة وقالت: يا قوم كلموه, فلامه قومه وقالوا: اقض المرأة حقها فحلف أنه ما رآها قط ولا يعرفها, فكشفت عن وجهها وقالت: ويحك, أما تعرفني فجعل يحلف أنه ما يعرفها ولا رآها قط حتى إذا استفاض قولها وقوله واجتمع الناس وكثروا وسمعوا ما دار وكثر لغطهم وأقوالهم قامت, ثم قالت: أيها الناس, اسكتوا فسكت الناس, ثم أقبلت عليه وقالت: يا عدو الله صدقت والله ما لي عليك حق ولا تعرفني, وقد حلفت على ذلك وأنت صادق, وأنا أم جعفر وأنت تقول: قلت لأم جعفر, وقالت لي أم جعفر: فمن أين قلت لك وقلت لي وأنت لم ترني إلا هذه الساعة, فخجل الأحوص وانكسر عن ذلك وبرأت عندهم. أميمة أم تأبط شرا وهي من بين القين بطن من فهم ولدت خمسة نفرا تأبط شرا, وريش لغب, وريش نسر, وكعب جدر, والأتراكي. وقيل: إنها ولدت سادسا واسمه عمر, وتأبط شرا لقب به لأنه كان رأى كبشا في الصحراء فاحتمله تحت إبطه فجعل يبول عليه طول طريقه, فلما قرب من الحي ثقل عليه الكبش فلم يقله فرمى به فإذا هو الغول فقال له قومه: ما تأبطت يا ثابت؟ قال: الغول, قالوا: لقد تأبطت شرا فسمي بذلك. وقيل: بل قالت له أمه كل إخوتك يأتيني بشيء إذا راح غيرك. فقال لها: سآتيك الليلة بشيء ومضى فصاد أفاعي كثيرة من أكبر ما قدر عليه ووضعهن في جراب وذهب متأبطا به فألقاه بين يديها ففتحته فتساعين في بيتها فوثبت وخرجت فقال لها نساء الحي: ماذا أتاك به ثابت؟ فقالت: أتاني بأفاعي في جراب. قلن: كيف حملها؟ قالت: تأبطها. قلن: لقد تأبط شرا فلزمه هذا اللقب. وكانت شاعرة من شاعرات العرب وقولها منسجم وله طلاوة وأغلبه مراث في ولدها تأبط شرا وخلافه ومن ذلك قولها فيه: طاف يبغـي نـجـوة من هلاك فهـلـك ليت شـعـري ضـلة أي شيء قـتـلـك أمـريض لـم تـعـد أم عـدو خـتـلـك أم تـولـي مـــارد غال في الدهر السلك والـمـنـايا رصــد للفتـى لـم يك لـك أي شـيء حـســن لفتـى لـم يك لـك كل شـيء قـاتــل حين تلقـى أجـلـك طالمـا قـد فـادحـا غير كـد أمـلــك إن أمـرا فـادحــا عن جوابي شغـلـك سأعزي الـنـفـس إذ لم تجد من سـألـك ليت قـلـبـي سـاعة صبره عنك مـلـك ليت نفسـي قـدمـت بالـمـنـايا بـدلـك ولها فيه أيضا: بثابت ابن جابر ابـن سـفـيان نعم الفتى غادرته بئر خمـان يحدو ويروي ظمأ الـنـدمـان رواء من يحمي حمى الإخوان ولها مراث وأشعار كثيرة غير ذلك. أميمة ابنة خلف بن أسعد أميمة ابنة خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة بن سبيع بن جعثمة بن سعد بن مليح بن عمرو بن ربيعة الخزاعية. وهي عمة طلحة بن عبد الله بن خلف الملقب طلحة الطلحات وهي زوجة خالد بن سعيد بن العاص هاجرت معه إلى أرض الحبشة وكانت من السابقات إلى الإسلام. وقيل: اسمها أمينة. قيل: همينة وولدت بالحبشة سعيد بن خالد وأمة بنت خالد ولها صحبة حسنة وعشرة لطيفة ورجعت مع من رجع من مهاجري الحبشة على المدينة. أميمة ابنة عبد شمس الهاشمي بن عبد مناف القرشي وأمها تفخر بنت عبيد بن دوس بن كلاب كانت ذات مجد أثيل وبيت أصيل وباع طويل. تزوجها حارثة بن الأوقص السلمي فولدت له أمية بن حارثة وقتل أبو سفيان بن أمية بن عبد شمس أخاها في يوم عكاظ من حرب الفجار وكان يعد أبو سفيان وإخوته من العنابس وهي الأسد فقالت أميمة ترثيه وترثي من قتل في حرب الفجار من قريش: أبى لـيلـى أن يذهـب ونيط الطرف بالكوكب ونجـم دونـه الأهـوا ل بين الدلو والعقرب وهذا الصبـح لا يأتـي ولا يدنـو ولا يقـرب يعقر عـشـيرة مـنـا كرام الخيم والمنصب أحال عـلـيهـم دهـر حديد الباب والمخلـب فحل بهم وقـد أمـنـوا ولم يقصر إذا يشطب وما عنـه إذا مـا حـل من منجى ولا مهرب ألا يا عين فابـكـيهـم بدمع منك مستغـرب فإن أبكي فهـم عـزي وهم ركني وهم منكب وهم أصلي وهم فرعي وهم نسبي إذا أنسـب وهم مجدي وهم شرفي وهم حصني إذا أرهب وهم رمحي وهم ترسي وهم سيفي إذا أعضب فكم من قائل مـنـهـم إذا ما قال لـم يكـذب وكم من ناطق فـيهـم خطيب مصقع معرب وكم من فارس منـهـم كمي معلم مـجـرب وكم من مـدره فـيهـم أريب حوله مغـلـب وكم من جحفل فـيهـم عظيم النار والموكـب وكم من خضرم فـيهـم نجيب ماجد منـجـب أميمة ابنة عبد المطلب الهاشمية كانت صاحبة جمال وجلال, وفصاحة وذكاء وبلاغة, وسخاء وشعر ونثر, ونسب وفخر. قال لها أبوها يوما مع إخوتها أسمعيني شعرك رثاء بي كأني ميت. فقالت له: أعيذك من ذلك: فقال: لا بد من أن تقولي فقالت: ألا هلك الراعي العشيرة ذو الفقـد وساقي حجيج الله حامي عن المجد ومن يألف الضيف الغريب بيوتـه إذا ما سماء الناس تبخل بالرعد كسبت وليدا خير ما يكسب الفتـى فلم تنفك تزداد يا شيبة الحـمـد أبو الحارث الفياض خلى مكانـه فلا تبعدن إذ كل حي إلى بعـد فإني لباك ما بـقـيت ومـوجـع وكان له أهلا لما كان من وجد سقاك ولي الناس في القبر ممطرا وسوف أبكيه وإن كنت في اللحد وقد كان زينا للعشـيرة كـلـهـا وكان حميدا حيثما كان من حمد أم هارون رضي الله عنها كانت من الخائفات العابدات وكانت تأكل الخبز وحده وكانت تقول: ما أنشرح إلا بدخول الليل فإذا طلع النهار اغتممت, وكانت تقوم الليل كله فتقول: إذا جاء السحر دخل قلبي الروع وصرخت مرة فسمعت قائلا يقول: خذوها فوقعت مغشيا عليها وما دهنت رأسها بدهن مدة عشرين سنة, وكانت إذا كشفت رأسها وجد شعرها أحسن من شعر النساء, وكانت إذا عرض لها الأسد في البرية قالت له: إن كان لك في شيء فكل فيولي راجعا عنها -رضي الله عنها. أمة الجليل رضي الله عنها كانت من العابدات الزاهدات, واختلف مرة العابدون في تعريف الولاية على أقوال فقالوا: امضوا بنا إلى أمة الجليل. فقالوا لها: ما الذي عندك من تعريف الولاية؟ فقالت: ساعات الولي ساعات شغل عن الدنيا ليس لولي في الدنيا ساعة يتفرغ منها لشيء دون الله عز وجل, ثم قالت لواحد منهم: من حدثكم أن أولياء الله تعالى لهم شغل بغير الله تعالى فكذبوه رضي الله عنها. إنياس خليلة شارل السابع ملك فرنسا ولدت في قرية "فرومنتو" من "تورين" نحو سنة 1409 م, وتوفيت نحو سنة 1450م وهي ابنة "سوريل دوسان جيرار" أحد أعوان الكونت" دوكليرمون". كانت في أول أمرها رفيقة ل "إيزابو دو سورينه" دوقة "أنجو". وسنة 1431 م صبحت سيدتها إلى باريس وزارت بلاط "شارل الرابع", فلما رآها "شارل" المذكور فتن بجمالها وسحر بمحاسنها فأبقاها لديه وجعلها رفيقة للملكة, ثم اتخذها عشيقة بعد أن ماطلته وردت مطاليبه وبلته بهيام شديد. وثقال: إنها لم تستخدم ما كان لها عليه من السطوة إلا لإنهاض همته وإثارة الحمية في صدره لأنه كان قد استغرق في اللذات بينما كان الإنكليز يفتحون بلاده, وبذلك أنقذت فرنسا من وبال عظيم, وخطر جسيم فتمكن جبها من قلب "شارل" فأجزل لها العطاء وفتح لها كفه ضفة نهر ال "مرن" بقرب "سانمور" ولذلك لقبت بمدام "لوبوتي" ومعناه سيدة "بوتي" أو الجمال, وفي ذلك من التورية ما لا يخفى وكانت الملكة نفسها تحبها وتكرم مثواها إلا أن غناها وتنعمها حملا رجال البلاط والأمة على كرهها. وسنة 1445 م أساء إليها ابن الملك "شارل السابع" فتركت البلاط الملكي وأقامت في قصر كان قد بناه لها الملك في "لوس". وسنة 1450 م سارت على "جومياك" لمقابلة عاشقها فتوفيت هناك فجأة وظن الناس أن ابنه دس إليها السم في بعض المشروبات وكان قد ولد لها من "شارل السابع" ثلاث بنات فاعترف بهن ورباهن وكن يعرفن ببنات فرنسا. أولغا امرأة إيفور دور يكوفتش ثالث غراندوق روسي وكانت تلقب بالقديسة "أولغا" ولدت من عائلة فقيرة في قرية قرب "بسكوف" وكانت ذات جمال بارع وذكاء سام, فتزوجها "إيفور" سنة 903 م, وجلس معها على كرسي الملك سنة 912 م, ومات عنها سنة 945 م, فحكمت بعده بالنيابة عن ابنها "سفياتوشيلاف" وقد انقسمت حياتها من ذلك الوقت إلى حين وفاتها إلى قسمين ممتازين خصص أحدهما بالسياسة والآخر بالدين والتعبد. وسبب وفاة زوجها هو أنه جمع عسكرا وخرج به ليغزو قبيلة "الدريفليان" ويجمع منهم الضريبة السنوية وبعد أن جمعها رجع ظافرا وبينما هو على الطريق خطر له أن ما جمعه يسير فأمر عسكره بالرجوع ليجمع ضريبة أخرى, فأبت العسكر أن ترجع معه, فعاد بشرذمة يسيرة, فلما رأته تلك القبيلة سألته ماذا يطلب فأمرها بجمع الجلود والعسل والمال فلما سمعوا ذلك احتدوا غيظا وهجموا عليه وقتلوا من معه, وأما هو فمسكوه وأحنوا شجرتين وربطوه بطرفيهما وتركوهما فرجعتا إلى مكانهما فتمزق الأمير إربا إربا ومات شهيد الطمع فلما قتله "الدريفليان" انتخبوا منهم عشرين رجلا وأرسلوهم إلى امرأة "إيفور" يطلبون إليها أن تتزوج أميرهم, فلما أتى إليها الرسل سألتهم ماذا يطلبون فأجابوا: إننا قتلنا زوجك لأنه خرب أرضنا, والآن نطلب أن تقبلي أميرنا زوجا لك. فقالت: حسنا تقولون أجيب طلبكم, وإنما أريد أن أعظمكم في أعين شعبي فارجعوا إلى سفينتكم وعندما يأتيكم رسلي اطلبوا إليهم أن يحملوكم على أكتافهم, وبعد انصراف الرسل أمرت "أولغا" أن يحفروا خندقا وراء قصرها, وأرسلت رسلها وأمرتهم أن يحملوهم ويطرحوهم في الحفرة, فلما أتى رسل "أولغا" إليهم قال لهم أولئك: لا نذهب مشاة, ولا نمتطي صهوات الجياد, ولا نركب العجلات احملونا على أكتافكم. فأجابوا طلبهم, وعندما أتوا القصر طرحوهم في الحفرة المعدة لهم وواروهم التراب وبعد ذلك أرسلت "أولغا" تقول لهم: إذا كنتم ترغبون حقيقة أن أكون امرأة لأميركم فأرسلوا رؤساء قومكم لأحضر معهم, فلما أتوا أمرتهم أن يغتسلوا في الحمام فلما دخلوه أمرت بإحراقه فماتوا عن بكرة أبيهم, وعند ذلك أرسلت تقول "للدريفليان" استعدوا لاستقبالي وهيئوا المشروبات على قبر زوجي فإني عازمة على أن أبكي هناك ومن ثم أتزوج بأميركم فأجابوا طلبها, ولما قدمت إليهم سألوها أين رجالنا فأجابتهم سيحضرون مع عسكر زوجي وبعد ذلك أولمت وليمة عظيمة, وعندما لعبت الخمر في رؤوس "الدريفليان" بطش بهم رجال "أولغا" وقتلوا منهم خمسة آلاف رجل ورجعت على الأعقاب إلى مدينتها, وبعد مضي سنة جمعت عسكرا وأخذت ابنها وغزت "الدريفليان" وحاصرت عاصمتهم, ولما لم تقدر أن تأخذها أرسلت تقول لهم: أعازمون أن تموتوا جوعا وعطشا؟ اجمعوا لي جزية وأنا أرحل عنكم, وأنا أطلب منكم جزية خفيفة وهي: ثلاث حمامات وثلاثة عصافير من كل بيت فسروا سرورا عظيما وحالا جمعوا المطلوب وأرسلوه على جناح السرعة فأمرت "أولغا" عساكرها بأن يربطوا بأذنابها خرقا ملوثة بمواد ملتهبة وعندما يبدو لهم الظلام يشعلون الخرق ويطلقون الحمام والعصافير ففعلوا ذلك ورجع كل طير إلى عشه فالتهمت النار البيوت وفرارا من الحريق هرب سكان المدينة فألقتهم "أولغا" بعسكرها وفرقتهم أيدي "سبأ", ونهبت أرضهم, ودوخت عدة قبائل, وضربت عليهم الضرائب الثقيلة ورجعت إلى "كييف" ثم سافرت إلى "نوفوغودود" فاستمالت بحكمتها كل القلوب. وسنة 655 م سلمت زمام الملك لابنها المذكور وتفرغت لأمور العبادة فاعتنقت المذهب المسيحي وعمدها في القسطنطينية في السنة المذكورة البطريرك بحضور الإمبراطور "قسطنطين بورفيرو جينيتوس" وحاولت إقناع ابنها بالاقتداء بها فلم يغن اجتهادها شيئا وماتت سنة 968 م فأسف عليها الناس جدا واحترمها الروس احترام قديسة. وفي أيامها ذاع اسم روسيا في الأقطار الأوربية الشاسعة. أولمبياس ابنة نيو بتوليمس أولمبياس ابنة نيو ليمس ملك أبيروس وامرأة فيلبس المكدوني وأم إسكندر الكبير. اشتهرت بكثرة قبائحها وتسليمها نفسها إلى شهواتها, فهجرها "فيلبس" فمضت إلى "أبيروس" ودست إلى زوجها من قتله وهو في "بوسانياس", ثم رجعت إلى "مكدونيا" وأعلنت فرحها بقتل زوجها. واحتفلت بجنازة "بوسانياس" قاتله بلا وجل ولا خجل, ولما ملك أبنها الإسكندر حاولت أن تشاركه في الملك غير أن حكمته حالت دون مطامعها. ولما مات إسكندر طمعت في الستيلاء على المملكة غير أن ثبات "أنتيباتر" وزيره اضطرها إلى الرجوع إلى "أبيروس" فدعا بها "بوليسيرخون" الذي خلف "إنتيباتر" ولقبها نائبة الملك فلم تلبث أن قتلت "أدخيدوس" -وهو ابن "فيلبس" من امرأة أخرى- وعددا كثيرا من أعوانه فكانت مثالا لسفك دم عائلة الإسكندر, وقتلت:نيكانور" -أخي "كاسندروس"- فأتى إليها "كاسندروس" وحاصرها في "بدنا" وحصرت معها حفيدها "إسكندر أيفوس" ابن الإسكندر الأكبر أملا في معاونة الأمة لها إذا رأوه معها فلم يلتفت إليها أحد فاستسلمت فلم يجسر "كاسندروس" أن يقتلها بنفسه وهي أم سيده, فوكل بقتلها جماعة من الضابطة المكدونيين غير أن هيبتها وتذكرهم مجد ابنها منعاهم عن إتمام العمل فدعا "كاسندروس" الذين قتلت "أولمبياس" أبناءهم وأقرباءهم, فذبحوها بدون تردد وذلك سنة 317 قبل المسيح. أوجين ملكة الفرنسيس هي حليلة "شارل لويس" بن "لويس نابليون" الذي تولى سدة الملك باسم "نابليون الثالث" كانت في صباها المشار إليها بالبنان. والمثنى عليها بكل شفة ولسان, ولما أودعها الله من الحسن واللطف وحسن التربية مع الكياسة والرقة والظرف رقت في عصر زوجها مقاما تحسدها عليه السبع الطباق, وبلغت شأوا أطار ذكرها في الآفاق, وناهيك أنها تصدرت في مائدة جمعت ملوك الأرض, وكلهم يحسب احترامها كالسنة, وتعظيمها كالفرض. وحسبك أنها لما أتت مصر عام الاحتفال بفتح خليج السويس كان عزيز مصر في خدمتها ولفيف من أمراء الشرق والغرب في عداد حاشيتها. ولما قدمت القسطنطينية استقبلها ساكن الجنان السلطان عبد العزيز حتى المرفأ وأبدى لها في أمره, وتقضي في حالتي خله وخمره, وخرج قائدا للجيش يصدم به العدو ولسان حالهما يقول: هي الدنيا تقول بمـلء فـيهـا حذار حذار من بطشي وقتكي فلا يغرركم منـي ابـتـسـام فقولي مضحك والفعل مبكي فإن الدهر بعد أن سقاها سلسبيلا, ودار عليها من الصفو أكوابا كان مزاجها زنجبيلا في سدر مخضود, وطلح منضود, وظل ممدود عاضها بالزقوم والغسلين, وهبط بها من أعلى عليين, إلى أسفل السافلين, فغادرها سموم وحميم, وظل من يحموم لا بارد ولا كريم, وذلك أن زوجها بعد أن كان حالفه النصر في معركة "سادبروك" وأمل العالم لأمة الفرنسيس بالفتح المبين, والفوز المكين, خالفه التوفيق في سائر المعارك فقهره أعداؤه أي قهر وكسره مساجلوه أي كسر حتى إذا زاغت الأبصار, وبلغت القلوب الحناجر دخل إلى الاسئمان بعد واقعة "سيدان" التي حدثت في أربعة أيلول عام 1870 م, فاخترط حسامه وسلمه إلى الملك "غليوم" عدوه الألد مكتفيا من النصر بالأسر مع ثمانين ألفا من جيشه, وما برح مأسورا في "فاستافاليا" من بلاد الألمان حتى حميت لظى الحرب بين الفريقين. ثم لم يأت حين من الدهر ألم به داء في المثانة عياء ذهب به إلى دار الفناء بعد أن أذاقه صنوف الويل وأفانين البرحاء تاركا وراءه المسكينة "أوجين" على فراش من القتاد ووسادة من الرمضاء, ولم يكتف بهذا الدهر الظالم حتى نكلها في وحيدها وبقية آمالها البرنس "أميربال" شهيدا في بلاد "الفرولوس" الأفريقية مطعونا بأسنة أمة بربرية وهو يافع في نضارة العمر وريعان الشباب وبقيت بعده كالغزالة النافرة من زرود جزعا على خشفها العزيز تنثر لآلئ الدمع على يواقيت الخدود وتغرس عقيق الشفاه ببرد الثغر البرود, ولسان حالها يقول: لقد جئت يا دهر شيئا فريا يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا. تحاول الاعتصام بالصبر على ما انتابتها به الأيام. وهو بعيد عنها بعد المسجد الأقصى عن المسجد الحرام وبقيت على ذلك إلى هذه الأيام. أيريني إمبراطورة بيزنظة ولدت في أثينا سنة 753 م وتوفيت في جزيرة "لسيوس" سنة 803 م واشتهرت بالعقل والجمال, فاختارها "قسطنطين كويردنيموش" زوجة لابنه المعروف ب "لاون" الرابع, فاستولت على قلبه كل الاستيلاء ولما مات عهد إليها وصاية ابنه "قسطنطين الخامس" سنة 780 م فقامت بأعباء الملك حق القيام حتى إذا ساعدها القدر وخدمها السعد بطرت واستكبرت وداخلها الطمع فعقدت مع هاورن الرشيد صلحا غير موافق لانتفاعها به. وسنة 787 م عقدت مجمعا في "نيقية" أمرت فيه بعبادة الأيقونات وألغت انشقاق الكنيسة الشرقية فلما رشد ابنها سنة 790 م نفاها وهجرها في قصر لكنها تخلصت بعد خمس عشرة سنة واتصل بها الأمر لكي تستبد بالمملكة إلى أن سلمت عيني ابنها بلا خوف ولا خجل ولكي تنسي الناس هذا العمل الفظيع شرعت بأعمال عظيمة فقيل: إنها عرضت نفسها على "شارلمان" ليتزوجها أو قبلت بالأقل أن تزوج إحدى بناتها بأحد أولاده لكن قبل أن يتم لها ذلك حجر عليها "نيقيفورس" خازنها الأكبر سنة 802 م ونفاها إلى جزيرة "لسيوس" فحط بها الدهر هناك حتى احتاجت أن تأكل من غزل يدها وهناك ماتت سنة 803 م فتأثر اليونان لمصائبها وجعلوها قديسة وأقاموا عيد تذكار لها في 15 آب من كل سنة. واسمها في بعض كتب العرب "أريني". إيزابيلا الأولى الملقبة بالكاثوليكية ملكة قسطيلة ولاون ولدت سنة 1450 م, وتوفيت 1504 م كانت بنت "يوحنا الثاني" ملك قسطيلة من "إيزابيلا" البرتوغالية زوجته الثانية وفي السنة الرابعة من عمرها توفي أبوها فخلفه في الملك ابنه "هنري" من "ماريا" الأراغونية زوجته الأولى واستمرت "إيزابيلا" مع أمها إلى سنة 12 من عمرها وكانتا منفردتين في بلدة "أريقالوا" فلما ولدت "جوانا" نقلها "هنري" إلى بلاطه محاولا بذلك أن يمنع تألف حزب يمكنها إرث الملك من بعده بدل البرنسيس "جوانا" المذكورة وكان حصولها على تاج الملك أمرا مستبعدا لأن أخاها البكري كان ملكا وله بنت وكان لها أيضا أخ أصغر منها في قيد الحياة غير أن أكابر ملوك أوروبا أتوها خاطبين أملا بمستقبلها. قال "برسكوت": وكان "فردينندو" أول من خطبها وهو الذي تزوجها بعد أن حال دون ذلك مصاعب شتى فإنها خطبت في السنة الحادية عشرة من عمرها لأخيه "كارلوس" وكان قد بلغ الأربعين فدفع عنها ذلك المكروه بموت "كارلوس" بالسم. وسنة 1464 م وعد بها أخوها "هنري ألفونس" ملك البرتوغال فعارضته في ذلك مدعية أن بنات ملوك "قسطيلة" لا يتزوجن إلا بموافقة أشراف المملكة ثم حدثت ثورة تحت رياسة مركيز "فلينا" وعمه رئيس أساقفة "طليطلة" وكان من بواعثها اعتقاد كثيرين من الأشراف أن البرنسيس "جوانا" التي أقسم لها أكابر الدولة بالطاعة بناء على طلب الملك لم تكن من صلبه بل من صلب "بلتران دولا كوبيا" عشيق الملكة فأعلن الثائرون انتقال الملك من "هنري" إلى أخيه "ألفونس" وجمعوا جيشا لإجراء ذلك فحاول الملك إسكان رؤسائهم بتزوج "إيزابيلا" بالدون "بدرو جيرون" الفاسق أخي مركيز "فلينا". أما هي فقالت لأخيها: إن زوجتني به أشق صدره بخنجر وأرفع عن نفسي العار. غير أن الدون المذكور مات في طريقه إلى العرس وبعد ذلك بسنتين أي سنة 1468 م توفي "ألفونس" فعرض الثائرون تاج الملك على "إيزابيلا" فرفضته وآثرت أن تجعل وارثة لأخيها فعاهد العصاة "هنري" على أن يطلق الملكة ويعترف بأن "إيزابيلا" وارثة لمملكتي "قسطيلة" و"لاون" وأن لها حقا في اختيار بعل تتزوجه برضاها ولم يلبث المجلس العالي أن قرر حق "إيزابيلا" في الإرث. أما "هنري" فلا يبالي بشروط المعاهدة وحاول إكراه أخته على الاقتران بملك البورتغال غير أن السياسة والحب استمالاها على "فردينندو" برنس "أرغون" فتهددها أخوها بالحبس فلم تعبأ به وعزمت على أن تباشر الأمر بنفسها فردت الرسول الأرغوني بجواب مرض ووقع "فردينندو" على عقد الزواج في "سرفيرا" وذلك سنة 1469 م وضمن لعروسه جميع حقوقها الملكية الأصلية في "قسطيلة" و"لاون" فأنفذ" "هنري" في الحال فرقة من العساكر لإلقاء القبض على شقيقته, فهربت على بلاد الوليد وأرسلت إلى "فردينندو" تحثه على أن يوافيها بسرعة لإتمام الزواج فلم يتمكن "فردينندو" من يسير بخفر, لأن أباه كان يحارب عصاة "قطالونيا" وكان بيت المال فارغا فلبسس ثوب خادم وسار متنكرا مع ستة رفقاء استأمنهم فلم يعرفه العساكر الذين أقامهم "هنري" لمنعه المرور وخرج من تلك المدينة بزي لائق فأغذوا السير على بلاد الوليد وتزوج "إيزابيلا" سنة 1469 م. فأعلن "هنري" أن أخته أضاعت جميع الحقوق التي تقررت لها بموجب المعاهدة, وجعل "جوانا" ولية عهده, فانقسمت البلاد إلى قسمين كبيرين متحاربين, وعضدت فرنسا الملك غير أن "إيزابيلا" كانت بحكمتها وفضائلها تستميل إليها أهالي "قسطيلة" شيئا فشيئا وتكتسب طاعتهم وأمانتهم. وفي سنة 1474 م توفي "هنري" وبعد يومين من وفاته أقيمت "إيزابيلا" ملكة في "سيروفيا" فأقسم لها كثيرون من الأشراف بالطاعة إلا أن حزب "جوانا" كان قويا فلم تعترف البلاد كلها بالملكة إلا بعد حرب جرت لها مع "الفونس" ملك البرتوغال, وكان قد خطب "جوانا" ومن ثم شرعت في أعمال تحلى بها تاريخ إسبانيا فأصلحت قوانين البلاد وأدارت الملكة الشؤون الداخلية وعضدت الآداب والصنائع وبذلت جهدها في تغير تصرفات زوجها فإنها كانت قرينة القساوة والخداع ومع أنها كانت روح الحرب التي شهرت على العرب وكانت تحارب فيها بنفسها وتلبس درعا لم يزل محفوظا إلى الآن في مدريد كانت تقاوم القساوة التي اتخذها الإسبانيول في تلك الأيام سياسة نحو الأمة المذكورة ولم تأمر بطرد اليهود من "قسطيلة" ولا سلمت على ذلك وزادها شهرة مساعدتها "كرستوفورس" كولومبوس" فاتح أميركا على إنفاذ مقاصده فإن الأسطول الذي اكتشف به أميركا جهز على نفقتها وضادت استرقاق الهنود الأميركان. فلما وصل الأسرى الذين أرسلهم إليها "كرستوفورس" المذكور أمرت بإرجاعهم إلى بلادهم وبمساعدة الكردينال "كسيمنس" أصلحت الراهبات وبذلك جعلت للكنيسة في إسبانيا نظاما ثابتا راهنا كالنظام الذي سنته للدولة ولم يكن المال ولا علو المرتبة يشفعان عندها بالمذنبين, بل كان سيف العدل يعلو رقاب المجرمين من الأكابر والأصاغر والإكليروس على حد سواء, وكانت "إيرابيلا" جامعة بين عقل الرجال ومحاسن النساء وفضائل ناضرة عديمة النظير فباتت موضوعا محبوبا للمؤرخين في الأعصر التالية والإسبانيول الآن يحبون ذكرها كما كان رعاياها منهم يحبون شخصها. أما الموت الفجائي الذي أصاب كلا من الدون "كارلوس" والدون "بدروجيرون" وأخيها "ألفونس" فلم يوقع عليها أقل شبهة مع أنه نالها ربح عظيم وكانت تحب زوجها حبا شديدا لا يعتريه فتور ألبتة غير أنه لم يكن يقابلها دائما بمثل ذلك, وكانت تقواها الطبيعية تزين كل أعمال حياتها, وكان جمال خلقها يعادل حسن خلقها, وكانت صافية اللون ذات عينين زرقاوين وشعر أسمر وولد لها خمسة أولاد وهم: "إيزابيلا" التي تزوجت "عمنوئيل" ملك البرتوغال و"جوان" وكان أميرا فاضلا. توفي سنة 1497 م وله من العمر 20 سنة و"جوانا" التي تزوجت "فيليب" أرشيدوق"أوستريا" وولد لها منه الإمبراطور "كارلوس الخامس" و"ماريا" التي تزوجت "عمنوئيل" بعد وفاة أختها, و"كاترينا" زوجة" هنري الثامن" ملك إنكليزا. |
||||
|
| الأوسمة والجوائز لـ » المحارب |
| بينات الاتصال لـ » المحارب |
| اخر مواضيع » المحارب |
| إحصائية مشاركات » المحارب | |
| عدد المواضيـع : | 456 |
| عدد الـــــــردود : | 658 |
| المجمــــــــــوع : | 1,114 |
|
|
رقم المشاركة : ( 4 ) | ||||
|
نائب المدير العام للأنساب والمشجرات
|
إيزابيلا الثانية ملكة إسبانيا
ولدت في مدينة "مدريد" سنة 1830 م وهي بكر بنات "فردينندو" السابع" من "ماريا كرسنين" رابع زوجاته نشأ عن مسألة إرثها الملك بعد أبيها حرب أهلية شديدة لأنه لم يكن لأبيها ولد ذكر يخلفه. ففي 29 آذار (مارس) سنة 1830 م أبطل القانون الذي وضعه "فيليب الخامس" ومآله حرم الإناث تخت الملك وجعل بنته خليفة له وبذلك حرم أخاه الدون "كارلوس" ولي ما كان له من الحق المقرر بموجب القانون المذكور. وفي سنة 1833 م توفي "فردينندو" وكانت "إيزابيلا" في السنة الثالثة من عمرها فأقيمت ملكة فشهر الدون "كارلوس" السلاح وعضده حزب كبير سمي بالكارلوسي نسبة إليه ولم تلبث دائرة الخلاف أن اتسعت وصارت إلى حرب أهلية ردئية وانحاز الإكليروس إلى الدون "كارلوس" أما حزب الملكة فسمي بحزب الحرية أو بالحزب النظامي لأن أم الملكة التي استولت على زمام الملك بالنيابة عن ابنتها تعهدت بوضع قانون أساسي لإسبانيا وكان معظم الشعب من حزب إيزابيلا. وفي سنة 1834 م أجمع أكثر أعضاء المجلس العالي على حرمان الدون "كارلوس" ونسله الملك. وفي سنة 1839 م عقد الصلح بين الجنرال "ماروكي" الكارلوسي والجنرال "إسبرتيرو" النظامي وهرب الدون "كارلوس" على فرنسا وفي أثناء الحرب كانت الملكة النائبة تتردد بين حزب المحافظين أو المعتدلين وحزب الحرية أما وزارة "منديزابال" فغيرت النظام ووسعت دائرة قانون الانتخاب وقامت بإصلاحات أخرى غير أن ديوان المشورة الكبير لم يكتف بذلك وطلب إعادة النظام الذي تقرر سنة 1812 م فحصل عليه أخيرا حدثت في "مدريد" سنة 1837 م. وفي سنة 1839 م حدثت ثورتان في "برشلونا" و"مدريد" فأكرهت أم الملكة على الفرار إلى فرنسا. وفي سنة 1840 م تولى "إسبرتيرو" زمام البلاد. وفي سنة 1841 م جعل وكيلا للملك غير أن أصدقاء "كرستينا" والمحافظين ثاروا عليه واضطروه إلى الاستعفاء وكانت الملكة قد ناهزت سن الرشاد ولم يبق إلا 11 شهرا لبلوغها السن القانونية فضرب عنها المجلس العالي صفحا وأجلسها على تخت الملك في 10 تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1843 م. وفي سنة 1844 م وجهت رياسة الوزارة إلى الجنرال "زفايز" الذي كان قد تولى رياسة الثائرين. وفي السنة التالية غير النظام تغييرا غير موافق لأهل الحرية. وفي سنة 1846 م تزوجت "إيزابيلا" بابن عمها الدون "فرنشسكوداواسبس" وفقا لمشورة الملك "لويس فيليب" وفي الوقت نفسه زوجت أختها "ماريا فردينند لويزا" بدوق "منينسيا" غير أن زواج الملكة أدى على تأويلات مستهجنة ووقع الخلاف بين الزوجين وكثرت الإشاعات فذهب قوم إلى أن الملك ليس كفؤا للملكة. وكان آخرون يتهمون الملكة بخيانة زوجها وعقدت "إيزابيلا" الصلح مع النمسا وبروسيا. وفي سنة 1849 م أنفذت جيشا لمساعدة البابا. وفي سنة 1852 م حاول بعضهم قتلها فحملها الحزب المحافظ على فض المجلس العالي واتخاذ وسائل مشددة ونفي كثيرين من جنرالية الحزب النظامي. وفي سنة 1854 م قام الجنرال "لودونل" والجنرال" دلشي" بثورة عسكرية ومدنية في "مدريد" وتمكن من إقامة حكومة محلية فهربت أم الملكة ثانية إلى فرنسا أما "إيزابيلا" فصرحت بالعفو التام وفتحت مجلسا عاليا جديدا وأباحت بيع الأوقاف. وفي سنة 1856 م حاول "أودونل" أخذ القوة بالبطش وأخمدت الملكة ثورات حدثت في جنوب إسبانيا فتوطد سلطانها وأعادت النظام الذي تقرر سنة 1845 م فأدى إلى نهج سياسة مضادة لأهل الحرية. وكانت نتيجة ذلك سقوط وزارة "ترفايز" في السنة التالية وقيام وزارة أخرى تميل على الحزب النظامي وذلك في سنة 1857 م وتولى "اودونل" قيادة العساكر التي أنفذت لمحاربة مراكش فاستظهر على المراكشيين وانتهت الحرب سنة 1860 م. ثم تداخلت "إيزابيلا" مع فرنسا في أمور المكسيك وأرسلت إليها جيشا تحت قيادة الجنرال "بريم" سنة 1861 م, وسنة 1862 م, إلا أن الجنرال المذكور لم يلبث أن قصر حبل المداخلة وحاولت الملكة الاستيلاء على "سنتود" و"منفو" و"بيرو" و"شيلي" ففشلت. وفي سنة 1866 م استعفى وزراؤها فاضطر الأمر على تقرير قرار مبطل نظام سنة 1861 م الذي بموجبه ضمت جمهورية "دومينيكا" إلى الملكة وفي السنة نفسها أمرت ببيع جميع الأملاك المختصة بأفراد البيت المذكور وصرفت أثمانها في أمور نافعة للأمة. وفي سنة 1866 م حملها الإكليروس والوزارة الجديدة التي تألفت تحت رياسة "ترفايز" على إبطال حرية المطبوعات وجعل التعليم العمومي في إيدي خدمة الدين فحدثت ثورات تولى قيادة بعضها "بريم" وذلك في السنة نفسها والسنة التالية. وكان الثائرون منتشرين في جهات مختلفة من البلاد غير أن مساعيهم هبطت لعدم انتظامهم. وخلف "ترفايز" في رياسة الوزارة "غنزالز برافو" فضاد أهل الحرية أكثر من سلفه غير أنه سنة 1868 م ابتدأت الثورة في قادس فانتشرت في الحال في إسبانيا كلها ونشأ عنها فرار الملكة على فرنسا مع أولادها وعشيقها "مرفوري" وقسيسها "كلاريت" فقدم لها "نابليون الثالث" قصر "بوفاه" صدرت منه إعلانا على الشعب الإسبانيولي فأقامت به الحجة على الثورة. وفي سنة 1868 م صرح في "مدريد" بخلعها فاستوطنت "باريس" غير أنها أقامت مدة في "جنيفا" في أثناء الحرب التي جرت بين فرنسا وجرمانيا. وفي 25 حزيران (جون) سنة 1870 م, تنازلت عن تخت الملك لابنها "ألفونس" فسمى نفسه "ألفونس الثاني عشر" في إسبانيا. إيزابيلا فيليب لوبل الملقبة بالفرنساوية ملكة إنكلترا والدها "فليب ملك فرنسا, ولدت سنة 1292 م, وتوفيت سنة 1358 م, وتزوجت "إدورد الثاني" ملك إنكلترا سنة 1307 م. غير أنه أهملها لأن ندماءه الأشرار كانوا قد ملكوا قلبه فكان يوافقهم في جميع آرائهم ومشوراتهم فصرحت بخلعه بمساعدة أخيها "شارل لوبل" واستولت على زمام الملك بالوكالة عن ابنها "إدورد الثالث" سنة 1362 م إلا أن عشيقها "روجر مرتيمر" أهلك "إدورد الثاني" في السنة التالية بعد أن أذاقه أمر العذاب فاغتاظ ابنها وخلع نيرها وأمر بقتل "مرتيمر" سنة 1330 م أما هي فحسبها في سجن ماتت فيه بعد 28 سنة. وقد زعم "إدورد الثالث" وحلفاؤه أن لهم حقا في ملك فرنسا لأن "إيزابيلا" المذكورة كانت من البيت الملكي الفرنساوي. وقيل: إنها لما توجهت إلى فرنسا لتسوية الخلاف الذي وقع بين أخيها وزوجها رأت كثيرين من الإنكليز الهاربين وهم من أصحاب "أرل لنكستر" وكان أكثرهم إقداما ونشاطا شاب اسمه "روجر مرتيمر" فجمعتهم غليها وقر رأيهم على خلع "إدورد". وفي شهر أيلول (سبتمبر) سنة 1326 م وصلت الملكة إلى ساحل "سفلك" بعساكر أجنبية مؤلفة من 3000 مقاتل تحت قيادة "روجر مرتيمر" و"جون منهينو" فأسرع لملاقاتها أكابر الأشراف والقسوس واستنجد "إدورد" برعاياه فلم ينجده أحد ففر هاربا على تخوم "ولس" فاقتفت الملكة أثره وقبضت عليه في دير "نيت" من "كونتيه كلامرغان", وأرسلته إلى قلعة "كبتلورس". وفي تلك الأثناء ألقي القبض على "هدلود سنسر" وقتل خنقا واجتمع المجلس العالي بأمر "إيزابيلا" و"مرتيمر" فأصدر قرارا في شهر يونيو سنة 1327 م يؤذن بسقوط "إدورد أف كرنارفون" ونقله على قلعة "بيركلي" وكان حرسه من الأوباش فبقي فيها إلى أن وجد في 31 أيلول عند الصباح ملقى ميتا على فراشه. وكان قد سمع صراخ وأنين من غرفته ولم تبق جثته على حالها الطبيعية فدل ذلك على أنه قتل قتلا ذريعا والمظنون أن أمعاءه أحرقت بحديد محمى بالنار. ولم بلغ "إدورد الثالث" من العمر اثنتي عشرة سنة أخذته والدته الملكة "إيزابيلا" المذكورة إلى فرنسا ولبثت ملكية "شارل الرابع" وفي ولا يتي "غينا" و"نبتيو" اللتين وهبه إياهما أبوه "إدورد الثاني" وهناك عقدت الملكة "إيزابيلا" بين "إدورد" وبين "فيليب" عقد زواج فتزوجها في 24 يونيو سنة 1328 م. ولما اسر "إدورد الثاني" وسمي "إدورد الثالث" ملكا لإنكلترا أمرت الملكة "إيزابيلا" بتعيين أربعة أساقفة وعشرة أشراف لكي يقرروا وكالة الملك وكان أكثرهم من حزبها فقرروا لها ول "مورتيمر" الذي صار آرل "مرنش" حق إدارة المملكة من تلك الأثناء فقضى "روبرت تروسل" شروط الهدنة التي كانت بينه وبين مملكة إنكلترا وأنفذ جيشا عظيما تحت قيادة "رندولف" و"زغلاس" فحملوا في كتيبة "كمبرلانه" وألقوا فيها الخراب والدمار فأرسلت "إيزابيلا" ولدها "إدورد" إلى "انشيمال" بجيش يزيد عن الأربعين ألف مقاتل وهناك حصل بينه وبين الأسكوتسيين وجرى له معهم موقعتان وهم في مراكز منيعة جدا فلم يتمكن من التغلب عليهم ويقال: إنه بكى لما رأى جماعة يسيرة قد استظهروا عليه وإنها تلك الحرب المشؤومة. فعقد معاهدة اعترف فيها باستقلال "أسكوتسيا" تماما وهذه الحالة ألقت المسؤولية على "إيزابيلا" و"مرتيمر" وكانا قد غاظا الشعب بأفعالهما ضد "أرل أف مونت" فإنهما سعيا في قتله لخيانة كبرى اتهمته بها وذلك سنة 1330 م. وفي السنة نفسها استبد "إدورد" بالسلطة وتخلص من طاعة أمه ومحبيها وقتل " مرتيمر" لخيانة بدت منه وأما "إيزابيلا" فأمر بحبسها طول حياتها في قصر "رشتتغ" حتى توفيت كما تقدم. إيزابيلا البافارية ملكة فرنسا وهي ابنة دوق "بابريا" ولدت سنة 1371 م, وتوفيت سنة 1435 م تزوجت "شارل السادس" سنة 1385 م فلما جن سنة 1392 م جعلت رئيسة لمجلس الوكالة الملكية وكان من أعضائه دوق "أوليان" أخو الملك و"جان" دوق "بورغونيا" الملقب بعديم الخوف فحصل بين هذين الأميرين منظرة شديدة نشأ عنها الخصام الذي جرى بين البورغونيين والأرمنياكيين, وكانت "إيزابيلا" تميل إلى دوق "أورليان". ويقال: إنه كان بينهما علائق حبية فأضمر لها دوق "بورغونيا" الشر وقتل خصمه سنة 1407 م رغبة في الانتقام منها فغمها الأمر جدا ولكنها رضيت بمعاهدة القاتل لتحفيظ لنفسها السلطان, ولما قتل دوق "بورغونيا" نفسه سنة 1419 م واطأت خلفه "فيليب لوبون" على تسليم فرنسا ليد أجنبية حارمة بذلك من الملك نفس ابنها "شارل السابع" ووقعت على معاهدة "تروا" التي بموجبها وجه تخت فرنسا إلى "هنري الخامس" ملك إنكلترا وذلك سنة 1420 م وقلت أهميتها بعد وفاة "شارل السادس" و"هنري الخامس" سنة 1422 م فلم تكن تتداخل في الأحكام وفي سنة 1435 م, توفيت مصحوبة باحتقار الشعب غير مأسوف عليها. ألمس المغنية الشهيرة التي فاقت كافة أرباب الألحان وآلات الطرب, وحازب شهرة عظيمة لا مزيد عليها وقد جمعت أموالا كثيرة حتى قيل فيها إنها سلبت أموال القطر المصري برقة صنعتها وحلاوة صوتها الشاجي وكانت ابنة رجل فقير يتعاطى صنعة الصباغة, وكان ظهورها في أواخر أيام سعيد باشا وأوائل حكم إسماعيل باشا الخديوي وكانت في ذلك الوقت سائدة على مغنيات مصر لاسيما "ساكنة" المغنية الشهيرة وكانت قد أسنت وكانت "ألمس" صغيرة لا تتجاوز على مابلغني الثانية عشرة من سنيها وكان اسمها الحقيقي "سكينة" ولكنها في مبادئ ظهورها لقبت باسم "ألمس" وقد غلب على الاسم الأصلي فشهرت به, وفي أول ظهورها قد طلبت إحدى سيدات العائلة الخديوية جملة بنات من بنات الأهالي حسنات الأصوات لأجل نعليمهن الألحان فجاءتها إحدى أتباعها بما طلبت ومن جملتهن "ألمس", فاختبرت أصوات الجميع فلم يرق لها سوى صوت المترجمة فطلبت إليها الإقامة عندها فامتنعت واعتذرت أنها لا تقدر على ترك والدها الفقير فقبلت عذرها بكل أسف وأنعمت عليها بشيء من النقود وانصرفت ثم بعد ذلك اشتهرت بين سيدات مصر وذواتها فكثر طلبها وتحدث بذكرها الرجال والنساء. ولما رأت "ساكنة" المغنية ذلك خافت على مركزها وشهرتها أن تسترها "ألمس" بما منحها الله من حسن الصوت ورقة الصنعة فضمتها إليها وصارت "ساكنة" لا يعبأ بها فداخلها الحسد والحقد, فساءت معاملتها ولما رأت المترجمة ذلك انفصلت عنها وجعلت لها تختا خصوصيا وكبر شأنها وطلبها ولاة مصر وذواتها وتركت "ساكنة" ونسي أمرها فزاد الحقد والحسد لها من جميع مغنين ومغنيات مصر وكان عبده الحمولي المغني الشهير هو المشهور بين الرجال في ذلك الوقت فأخذه الخوف على شهرته وارتعب من إطفاء اسمه كما حصل ل "ساكنة" فأظهر ل "ألمس" في بادئ الأمر العداوة ووقع الخلاف حتى صار إذا أراد أن يزين أفراحه ويجعل لها رونقا جمع ما بينهما في سامر واحد فيظهر كل منهما ما عنده من حسن الصنعة ورقة الصوت فيطرب السامعين ويصح فيهم المثل السائر: "تشاحنت المراكبيه بسعد الركاب". ولما رأى عبده الحمولي وأن الأهالي متجهة أفكارها إلى جهة "ألمس" وكثر مادحوها, وقل الالتفات إلى جهته عمد إلى الحيلة والمكر اللذين يتهم بهما النساء وأظهر لها الحب والود الذي لا يشك فيه, وطلب إليها الاقتران وبذل جهده في إتقان الحلية حتى قبلت اقترانها به وكانت من قبل تزوجت برجل إيراني وانفصلت منه لا أعلم إن كان بموت أو بالحياة. ولما دخلت على عبده كان آخر العهد بها فمنعها عن الغناء وتقدم هو فرجعت له شهرته الأولى إذ لم يبق غيره في القطر المصري وأسف الأهالي جميعا من غياب سناء "ألمس" عن عيونهم وحزن الكثير من هذا الاقتران. ولما صارت تحت حكمه سلمت له كل مالها وما تملكه ففتح محل تجارة وحيث إنه كان مسرفا في بذل الأموال لم تدم تجارته إلا قليلا فقفل محله التجاري. وكانت المترجمة جملت منه ولم تلد, بل توفاها الله بحملها وهي في نضارة الشباب وعنفوان الصبا فأسف عليها المصريون مل الأسف وكان لها يوم مشهود جمع أكابر مصر وأصاغرها واحتفل بمشهدها تقله أعناق الرجال وتسقى الأرض بأنهر من الدمع المدرار. وحزن عبده عليها الحزن الشديد وحاقه الندم على ما فرط منه في معاملتها بالقسوة حيث إنه كان يعاملها بكل فظاظة وهجر حتى قيل: إنه كان يقصد خسارة أموالها فيركب العربة تقلها الخيل الجياد من خليها فلا يحملانه أكثر من الأسبوع وخسرت التجارة وما ينوف عن الثلاثين ألف جنيه وغير ذلك من الخسائر الباهظة غير ما عاملها به من الهجر والإعراض فلحقها الغم وندمت من حيث لا ينفع الندم حتى قيل: إن ذلك سبب موتها لما لحقها من الكدر. فأثر هذا الأمر في عبده بعد موتها وثابر على الحزن مدة من الزمن وغنى عليها بألحان محزنة نذكرها على سبيل الاستئناس وهو: مذهب: شربت الصبر من بعد التصافي ومر الحال ما عرفتش أصافي يغيب النوم وأفكاري تـوافـي عدمت الوصل آه يا قلبي علي دور: يقضي لوم يكفـانـي مـلامـه وزاد بي الحال يا الله السلامـه مضت بهجة فـؤادي يا نـدامـه عدمت الوصل آه يا وعدي علي دور: على عيني بعاد الحلو سـاعـه ولكن للقضا سمعا وطـاعـه لأن الروح في الدنـيا وداعـه عدمت الوصل آه يا قلبي علي دور: زمان الأنس راح عنـي وودع وصرت اليوم من ولهي مولع وبعد الهجر هو الصبر ينـفـع عدمت الوصل آه يا قلبي علي هذا ما بلغني من ترجمة "ألمس" ولم أجد من يطلعني على شيء من نوادرها وملحها الكثيرة. حرف الباء الموحدة باقو الملقبة بالطاهرة زوجة السلطان مراد الثالث هي امرأة من البندقية كانت ذات فكر ثاقب وجمال بارع أسرها لصوص البحر سنة 1580 م وهي سائرة مع أبيها من البندقية على "كورفو" فسقيت إلى القسطنطينية وصارت فيها من جواري السلطان مراد الثالث ثم تزوجها وجعلها سلطانة وأخذ حبها بمجامع قلبه كلمتها وكانت لها سطوة عجيبة في أيام ابنها السلطان محمد الثالث فكان يستشيرها في مصالح السلطنة غير أن حفيدها السلطان أحمد تغير عليها سنة 1603 للميلاد ووضعها في السرابة القديمة إلى أن ماتت. بثينة حبيبة جميل بن معمر العذري هي بثينة بنت حبا بن ثعلبة بن لهوذ بن عمر بن الأصب بن حر بن ربيعة, كذلك نسبها صاحب الأغاني وهي من بني عذرة هام بها وذكرها في شعره جميل بن عبد الله بن معمر فعرف بها حتى إنه لا يعرف إلا بجميل بثينة. تزوجها رجل يقال له: نبيه بن الأسود وبقي جميل يتردد عليها بلا ريبة وكانت بثينة من أحسن النساء وأكملهن أدبا وظرفا وأطيبهن حديثا ولها مع جميل نوادر وأشعار ومغازلات كثيرة كلها مستورة بالعفة والأدب فمنها أن سبب ما علق بها جميل أنه أقبل يوما بإبله حتى أوردها واديا يقال له: بغيض فاضطجع وأرسل إبله ترعى وأهل بثينة يومئذ في جانب الوادي فأقبلت بثينة وجارة لها واردتين الماء, فمرتا على فصال له بروك فنفرتهن بثينة (أي انتهرتهن) فقال: قد نفرتهن وكانت إذ ذاك جويرية صغيرة فسبها جميل, فبادلته السب وشتمته هي أيضا فاستحسن سبابها وهام بها من ذاك الحين, وفي ذلك يقول: وأول ما قاد المودة بينـنـا بوادي بغيض يا بثين سباب وقلنا لها قولا فجاءت بمثله لكل كلام يا بثين جـواب وخرجت بثينة في يوم عيد وكانت النساء إذ ذاك يتزين ويجتمعن ويدنو بعضهن لبعض ويبدون للرجال في كل عيد فجاء جميل فوقف على بثينة وأختها أم الحسين في نساء من نبي الأحب فرأى منهن منظرا لطيفا فقعد معهن ثم انصرف وكان معه فتيان من بني الأحب فعلم أن القوم قد عرفوا في نظره حب بثينة ووجدوا عليه فراح وهو يقول: عجل الفراق وليته لم يعـجـل وجرت بوادر دمعك المتهلـل طربا وشاقك ما لقيت ولم تخف بين الحبيب غداة برقة محـول وعرفت أنك حين رحت ولم يكن بعد اليقين وليس ذاك بمشكـل لن تستطيع إلى بثـينة رجـعة بعد التفرق دون عام مقـبـل ولما سمعت بثينة أن جميلا شب بها حلفت بالله أن لا يأتيها على خلوة إلا خرجت إليه ولا تتوارى منه فكان يأتيها عند غفلات الرجال فيتحدث معها ومع أخواتها حتى نمى إلى رجالها أنه يتحدث إليها, وكانوا أصلافا (أي غيارى), فرصدوه بجماعة نحو من بضعة عشر رجلا وجاء على الصهباء ناقته حتى وقف ب بثينة وأم الحسين وهما تحدثانه وهو ينشدهما قوله: حلفت برب الراقصات إلى منى هوي القطا تجتزن بطن دفين لقد ظن هذا القلب أن ليس لا قيا سليمى ولا أم الحسين لحـين فليت رجالا فيك قد ندروا دمي وهموا بقتلي يا بثين لقـونـي فبينما هو على تلك الحال إذ وثب عليه القوم فأطلق عنان الناقة, فخرجت من بينهم كالسهم ووعدت جميلا يوما أن يلتقيا في بعض المواضع فأتى لوعدها, وجاء أعرابي يستضيف القوم فأنزلوه وقروه فقال لهم: قد رأيت في بطن هذا الوادي ثلاثة نفر متفرقين متوارين في الشجر وأنا خائف عليكم أن يسلبوا بعض إبلكم, فعرفوا أنه جميل وصاحباه فحرسوا ب بثينة ومنعوها من الوفاء بوعده, فلما أسفر الصبح انصرف كئيبا سيئ الظن بها ورجع إلى أهله فجعل نساء الحي يقرعنه بذلك ويقلن له: إنما حصلت منها الباطل والكذب والغدر وغيرها أولى بوصلك منها كما أن غيرك يحظى بوصلها فقال في ذلك: فلرب عارضة علينا وصـلـهـا بالجد تخلطه بقـول الـهـازل فاجبتها في القول بعـد تـسـتـر حبي ب بثينة عن وصالك شاغلي لو كان في صدري كقدر قـلامة فضلا وصلتك أو أتتك رسائلـي ويقلن إنك قد رضيت بـبـاطـل منها لك في اجتناب الـبـاطـل ولباطل مـمـن أحـب حـديثـه أشهى إلي من البغيض الـبـاذل ليزلن عنك هواي ثم يصلـنـنـي وإذا هويت فما هـواي بـزائل أبثين إنك قد ملكت فاسـحـجـي وخذي بحظك من كريم واصـل وفي وعدها بالتلاقي وتأخرها يقول أيضا قصيدته الرائبة التي أولها: يا صاح عن بعض الملامة أقصر إن المنى للقاء أم الـمـسـور ومنها: وكأن طارقها على علل الكرى والنجم وهنا قد دنا لتـغـور يستاف ريح مدامة معـجـونة بذكي مسك أو سحيق العنبر ومنها: إني لأحفظ غيبكم ويسـرنـي إذ تذكرين بصالح أن تذكري ويكون يوم لا أرى لك مرسلا أو نلتقي فيه علي كأشـهـر يا ليتني ألقى المنـية بـغـتة إن كان يوم لقائكم لـم يقـدر أو أستطيع تجلدا عن ذكركـم فيفيق بعض صبابتي وتفكري لو قد تجن كما أجن من الهـوى لعذرت أو لظلمت إن لم تعذري والله ما للقلب من عـلـم بـهـا غير الظنون وغير قول المخبر لا تحسبي أني هجرتك طـائعـا حدث لعمرك رائع أن تهجري فلتبكني الـبـاكـيات وإن أبـح يوما بسرك معلنـا لـم أعـذر يهواك ما عشت الفؤاد فإن أمـت يتبع صداي صداك بين الأقبـر إني إليك بما وعدت لـنـاظـر نظر الفقير على الغني المكثر يعد الديون وليس ينجز مـوعـدا هذا الغريم لنا وليس بمعـسـر ما أنت والوعد الذي تعـدينـنـي إلا كبرق سحابة لـم يمـطـر قلبي نصحت له فرد نصيحـتـي فمتى هجرتيه فمنه تكـثـري والتفت بجميل بعد طول تهاجر كان بينهما طالت مدته فتعاتبا طويلا ثم قالت له: ويحك يا جميل أتزعم أنك تهواني وأنت القائل: رمى الله في عيني بثينة بالقذى وفي الغر من أنيابها بالقوادح فأطرق طويلا وهو يبكي وينتحب ثم رفع رأسه وقال: بل أنا القائل: ألا ليتني أعمى أصم تقودني بثينة لا يخفى علي كلامها فقالت: ويحك, ما حملك على هذه المنى أوليس في سعة العافية ما كفانا جميعا؟ وسعت جارية من جواري بثينة بها إلى أبيها وأخيها وقالت لهما: إن جميلا عندها الليلة فأتياها مشتملين سيفهما, فرأياه جالسا إليها يحدثها ويشكو إليها وجده بها وشوقه لها, ثم قال لها: يا بثينة, أرأيت ودي لك وشغفي بك ألا تجزينه؟ قالت: بماذا؟ قال: بما يكون بين المتحابين. فقالت له: يا جميل أهذا تبغي والله لقد كنت عندي بعيدا منه, ولئن عاودت تعريضا بريبة لا رأيت وجهي بعدها أبدا فضحك من كلامها وقال: والله ما قلت لك هذا إلا لأعلم ما عندك فيه, ولو علمت أنك تجيبيني إليه لعلمت أنك تجيبين غيري ولو رأيت منك مساعدة عليه لضربتك بسيفي هذا ما استمسك في يدي أو هجرتك إن استطعت على الأبد أو ما سمعت قولي: إني لأرضى من بثـينة بـالـذي لو أبصره الواشي لقرت بلابله بلا وبأن لا أستطيع وبالـمـنـى وبالأمل المرجو قد خاب أملـه وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي أواخره لا نلـتـقـي وأوئلـه فقال أبوها لأخيها: قم بنا فما ينبغي بعد اليوم أن نمنع هذا الرجل من لقائها فانصرفا وتركاهما. وقال جميل يوما لأحد أترابه: هل لك في مساعدتي على لقاء بثينة, فمضى معه حتى كمن له في الوادي وأرسل معه خاتمه إلى راعي بثينة ودفعه غليه فمضى به غليها ثم عاد بموعد منها إليه فلما جن الليل جاءته فتحدثا طويلا حتى أصبحا ثم ودعها وركب ناقته وهي باركة قالت له بثينة ادن مني يا جميل فدنا منها وقال: إن المنازل هيجت أطرابـي واستعجمت آياتها بجوابـي فترى تلوح بذي اللجين كأنهـا أنضاء رسم أو سطور كتاب لما وقفت بها القلوص تبادرت مني الدموع لفرقة الأحباب وذكرت عصرا يا بثينة شاقني وذكرت أيامي وشرخ شبابي وقال كثير: لقيني جميل مرة فقال لي: من أين أقبلت؟ قلت: من عند ابي الحبيبة -أعني بثينة- فقال: وإلى أين تمضي؟ قلت: إلى الحبيبة -أعني عزة- فقال: لا بد أن ترجع عودك على بدئك فتستجد لي موعدا من بثينة. فقال: عهدي بها الساعة وأنا أستحي أن أرجع. فقال: لا بد من ذلك. فقلت: فمتى عهدك بها؟ قال: في أول العيد وقد وقعت سحابة بأسفل وادي الردم فخرجت ومعها جارية لها تغسل ثيابها, فلما أبصرتني أنكرتني وضربت بيدها إلى ثوب في الماء فالتحفت به تسترا, وعرفتني الجارية فأخبرتها, فتركت الثوب في الماء وتحدثنا حتى غابت الشمس, وسألتها الموعد فقالت: أهلي سائرون. وما وجدت أحدا غيرك يا كثير حتى أرسله غليها فقال له كثير: فهل لك في أن آتي الحي فأنزع بأبيات من الشعر أذكر فيها هذه العلامة إن لم أقدر على الخلوة بها. قال: ذلك الصواب: فأرسله إليها فذهب, وقال: انتظرني حتى أعود, ثم سار حتى أناخ بهم فقال له أبوها: ما ردك يا كثير؟ قال: ثلاثة أبيات عرضت لي فأحببت أن أعرضها عليك. قال: هاتها. قال كثير: فأنشدته وبثينة تسمع من وراء الخدر: فقلت لها يا عز أرسل صاحبي إليك رسولا والموكل مرسل بأن تجعلي بيني وبينك موعـدا وأن تأمريني بالذي فيه أفعل وآخر عهدي منك يوم لقـيتـنـي بأسفل وادي الروم والثوب يغسل فضربت بثينة صدرها وقالت: اخسأ اخسأ، فقال أبوها: مهم يا بثينة؟ قال: كلب يأتينا إذا نام الناس من وراء هذه الرابية، ثم التفتت إلىالجارية وقالت: أبغينا من الدومات حطبا لنذبح لكثير شاة ونسويها له. فقال كثير: أنا أعجل من ذلك وخرج وراح إلى جميل فأخبره. فقال له جميل: الموعد الدومات بعد أن تنام الناس. وكانت بثينة قد قالت لأختها أم الحسين، وليلى ونجيا بنات خالتها: إني قد رأيت في نحو نشيد كثير أن جملا معه وكانت قد أنست إليهن واطمأنت بهن وكاشفتهن بأسرارها فخرجن معها، وكان جميل وكثير خرجا حتى أتيا الدومات (اسم محل) وجاءت بثينة ومن معها فما برحوا حتى برق الصبح فكان كثير يقول: ما رأيت عمري مجلسا قط أحسن من ذلك المجلس ولا مثل علم أحدهما بضمير الآخر ولم أدر أيهما كان أفهم. ولما ندر أهل بثينة دم جميل وأهدره لهم السلطان ضاقت الدنيا بجميل، فكان يصعد الليل كثيب رمل ويتنسم الريح من نحو حي بثينة ويقول: أيا ريح الشمال أما ترينـي أهمي وإنني بادي النحول هبي لي نسمة من ريح بثن ومني بالهبوب إلى جميل وقولي يا بثينة حسب نفسي قليلك أو أقل من القلـيل فإذا ظهر الصبح انصرف وكانت بثينة تقول لجوار من الحي عندها: ويحكن، إني لأسمع أنين جميل من بعض الغيران فيقلن لها: اتقي الله فهذا شيء يخيله لك الشيطان لا حقيقة له، واجتمع كثير بجميل وما فقال له: يا جميل، أترى بثينة لم تسمع بقولك: يقيك جميل كـل سء أمـالـه لديك حديث أو إلـيك رسـول وقد قلت في حبي لكم وصبابتي محاسن شعر ذكرهن يطـول فإن لم يكن قولي رضاك فعلمي هبوب الصبا يا بثن كيف أقول فما غاب عن عيني خيالك لحظة ولا زال عنها والخـيال يزول فقال جميل أترى عزة يا كثير لم تسمع بقولك: يقول العدا ياعز قد حال دونـكـم شجاع على ظهر الطريق مصمم فقلت لها والله لو كـان دونـكـم جهنم ما راعت فؤادي جهـنـم وكيف يروع القلـب يا عـز رائع ووجهك في الظلماء للسفر معلم وما ظلمتك النفس ياعز في الهوى فلا تنقمي حبي فما فيه منـقـم قال: فبكيا ليلتهما إلى أن بزغ الصباح، ثم انصرفا وخرج جيمل لزيارة بثينة ذات يوم فنزل قريبا من الماء يترصد أنه لبثينة، أو راعية ليتخذها واسطة لتبليغ رسالته، وإذا بأمة حبشية معها قربة واردة على الغدير لتملأها، فكانت عارفة به، ولما تبينها وتبينته سلمت عليه وجلست معه وجعل يحدثها ويسألها عن أخبار بثينة ويخبرها بما يعانيه من ألم الفراق، ويحملها رسائله إلى بثينة، ثم أعطاها خاتمه وسألها أن تدفعه لها وأخذ عليها موعدا ترجع إليه فيه، ومكث ينتظر رجوعها وذهبت الجارية إلى أهلها وقد أبطأت عليهم، فلقيها أبو بثينة وزوجها وأخوها فسألوها عما أبطأ بها فالتوت عليهم ولم تخبرهم من شيء مما حصل لها مع جميل، فتعللت عليهم فضربوها ضربا مبرحا، ومن ألم الضرب أعلمتهم حالها مع جميل ودفعت إليهم خاتمه، وصدف أنه مر بها في تلك الحالة فتيان من بني عذرة فسمعا القصة جميعها وعرفا الموضع الذي فيه جميل، فأحبا أن يدرآ عنه هذا الخطر فقالا للقوم إنكم إن لقيتم جميلا وليست بثينة معه ثم قتلتموه لزمكم في ذلك كل مكروه وكان أهل بثينة أعز بني عذرة فدعوا الأمة وأعطوها الخاتم وأمروها أن توصله إلى بثينة وحذروها من أن تخبرها بأنهم علموا القصة ففعلت، ولم تعلم بثينة بما جرى، ومضى الفتيان فأنذرا جميلا وقالا تقيم عندنا في بيوتنا حتى يهدأ الطلب، ثم تبعث إليها فتزورك وتقضي من لقائها وطرا وتنصرف سليما. فقال: أما الآن فابعثا إليها من ينذرها فأتياه براعية لهما وقالا له: قل بحاجتك فقال: ادخلي إليها وقولي لها إني أردت اقتناص ظبي فحذره ذلك جماعة اعتوروه من القناص ففاتني الليلة فمضت فأعلمتها ما قال لها فعرفت قصته وبحثت عنها ففهمتها تماما فلم تخرج لزيارته تلك الليلة ورصدها فلم تبرح من مكانها ومضوا يقتفون أثره فوجدوا ناقته فعرفوا أنه د فاتها وفي ذلك يقول جميل: خليلي عوجا اليوم حتى تسلمـا على عذبة الأنياب طيبة النشر ألما بها ثم اشفعا لي وسـلـمـا عليها سقاها الله من سائغ القطر وقال: ابــي الـــقـــلـــب إلا حـــب بـــثـــنة لـــم يرد سواهـا وحــب الـــقـــلـــب بـــثـــنة لا يجـــدي إذا مـــا دنـــت زدت اشـــتـــياقـــا وإن نــــــأت جزعـت لـنـأي الـدار مـنــهـــا ولـــلـــبـــعـــد سلـي الـركـب هـل عـجـنـا لـمـــغـــنـــاك مـــرة صدرو الـمـطـــايا وهـــي مـــوقـــرة تـــخـــدي وهل فاضت العين لاشروق بمائها من أجلك حتى أخضل من دمعها بردي وإني لأستجري لك الطير جاهدا لتـجـري بـيمـن مـن لـــقـــائك مـــن ســـعـــدي وإنـي لأســـتـــبـــكـــي إذا الـــركـــب غـــردوا بذكـراك أن يحــيا بـــك الـــركـــب إذا تـــحـــدي فهــل تـــجـــزينـــي أم عـــمـــرو بـــودهـــا فإن الـذي أخـفـــى بـــهـــا فـــوق مـــا أبـــدي وكـــل مـــحـــب لـــم يزد فـــوق جـــهـــــده وقـد زدتـهـا فـي الـحـب مـنـي عـلـى الــجـــهـــد ولما ضاقت برهط بثينة الحيل ائتمنوا عليها عجوزا منهم يثقون بها يقال لها: أم منظور فجاءها جميل وقال لها: أريني بثينة، فقالت: لا والله لا أفعل وقد ائتمنوني عليها فقال: أما والله لا أضرنك فقالت: المضرة والله في أن أريكها فخرج من عندها وهو يقول: ما أنس لا أنس منها نظرة سلفت بالحجر يوم جلتها أم منظـور ولا استلابها خرسا جبابـرهـا إلي من ساقط الأوراق مستور قال فما كان غلا قليل حتى انتهى إلهم هذان البيتان فتعلقوا بأم منظور فحلفت لهم بكل يمين فلم يقبلوا منها وعاقبوها على ذلك هكذا رواه صاحب الأغاني عن الأغاني عن الزبير بن بكار. وفي رواية أخرى أن رجلا أنشد مصعب بن الزبير البيت الأول من البيتين المذكورين فقال مصعب: لوددت أني عرفت كيف جلتها فقيل له: إن أم منظور هذه حية فكتب في حملها غليه مكرمة فحملت إليه فقال لها: أخبريني عن قول جميل. ما أنس لا أنس منها نظرة سلفت بالحجر يوم جلتها أم منظـور كيف كانت هذه الجلوة؟ قالت: ألبستها قلادة بلح ومخنقة بلح في وسطها تفاحة وضفرت شعرها، وجعلت في فرقها شيئا من الجلوة ومر بنا جميل راكبا على ناقته فجعل ينظر غليها بمؤخر عينه ويلتفت إليها حتى غاب عنا فقال لها مصعب: فإني أقسم عليك إلا جلوت عائشة بنت طلحة مثل ما جلوت بثينة ففعلت، وركب مصعب ناقته وجعل ينظر على عائشة بمؤخر عينه مثل ما فعل جميل ويسير حتى غاب عنهما ثم رجع. وجاء جميل إلى بثينة ليلة وقد تزيا بزي راع لبعض الحي، فوجد عندها ضيفان لها فانتبذ ناحية وجلس فيها فسألته: من أنت؟ فقال: مسكين مكاتب فعشت ضيفانها وعشته وحده ثم جلست هي وجارية لها تجاه النار تصطليان واضطجع القوم منتحين فقال جميل: هل البائس المقرور دان فمصطل من النار أو معطى لحافا فلابس فقالت لجاريتها: صوت جميل والله اذهبي فانظري فذهبت ثم رجعت وقالت: هو والله جميل فشهقت شهقة سمعها القوم فأقبلوا يجرون، وقالو: ما لك فطرحت بردا لها من حبرة في النار وقالت: احترق بردي، فرجع القوم وأرسلت جاريتها إلى جميل فجاءتها به فحبسته عندها ثلاث ليال ثم ودعها وخرج. ورصدها ليلة في نجع لبني عذرة حتى إذا صادف منها فرصة وهي مارة مع أترابها في ليلة ظلماء ذات رعود وأمطار فحذفها بحصاة فأصابت بعض أترابها ففزعت وقالت: والله ما حذفني في مثل هذا الوقت إلا الجن فقالت لها بثينة -وقد فطنت-: انصرفي على منزلك حتى نذهب إلى النوم، فانصرفت وبقي مع بثينة أم الحسين وأم منظور فقامت إلى جميل فأخذته إلى الخباء معها وتحدثا طويلا ثم اضطجع واضطجعت إلى جانبه فذهب بهما النوم حتى أصبحا وجاءها غلام زوجها بصبوح من اللبن بعث به إليها زوجها (يظهر من تواريخ العرب أنهم كانوا على الطريقة التي اتخذها الإفرنج في وقتنا هذا بأن الزوج لا يرقد وزوجته في محل واحد بل كل منهما في محل) فلما رآها نائمة مع جميل مضى لوجهه حتى يخبر سيده فرأته ليلى والصبوح معه وكانت قد عرفت خبر بثينة وجميل فاستوقفته كأنها تسأله عن حاله وبعثت بجارتها لها وقالت: حذري بثينة وجميلا، فجاءت الجارية فنبهتهما، فلما تبنيت بثينة الصبح قد أضاء والناس منتشرين أرتاعت وقالت: يا جميل نفسك نفسك فقد جاءني غلام زوجي بصبوحي من اللبن فرآنا نائمين فقال لها وهو غير مكترث لما خوفته منه: لعمرك ما خوفتني من مخـافة بثين ولا حذرتني موضع الحذر فأقسم لا يلفـي لـي الـيوم غـرة وفي الكف مني صارم قاطع ذكر فأقسمت عليه أن يلقي نفسه تحت النضد وقالت: إنما أسألك ذلك خوفا على نفسي من الفضيحة لا خوفا عليك, ففعل ما أمرته به ونامت كما كانت, وأضجعت أم الحسين إلى جانبها, وذهبت خادمة ليلى وأخبرتها الخبر فتركت العبد يمضي إلى سيده فمضى والصبوح معه وقال: إني رأيت جميلا مع بثينة في فراش واحد مضطجعا إلى جانبها فمضى إلى أخيها وأبيها وأخبرهم الخبر وأخذهما وأتى بهما إلى خباء بثينة وهي نائمة فكشفوا عنها الثوب فإذا أم الحسين إلى جانبها نائمة, فخجل زوجها وسب عبده وقالت ليلى لأخيها وأبيها: قبحكما الله أفي كل يوم تفضحان فتاتكما ويلقاكما هذا الأعور فيها بكل قبيح قبحه الله, وقبحكما معه. وجعلا يسبان زوجها ويقولان له كل قول قبيح وأقام جميل عند بثينة حتى جن الليل ثم ودعها وانصرف وخافت بثينة مما جرى فتحامت منه مدة فقال في ذلك: أإن هتفـت ورقـاء ظـلـت سـفـاهة تبكي على جمل لـورقـاء تـهـتـف فلو كان لـي بـطـرم يا صـاح طـاقة صرمت ولكني عن الصرم أضـعـف لها في سواد القلب بـالـحـب مـنـعة هي الموت أو كادت على الموت تشرف وما ذكرتك الـنـفـس يا بـثـن مـرة من الدهر إلا كادت النفـس تـتـلـف وإلا اعتـرتـنـي زفـرة واسـتـكـانة وجادلها سـجـل مـن الـدمـع يذرف وما استطرفت نفسـي حـديثـا لـخـلة أسـر بـه إلا حـديثـك أطـــرف وهي قصيدة طويلة منها قوله: ولست بناس أهلها حين أقبـلـوا وجالوا علينا بالسيوف وطوفوا وقالوا جميل بات في الحي عندها وقد جردوا أسيافهم ثم وقفـوا ولما اشتهرت بثينة بحب جميل إياها اعترضه عبيد الله بن قطنة بني الأحب وهو من رهطها الأقربين فهجاه وبلغ ذلك جميلا فأجابه وتطاولا فغلبه جميل وكف عنه ابن قطنة واعترضه عمير بن رمل رجل من بني الأحب أيضا وإياه عنى جميل بقوله: إذا الناس هابوا خزية ذهبت بـهـا أحب المخازي كهلها وولـيدهـا لعمر عجوز طرقت بـك إنـنـي عمير بن رمل لابن حرب أقودها بنفسي فلا تقطـع فـؤادك ضـلة كذلك حزني وعثها وصعودهـا قال: فاستعدوا عليه عامر بن ربعي وكان الحاكم على بلاده عذرة وقالوا: يهجونا ويغشى بيوتنا وينسب بنسائنا فأباحهم دمه وطلب فهرب, وغضبت عليه بثينة لهجائه أهلها جميعا فقال جميل: وما صائب من نائل قذفـت بـه يد وممر العـقـدتـين وثـيق له من خوافي النسر جم تطـاير ونصل كنصل الزاعبي فتـيق على نبعة زوراء أما خطامـهـا فمثن وأما عودها فـعـتـيق بأوشك قتلا منك يوم رميتـنـي نوافذ لم تظهر لهـن خـروق تفرق أهلانا بثـين فـمـنـهـم فريق أقاموا واستمـر فـريق فلو كنت خوارا لقد باح مضمري ولكنني صلب القنـاة عـريق كان لم يحارب يا بثين لـو أنـه تكشف غماها وأنـت صـديق وبعد ذلك بمدة وقع الصلح بينه وبينها وأخذ منها موعدا للقائه فوجدوه عندها فأعذروا إليه وتوعدوه وكرهوا قتله خوفا من أن ينشب بينهم وبين قومه حرب بدمه وكان قومه أشد بأسا من قوم بثينة فأعادوا شكواه إلى السلطان فطلبه طلبا شديدا فهرب إلى اليمن فأقام بها مدة. ومن شعره وهو في اليمن: ألـــو خـــيال مـــن بـــثـــينة طـــــــارق علـى الـنــأي مـــشـــتـــاق إلـــي وشـــائق سرت من تلاع الحجر حتى تخلصت إلي ودوني الأشعرون وعافق كأن فتيت المسك خالط نشرها تقـــل بـــه أردافـــهـــا والـــمـــرافـــق تقـوم إذا قـامـــت بـــه عـــن فـــراشـــهـــا ويغـدو بـه مـن حـضـنـهـا مــن تـــعـــانـــق ولم يزل في اليمن على أن عزل ذلك الوالي وانتقل أهل بثينة إلى ناحية الشام فرجع إليهم فشكا أكابر الحي إلى أبيه وكان ذا مال وفضل وقدر في أهله فناشدوه الله والرحم وسألوه كف ابنه عن فتاتهم وعن تشببه بها وما يفضحهم به بين الناس فوعدهم كفه ومنعه ما استطاع ثم انصرفوا فدعا به وقال له: يا بني حتى متى أنت أعمى في ضلالك ألا تأنف من أن تتعلق في ذات بعل يخلو بها وأنت عنها بمعزل تغرك بأقوالها وخداعها, وتريك الصفاء والمودة, وهي مضمرة لبعلها ما تضمره الحرة لمن ملكها فيكون قولها لك تعليلا وغرورا فإذا انصرفت عنها عادت إلى بعلها على حالتها المبذولة إن هذا لذل وضيم وما أعرف أخيب سهما ولا أضيع عمرا منك فأنشدك الله ألا كففت وتأملت في أمرك فإنك تعلم أن ما قلته حق ولو كان إليها سبيل لبذلت ما أملكه فيها, ولكن هذا أمر قد فات واستبد به من قدر له وفي النساء عوض؟ ! فقال له جميل: الرأي ما رأيت والقول كما قلت, ولكن هل رأيت قبلي أحد قدر أن يدفع هواه عن قلبه أو ملك أن يسلي نفسه أو استطاع أن يدفع ما قضى عليه والله لو قدرت أن أمحو ذكرها من قلبي, أو أزيل شخصها عن عيني لفعلت ولا سبيل إلى ذلك وإنما هو بلاء بليت به لحين قد أتيح لي, ولكن أنا أمتنع من طروق هذا الحي والإلمام به ولو مت كمدا, وهذا جهدي ومبلغ ما أقدر عليه, وقام وهو يبكي فبكى أبوه ومن حضر جزعا لما رأوا منه حب بثينة ثم أنشد: ألا مـن لـقــلـــب لا يمـــل فـــيذهـــل أفـق فـالـتـعـزي عـن بـثـينة أجـــمـــل سلا كـل ذي ود عـلـمـــت مـــكـــانـــه وأنـت بـهـا حـتـى الـمـمـات مـــوكـــل فمـا هـكـذا أحـبـبـت مـن كـان قـبـلـهـــا ولا هـكـذا فـيمـا مـضـى كـنـت تـفـعــل فيا قـلـب دع ذكـرى بـــثـــينة إنـــهـــا وإن كـنـت تـهـواهـا تـضـن وتـبــخـــل وقـد أيأسـت مـن نـيلـهـا وتـجــهـــمـــت ولـلـيأس إن لـم يقـدر الـنـــيل أمـــثـــل وإلا فـسـلـهـا نـائلا قـبــل بـــينـــهـــا وأبـخـل بـهـا مـسـؤولة حــين تـــســـأل وكيف ترجى وصلها بعد وقد جد حبل الوصل ممن تؤمل وإن التي أحببت قد حيل دونها فكـن حـازمـا والـحـازم الـمــتـــحـــول ففـي الـيأس مـا يسـلـي وفـي الـنـاس خـــلة وفـي الأرض عـمـن لا يواتـيك مـــعـــزل بدا كـلـف مـنـي بـهـا فـتـثـــاقـــلـــت ومـا لا يرى مـن غـائب الـوجـد أفـــضـــل هبـينـي بـرئيا نــلـــتـــه بـــظـــلامة عفـاهـا لـكـم أو مـذنـبـا يتــنـــصـــل فتـاة مـن الـمـران مـا فـوق حــقـــوهـــا ومـا تـحـتـه مـنـهـا نـقـــا يتـــهـــيل والتقى جميل بعمر بن أبي ربيعة فقال له: يا جميل, قم بنا نذهب على زيارة بثينة. قال: قد أهدر لهم السلطان دمي إن وجدوني عندها وهاتيك أبياتها فاذهب غليها, فأتاها عمر حتى وقف على أبياتها فقال: يا جارية, أنا عمر بن أبي ربيعة فأعلمي بثينة مكاني فأعلمتها فخرجت إليه في مباذلها وقالت: والله يا عمر لا أكون من نسائك اللاتي يزعمن أن قد قتلهن الوجد بك, فانكسر عمر وقال لها قول جميل: وهما قالتا لو أن جمـيلا عرض اليوم نظرة فرآنا بينما ذاك منهما وأتـانـي أعمل النص سيرة زفيانا نظرت نحو تربها ثم قالت قد أتانا وما علمنا منانـا فقال إنه استملى منك فما أفلح, وقد اربط الحمار مع الفرس فإن لم يتعلم من جريه تعلم من خلقه فخجل من قولها وانصرف. ولما ضاقت بجميل الحيل وأراد الخروج إلى الشام هجم ليلا على بثينة وقد وجد غفلة في الحي فقالت له: أهلكتني والله وأهلكت نفسك ويحك أما تخاف؟ فقال لها: هذا وجهي إلى الشام وإنما جئتك مودعا فحادثها طويلا ثم ودعها وقال: يا بثينة ما أرانا نلتقي بعد هذا وبكى بكاء طويلا وبكت, ثم قال وهو يبكي: ألا لا أبالي جفوة الناس ما بدا لنا منك رأي يا بثين جمـيل وما لم تطيعي كاشحا أو تبدلي بنا بدلا أو كان منك ذهـول وإني وتكراري الزيارة نحوكم بثين بذي هجر بثين يطـول وإن صبابتي بكم لـكـثـيرة بثين ونسيانيكـم لـقـلـيل وخرج إلى الشام وطال غيابه فيها, ثم قدم وبلغ بثينة خبره فراسلته مع بعض نساء الحي تذكر شوقها إليه ووجدها به وطلبها للحيلة في لقائه وواعدته لموضع يلتقيان فيه فسار غليها وحدثها وبث غليها أشواقه وأخبرها خبره بعدها وقد كان أهلها رصدوها فلما فقدوها تبعها أبوها وأخوها حتى هجما عليهما فوثب جميل, وانتضى سيفه وشد عليهما فاتقياه بالهرب وناشدته بثينة الله ألا انصرف وقالت له: إن أقمت فضحتني ولعل الحي أن يلحقوا بك. فأبى وقال: أنا مقيم, وامض أنت وليصنعوا بي ما أحبوا فلم تزل تنشده حتى انصرف وقد هجرته وانقطع التلاقي بينهما مدة وفي ذلك يقول: ألم تسأل الربع الخـلاء فـينـطـق وهل تخبرنك اليوم بيداء سمـلـق وقفت بها حتى تجلـت عـمـايتـي ومل الوقوف إلا رحبي المـنـوق تعزو إن كانـت عـلـيك كـريمة لعلك من رق لبـثـينة تـعـتـق لعمركم إن الـبـعـاد لـشـائقـي وبعض بعاد البين والنـأي أشـوق لعلك محـزون ومـبـد صـبـابة ومظهر شكوى من أناس تفرقـوا وبيض غريرات تثني خصـورهـا إذا قمن أعجاز ثـقـال وأسـوق عزائز لم يلقـين بـؤس مـعـيشة يجن بهن الناظـر الـمـتـنـوق وغلغلت من وجد إليهـن بـعـدمـا سريت وأحشائي من الخوف تخفق معي صارم قد أخلص القين صقلـه له حين أغشيه الضـريبة رونـق فلولا احتيالي ضقن ذراعـا بـزائر به من صبابـات إلـيهـن أولـق تسوق بقضبان الأراك مـفـلـجـا يشعشع فيه القارسـي الـمـروق أبثينة للوصل الـذي كـان بـينـنـا نضا مثل ما ينضو الخضاب فيخلف أبثـينة مـا تـنـأين إلا كـأنـنـي بنجم الثريا مـا نـأيت مـعـلـق وأقام مرة لا يلم بها ثم لقي ابني عمه روقا ومسعد فشكا غليهما ما به وأنشدهما قوله: زورا بثينة فالحـبـيب مـزور إن الزيارة للمـحـب يسـير إن الترحل أن تلبـس أمـرنـا وإعتاقنا قـدر أحـم بـكـور إني عشية رحت وهي حـزينة تشكو إلي صبابة لـصـبـور غراء مبسام كـأن حـديثـهـا در تحدر نظمـه مـنـثـور مخطوطة المتنين مضمرة الحشا ريا الروادف خلفها ممكـور لا حسنها حسن ولا كـدلالـهـا دل ولا كوقـارهـا تـوقـير إن اللسان بذكرها لـمـوكـل والقلب صاد والخواطر صور ولئن جزيت الود مني مـثـلـه إني بذلـك يا بـثـين جـدير فقال له روق: إنك لعاجز ضعيف في استكانتك لهذه المرأة وتركك الاستبدال بها مع كثرة النساء ووجود من هو أجمل منها وإنك منها بين فجور أرفعك عنه أو ذل لا أحبه لك, أو كمد يؤديك على التلف, أو مخاطرة بنفسك لقومها إن تعذرت لهم بعد إعذارهم إليك, وإن صرفت نفسك عنها وغلبت هواك فيها وتجرعت مرارة الحزم وتصير نفسك عليها طائعة له أو كارهة ألفت ذلك وسلوت. فبكى جميل وقال: يا أخي, لو ملكت اختياري لكان ما قلت صوابا ولكني لا أملك لي اختيارا, ولا أنا كالأسير لا يملك لنفسه نفعا, وقد جئتك لأمر أسألك أن لا تكدر ما رجوته عندك فيه بلوم, وأن تحمل على نفسك في مساعدتي. فقال له: فإن كنت لا بد مهلكا نفسك فاعمل على زيارتها ليلا فإنها تخرج مع بنات عم لها على ملعب لهن فأجيء معك حينئذ سرا ولي أخ من رهط بثينة من بني الأحب نأوي عنده نهارا فأسأله مساعدتك على هذا فتقيم عنده أياما نهارك وتجتمع معها بالليل إلى أن تقضي أربك. فشكره ومضى روق إلى الرجل الذي من رهط بثينة فأخبره الخبر واستعهده كتمانه وسأله مساعدته فيه فقال له: لقد جئتني بإحدى العظائم ويحك إن في هذا معاداتي الحي جميعا إن فطن به فقال: أنا أتحرز في أمره من أن يظهر فواعده في ذلك ومضى إلى جميل فأخبره بالقصة فأتيا الرجل ليلا فأقاما عنده وأرسل على بثينة بوليدة له بخاتم جميل فدفعته إليها فلما رأته عرفت فتبعهتا وجاءته فتحدثا ليلتهما وأقام بموضعه ثلاثة أيام ثم ودعها وقال لها: عن غير قلى والله ولا ملل يا بثينة كان وداعي لك ولمني قد تذممت من هذا الرجل الكريم وتعريضه نفسه لقومه, وقد أقمت عنده ثلاثا ولا مزيد ذلك, ثم انصرف وقال في عذل روق له: لقد لامني فيها أخ ذو قـرابة حبيب إليه في ملامته رشدي وقال أفق حتى متى أنت هائم ببثينة فيها قد تعيد وقد تبـدي فقلت له فيها قضى الله ما تـرى علي وهل فيما قضى الله من رد فإن يك رشدا حبـهـا أو غـواية فقد جئته ما كان مني على عمد لقد لج ميثاق من الـلـه بـينـنـا وليس لمن لم يوف لله من عهـد فلا وأبيها الخير ما خنت عهدهـا ولا لي علم بالذي فعلت بعـدي وما زادها الواشـون إلا كـرامة علي وما زالت مودتها عـنـدي أفي الناس أمثالي أحب فحالـهـم كحالي أم أحببت من بينهم وحدي وهل هكذا يلقى المحبون مثل مـا لقيت بها أم لم يجد أحد وجـدي قيل: وقع بين بثينة وجميل هجر في غيرة كان غار عليها من فتى كان يتحدث إليها من بني عمها, فكان جميل يتحدث إلى غيرها, فيشق ذلك على بثينة وعلى جميل, وجعل كل واحد منهما يكره أن يبدي لصاحبه شأنه, فدخل يوما وقد غلب عليه الأمر إلى البيت الذي كان يجتمع فيه مع بثينة, فلما رأته جاءت إلى البيت ولم تبرز له, فجزع لذلك وجعل كل واحد منهما يطالع صاحبه وقد بلغ الأمر من جميل كل مبلغ فأنشأ يقول: لقد خفت أن يغتالني الموت عنـوة وفي النفس حاجات غليك كما هيا وإني لتثنيني الحفـيظة كـلـمـا لقيتك يوما أن أبـثـك مـا بـيا ألم تعلمي يا عذبة الـريق أنـنـي أظل إذ لم أسق ريقـك صـاديا فرقت له بثينة وقالت لمولاة لها كانت معها: ما أحسن الصدق بأهله. ثم اصطلحا فقالت له: أنشدني قولك: تظل وراء الستر ترنو بلحظها إذا مر من أترابها من يروقها فأنشدها إياها فبكت وقالت: كلا يا جميل ومن ترى أنه يروقني غيرك. وروى بعضهم عن عجوز من بني عذرة قالت: كنا على ماء لنا بالجناب وقد تجنبنا الجادة لجيوش كانت تأتينا من قبل الشام تريد الحجاز وقد خرج رجالنا لسفر وخلفوا معنا أحداثا فانحدروا ذات عشية إلى صرم قريب منا يتحدثون على جوار منهم فلم يبق غيري وغير بثينة إذا انحدر علينا منحدر من هضبة تلقانا فسلم ونحن مستوحشون وجلون فتأملته ورددت السلام فإذا جميل فقلت: أجميل؟ قال: أي والله, وإذا به لا يتماسك جوعا فقمت على قعب لنا فيه أقط مطحون وإلى عكة فيها سمن ورب, فعصرتها على الأقط ثم أدنيتها منه وقلت: أصب من هذا فأصاب منه وقمت إلى سقاء فيه لبن فصببت عليه ماء باردا فشرب منه, وتراجعت نفسه فقلت له لقد بلغت ولقيت شرا فما أمرك؟ قال: أنا والله في هذه الهضبة التي ترين منذ ثلاث ما أريمها أنتظر أن أرى فرجة فلما رأيت منحدر فتيانكم أتيتكم لأودعكم, وأنا عامد إلى مصر فتحدثنا ساعة, ثم ودعنا وشخص فلم تطل غيبته أن جاء ناعيه. روي عن رجل كان شاهد جميلا لما حضرته الوفاة بمصر قال: إنه دعاه فقال: هل لك في أن أعطيك كل ما أخلفه على أن تفعل شيئا أعهده إليك؟ قال: فقلت: اللهم نعم, قال: إذا أنا مت فخذ حلتي هذه التي في عيبتي فاعزلها جانبا, ثم كل شيء سواها لك, وارحل على رهط بني الأحب من عذرة - وهم رهط بثينة- فإذا صرت غليهم فارتحل ناقتي هذه واركبها ثم البس حلتي هذه واشققها ثم اعل على شرف وصح بهذه الأبيات وخلاك ذم ثم أنشدني هذه الأبيات: صدع النعي وما كنى بجمـيل وثوى بمصر ثواء غير قفول ولقد أجر الذيل في وادي القرى نشوان بين مزارع ونـخـيل قومي بثينة فاندبـي بـعـويل وابكي خليلك دون كل خلـيل قال: فلما قضى وواريته أتيت رهط بثينة ففعلت ما أمرني به جميل, فما استتمت الأبيات حتى برزت إلي امرأة يتبعها نسوة قد فرعتهن طولا, وبرزت أمامهن كأنها بدر قد برز في دجنة وهي تتعثر في مرطها حتى أتتني فقالت: يا هذا والله لئن كنت صادقا لقد قتلتني, ولئن كنت كاذبا لقد فضحتني. قلت: والله ما أنا إلا صادق وأخرجت حلته فلما رأتها صاحت بأعلى صوتها وصكت وجهها واجتمع نساء الحي يبكين معها ويندبنه حتى صعقت فمكثت مغشيا عليها ساعة ثم قامت وهي تقول: وإن سلوي عن جـمـيل لـسـاعة من الدهر ما حانت ولا حان حينها سواء علينا يا جميل بن مـعـمـر إذا مت بأساء الحـياة ولـينـهـا وقيل: إنها كررت هذين البيتين حتى ماتت بعد ثلاثة أيام من سماعها بموت جميل, وله فيها أشعار كثيرة ولو أنه لم يقل فيها سوى البيتين لكفاها شهرة وفخرا وهما قوله من قصيدة طويلة هي من ضمن أشعاره: هي البدر حسنا والنساء كـواكـب وشتان ما بين الكواكب والبـدر لقد فضلت بثن على الناس مثل ما على ألف شهر فضلت ليلة القدر بثينة ابنة المعتمد بن عباد أمها الرميكية كانت بثينة هذه نحوا من أمها في الجمال والنادرة ونظم الشعر, ولما أحيط بأبيها ووقع النهب في قصره كانت في جملة من سبي ولم يزل المعتمد والرميكية عليها في وله دائم لا يعلمان ما آل إليه أمرها إلى أن كتبت إليهما وكان أحد تجار "إشبيلية" اشتراها على أنها جارية ووهبها لابنه فنظر في شأنها وهيئت له فأراد الدخول عليها فامتنعت وأظهرت نسبها, وقالت: لا أحل لك إلا بعقد وإن أذنت بمخاطبة والدي بذلك فعلت وإني أحب أن أكون قرينتك في سنة الله تعالى, فوقع عنده كلامها موقعا عظيما وداخله سرور زائد لكونه صاهر المعتمد بن عباد وإن كان في نكبته وأذن لها بما أرادت فكتبت لأبيها تستأذنه وكان الذي كتبته بخطها ما صورته: اسمع كلامي واستمع لمقـالـتـي فهي السلوك بدت مـن الأجـياد لا تنكروا أنـي سـبـيت وأنـنـي بنت لملك مـن بـنـي عـبـاد ملك عظيم قد تـولـى عـصـره وكذا الزمـان يؤل لـلإفـسـاد لما أراد اللـه فـرقة شـمـلـنـا وأذاقنا طعـم الأسـى مـن زاد قام النفاق على أبي في مـلـكـه فدنا الفراق ولم يكـن بـمـرادي فخرجت هاربة فأعجزنـي امـرؤ لم يأت في إعـجـازه بـسـداد إذ باعني بيع العبيد فـضـمـنـي من صاننـي إلا مـن الأنـكـاد وأرادني لنكـاح نـجـل طـاهـر حسن الخلائق من بني الأنـجـاد ومضى غليك يسوم رأيك في الرضا ولأنت تنظر في طريق رشـادي فعساك يا أبتي تـعـرفـنـي بـه إن كان ممـن يرتـجـى لـوداد وعسى رميكية الملوك بفضـلـهـا تدعو لنا بـالـيمـن والإسـعـاد فلما وصل شعرها لأبيها وهو بأغمات واقع في شراك الكروب والأزمات سر هو وأمها بحياتها, ورأيا أن ذلك للنفس من أحسن أمنياتها إذ علما ما آل إليه أمرها, وجبر كسرها, إذ ذاك أخف الضررين, وإن كان الكرب قد ستر القلب منه حجاب وأشهد على نفسه بعقد إنكاحها من الشاب المذكور وكتب إليها أثناء كتابه: بنيتي مـونـي بـه بـرة فقد قضى الدهر بإسعافه وأخبار المعتمد بن عباد تذيب الأكباد وقد أضربنا عنها خوف الخروج عن الموضوع. بدور وقيل قدور الساحرة هي امرأة مصرية ساحرة كانت في زمان دلوكة, وكانت السحرة تعظمها وتقدمها ولما حل ما حل بفرعون والمصريين من الغرق في البحر الأحمر عند اتباعهم بني إسرائيل ولم يعد في مصر من الرجال المقدمين من يقدر على حفظ البلاد بعثت دلوكة على بدور تقول لها: إننا قد احتجنا على سحرك وفزعنا إليك ولا نأمن أن يطمع فينا الملوك, فاعلمي لنا شيئا نغلب به من حولنا وقد كان فرعون يحتاج غليك فكيف وقد ذهب أكابرنا وبقي أقلنا. فبنت بدور بربي من حجارة في وسط مدينة منف وجعلت لها أربعة أبواب على جهة القبلي والبحري والشرق والغرب, وصورت فيه صور الخيل والبغال والحمير, والسفن والرجال وقالت لهم: قد عملت لكم عملا يهلك به كل من أرادكم من أي جهة تؤتون منها برا وبحرا وهذا يغنيكم عن الحصن ويقطع عنكم مؤنة من أتاكم من كل جهة فإنهم إن كانوا في البر على خيل, أو بغال, أو إبل, أو في سفن, أو رجالة تحركت هذه الصور فيصيبهم في أنفسهم قيل: ولم تزل تلك العجوز تدبر مصر نحو أربعمائة سنة وكلما انهدم من تلك البربي شيء لم يقدر على إصلاحه إلا هي أو ولدها أو ولد ولدها, ولما انقرض بيتها تهدمت البربي ولم يقدر أحد على إصلاحها -ذكر ذلك المقريزي. بديعة ابنة السيد سراج الدين الرفاعي كانت ذات عرفان ويقين وبكاء أخذت عن أبيها وسمع منها الإمام محمد الوتري وغيره, وحدثت ولها شعر عجيب ومنه قولها في مدح النبي صلى الله عليه وسلم: رسول الهدى أدعوك والقلب خاشع هلوع فيا للـغـارة الأحـمـدية عليك تحياتي ولـو أن هـمـتـي حطيطة حد عن مقام التـحـية فإنك مصباح الوجودات كـلـهـا وشمس أسارير الهدى للـبـرية ولها كرامات ومناقب وأحوال ظاهرة وكانت من الحياء والدين وعلم الشريعة بمنزلة رفيعة, وتوفيت -رضي الله عنها- سنة 890 هجرية. بذل المغنية هي من مولدات المدينة ربيت بالبصرة وهي من المتقدمات الموصوفات بكثرة الرواية للأغاني. قيل: كانت تغني ثلاثين ألف صوت ولها كتاب في الأغاني يشتمل على 12 ألف صوت وكانت ظريفة الوجه لطيفة المحاضرة, وأخذت عن أبي سعيد مولى فائد ورحمانة وفليح وابن جامع وإبراهيم الموصلي وطبقتهم, وقرأت على جحظة البرمكي, واشتراها جعفر بن محمد الهادي فوصفت لمحمد الأمين بن الرشيد فبعث إلى جعفر يسأله أن يريه إياها فأبى, فزاره محمد على بيته فسمع شيئا لم يسمع مثله فقال لجعفر: يا أخي بعني هذه الجارية. فقال: يا سيدي, مثلي لا يبيع جارية. قال: فهبها لي. قال: هي مدبرة منزلي فاحتال عليه محمد حتى أسكره وأمر ببذل فحملت معه على الحراقة وانصرف بها فلما انتبه جعفر سأل عنها فأخبر بخبرها فسكت, فبعث إليه محمد من الغد فجاءه وبذل جالسة فلم يقل شيئا فلما أراد جعفر أن ينصرف قال محمد: أوقروا حراقة ابن عمي دراهم فأوقرت. قيل: كان مبلغ المال ألف ألف درهم وبقيت بذل في دار محمد إلى أن قتل, ثم خرجت, فكان ولد جعفر وولد محمد يدعون ولاءها, فلما ماتت ورثها عبد الله بن محمد الأمين. وقيل: وهب لها محمد من الجواهر شيئا لم يملك أحد مثله فكانت تخرج منه الشيء بهد الشيء فتبيعه بالمال العظيم فكان ذلك معتمدها مع ما يصل إليها من الخلفاء على أن ماتت وعندها منه بقية عظيمة, ولم تقبل أن تتزوج. وقد رغبت إليها وجوه القواد والكتاب والهاشميين, وكان يهواها علي بن هشام ويكتم ذلك وهجرته مدة فاسترضاها, وكان إبراهيم بن المهدي يعظمها ويتوافى لها ثم تغير بعد ذلك استغناء بنفسه عنها فسارت غليه فدعت بعود وغنت في طريقة واحدة وإيقاع واحد وأصبع واحدة مائة صوت لم يعرف إبراهيم منها صوتا واحدا, ثم وضعت العود وانصرفت فلم تدخل داره بعد ذلك حتى طال طلبه لها وتضرعه إليها في الرجوع إليه. وقيل: إن إسحاق بن إبراهيم الموصلي خالف بذلا في نسبة صوت غنته بحضرة المأمون فأمسكت عنه ساعة ثم غنت ثلاثة أصوات وسألت إسحاق عن صانعها فلم يعرفه فقالت: والله يا أمير المؤمنين هي لأبيه أخذتها من فيه فإذا كان هذا لا يعرف غناء أبيه فكيف يعرف غناء غيره فاشتد ذلك على إسحاق حتى رؤي في وجهه. برقا جارية علاء الدين البصري قال الرياشي: اشترى علاء الدين البصري جارية على ارفع ما يكون من الجمال والفصاحة فكلف بها وكان مسرفا فأنفق ماله عليها ولم يبق شيئا, فأشارت عليه بأن يبيعها شفقة عليه, فلما حضر بها على السوق أخذت على ابن معمر وكان عاملا على البصرة فاشتراها بمائة ألف درهم فلما قبض المال وهم بالانصراف أنشدت: هنيئا لك المـال الـذي قـد حـويتـه ولم يبق في كفي غـير الـتـذكـر أقول لنفـسـي رهـن غـم وكـربة اقلي فقد بان الحبـيب أو أكـثـري إذا لم يكن لـلأمـر عـنـدي حـيلة ولم تجدي شيئا سوى الصبر فاصبري فاشتد بكاء مولاها, وأنشد: فلولا قعود الدهر بي عنك لم يكـن يفرقنا شيء سوى الموت فاصبري أروح بهم فـي الـفـؤاد مـبـرح أناجي به قلبا طويل الـتـفـكـر علـيك سـلام لا زيارة بـينـنــا ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمـر فقال ابن معمر: قد شئت خذها ولك المال فانصرفا راشدين فو الله لا كنت سببا لفرقة محبين (انظر إلى كرم هذا الأمير) وبقيت عند مولاها إلى أن ماتت وهما في نعمة وأمان, وقد أعاد الله لهما سعدهما وبقيا أحسن مما كانا عليه حين اشتراها. بربارة القديسة كانت عذراء ذات شهرة معتبرة في الكنيسة اليونانية والرومانية يقال: إنها نالت إكليل الشهادة في "إليوبوليس" سنة 1306 للميلاد وفي "نيقومديا" من "بشينيا" سنة 1235 م وإنها ولدت في "إليوبوليس" من مصر من أبوين وثنيين وإن أباها حبسها في برج خوفا من أن تؤخذ منه لجمالها البارع, فبينما كانت في الحبس سمعت بوعظ "أوريجانوس" فكتبت غليه طالبة منه أن يعلمها الديانة المسيحية فأرسل إليها أحد تلاميذه فعلمها الديانة المسيحية وعمدها. وقيل: إنه لما بلغ أباها ذلك سلمها على الوالي فعذبها عذابا مبرحا فتهيأ لها الهرب على أحد الجبال فجد في طلبها والدها إلى أن أدركها فاحتز بالسيف رأسها. ويقال: إنه أصيب وهو راجع بصاعقة مات بها قصاصا له, ومن ثم اتخذت محامية للملاحين في النوء وللطبجية وتصور غالبا وبجانبها برج ولها عيد يحتفل به في 4 كانون الأول ومن عادة أهالي الشرق أن يتخذوا ليلة عيدها حلويات من قطائف وعوامات ونحوها وأن يطوفوا على البيوت مساخر مؤلفة من أولاد ورجال قد غيروا زيهم وصبغوا وجوههم بالسواد ولا يعلم بالتحقيق أصل هذه العادة وربما كانت تذكار سعي أبيها مع جماعة من الشرط في طلبها, وربما كان الشرط من السودان فيكون ذلك أصلا لصبغ الوجوه بالسواد. برنيقة ابنة لاغوس وأنتيفونه كانت من أجمل وأعقل نساء زمانها صاحبة رأي صائب, وفكر ثاقب. ولما تزوج "بطليموس الأول" ب "أورديفي" بنت ملك سوريا توجهت في موكبها "برنيقة" وكان لها احتفال عظيم, ومن جمالها ومهارتها وإتقانها تزوج بها "بطليموس" وصارت زوجة ثالثة له وأقنعته بأن يجعل ابنها "بطليموس فيلازلفوس" خليفة له دون ابن آخر له أكبر منه من "أورديفي" وقد شهر حكمتها وفضلها كل من "جلوترخوس" و"شيوكرأتوس" وبعد وفاتها قضى بها بإكرامات إلهية. برنيقة ابنة بطليموس الثاني الملقب "فيلازلفوس" وزوجته, "أنطيوخس الثاني", ملك سوريا الملقب ب "توس" فإن "أنطيوخس" عقد معاهدة سنة 294 قبل الميلاد قيل بموجبها: أن يطلق زوجته "لبوديكة" ويتزوج "برنيقة", لكن عند موت "فيلازلفوس" بعد ذلك بسنتين أرجع "أنطيوخس" "لبوديكة" وطلق "برنيقة" في دورها ولكن "لبوديكة" لم تركن إلى "أنطيوخس" فدست إليه سما مات به, وهربت طبرنيقة" من وجه "لبوديكة" على دفنى فقتلها هناك مع ابنها وأتباعها قوم من حزب "لبوديكة". برنيقة ابنة ماغاس ملك القيروان هي زوجة "بطليموس الثالث" ملك مصر الملقب "أفرجيتس" وعذبها أبوها "بطليموس" هذا ومات بعد ذلك بقليل وأما أمها فكانت راغبة جدا عن اتخاذ هذا القرين لابنتها ولكي تمنع تزويجها به عرضتها على "ديمتريوس بوليورستس", ولكن عند وصول "ديمتريوس" على القيروان ليتخذها زوجة علق قلب أمها به فغاظ "برنيقة" تفضيل "ديمتريوس" لأمها عليها فسعت في قتله وهو على ذراعي الملكة وحينئذ ذهبت إلى مصر وتزوجت ب "أفرجيتس" وعند رجوع زوجها من سفره على سوريا, فإيفاء لنذر كانت نذرته قدمت شعرها على الزهرة, ولما علم "بطليموس الرابع" الملقب ب "فيلوباتر" هذه التقدمة أمر بقتلها فقتلت وذلك عند جلوسه على سرير الملك. برنيقة ابنة بطليموس الثامن الملقب "لاسيروس" ملك مصر وتسمى أيضا "كليوباترة" وهي زوجة إسكندر الثاني أي "بطليموس العاشر" أجلسها أهل الإسكندرية على تخت الملك بعد وفاة أبيها سنة 81 قبل الميلاد, فقبل إسكندر الذي جعل ملكا ل "سلابان" بأن يتخذها زوجة ويشاركها في الملك إلا أنه بعد أن تزوج بها بتسعة عشر يوما سعي في قتلها ويقال: إن ذلك غاظ أهالي الإسكندرية جدا فخرجوا عليه وقتلوه. برنيقة ابنة بطليموس الحادي عشر المقلب ب "أفليتس" وهي أكبر أخت ل "كليوباترة" المشهورة نودي باسمها ملكة عند خلع أبيها سنة 58 قبل الميلاد, وكانت تحب أن تتزوج بأمير من دم ملكي فأرسلت إلى سوريا في طلب "سلوقس كببوساكتس" الذي كان يدعي أنه من سلالة السلوقين الملكية, ولما وجدت ما كان عليه من الدناءة أمرت بخنقه بعد ذلك بأيام قليلة, ثم تزوجت ب "أرخيلاوس" من "كومونا" الذي كان يدعي أنه ابن "متريداتس أوباتور" وإن "افلوس غابينوس" الذي كان يحاول رد "أفليتس" على تخت الملك حاربها فكسرها هي وزوجها في ثلاث معارك متوالية سنة 55 قبل الميلاد, وقتل "أرخيلاوس" وأول أعمال "افليتس" بعد جلوسه على تخت الملك أنه أمر بقتل ابنته المذكورة. برنيقة ابنة كوستوبارس وسالومي هي أخت "هيرودس" الكبير ملك اليهودية تزوجت بابن عمها "أرسطو بولس" فعيرها "أرسطو بولس" بدناءة أصلها فشكته إلى أمها فزاد بذلك العدوان على زوجها وبعد أن قتل سنة 6 قبل المسيح تزوجت ب "ثوربون" خال "أنتيياتر" وهو اكبر ابن ل "هيرودس" وبعد وفاة "ثوربون" ذهبت مع أمها إلى رومية وبقيت هناك على أن أدركتها المنية وهي أم "أغريبال الأول". برنيقة ابنة أغريبال الأول تزوجت "هيرودس" ملك "كلخيدة" فرزقت منه ولدين وعند موته سنة 47 بعد الميلاد بقيت مع أخيها "أغريبا" مدة, ثم تزوجت ب "وليمون" ملك "كليكية", ثم تركته وكانت مقيمة في بيت أخيها عندمااحتج "بولس" الرسول أمامه في قيسريا وفي حصار أورشليم رآها "نيطس" فسباه حسنها، فأخذها معه إلى رومية، فرغب أن يتزوج بها ولكن اضطره الرأي العام في رومية إلى إرجاعها إلى اليهودية ضد إرادته وإرادتها وقد بنى "راسين" على فراقهما تراجيدية مشهورة. بريجيتا القديسة ولدت في "أسوج" سنة 1302 للميلاد، وتوفيت في "رومية" في 23 تموز سنة 1373م، ويظن أنها ابنة "برجر" وهو برنس أسوجي من سلالة ملوك الغطيط، ولما كان عمرها 16 سنة تزوجت ب "أولغو" فكان لها منه ثمانية أولاد والكبيرة منهم جعلت في درج القديسين الروماني باسم القديسة "كاترينا" الأسوجية، ثم نظر الوالدان العفة وبنيا مستشفى خيرية كانا يخدمان فيه بنفسهما وسافرا لزيارة "سنتياغوري كومبستلا"، وبينماكانا راجعين عزم "أولغو" على دخول دير "الفستري"، وتوفي سنة 1344م وحينئذ قسمت زوجته الأملاك بني أولادها وبنت ديرا كبيرا في "ورستينا" جعلت فيه 25 راهبا وستين راهبة وذلك على قانون مار "أوغسطنيوس" فصرفت هناك سنتين منفردة لا تقابل أحدا، ثم ذهبت إلى رومبة فبنت هناك منزلا للمسافرين والطلبة من الأسوجيين وذهبت إلى أورشليم لزيارة الأماكن المقدسة، ثم رجعت إلى رومية فثبتها البابا "بونيفاشيوس التاسع" سنة 1391م، والكنيسة الرومانية تعيد لها في 8 تشرين الأول، وكانت "بريجيتا" مشهورة في "رومية" على الأكثر بواسطة إعلاناتها وعلى الخصوص المتعلقة بآلام يسوع المسيح، والحوادث التي كانت مزمعة أن تجري في بعض الممالك وقد كتبت عن لسانها ولكن طعن "برسون" في تلك الأخبار بعبارات قاسية إلا أن مجمع باسل ثبتها بعد أن فحصها بالتدقيق "جون دوترا كريماتا" ومن جملة كتاباتها: خطاب في مدح مريم العذراء، وصلوات عن أم المسيح ومحبتها. بريرة مولاة عائشة بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما- وكانت مولاة لبعض بني هلال. وقيل: كانت مولاة لأبي أحمد بن جحش. وقيل: كانت مولاة أناس من الانصار فكاتبوها ثم باعوها من عائشة فأعتقها ولما أرادت عائشة أن تشتري بريرة اشترطوا عليها الولاء فقال النبي صلى الله عليه وسلم::الولاء لمن أعطى الثمن" أو "لمن ولي النعمة". وكان اسم زوجها مغيثا وكان مولى فخيرها رسول الله فاختارت فراقه، وكان يحبها فكان يمشي في طرق المدينة وهو يبكي واستشفع إليها برسول الله فقال لها فيه فقالت: أتأمر؟ قال: "بل أشفع"، قالت: فلا أريده، وكان عبدا وقد جعل النبي عدة بريرة حين فارقها زوجها عدة المطلقة. وروي عن عبد الملك بن مروان أنه قال: كنت أجالس بريرة بالمدينة فكانت تقول لي: يا عبد الملك، إني أرى فيك خصالا، وإنك لخليق أن تلي هذا الأمر فإن وليته فاحذر الدماء فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الرجل ليدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها بملء محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق". بركة خوند والدة السلطان الأشرف كانت أمة مولدة، فلما أقيم ابنها في مملكة مصر عظم شأنها وحجت سنة 770م بتجمل كثير وبرج زائد وعلى محفتها العصائب السلطانية والكؤوسات تدق معها ومعها ما يجل وصفه من ذلك قطار جمال محملة مخائر قد زرع فيه البقل والخضراوات وعند قدومها خرج السلطان بعساكره إلى لقائها، وسار إلى البويب حتى تقابل معها وسار بركابها حتى وصلت لى مصر، وكانت خيرة عفيفة لها بر كثير ومصروف تحدث النسا بحجتها عدة سنين لما كان لها من الأفعال الجميلة في تلك المشاهد الكريمة، وكان لها اعتقاد في أهل الخير ومحبة في الصالحين. ومن مآثرها المدرسة المشهورة بمدرسة أم السلطان خارج باب زويلة بقرب القلعة بمصر يعرف خطها الآن بخط التبانة وكان مضعها مقبرة أنشأتها سنة إحدى وسبعين وسبعمائة وعملت بها درسا للشافعية ودرسا للحنفية، وعلى بابها حوض ماء للسبيل وهي من المدارس الجليلة وفيها دفن الملك الأشرف بعد قتله وبقيت مدة تجتمع فيها الطلبة والمدرسون يدرسون فيها جميع العلوم حتى صارت أخيرا جامعا بمعرفة أحد ولاة مصر مقام الشعائر لغاية الآن. وتوفيت الست المشار إليها سنة 774 هجرية، ودفنت بمدرستها المذكورة واتفق حين ماتت أنه أنشد الأديب شهاب الدين أحمد بن يحيى الأعرج هذين البيتين: في ثامن العشرين من ذي القعـدة كانت صبيحة موت أم الأشـرف فالله يرحمها ويعـظـم أجـرهـا ويكون في عاشور موت اليوسفي فكان كما قال وغرق الحائل يوسف في شهر محرم سنة 775ه. برة ابنة عبد المطلب الهاشمية كانت من الشاعرات الأديبات ذوي المعاني الرائقة، والألفاظ الموزونة المتناسقة رثت أباها عبد المطلب في حال حياته مع أخواتها بناء على طلبه بقولها: أعينـي جـودا بـدمـع درر على طيب الخيم والمعتصر على ما جد الجد وارى الزنـاد جميل المحيا عظيم الخطـر على شيبة الحمد ذي المكرمات وذي المجد والعز والمفتخر وذي الحلم والفضل في النائبات كثير المكارم جم الـفـخـر له فضل مجد علـى قـومـه منير يلوح كضوء القـمـر أتته المـنـايا فـلـم تـشـوه بصرف الليالي وريب القدر بصيص جارية ابن نفيس كانت أعجوبة وقتها في الحسن والغناء ويتمنى كل من سمع بها رؤيتها ولو بذهاب نفسه ولشدة رغبة الناس في سماع صوتها قال بعضهم فيها هذه الأبيات: بصيص أنت الشمس مزدانة فإن تـــــــبـــــــدلـــــــت فـــــــأنـــــــــا الـــــــــــــــهـــــــــــــــلال سبـــــــحـــــــانـــــــك الـــــــلـــــــهـــــــم مـــــــا هـــــــكــــــــــــذا فيمـــــــا مـــــــضـــــــى كـــــــان يكـــــــون الـــــــجـــــــمــــــــــــــال إذا دعـــــــت بـــــــالـــــــعـــــــود فـــــــي مـــــــشـــــــــهـــــــــــــــد وعـــــــاونـــــــت يمـــــــنـــــــى بـــــــيد الـــــــشــــــــمـــــــــــــــال غنـــــــت غـــــــنـــــــاء يســـــــتـــــــفـــــــز الـــــــفـــــــتـــــــــــى حذقـــــــا وزان الـــــــحـــــــذق مـــــــنـــــــهـــــــــــــا الـــــــــــــــدلال وتذاكروا بخل مزيد أبي إسحاق في مجلسها وما وكان من جملتهم ابن مصعب فقالت: أنا آخذ منه درهما فقال مولاها: إن فعلت جعلتك حرة وكسوتك ثوب وشي، وأولمت لك يوما فقالت: ارفع الغيرة، فقال: إن رفع رجليلك لم أقل شيئا فخرج ابن مصعب فرأه في مسجد بالمدينة فقال له: يا أبا إسحاق أما تحب أن ترى "بصيص" جارية ابن نفيس؟ فقال: امرأتي طالق إن لم يكن الله ساخطا علي فيها، وإن لم أكن أسأله أن يرينيها منذ سنة فما يفعل. فقال له: اليوم إذا صليت العصر فوافني ههنا. قال: امرأتي طالق إن برحت من هنا حتى تجيء صلاة العصر. قال: فانصرفت في حوائجي حتى العصر فدخلت المسجد فوجدته فيه فأخذته بيده وأتيتهم به فأكلوا وشربوا وتساكر القوم وتناوموا، فأقبلت "بصيص" على مزيد فقالت له: يا أبا إسحاق كأن نفسك تشتهي أن أغنيك الساعة: لقد حثا الجمال ليه ربوا منا فلم ينلوا فقال: امرأتي طالق إن لم تكوني تعلمين ما في اللوح المحفوظ. قال: فغنته، ثم سكتت ساعة وقالت: يا أبا إسحاق، كأن نفسك تشتهي أن تقوم فتجلس إلى جانبي وتقرصني قرصات وأغنيك: قالت وأبثثتها وجدي فـبـحـت بـه قد كنت عندي تحب الستر فاستـر الست تبصر من حولي فقلت لـهـا غطي هواك وما ألقى على بصري فقال: امرأتي طالق إن لمت كوني تعلمين ما في الأرحام وما تكسب الأنفس غدا وبأي أرض تموت، فغنته ثم قالت: برح الخفاء أنا أعلم أنك تشتهي أن تقبلني وأغنيك هزجا: أنا أبصرت بالـلـيل غلاما حسن الـدل كغصن البان قد أصب ح مسقيا من الطل فقال: ا،ت نبية مرسلة فقبلها وغنته، ثم قالت: يا أبا إسحاق أرأيت أسقط من هؤلاء يدعونك ويخرجونني إليك ولا يشترون ريحانا بدرهم؟ يا أبا إسحاق هلم درهما أشتري به ريحانا، فوثب وصاح: واحرباه، أي زانية أخطأت إستك الحفرة، انقطع والله عنك الوحي الذي كان يوحى إليك، وغطغط القوم وعلموا أن حيلتها لم تنفذ فيه، ثم خرج ولم يعد إليهم وأعاد لاقوم مجلسهم فكان أكثر شغلهم في حديث مزيد، والضحك منه وبقيت "بصيص" في عز وإقبال مدة حياتها وهي تتفنن في ضروب الألحان حتى فاقت أهل زمانها. بلقيس ملكة سبأ المشهورة قصتها مع النبي سليمان بن داود ورد ذكرها في الكتب المنزلة واشتهرت في كتب التواريخ وضرب بها المثل في المجد والسلطان والجمال، وقد شرح العلماء تفاصيل سيرتها وسبب ورودها إلى سليمان بأقوال متباينة مرجعها إلى ما يأتي: قال المؤرخون في نسب بلقيس: إنها يلقمة بنت يشرع بن الحارث بن قيس بن صيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وقيل: أبوها يشرح بن تبع ذي الأذعار بنتبع ذي المنار بن تبع الرائش، ويلقب "هاددأ" و"هداد". وقيل: اسمه الحارث بن سبأ. وقيل: الشيبصان. وقيل: شراحيل. وقال كثير من الرواة إن أمها كانت جنية ابنة ملك الجن واسمها رواحة أو ريحانة بنت السكن. وقيل: يلقمة بنت عمرو بن عمير الجني، وسبب اتصال أبيها بالجن أنه كان ملكا عظيم الشأن آخر أربعين ملكا من ملوك اليمن وملك كل تلك الأقاليم ولم يكن في ملوك الأرض من هو كفؤ له فكان يقول لهم: ليس أحد منكم يدانيني. وأبى أن يتزوج من الإنسا لرفعه شأنه فكان يخرج إلى الصيد ويصطاد الجان بصورة الظباء فيخلي عنها فظهر له ملك الجن وشكره على صنيعهن فاغتنمها فرصة وخطب ابنته فأجابه. وقيل: بل خرج مرة فوجد حيتين سوداء وبيضاء تقتتلان، وقد ظفرت السوداء على البيضاء، فأمر بقتل السوداء وحمل البيضاء وصب علها ماء حتى أفاقت، فأطلقها وعاد إلى داره فجلس منفردا، وإذا بجانبه شاب جميل فذعر منه فقال له: لا تخف أنا الحية التي أنجبتها وإني مكافئك بالمال أو علم الطب. فقال: أما المال فلا حاجة لي به وأما الطب: فقبيح بالملوك ولكني أختار إن كان لك ابنة أن أخطبها إليك فأجابه بشرط أن لا يغير عليها شيئا تعمله فإذا غير عليها فارقته وشرط أيضا أن تعطيه ساحل البحر ما بين يبرين إلى عدن فأذعن لذلك، ثم تزوج بالجنية فولدت له غلاما وألقته في النار فجزع لذلك، ولكنه سكت للشرط، ثم ولدت جارية فألقتها إلى كلبة فعظم عليه الأمر ولكنه صبر، ثم عصى عليه بعض أصحابه فجمع عسكره فسار ليقاتله وهي معه، فلما صاروا في مفازة رأى جميع مامعهم من الزاد يخلط بالتراب والماء ينصب من أفواه القرب فأيقن بالهلاك وعلم انه فعل الجن بأمر زوجه فضاق ذرعا عن حمل الجور فأتى وجلس أمامها وأومأ إلى الأرض وقال: يا أرض صبرت لك على إحراق ابني وإطعام ابنتي للكلب، ثم الآن قد فجعتنا بالزاد والماء حتى أشرفنا على الهلاك فقالت له: لو صبرت لكان خيرا لك فإن عدوك خدع وزيرك فجعل السم في الزاد والماء وتحقيق ذلك أنه يمتنع من شرب شيء من الماء الفاضل، فأمر وزيره بالشرب، فامتنع، فقتله، ثم دلته على نبع وميرة يمتارها ثم قال: وأما ابنك فقد سلمته إلى حاضنة تربيه وقد مات، وأما ابنتك فهي باقية وإذا بجويرية قد خرجت من الأرض وهي بلقيس وفارقته زوجته وسار إلى عدوه فظفر به وفوض إليها أبوها الملك فملكت بعده. وقيل: بل مات بلا وصية. فاختلف النسا بعد موته، وافترقوا فرقتين: فرقة بايعتها، وفرقة بايعت ابن أخ أبيها. فساء السيرة في الرعية وكان فاحشا خبيثا فاسقا لا يبلغه عن بنت جميلة إلا أحضرها وهتكها، فأراد قومه خلعه فلم يقدروا، فلما رأت بلقيس ذلك أخذتها الغيرة وقد طلب منها الحضور غليه فقال له: بل احضر أنت عندي واعدت له رجلين يقتلانه إذا دخل قصرها، فلما حضر قتلاه فأحضرت وزراءه ووبختهم وقالت: أما كان فيكم من يأنف لكريمته وكرائم عشيرته، ثم أترهم إياه قتيلا وقالت: اختاروا رجلا تملكونه فقالوا لا نرضى بغيرك. وقيل: بل هي عرضت نفسها عليه فقال: ما منعني إلا اليأس منك فقالت: لا أرغب عنك فإنك كفؤ كريم فاجمع رجال قومي واخطبني إليهم ففعل فسألوها فقالت: قد أجبت فلما زفت إليه سقته الخمر حتى سكر، فحزت رأسه وانصرفت إلى منزلها، وأمرت أن تعلق رأسه على باب دارها، فلما رأى الناس ذلك علموا الحيلة فملكوها عليهم وقال قوم: إن أباها لم يكن ملكا بل وزير، وكان الملك قبيحا -يفعل ما تقدم ذكره- فقتلته بلقيس فملكوها عليهم فعظم شأنها وكثر جندها واتسع نطاق ملكها حتى قال بعضهم: إنه كان تحت يديها أربعمائة ملك، كل ملك منهم على كورة وله 40000 مقاتلا وكان لها 300 وزير يدبرون ملكها، وكان لها 12 قائدا يقود كل واحد 12 ألف مقاتل وبالغ بعضهم في ذلك. وأما عرشها الوارد ذكره في القرآن الحكيم فقيل: كان سريرا ضخما من ذهب وفضة مرصعا بالجواهر النفيسة، وكان في جوف سبعة بيوت عليها سبعة أغلاق كل بيت داخل الآخر وهو في آخرها. وقيل: كان مقدمه من الذهب منضدا بالياقوت الأحمر والزمرد الأخضر ومؤخره من فضة مكللا بأنواع الجواهر واللالئ، وله أربع وقائم قائمة من ياقوت أحمر، وقائمة من ياقوت أصفر، وقائمة من زبرجد أخضر، وقائمة من در أبيض، وصفائح السرير من ذهب، وقيل: أنفقت بلقيس على الكوة التي تدخل منها الشمس فتسجد لها ثلثمائة ألف أوقية من الذهب. قال ابن الأثير: فد تواطأت على الكذب والتلاعب بعقول الجهال حتى يصدقوا المحال لأن أوصاف عرشها، وعدد جيوشها من الأمور التي لا يمكن تصديقها. وأما سبب مجيئها إلى سليمان وإسلامها على يده فروي أن سليمان رأي يوما رهجا قريبا منه ولم يكن يبدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه فسأل عن ذلك الرهج فقالوا: هو عرش بلقيس. فقال: (يا أيها الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين)(النمل:38-39) قال: أريد أسرع من ذلك فقال آصف ابن برخيا: (أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك)(النمل:40)، وقيل: إن أحد بني إسرائيل قال لسليمان: أنت أقرب النسا إلى الله فلو طلت غليه لأحضره بأسرع ما يكون فصلى سليمان وإذا بالأرض انشقت وظهر العرش يتلألأ. وقيل: إن سليمان في بعض مغازيه احتاج إلى الماء من تحت الأرض فطلب الهدهد فلم يره. وقيل: بل أصابت الشمس سليمان فنظر ليرى من أين نفذت إليه لا، الطير كانت تظله فرأى موضع الهدهد فارغا فقال: (لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو لأتيني بسلطان مبين)(النمل:21). وكان الهدهد قد مر على قصر بلقيس فرأى بستانا لها خلف القصر فمال إلى الخضرة فرأى هدهدا فقال له: أين أنت من سليمان؟ وما تصنع هنا؟ فقال له: ومن سليمان؟ فذكر له حاله. فقال: وأين أنت من هذه الدنيا الواسعة والحدائق الأنيقة، والقصور الشاهقة، والرياض البهجة؟ فقال: ولمن هذا كله؟ فقال: هو لبلقيس صاحبة العرش العظيم ووصف له عرشها فأتى الهدهد إلى سليمان وأخبره بخبره فكتب لها سليمان كتابا وقال له: (اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم) (النمل:28). فوافاها وهي في قصرها فرمى الكتاب في حجرها فقرأته وأرسلت أع لمت قومها بذلك وإذا بالكتاب (بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي أتوني مسلمين)(النمل:30-31) فقال قومها: (نحن أولا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين)(النمل:33) قالت: إني مرسلة إليهم بهدية فإن قبلها فهو من ملوك الدنيا فنحن أعز منه وأقوى وإن لم يقبلها فهو نبي من الله وإني أمتحنه بها، ثم وجهت إليه الهدية وكانت خمسمائة غلام عليهم ثياب الجواري وحليهن وخمسمائة جارية على زي الغلمان كلهم على سروج الذهب والخيل الموسومة، وألف لبنة من ذهب وفضة وتاجا مكللا بالياقوت والمسك والعنبر وحقا فيه درة يتيمة، وخرزة مثقوبة معوجة الثقب، وأرسلتها مع أشراف رجالها المنذر بن عمرو وآخر ذي رأي عقل وقالت: إن كان نبيا ميز بين الغلمان والجواري وثقب الدرة ثقبا مستويا، وسلك في الخرزة خيطا ثم قالت للمنذر: إن نظر إليك غضبا فهو ملك فلا يهولنك أمره، وإن رأيت شيئا لطيفا فهو نبي، فأعلم الله سليمان بذلك فأمر الجن فضربوا لبن الذهب والفضة، وفرشت في ميدان بين يديه طوله سبعة فراسخ، وجعلوا حول الميدان حائطا مشرفة شرفة من ذهب وشرفة من فضة وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر أن يربطوها عن يمين الميدان ويساره على اللبن، وأمر بأولاد الجن فأقيموا على اليمين واليسار ثم قعد على كرسيه والكراسي عن يمينه ويساره، واصطفت الشياطين والجن والإنس صفوفا فراسخ، والوحش والسباع والطيور والهوام كذلك، فلما دنا القوم منهم نظروا قرأوا الدواب تروث على الذهب فرموا بما معهم منها فلما وقفوا بين يديه نظر إليهم بوجه طلق، ثم قال: (أتمدونن بمال فما أتان الله خير مما أتاكم) (النمل: 36) ثم قال: أين الحق الذي فيه كذا وكذا فقدموه بين يديه، فأمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت في الدرة وأمر دودة بيضاء وقد جعل خيطا بفيها فمرت في ثقب الخرزة، ثم دعا بالماء وأمر الغلمان والجواري أن يغسلوا أيديهم ووجوههم فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله ف الأخرى وتضرب به وجهها والغلام كان يأخذه يضرب به وجهه، ثم رد الهدية فرجع القوم وأخبروها بما شاهدوا فعلمت أنه نبي وأرادت الشخوص إليه في اثنى عشر ألف فيل. فلما قربت من مكانه قال حينئذ: من يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين فأتى به - كما تقدم- وكان بين سليمان والعرش مسيرة شهرين للمجد فلما علم الجن أنها آتية وأن سليمان ربما تزوجها فتفشي له أخبار الجن لأنها تربت عندهم، وانها إذا ولدت ولدا انتقل الملكإليه فلا ينفكون من تسخير سليمان وولده أساءوا فيها القول وقبحوها له وقالوا: إنها غير عاقلة ولا تميز وإن رجليها كحافر الفرس وهي شعراء الساقين، فأراد سليمان أن يمتحن ذلك فنكر عرشها بأن جعل تبديلا في الجواهر حتى ينظر هل تعرفه وأمر أن يبنى له صرح من زجاج وأجرى تحته الماء وجعل فيه من دواب البحر حتى إذا رأته حسبته ماء فتكشف عن ساقيها فيتحقق الأمر. وقيل: بل بنى الصرح من قوارير زجاج وجعل له طريق من قوارير زجاج أبيض وتحت الطوابق صور دواب فصار كأنه البحر، وجلس سليمان على سرير في صدر المكان فلما وصلت بلقيس قيل لها: (أهكذا عرشك قالت كأنه هو) (النمل:42). ولقد تركته في حصون وعنده جنود تحفظه فكيف جاء ههنا وقيل: إنها عرفته ولكن شبهت عليهم كما شبهوا عليها فلم تقل نعم خوفا من الكذب ولا خوفا من التنكيت فعلم سليمان كمال عقلها ثم (قيل لها ادخلي الصرح فلما راتهحسبته لجة وكشفت عن ساقيها) (النمل:44)، لتخوضها وقد قالت في نفسها: إن سليمان يريد أن يغرقني وكان القتل أهون علي من هذا فلما رآها سليمان صرف نظره عنها (قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي) (النمل: 44) ثم دعاها سليمان إلى الإسلام فأجابت فأراد أن يتزوجها وكره شعر ساقيها فسأل عن شيء يزيله ولا يضر الجسد فعلمت له الشياطين النورة وأشاروا بالحمام. قيل: فكان ذلك أول ظهور النورة فتزوجها وأحبها حبا شديدا وردها إلى ملكها باليمن وكان يزورها في كل شهر مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام، فولدت له غلاما سماه داود ومات في حياة سليمان. وقيل: أمرها سليمان أن تتزوج برجل من قومها فأنفت من ذلك وفقال: لا يكون في الإسلام إلا ذلك فقالت: إن لم يكن بد فزوجني ذا تبع ملك همذان فزوجه بها ثم ردها إلى اليمن وسلط زوجها على الملك وأمر الجن من أهل اليمن بطاعته فاستعملتهم ذا تبع في بناء عدة قصور حصينة منها (صلخين). وقيل: (سلجين) و(مرواح) و(قليون) و(هنيدة) و(بنون) وقصر (غمدان) أشهرها فلما مات سليمان لم يطع الجن ذا تبع فانقضى ملكه وملك بقليس بموت سليمان. وقيل: إن بلقيس ماتت قبل سليمان بالشام وإنه دفنها بتدمر وأخفى قبرها عن الناس. بكارة الهلالية كانت من نساء العرب الموصوفات بالشجاعة، والإقدام، والفصاحة، والشعر، والنثر والخطابة حضرت مع علي بن أبي طالب حرب صفين ولها هناك مقالات حماسية جعلت كل من سمعها يقدم على الهلاك بدون مبالاة بالعواقب وقد دخلت على معاوية يوما وهو يومئذ بالمدينة وكانت قد أسنت وغشي بصرها وضعفت قوتها ترتعش بين خادمين لها فسلمت وجلست فرد عليها معاوية السلام وقال: كيف أنت يا خالة، قالت: بخير يا أمير المؤمنين قال: غيرك الدهر؟ قالت: كذلك هو ذو غير من عاش كبر، ومن مات فقد. فقال عمرو بن العاص هي والله القائلة يا أمير المؤمنين: يا زيد دونك فاحتقر من دارنا سيفا حساما في التراب دفينا قد كنت أذخره ليوم كـريهة فاليوم أبرزه الزمان مصونا وقال مروان وهي والله القائلة يا أمير المؤمنين: أترى ابن هند للخلافة مالكـا هيهات ذاك وإن أراد بعـيد منتك نفسك في الخلاء ضلالة أغراك عمرو للشقا وسعيد وقال سعيد بن العاص وهي القائلة: قد كنت أطمع أن أموت ولا أرى فوق المنابر من أمية خاطـبـا فالله أخر مدتي فـتـطـاولـت حتى رأيت من الزمان عجائبـا في كل يوم للزمان خطـيبـهـم بين الجميع لآل أحمد عـائبـا ثم سكتوا فقالت: يا معاوية، كلامك أغشى بصري وقصر حجتي أنا والله قائلة ما قالوا وما خفي عليك مني أكثر فضحك. وقال: ليس يمنعنا ذلك من برك اذكري حاجتك قالت: أما الآن فلا وانصرفت، فوجه إليها معاوية بجائزة سنية. بلنش ملكة فرنسا ولدت سنة 1187 م، وتوفيت سنة 1252 م وهي ابنة ألفونس التاسع ملك قسطيلة من زوجته ألينورا الإنكليزية ابنة هنري الثاني وكانت مقتدرة في الأمور السياسية ولما دعا الأمراء المتحالفون زوجها سنة 1216 م للجلوس على تخت إنكلترا ألحت عليه بإجابة طلبهم وأرسلت إليه مالا ونجدات ولكن نشأ عن موت الملك يوحنا وجلوس ابنه على تخت الملك خضوع الأمراء للحكومة وعند وفاة فيليب أوغسطوس وجلوس زوجها على التخت باسم لويس الثامن، كانت تقوده بحكمتها وحسن إدارتها وقد رافقته في الحرب الصليبية التي أقيمت على الألبيجوا وعند وفاته جعلت نائبة للملك في مدة قصر ابنها لويس التاسع. وسنة 1234 م زوجت ابنها وهو في سن 19 بمرغريتا البروفنسية وكان عمرها 12 سنة. وسنة 1236 م تنازلت عن نيابتها لابنها المذكور وكانت المملكة في أيامها زاهرة زاهية وقد ألحق بها أرض كبيرة مهمة وكان ابنها يعتمد رأيها ولا يدعها تفارقه إلا أنه دخل ضد إرادتها فيا لحرب الصليبية لإنقاذ الأرض المقدسة، وفي مدة غيابه تسلمت نيابة الأحكام وقابلت بحكمتها وإقدارها المعتادين الصعوبات الجديدة التي حدثت في تلك الأيام وكانت على الدوام ترسل المال والنجدات إلى ابنها لتساعده في تلك الحركة المشؤومة ولما انكسر هو وإخوته وأسروا في مصر التزمت أن تقوم بدفع فدية بليغة لإنقاذهم فنشأ عن ذلك ضرائب جسيمة خسرت بها البلاد ثروتها، ومع ارتباكاتها وتقواها تقاوم تعديات خدمة الدين بنشاط عظيم، وقد حمت منهم بنجاح حقوق التاج الملكي. وقد ناحت البلاد عموما ولبست الحداد عند موتها وهي تحسب من أشهر من حكم فرنسا. بمبادور خليلة لويس الخامس عشر ولدت سنة 1721 م وفي باريس، توفيت في فرساليا سنة 1794 م، وهي ابنة جزار قد ربتها أمها تربية حسنة وزوجها سنة 1741 م بملتزم أعشار، وبعد ذلك بقليل رآها الملك وهو يتصيد في غابة سنبرت فعلق قلبه بها ولكن لم يظهر ذلك إلا بعد وفاة مادام ده شانور. وسنة 1744 م وقد رافقت لويس في حرب فونتنوا في أيار سنة 1745 م وعند رجوعها عرفت بمركيزة بمبادور وكانت تعضد العلوم والصنائع وبمساعدة فولتر وبربي رتبت أعيادا زاهرة حتى أنها بعد أن ضعف حبا لملك لها حافظت على سطوتها بجعلها نفسها ضرورية لراحته ثم بعد قليل أخذت تريحه من أتعاب الأحكام وكانت تتداخل في المالية وتعزل وتولي الوزراء وتقرب إليها الجنسينين والكوبتبين والكفار والمجلس كلا في دوره لكي يكون لها عضد من جميع الأحزاب، وقد تملقتها مريا تريزا بإرسالها لها كتابا بخط يدها، وغضبت من فردريك الثاني لطعنه في حكومتها فعقدت محالفة بين فرنسا والنمسا ضد بروسيا، نشأ عنها حرب السبع سنين المهلكة. وسنة 1757 م حاول داميان قتل الملك فاضطرها الأمر أن تخرج من البلاط ولم يمض إلا قليل حتى دعيت إليه ثانية فسعت في معاقبة الوزراء الذين أشاروا بطردها وكانت سطوتها في تعيين المأمورين العسكريين من أعظم أسباب قتلا لعساكر في الحرب، فتوفيت مصحوبة ببعض الشعب وعدم أسف الملك، وكان لها زيادة على مرتبها السنوي الباهظ مداخيل جسيمة فيا لعقارات، وكانت تعطي الفقراء بسخاء وتساعد المخترعين والصناع، وأصحاب المعارف. وجمعت كمية عظيمة من أعمال الصناعة والتحف. وكانت ماهرة في التصوير والنقش وقد كتب كثيرون سيرة حياتها وينسب إليها ترجمات ورسائل ليست لها. بنلوبا زوجة عولس اليوناني هي أم تلبماك ابنة أبكاريوس وقد خطبها كثيرون ولكن أباها وعد بها من يغلب في سباق العدو فغلب عولس. ولما ألح عليها أبوها أن تبقى معه ولا ترافق زوجها إلى أنباكي سمح لها زوجها بأن تفعل كما تشاء فأظهرت عزمها على مرافقته بسترها وجهها بمنديل خجلا ولما كان عولس في حصار تروادة أحاط بها عشاق كثيرون ألحوا عليه بإجابة طلبهم فخدعتهم بقولها إنه يجب أن تكمل كفنا كانت تنسجه لعمها الشيخ قبل أن يقر رأيها إلا أنها كانت تحل ليلا كل ما كانت تنسجه نهارا فلما عرف عشاقها بمكيدتها كان عولس قد رجع بعد أن غاب 20 سنة فقتلهم جميعا. وقد أشاع بعض المضادين لها ولدت بنتا من عشاقها فطلقها زوجها عند رجوعه من تروادة، فذهبت عند ذاك إلى إسبرطه ومنها إلى منتينا وقد استدل قوم على قبرها هناك بعد ذلك بزمان طويل. بهية ابنة عبد الله البكري من بكر بن وائل وفدت مع أبيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبايع الرجال وصافحهم وبايع النساء ولم يصافحهن قالت: فنظر إلي ودعاني ومسح رأسي ودعا لي ولولدي، ولما رجعت وتزوجت كثرت علي الأولاد وامتلأ المنزل، وخشيت الفقر من كثرة العيال وكان عدد أولادي ستين ولدا، وأربعون رجلا وعشرون امرأة، فاستشهد منهم عشرون في الجهاد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، ولم يعلم بامرأة ولدت ستين ولدا غير هذه فسبحان الخالق الرازق. بوديسيا ملكة ألايسينه هي أم قبيلة بريطانيا كان موطنها ما يدعى الآن ببلاد كمبردج وسفولك ونورفولك وهردفرد، توفيت نحو سنة 62 بعد المسيح ولما توفي زوجها بارسوتغوس ملك ألايسينه جعل ابنتيه مع الإمبراطور نيرون ورثة لثروته العظيمة لأنه كان يأمل أنه بذلك يحفظ عائلته ومملكته من تعديات الغزاة ولكن حالما مات أخذ قائد المائة الروماني مملكته وجلدت الملكة البريطانية جهارا لذنب حقيق أو وهمي، وتركت بناتها لشهوة العبيد فاستغنمت بوديسيا فرصة غياب سويتونيوس باولينوس الحاكم الروماني من تلك الجهة من إنكلترا وجمعت كل القوة العسكرية من شيعتها البرابرة وثارت في مقدمتهم على مستعمرة لندن الرومانية وقتلت بالسيف في تلك المستعمرة والأماكن المجاورة لها سبعين ألفا على الأقل من الرومان والتجار والإيطاليان، وغيرهم من رعايا الملكة، فبادر سويتونيوس إلى محل تلك القطائع، وكان تحت قيادة ملكة ألايسينه 120 ألف جندي وكان عددهم يتزايد شيئا فشيئا حتى بلغوا 230 ألفا حال كون سويتونيوس لم يكن قادرا أن يأتي إلى ميدان القتال بعشرة آلاف جندي فانتشبت نيران القتال، وأظهرت بوديسيا شجاعة عظيمة، ولما قهرت العساكر الرومانية المنتظمة عساكرها أخذت سما وابتلعته فماتت به، وأما الغالبون فلم يعفوا عن شيء فإنهم قطعوا الأولاد والدواب والكلاب جميعا إربا. ويقال: إنه ذبح في ذلك اليوم ثمانون ألف بريتوني وأما العساكر الرومانية فلم يقتل منها إلا 400 شخص وجرح بقدرهم. بوران ابنة أبرويز بن هرمز كانت من أحسن نساء بني الترك والفرس وملكت الناس بعد شهريار بن أبرويز وأصلحت القناطر والجسور، وردت خشبة الصليب إلى ملك الروم، ولما جلست على السري قالت: ليس ببطش الرجل تدوخ البلاد، ولا بمكايدهم ينال الظفر وإنما ذلك بعون الله وقدرته وأقامت سبعة أشهر ويقال: إن فيروز بن رستم صاحب خراسان خطبها فقالت: لا ينبغي للملكة أن تتزوج علانية وواعدته أن يقدم عليها سرا في ليلة عينتها له فجاءها في تلك الليلة فقتلته، فسار إليها رستم فقتلها، وذلك بخبر طويل في تاريخ الفرس. بوران ابنة الحسن بن سهل كانت أحسن نساء زمانها وأجملهن وأكرمهن أخلاقا، وأفضلهن أدبا وأوفرهن عقلا، لها إلمام بصناعة الطرب. تربت في بيت أبيها أحسن تربية، وخالطت نساء الرشيد، واكتسبت من آدابهن. ولما ولي المأمون الخلافة افتتن بها وخطبها من أبيها الحسن، وكان وزيره بعد أخيه الفضل بن سهل، وقد زفت إليه بناحية فم الصلح (بلدة من العراق) في شهر رمضان سنة 210 هجرية. فلما دخل عليها كانت عنده حمدودة بنت الرشيد وزبيدة بنت جعفر وأم الفضل والحسن جدة بوران فنثرت عليه أم الفضل ألف لؤلؤة من أنفس ما يكون فأمر بجمعها فجمعت فأعطاها لبوران وقال: هذه نحلتك وسلي حوائجك، فأمسكت فقالت لها جدتها: سلي سيدك، فقد أمرك أن تسأليه، فسألته الرضا عن إبراهيم بن المهدي فقال: قد فعلت وسألته الإذن لزبيدة في الحج فأذن لها وبنى بها في ليلته وأوقدوا في تلك الليلة شمعة عبروا وزنها أربعين منا، وأنفق الحسن على المأمون مالا جزيلا قيل: إنه أقام عند الحسن تسعة عشر يوما يعد له في كل يوم ولجميع من كان معه ما يحتاجون إليه، فكان مبلغ النفقة عليه خمسين ألف ألف درهم، وأمر له المأمون عند منصرفه بعشرة آلاف ألف درهم، وأقطعه فم الصلح - المذكورة - فجلس الحسن وفرق المال على قواده وحشمه وعسكره. وقيل: احتفل أبوها بأمرها وعمل من الولائم والأفراح ما لم يعهد مثله في عصر من الأعصر فإنه نثر على الهاشميين والقواد والوجود بنادق مسك فيها رقاع بأسماء ضياع وجوار ودواب وغير ذلك فكانت النبدقة إذا وقعت بيد رجل فتحها فيقرأ ما في الرقعة فإذا علم ما فيها ذهب إلى الوكيل المرصد لذلك فيدفعها إليه ويستلم ما فيها، ثم نثر على سائر الناس الدنانير والدراهم، ونوافج المسك، وبيض العنبر على المأمون وقواده وجميع أصحابه وأجناده وأتباعه وكانوا خلقا لا يحصون وعلى الحمالين والمكارية والملاحين وكل من ضمه عسكره فلم يكن في العسكر من يشتري شيئا لنفسه أو لدابته وقد قالت الشعراء والخطباء في ذلك الزفاف أشياء كثيرة ومما يستطرف في ذلك قول محمد بن حازم الباهلي: بارك الله للحـسـن ولبوران في الختن يا إمام الهدى ظفـر ت ولكن ببنت من وبقيت "بوران" عند المأمون إلى أن توفي سنة 218ه، وتوفيت هي سنة 271 ه وعمرها 80 سنة. بيلمون زوجة السلطان أوزبك قال ابن بطوطة في "رحلته": اسمها "بيلون" - وهي ابنة ملك القسطنطينية العظمى السلطان "تكفور"- قال: لما مررنا ببلاد السلطان "أوزبك" ودخلنا عليه التزمنا بعد خروجنا من عنده أن ندخل على الملكة "بيلون" زوجته حسب عادة تلك الديار أنه متى زار أحد الملك يلزم أن يزور أزواجه وعائلته، وأكابر مملكته، فدخلنا على هذه الخاتون وهي قاعدة على سرير مرصع قوائمه فضة وبين يديها نحو مائة جارية، روميات، وتركيات، ونوبيات منهن قائمات وقاعدات، والفتيات على رأسها، والحجاب بين يديها من رجال الروم. فسألت عن حالنا ومقدمنا وعن بعد أوطاننا وبكت ومسحت وجهها بمنديل كان في يدها رقة منها وشفقة، وأمرت بالطعام فأحضر وأكلنا بين يديها، ولما أردنا الانصراف قالت: لا تنقطعوا عنا وترددوا علينا، وطالبونا بحوائجكم وأظهرت مكارم الأخلاق وبعثت في أثرنا بطعام وخبز كثير وسمن وغنم ودراهم وكسوة جيدة وثلاث من جياد الخيل وعشرة من سواها -قال-: وبقيت هذه الخاتون عند السلطان "أوزبك" مدة طويلة وهي تتفقدنا بخيراتها ومبراتها حتى قصدت الذهاب إلى القسطنطينية فذهبت معها وكان ذهابها لأجل زيارة أهلها ومكثت ولم ترجع لزوجها إلى أن ماتت. حرف التاء تحفة الزاهدة هي جارية لبعض تجار بغداد كانت بارعة في الجمال تحسن صنعة العود وكان سيدها صرف عليها ماله وزاد في تعليمها وتهذيبها وكان شراؤها عليه بعشرين ألف درهم وغايته الربح فيها مثل ثمنها لحسن صنعتها وكمال أدبها واستقامتها فبينما هي يوما جالسة والعود في حجرها وهي تغني وتقول: وحقك لانقضت الدهر عهـدا ولا كدرت بعد الصفـو ودا ملأت جوانحي والقلب وجـدا فكيف ألذ أو أسلو أو أهـدأ فيا من ليس لي مولى سـواه تراك تركتني في الناس عبدا ثم كسرت العود وقامت وبكت وانتحبت فاتهمها سيدها بمحبة إنسان فاستقصى عن ذلك فلم يجد له أثرا فحار سيدها في أمره ولم يجد لها سلوى عن الاكتئاب والهيام وقيام الليل ومناشدة الأشعار وطول التذكار وتشتت الأفكار فسألها عما أصابها فأنشدت تقول: خاطبني الحق من جنانـي فكان وعظي على لساني قربني منه بـعـد بـعـد وخصني الله واصطفاني أجبت لما دعيت طـوعـا ملبيا لـلـذي دعـانـي وخفت مما جنيت قـدمـا فأوقع الحب بـالأمـان ولما أعيته الحيل ذهب بها المارستان راجيا أن تشفى مما أصابها ولما دخلت البيمارستان أودعوها في حجرة مغلولة اليدين مقيدة الرجلين فلما رأت ذلك بكت بكاء مرا وأنشدت تقول: أعيذك أن تـغـل يدي بغير جريمة سبقـت تغل يدي إلى عنـقـي وما خانت وما سرقت وبين جوانحـي كـبـد أحس بها قد أحترقت وحقك يا منى قلـبـي يمينا بـرة صـدقـت فلو قطعتها قـطـعـا وحقك عنك ما رجعت ويروى عن السري السقطي أنه قال: دخلت يوما على تحفة في المارستان فوجدتها أنضر الناس وجها وعليها أطمار حسنة، فشممت منها رائحة عطرية وهي تفوح شذاها إلى خارج المارستان، فسألت القيم عنها فقال: هي جارية مملوكة قد اختل فحبسها مولاها لعلها تنصلح، فلما سمعت كلامه اغرورقت عيناها بالدموع، ثم أنشدت: معشر الناس ما جننت ولـكـن أنا سكرانة وقلبـي صـاحـي أغللـتـم يدي ولـم آت ذنـبـا غير جهدي في حبه وافتضاحي أنا مفـتـونة بـحـب حـبـيب لست أبغي عن بابه من بـراح فصلاحي الذي زعمتم فـسـادي وفسادي الذي زعمتم صلاحي ما على من أحب مولى الموالي وارتضاه لنفسه مـن جـنـاح قال السري: فسمعت ما أقلقني وأشجاني، وأحرقني وأبكاني، فلما رأت دموعي قالت: يا سري، هذا بكاؤك من الصفة فكيف لو عرفته حق معرفته ثم أغمي عليها، فلما أفاقت جعلت تقول: ألبستني ثوب وصل طاب ملبـسـه فأنت مولى الورى حقا ومـولائي كانت بقلـبـي أهـواء مـفـرقة فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي من غص داوى بشرب الماء غصته فكيف يصنع من قد غص بالمـاء قلبي حزين على ما فات من زللي والنفس في جسدي من أعظم الداء والشوق في خاطري مني وفي كبدي والحب مني مصون في سـويداء إليك منك قصدت الباب مـعـتـذرا وأنت تعلم ما ضمتـه أحـشـائي فقال لها السري: يا جارية سمعتك تذكرين المحبة فلمن تحبين؟ قالت: لمن تعرف إلينا بنعمائه وجاد علينا بجزيل عطائه، فهو قريب إلى القلوب، مجيب لطلب المحبوب، سميع عليم، بديع حكيم، جواد كريم، غفور رحيم، ثم أنشأت تقول: قلبي أراه إلي الأحباب مرتـاحـا سكران من راح حب بالهوى باحا يا عين جودي بدمع خوف هجرهم فرب دمع أتى للخير مفـتـاحـا ورب عين رآهـا الـلـه بـاكـية بالخوف منه تنال الروح والراحا لله عبد جنـى ذنـبـا فـأحـزنـه فبات يبكي ويذري الدمع سفاحـا مستوحش خائف مستيقـن فـطـن كأن في قلبه للنور مصـبـاحـا قال السري: فبينما نحن كذلك إذا بسيدها أقبل فقال للقيم: أين تحفة؟ قال: هي في الداخل، وعندها السري السقطي -رضي الله عنه- ففرح سيدها ودخل وسلم عليه وعظمه فقال له السري: هي أولى بالتعظيم مني فما الذي تكرهه منها حتى حبستها ههنا؟ فقال: أمور كثيرة، وجعل يعدد له خصالها فقال له السري: علي الثمن وأزيدك فصاح سيدها وا فقراه! من أين لك ثمن هذه الجارية وأنت رجل فقير؟ فقال له: لا تعجل دعها في المارستان حتى آتي بثمنها، ثم ذهب باكي العين رأفة على الجارية حتى طرق باب أحمد بن المثنى فأخبره بالخبر، فدفع له ثمنها ومثله معه، فلما كان الغد أقبل إلى المارستان فقال له: قد جئتك بثمن الجارية ومثله معه فقال: لا والله لو أعطيتني الدنيا ما قبلت بل هي حرة لوجه الله تعالى فلما سمعت ذلك بكيت بكاء مرا وأنشأت تقول: هربت منه إلـيه بكيت منه عليه وحقه هو مولـى لا زلت بين يديه حتى أنال وأحظى بما رجوت لديه وتوجهت إلى مكة وهناك دخلت الكعبة وجعلت تقول: محـب الـلـه فـي الـدنـيا ســـقـــيم تطـاول سـقـــمـــه فـــدواه داه سقـاه مـن مـحـبـتــه بـــكـــأس فأرواه الـمـهـيمـن غـذ ســقـــاه فهـام بـحـبــه وســـمـــا إلـــيه فلـيس يريد مـحـبــوبـــا ســـواه كذاك من ادعى شوقا إليه يهيم بحبه حتى يراه ثم مكثت على ذلك مدة وهي بين الخوف والرجاء إلى أن توفاها الله بمكة المكرمة وبعدما خرجت من المارستان سأل السري السقطي مولاها عن سبب عتقه لها وعدم قبوله ثمنها بعدما كان مشددا على لزوم استلام الثمن إن وجد من يدفعه إليه ولما عرض عليه ازدراه واستهزأ بقوله ظانا أنه لا يقدر على ثمنها فقال له مولى الجارية أنه بعدما حصل منه ذلك راجع صوابه وقال: إن السري السقطي مع ضيق ذات يديه وعدم اقتداره على ثمن جارية مثل هذه تعهد بأن يستحضر ثمنها ولا بد ذلك أن يكون من أهل الخير وليس هم بأكرم مني حالة كوني قادرا على عمل الخير بدون أن يحصل لي ضرر وغلب على الكرم ففعلت ما فعلت وأرجوك الدعاء فدعا له السري بإصلاح حاله، وبزيادة البركة في ماله، وتصدق بثمن الجارية الذي استحضره من أحمد بن المثنى المار ذكره. تذكارباي خاتون هي ابنة الظاهر "بيبرس" كانت تقية صالحة محبة للخير مقربة للفقراء، وأخصهن النساء الصالحات حتى إنها من محبتها لهن بنت لهن رباطا وسمته برباط البغدادية، وصفه المقريزي بقوله: إن هذا الرباط بداخل الدرب الأصفر تجاه خانقاه "بيبرس" حيث كان المتجر ومن الناس من يقول: رواق البغدادية وهذا الرباط بنته الست الجليلة "تذكارباي خاتون" ابنة الملك الظاهر "بيبرس" في سنة 684 ه للشيخة الصالحة زينب ابنة أبي البركات المعروفة ببنت البغدادية فأنزلتها به، ومعها النساء الخيرات وما برح إلى وقتنا هذا (أي وقت المقريزي) يعرف سكانه من النساء بالخير وله دائما شيخة تعظ النساء وتذكرهن وتفقههن، وآخر من أدركنا فهي الشيخة الصالحة سيدة نساء زمانها زينب بنت فاطمة بنت عباس البغدادية، توفيت سنة 714 ه في ذي الحجة، وقد أنافت على الثمانين وكانت فقيهة، وافرة العلم، زاهدة، قانعة باليسير، عابدة، واعظة حريصة على النفع والتذكير ذات إخلاص وخشية وأمر بالمعروف. انتفع بها كثر من نساء دمشق ومصر وكان لها قبول زائد ووقع في النفوس وصار بعد كل من قام بمشيخة هذا الرباط من النساء يقال لها البغدادية أقامت به عدة سنين على أحسن طريقة إلى أن ماتت يوم السبت لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة 796 ه، وأدركنا هذا الرباط وتودع فيه النساء اللاتي طلقن أو هجرن حتى يتزوجن أو يرجعن إلى أزواجهن صيانة لهن لما كان فيه من شدة الضبط وغاية الاحتراز والمواظبة على وظائف العبادات. ثم لما فسدت الأحوال في عهد حدوث المحن بعد سنة 806 ه تلاشت أمور هذا الرباط ومنع مجاوروه من إقامة النساء المتعبدات فيه، وهذا الرباط قد زال بالكلية وبني في محله الآن الحوانيت المتسعة على باب الدرب الأصفر. تركان خاتون الجلالية ابنة طغفاج خان من نسل فراسياب التركي هي زوجة السلطان "ملكشاه" ووالدة السلطان "محمود بن ملكشاه" كانت من النساء العاقلات الدينات والحكيمات المدبرات. شهدت لها التواريخ وألسنة الأقلام بالحكمة والتدبير وعلو الهمة والإقدام، وكانت مطاعة في أوامرها، مسموعة الكلمة عند أمراء المملكة، محبوبة لديهم. وكانت تبذل لهم العطايا والإقطاعات وكان زوجها لا يرد لها طلبا وهي المالكة والمشاركة له في الملك، وكانت من حسن سياستها وتدبيرها، توصلت لأن تصاهر الخليفة المقتدي بأمر الله العباسي، وذلك من كثرة ترددها على حريم الخلافة ومعها ابنتها "خاتون" وهي كانت من الجمال على جانب عظيم وصفوها للمقتدي فأحبها على الوصف وأرد الاقتران بها، فأرسل الوزير فخر الدولة أبا نصر بن جهير إلى السلطان يخطب منه ابنته للخليفة فقال له: إن ذلك مما يزيدني شرفا، ولكن الأمر في ذلك إلى والدتها "تركان خاتونه" فيجب أن تذهب إليها. وأمر نظام الملك أن يمضي معه إلى "تركان خاتون" ويتكلم معها في هذا المعنى فمضيا إليها فخاطبها فقالت: إن ملك غزنة وملوك الخانية، وما وراء النهر طلبوها وخطبوها لأولادهم وبذلوا أربعمائة ألف دينار فلم أرض، فإن حمل الخليفة هذا المال فهو أحق منهم، فبلغ الخبر "أرسلان" والدة الخليفة فتأثرت من ذلك وأرسلت إلى "تركان خاتون" تقول: إن ما يحصل لها من الشرف والفخر بالاتصال بالخليفة لم يحصل لأحد غيرها وكلهم عبيده وخدمه، ومثل الخليفة لا يطلب منه مال فأجابت إلى ذلك وشرطت أن يكون الحمل المعجل خمسين ألف دينار وأنه لا يبقى له سرية ولا زوجة غيرها ولا يكون مبيته إلا عندها، فأجيبت إلى ذلك، فأعطى السلطان يده فعاد فخر الدولة إلى بغداد. وفي محرم نقل جهازها إلى دار الخليفة على مائة وثلاثين جملا مجللة بالديباج الرومي وكان أكثر الأحمال من الذهب والفضة وثلاث عماريات وعلى أربعة وستين بغلا مجللة بأنواع الديباج الملكي وأجراسها وقلائدها من الذهب والفضة، وكان على ستة منها اثنا عشر صندوقا من فضة لا يقدر ما فيها من الجواهر والحلي، وبين يدي البغال ثلاث وثلاثون فرسا من الخيل الرائعة، عليها مراكب الذهب مرصعة بأنواع الجواهر ومن عظيم إكسير الذهب، وسار بين يدي الجهاز سعد الدولة "كوهرائين" والأمير "برسق" وغيرهما. ونثر أهل نهر معلى عليهم الدنانير والثياب وكان السلطان خرج من بغداد متصيدا، ثم أرسل الخليفة الوزير أبا شجاع إلى "تركان خاتون" وبين يديه نحو الثلمائة موكبه ومثلها مشاعل ولم يبق في الحريم غرفة إلا وقد شعلت فيها الشمعة والاثنتان، وأكثر من ذلك، وأرسل الخليفة مع "ظفر" خادمه محفة لم ير مثلها. وقال الوزير لما وصل ل "تركان خاتون": إن سيدنا ومولانا أمير المؤمنين يقول: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وقد أذن في نقل الوديعة إلى داره، فأجابت بالسمع والطاعة، وحضر نظام الملك فمن دونه دولة السلطان، وكل منهم معه من الشمع والمشاعل شيء كثير، وجاء نساء الأمراء والكبار ومن دونهم كل واحدة منهن منفردة في جماعتها وتجملها وبين أيديهن الشموع الموكبات والمشاعل يحمل ذلك جميعه الفرسان، ثم جاءت الخاتون ابنة السلطان بعد الجميع في محفة مجللة عليها من الذهب والجواهر أكثر شيء وقد أحاط بالمحفة مائة جارية من الأتراك بالمراكب العجيبة، وسارت إلى دار الخلافة وكانت ليلتهم مشهودة لم ير ببغداد مثلها، فلما كان الغد أحضر الخليفة أمراء السلطنة وخلع عليهم كلهم وعلى كل من له ذكر في العسكر وأرسل الخلع مدة في دار الخليفة وولدت منه ولدا لم يطب لها المقام معه فأخبرت والدتها بذلك وهي أرسلت إلى الخليفة تطلب ابنتها طلبا لا بد منه، وسبب ذلك أن الخليفة أكثر الاطراح لها والإعراض عنها، فأذن لها في المسير، فسارت في ربيع الأول سنة 482 ه وسار معها ابنها من الخليفة أبو الفضل جعفر بن المقتدي بأمر الله ومعها سائر أرباب الدولة، ومشى مع محفتها سعد الدولة "كوهرائين" وخدم دار الخلافة الأكابر، وخرج الوزير وشيعهم إلى النهروان وعاد وسارت الخاتون إلى أصبهان فأقامت بها إلى ذي القعدة، وتوفيت، وجلس الوزير ببغداد للعزاء سبعة أيام وأكثر الشعراء مراثيها ببغداد وبعسكر السلطان. وسار "ملكشاه" بعد قتل نظام الملك إلى بغداد ودخلها في الرابع والعشرين من شهر رمضان سنة 485 م لقيه وزير الخليفة عميد الدولة بن جهير واتفق أن السلطان خرج إلى الصيد وعاد ثالث شوال مريضا وأنشب الموت أظفاره فيه، وكان سبب مرضه أنه أكل لحم صيد فحم وافتصد ولم يصر إخراج الدم فثقل مرضه، وكانت حمته محرقة فتوفي ليلة الجمعة في النصف من شوال سنة 485ه. ولما ثقل نقل أرباب الدولة أموالهم إلى حريم دار الخلافة، ولما توفي سترت زوجته "تركان خاتون" موته وكتمته وأعادت جعفر بن الخليفة من ابنة السلطان إلى أبيه المقتدي بأمر الله وسارت إلى بغداد والسلطان معها محمولا وبذلت الأموال للأمراء سرا، واستحلفتهم لابنها محمود، وكان تاج الملك يتولى ذلك لها، وأرسلت قوام الدولة "كربوقا" إلى أصبهان بخاتم السلطان، فاستنزل مستحفظ القلعة وتسلمها وأظهر أن السلطان أمره بذلك ولم يسمع بسلطان مثله ولم يصل عليه أحد ولم يلطم عليه وجه. وكان مولده سنة 476 ه، وكان من أحسن الناس صورة ومعنى وخطب له من حدود الصين إلى آخر الشام من أقصى بلاد الإسلام في الشمال إلى آخر بلاد اليمن وحمل إليه ملوك الروم الجزية ولم يفته مطلب، وانقضت أيامه على أمن عام وسكون شامل وعدل مطرد وما ذلك إلا باتحاده مع "تركان خاتون"، وعدم إتيانه أمرا إلا برأيها ومشورتها حتى دانت لهما العباد، وذلك لسلطانهما البلاد. ولما مات "ملكشاه" وفعلت زوجته كما ذكر أرسلت إلى الخليفة المقتدي في أمر الخطبة بأن يخطب لولدها محمود فأجابها بشرط أن يكون اسم السلطنة لولدها والخطبة له ويكون مدير زعامة الجيوش الأمير "أنز" يصدر عن رأي تاج الملك وهو الذي يدبر الأمر بين يدي "تركان خاتون" فلما جاءت رسالة الخليفة إلى "خاتون" بذلك امتنعت من قبوله فقيل لها: إن ولدك صغير ولا يجيز الشرع ولايته، وكان مخاطبها الغراني، فأذعنت له وأجابته إليه ولقب ناصر الدنيا والدين وأرسلت "تركان خاتون" إلى أصبهان في القبض على "بركيارق" أكبر أولاد السلطان خيفة أن ينازع ولدها في السلطنة، فقبض عليه، فلما ظهر موت "ملكشاه" وثبت المماليك النظامية على سلاح كان لنظام الملك بأصبهان فأخذوه وساروا من البلد وأخرجوا "بركيارق" من الحبس وملكوه بأصبهان وكانت والدته زبيدة بنت ياقوتي بنت عم "ملكشاه" خائفة على ولدها من "تركان خاتون" أم محمود فأتاها الفرج بالمماليك النظامية وسارت "تركان خاتون" من بغداد إلى أصبهان فطالب العسكر تاج الملك بالأموال فوعدهم، لما وصلوا إلى قلعة برجين صعد إليها لينزل الأموال منها، فلما استقر فيها عصى على "تركان خاتون" ولم ينزل خوفا من العسكر فساروا عنه ونهبوا خزائنه فلم يجدوا شيء، ولما وصلت "تركان خاتون" إلى أصبهان لحقها تاج الملك واعتذر لها بأن مستحفظ القلعة حبسه وأنه هرب منه إليها، فقبلت عذره. واما "بركيارق" فإنه لما قاربت "تركان خاتون" وابنها محمود أصبهان خرج منها هو ومن معه من النظامية وساروا نحو الري فلقيهم "أرغش" النظامي في عساكره وصاروا يدا واحدة، فلما اجتمعوا حاصروا قلعة "طبرق" وأخذوها عنوة، وسيرت "تركان خاتون" العساكر إلى قتال "بركيارق" فالتقى العسكران بالقرب من "بروجرد"، فاجتاز جماعة من الأمراء والذين في عسكر "خاتون" إلى "بركيارق" منهم الأمير "يلبرد": و"كمشتكين الجاندار" وغيرهما فقوى بهم وجرى الحرب بينهم، وآخر ذي الحجة اشتد القتال فانهزم عسكر "خاتون" وعادوا إلى أصبهان وصار "بركيارق" في أثرهم فحصرها بأصبهان. وكان تاج الملك في عسكر "خاتون وشهد الوقعة، فهرب إلى نواحي "بروجرد" فأخذ وحمل إلى عسكر "بركيارق" وهو يحاصر أصبهان، وكان يعرف كفاءته، فأراد أن يستوزره، فشرع تاج الملك في إصلاح كبار النظامية وفرق فيهم مائتي ألف دينار سوى العروض فزال ما في قلوبهم، فلما بلغ عثمان نائب نظام الملك الخبر ساءه، فوضع الغلمان الأصاغر على الاستغاثة وأن لا يقنعوا إلا بقتل قاتل صاحبهم ففعلوا فانفسخ ما دبره تاج الملك وهجم النظامية عليه فقتلوه، وفصلوه أجزاء وكان كثير الفضائل جم المناقب، وإنما غطى جميع محاسنه ممالاته على قتل نظام الملك، وهو الذي بنى تربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي وعلم المدرسة التي إلى جانبها، ورتب بها الشيخ أبا بكر الشاشي، وكان عمره حين قتل سبعا وأربعين سنة. وفي شعبان سنة 486 أرسلت "تركان خاتون" إلى إسماعيل بن ياقوتي بن داود خال "بركيارق" وابن عم "ملكشاه" تطمعه أن تتزوج به وتدعوه إلى محاربة "بركيارق"، فأجابها إلى ذلك وجمع خلقا كثيرا من التركمان وغيرهم أصحاب "سرهنك ساوتكين" في خيله، وأرسلت إليه "تركان خاتون" "كروبقا" وغيره من الأمراء في عسكر كثير، ممدا له، فجمع "بركيارق" عساكره وسار إلى حرب خاله إسماعيل، فالتقوا عند الكرج فانحاز الأمير "يلبرد" إلى "بركيارق" وصار معه فانهزم إسماعيل وعسكره وتوجه إلى أصبهان، فأكرمته "تركان خاتون" وخطبت باسمه وضربت اسمه على الدنانير بعد ابنها محمود بن "ملكشاه" وكاد الأمر في الوصلة يتم بينهما، فامتنع الأمراء عند ذلك لاسيما الأمير "أنز" وهو مدبر الأمر ورئيس الجيش وآثروا خروج إسماعيل عنهم، وخافوه وخاف هو أيضا منهم، ففارقهم وأرسل يستأذن أخته "زبيدة" والدة "بركيارق" في اللحاق بهم فأذنت له في ذلك، فوصل إليهم وأقام عندهم أياما يسيرة، فخلا به "كمشتكين الجاندار" و"آقسنقر" و"بوزوان" وبسطوا له في القول فأطلعهم على سره وأنه يريد السلطنة وقتل "بركيارق" فوثبوا عليه فقتلوه وأعلموا أخته خبره فسكتت عنه. وفي سنة 486 ه أرسلت "تركان خاتون" جيشا مع الأمير "أنز" لقتال "توران شاه بن قاورت بيك" حاكم بلاد فارس فسار إليه وحاربه وأخذ أكثر بلاده وبقي حاكما عليها، ولما لم يحسن الأمير "أنز" تدبير بلاد فارس استوحش منه الأجناد واجتمعوا مع "توران شاه" وهزموا "أنز"، ومات "توران شاه" بعد الكسرة بشهر من سهم أصابه فيها. وبقيت "تركان خاتون" في عز ورفعة ومنعة لم يقدر عليها أحد من الملوك والسلاطين، وطالما حاول "بركيارق" إذلالها وأخذ السلطنة منها فلم يقدر عليها، وذلك من كثرة حكمتها وكرمها وحسن إدارتها فإن جميع الأمراء كانت تحبها وتسعى في خدمتها إلى أن توفيت في رمضان سنة 487 ه بأصبهان. وكانت قد برزت من أصبهان لتسير إلى تاج الدولة "تتش" لتتصل به فمرضت وعادت وماتت، وأوصت إلى الأمير "أنز" وإلى الأمير "سرمز" شحنة أصبهان بحفظ المملكة على ابنها محمود ولم يكن بقي بيدها سوى قصبة أصبهان ومعها عشرة آلاف فارس أتراك وكان لها جملة آثار مثل: بناء مساجد وأضرحة، ومدارس، وبيمارستانات وخلاف ذلك في جميع أنحاء المملكة، وأسف الناس عليها أسفا شديدا تغمدها الله برحمته. |
||||
|
| الأوسمة والجوائز لـ » المحارب |
| بينات الاتصال لـ » المحارب |
| اخر مواضيع » المحارب |
| إحصائية مشاركات » المحارب | |
| عدد المواضيـع : | 456 |
| عدد الـــــــردود : | 658 |
| المجمــــــــــوع : | 1,114 |
|
|
رقم المشاركة : ( 5 ) | ||||
|
نائب المدير العام للأنساب والمشجرات
|
تقية ابنة أبي الفرج
ذكرها الحافظ السلفي في تعليقه وأثنى عليها وأخذت عنه العلم بثغر الإسكندرية وفاقت الرجال فيه ولها زيادة على ذلك الباع الطولى في الشعر والأدب ولطائفها الأدبية مع الحافظ المذكور كثيرة منها أنه كان مارا بمنزله، فعثر فجرح قدمه فقطعت جارية من الدار قطعة من خمارها وعصبت بها قدمه فأنشأت تقية تقول: لو وجـدت الـســبـــيل جـــدت بـــخـــدي عوضـا عـن خـمـار تــلـــك ا لـــولـــيدة كيف لي أن أقبل اليوم رجلا سلكت دهرها الطريق الحميدة ومن غرائبها في الأدب أنها مدحت الملك المظفر بن أخي السلطان صلاح الدين بقصيدة خمرية، فقال ممازحا: أتعرف الشيخة هذه الأحوال من صباها؟ فبلغها ذلك فنظمت قصيدة أخرى حربية وصفت فيها الحرب وما تتعلق به أحسن وصف وبعثتها إليه وقالت: علمي بهذا كعلمي بذاك وهي في القرن السادس من الهجرة. تماضر الشهيرة بالخنساء هي ابنة عمرو بن الحارث ابن الشريد بن رياح بن يقظة بن عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة. وقيل تهبه بن سليم بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن عيلان بن مضر، وتكنى أم عمرو، وإنما الخنساء لقب غلب عليها وهي الظبية وكان دريد بن الصمة رآها يوما وهي تهنا جملا فعلق بها وقال فيها: حيوا تماضر وأربعوا صحبي وقفوا فإن وقوفكم حسبـي أخناس قد هام الفؤاد بـكـم وأصابه تبل من الـحـب وخطبها بعد ذلك إلى أبيها فقال له أبوها: مرحبا يا أبا قرة إنك لكريم لا يطعن في حسبه واليد لا ترد عن حاجته ولكن لهذه المرأة في نفسها ما ليس لغيرها وإنما أذكرك لها ثم دخل عليها وقال: يا خسناء، أتاك فارس هوزان وسيد بني جشم دريد بن الصمة يخطبك وهو ممن تعلمين، ودريد يسمع قولها فقالت: يا أبت، أتراني تاركة بني عمي مثل عوالي الرماح وناكحة بني جشم هاته اليوم أو غدا وأنشأت تقول: أتخطبني هبلت علـى دريد وتطرد سيدا من آل بـدر معاذ الله ينكحني خبر كـي يقال أبوه من جشم بن بكر ولو أمسيت في جشم هـديا لقد أمسيت في دنس وفقر فخرج إليه أبوها فقال: يا أبا قرة، قد امتنعت ولعلها أن تجيب فيما بعد فقال دريد: سمعت ما دار بينكما وانصرف غضبان وقال يهجو الخنساء: لمن طلل بذات الخمس أمس عفا بين العقيق فبطن خرس أشبهها غـمـامة يوم دجـن تلألأ برقها أو ضوء شمس وهي طويلة اضربنا عنها فقيل للخنساء: ألا تجيبيه؟ فقالت: لا أجمع عليه أن أرده وأهجوه، ولما ردت دريدا خطبها رواحة بن عبد العزيز السلمي فولدت له عبد الله، ثم خلف عليها مرداس بن أبي عامر فولدت له يزيد ومعاوية وبنتا اسمها عمرة. حكى بعضهم أنه لما كانت ليلة زفاف عمرة كانت أمها جالسة ملتفة بكساء أحمر وقد هرمت وهي تلحظ ابنتها لحظا شديدا فقال القوم: يا عمرة، ألا تحرشت بأمك فإنها الآن تعرف بعض ما أنت فيه، فقامت عمرة تريد شيئا، فوطأت على قدمها وطأة أوجعتها فقالت لها وقد اغتاظت: حسن إليك يا حنفاء كأنما تطئين أمة ورهاء أنا كنت أكرم منك عرسا، وأطيب ورسا، وذلك زمان إذ كنت فتاة أعجب الفتيان، لا أذيب الشحم ولا أرعى البهم، كالمهرة الصنع لا مضاعة ولا عند مضيع، فضحك القوم من غيظها. وكانت الخنساء من شواعر العرب المعترف لهن بالتقدم وهي تعد من الطبقة الثانية في الشعراء، وأكثر شعرها في رثاء أخويها معاوية وصخر. وكان معاوية أخاها لأمها وأبيها، وكان صخر أخاها لأبيها وأحبهما إليها واستحق صخر ذلك منها لأنه كان موصوفا بالحلم مشهورا بالجود معروفا بالتقدم والشجاع، محظوظا في العشيرة وأجمل رجل في العرب، فلما قتل جلست الخنساء على قبره زمانا طويلا تبكيه وترثيه وفيه جل مراثيها، وكانت في أول أمرها تقول البيتين أو الثلاثة حتى قتل أخوها معاوية وصخر وقد أجمع الشعراء على أنه لم تكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها. وقيل لجرير: من أشعر الناس؟ فقال: أنا لولا هذه الخبثية -يعني الخنساء- قال بشار: لم تقل امرأة شعرا إلا تبين الضعف في شعرها. فقيل له: أو كذلك الخنساء؟ قال: تلك فوق الرجال. وكان الأصمعي يقدم ليلى الأخيلية عليها. قال المبرد: كانت الخنساء وليلى فائقتين في أشعارهما متقدمتين لأكثر الفحول، وكان النابغة الذبياني يجلس للشعراء في سوق عكاظ وتأتيه الشعراء فتنشده أشعارها فأنشدته الخنساء في بعض المواسم قصيدتها الرائية التي في أخيها صخر، فأعجبه شعرها وقال له: اذهبي فأنت أشعر من كانت ذات ثديين، ولولا هذا الأعمى أنشدني قبلك -يعني الأعشى- لفضلتك على شعراء هذا الموسم فإنك أشعر الإنس والجن وكان ممن عرض شعره في ذلك الموسم حسان بن ثابت فغضب وقال: أنا أشعر منك ومنها. فقال: ليس الأمر كما ظننت، ثم التفت إلى الخنساء. وقال: ياخناس خاطبيه، فالتفتت إليه الخنساء وقالت: ما أجود بيت في قصيدتك هذه التي عرضتها آنفا؟ قال قولي فيها: لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى وأسيافنا يقطرن من نجـدة دمـا فقالت: ضعفت افتخارك وأندرته في ثمانية مواضع في بيتك هذا. قالت: قلت لنا: الجفنات والجفنات مادون الغر، ولو قلت: الجفان لكان أكثر، وقلت: الغر، والغرة: بياض في الجبهة، ولو قلت: البيض لكان أكثر اتساعا، وقلت: يلمعن، واللمع: شيء يأتي بعد شيء، ولو قلتك يشرقن لكان أكثر لأن الإشراق أدوم من اللمعان. وقلت بالضحى ولو قلت: بالدجى لكان أكثر إطراقا، وقلت: أسياف، والأسياف: ما دون العشرة، ولو قلت: سيوفا لكان أكثر، وقلت: يقطرن، ولو قلت: يسلن لكان أكثر، وقلت: دما، والدماء: أكثر من الدم. فسكت حسان ولم يرد جوابا وكان في أثناء ذلك ظهور الإسلام، فقدمت الخنساء على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت واستنشدها فأنشدته فأعجب بشعرها وهو يقول: "هيه يا خنساء". ثم انصرفت. وقيل: إن عمر بن الخطاب سألها ما أقرح مآقي عينيك؟ قالت: بكائي على السادات من مضر. قالك يا خنساء، إنهم في النار. قالت: ذاك أطول لعويلي عليهم إني كنت أبكي لهم من الثأر، وأنا اليوم أبكي لهم من النار. وقيل: إنها أقبلت في خلافته حاجة، فنزلت بالمدينة بزي الجاهلية فقام إليها عمر في أناس من الصحابة فدخل عليها فإذا هي كما وصفت له فعذلها ووعظها، وقال لها: إن الذي تصنعين ليس صنع الإسلام، وإن الذين تبكين هلكوا في الجاهلية وهم أعضاء اللهيب وحشو جهنم. فقالت: اسمع مني ما أقول في عذلك إياي ولومك لي فقال: هات: فأنشدته من شعرها في أخويها فتعجب من بلاغتها. وقال: دعوها فإنها لا تزال حزينة أبدا. وقيل: إنها أتت عائشة فنظرت إليها وعليها الصدار وهي محلوقة الرأس تدب من الكبر على عصي فقالت لها عائشة: أخناس؟ فقالت: لبيك يا أماه، قالت: أتلبسين الصدار وقد نهي عنه في الإسلام؟ فقالت: لم أعلم بنهيه. قالت: ما الذي بلغ بك ما أرى؟ قالت: موت أخي صخر. قالت عائشة: ما دعاك إلى هذا صنائع من جميله، فصفيها لي. قالت: نعم، إن لشعري سببا، وذلك أن زوجي كان رجلا متلافا للأموال يقامر بالقداح، فأتلف فيها ماله حتى بقينا على غير شيء فأراد أن يسافر فقلت له: أقم وأنا آتي أخي صخرا فأسأله، فأتيته، فشكوت إليه حالنا وقلة ذات أيدينا فشاطرن ماله، فانطلق زوجي فقامر به فقمر حتى لم يبق لنا شيء فعدت إليه في العام المقبل أشكو غليه حالته فصار لي بمثل ذلك فأتلفه زوجي، فلما كان في الثالثة أو في الرابعة خلت بصخر امرأته فعذلته ثم قالت: إن زوجها مقامر وهذا ما لا يقوم به شيء فإن كان ولا بد من صلتها فأعطها خمس مالك فإنما هو متلف والخير فيه والشر سيان، فأنشأ يقول لامرأته. والله لا أمنحـهـا شـرارهـا وهي حصان قد كفتني عارها ولو هلكت مزقت خمـارهـا واتخذت من شعر صدارهـا ثم شطر ماله فأعطاني أفضل شطريه، فما هلك اتخذت هذا الصدار، والله لا اخلف ظنه ولا اكذب قوله ما حيت. وكان للخنساء أربعة بنين فلما ضرب البحث على المسلمين بفتح فارس صارت معهم وهم رجال، وحضرت وقعة القادسية سنة 16 هجرية وسنة 638 ميلادية وأوصتهم من الليل بقولها: يا بني، إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد، كما إنكم بنو امرأة واحدة ما هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم وأعلموا إن الدار الآخرة خير من الدار الفانية (اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) (آل عمران: 200)، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، وجللت نارا على أرواقها، فتيمموا وطيسها وجالدوا رسيسها تظفروا بالغنم والكرامة في الدار الخلد والمقامة، فلما أضاء لهم الصبح باكروا إلى مراكزهم فتقدموا واحدا بعد واحد ينشدون أراجيز يذكرون فيها وصية العجوز لهم حتى قتلوا عن آخرهم فبلغ الخبر إليها فقالت: الحمد الله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر الرحمة، وكان عمر بن الخطاب يعطها أرزاق بنيها الأربعة، وكان لكل منهم مائة درهم حتى قبض. وأخبار الخنساء كثيرة وهي أشهر من أن تذكر، ومن شعرها قولها في أخويها معاوية وصخر وأبيها عمرو: أبكي أبي عمرا بـعـين غـريرة قلل إذا نام الخلي هـجـودهـا وصنوي لا أنسى معـاوية الـذي له من سراة الحرتين وفـودهـا وصخرا ومن ذا مثل صخر إذا غدا بسلهبة الآطال قـرم يقـودهـا وقولها في أخويها: من حس بالأخوين كال غصنين أو من رآهما قرمين لا يتظـالـمـا ن ولا يرام حماهمـا ويلي على الأخوين وال قبر الذي واراهمـا رمحين خطـيين فـي كبد السماء ثناهـمـا ما خـلـفـا إذ ودعـا في سودد ثرواهمـا سارا بغر تـكـلـف عفوا بفيض نداهمـا وقولها ترثي أخاها معاوية: ألا لا أرى في الناس مثل معـاوية إذا طرقت إحدى الليالي بداهـيه بداهية يصغي الكلاب حسيسـهـا وتخرج من سر النجي علانـيه ألا لا أرى كالفارس الورد فارسـا إذا ما علته جهـرة وعـلانـيه وكان لزاز الحرب عند شبوبـهـا إذا شمرت عن ساقها وهي ذاكيه بلينا وما تبلى نضـار ومـا تـرى على حدث الأيام إلا كمـا هـيه فأقسمت لا ينفك دمعي وعولتـي عليك بحزن ما دعا اللـه داعـيه وقولها أيضا فيه وكان مقتله في بني مرة: ألا ما لعـينـك أم مـالـهـا لقد أخضل الدمع سربالهـا أبعد ابن عمرو من آل الشري د حلت به الأرض أثقالهـا وأقسمت آسي على هـالـك وأسـأل نـائحة مـا لـهـا سأحمل نفـسـي عـلـى آلة فإما علـيهـا وإمـا لـهـا نهين النفوس وهون الـنـفـو س يوم الكريهة أبقى لـهـا ورجراجة فوقها بـيضـهـا عليها المضاعف أقتالـهـا ككر فئة الغيث ذات الصبـي ر ترمي السحاب ويرمي لها وقافية مثـل حـد الـسـنـا ن تبقى ويهلك من قالـهـا نطقت ابن عمرو فسهلتها ولم ينطق الناس أمثالها فإن تك مـرة أودت بـه فقد كان يكثر تقتالهـا تزول الكواكب من فقده وجللت الشمس إجلالها وأما مراثيها في أخيها صخر فكثيرة جدا كما قلنا وأشهر ما قالت فيه قولها عندما مات: اذهب فلا يبعدنك الله من رجـل دراك ضيم وطلاب بـأوتـار قد كنت تحمل قلبا غيره مؤتشب مركب في نصاب غير خـوار فسوف أبكيك ما ناحت مطـوقة وما أضاءت نجوم الليل للساري شدوا المآزر حتى تستعاد لـكـم وشمروا إنهـا أيام تـشـمـار وابكوا فتى الحي لاقته منـيتـه وكل حي إلى وقت ومـقـدار وقولها: يذكرني طلوع الشمس صخرا وأذكره لكل غروب شمس ولولا كثرة الباكين حـولـي على موتاهم لقتلت نفسـي وما يبكون مثل أخي ولكـن أعزي النفس عنه بالتأسـي وقولها: أعيني جودا ولا تـجـمـدا ألا تبكيان لصخـر الـنـدا ألا تبكيان الجرئ الجـمـيل ألا تبكيان الفتـى الـسـيدا طويل النجاد رفـيع الـعـم د ساد عشـيرتـه أمـردا إذا القـوم مـدوا بـأيديهـم إلى المجـد مـد إلـيه يدا فنـال الـذي فـوق أيديهـم إلى المجد ثم مضى مسعدا يحمله القوم مـاعـالـهـم وإن كان أصغرهم مولـدا ترى المجد يهدي إلى بـيتـه يرى أفضل المجد أن يحمدا وإن ذكر المجـد ألـفـيتـه تأزر بالمجـد ثـم ارتـدى وقولها: قذى بـعـينـيك أم بـالـعـين أعــور أم أقفرت إذ خلت من أهـلـهـا الـدار تبكي لصخـر الـعـبـرى وقـد ذرفـت ودونه مـن جـديد الـتـرب أسـتـار لا بد من موتـه فـي صـرفـهـا غـير والدهر في صـرفـه حـول وأطـوار يا صـخـر وارد مـاء قـد تـنـــاذره أهل الـمـوارد مـا فـي ورده عـار مشى السبنتي إلى هـيجـاء مـعـضـلة له سـلاحـان أنـياب وأظــفـــار فما عجـول عـلـى بـو تـطـيف بـه لهـا حـنـينـان إصـغـار وإكـبـار ترعـى إذا نـسـيت حـتـى إذا ذكـرت فإنـمـا هـي إقـبـــال وإدبـــار لا تسمن الدهر فـي أرض وإن رتـعـت فإنـمـا هـي تـحـنـان وتـسـجـار يومـا بـأوجـد مـنـي يوم فـارقـنـي صخـر ولـلـدهـر إحـلاء وإمـرار فإن صـخـرا لـوالـينـا وسـيدنـــا وإن صخـرا إذا نـشـتـو لـنـحـار وإن صـخـرا الـتـأتـم الـهـداة بــه كأنـه عـلـم فـي رأســه نـــار لم تره جـارة يمـشـي بـسـاحـتـهـا لريبة حـين يخـلـى بـيتـه الـجـار ولا تـراه ومـا فـي الـبـيت يأكـلــه لكنه بـارز بـالـصـحـن مـهـمـار مثل الردينـي لـم تـنـفـذ شـبـيبـتـه كأنـه تـحـت طـي الـبـرد أسـوار في جوف رمس مقـيم قـد تـضـمـنـه في رمسه مـقـمـطـرات وأحـجـار طلق اليدين لفـعـل الـخـير ذو فـخـر ضخم الـدسـيعة بـالـخـيرات أمـار في رفقة حار حـاديهـم بـمـهـلـكـه كأن ظلمتها فـي الـطـخـية الـقـار كان دمـعـي لـذكـراه إذا خـطــرت فيض يسيل عـلـى الـخـدين مـدرار تبكي خناس على صـخـر وحـق لـهـا إذ رابها الدهر إن الدهر إن الدهر ضرار وتوفيت الخنساء في البادية في خلافة معاوية بن ابي سفيان رحمه الله عليها. تماضر زوجة زهير كانت من بنات بني عبس الأكابر الذين ورثوا المجد كابرا عن كابر، تزوجت بالملك زهير العبسي على محبة ووفاق وزادت به شرفا ومقاما، وإجلالا وإكراما، وولدت له جملة أولاد نجباء، منهم: قيس، ومالك ابنا زهير، وزوجها زهير ملك بني عبس، ولها رثاء قليل في ولدها مالك قتله حذيفة بن بدر، ومن قولها: كأن الـعـين خـالـطـــهـــا قـــذاهـــا لغـيبـتـكـم فـلـم تـعـــط كـــراهـــا علـى ولــد وزين الـــنـــســـا طـــرا إذا مـا الـنـار لـم تـر مــن صـــلاهـــا لئن حـزنـت بـنـو عــبـــس عـــلـــيه فقـد فـقـدت بـنـو عـبـس فــتـــاهـــا فمـن لـلـضـيف إن هـبـــت شـــمـــال مزعـزعة يجـاوبـــهـــا صـــداهـــا أسـيدكـم وحـامــيكـــم تـــركـــتـــم علـى الـغـبـراء مـنـهـدمـا رحــاهـــا نرى الـشـم الـجـحـاجـح مـن بـــغـــيض تبـدد جـمــعـــهـــا يومـــا رآهـــا فيتركها إذا اضطربت بطعن وينهبها إذا اشتجرت قناها حذيفة لا سقيت من الغوادي ولا روتـــك هـــاطـــلة نـــداهــــا كمـا أفـجـعـتـنـي بـفـــتـــى كـــريم إذا وزنـت بـنـو عــبـــس وفـــاهـــا فدمـعـي بــعـــده أبـــدا هـــطـــول وعــينـــي دائم أبـــدا بـــكـــاهـــا تنوسة جارية علية بنت المهدي العباسي كانت ذات حسن وجمال، وبها وكمال، وأدب ما له مثال. تعلمت الغناء حتى صارت أحسن المغنين والمغنيات، وساعدها على ذلك صوتها وحدة ذهنها وشدة استحضارها. وكانت تختلف إلى الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر وترتاح لمنادمته، وهو يشتاق لسماع صوتها. وقيل: إن محمد بن عبد الله جلس يوما في مجلس أنسه وكان عنده صديقه الحسن بن محمد بن طالوت، وكان أخص الناس به فقال له: لا بد لنا في يومنا هذا من ثالث نطيب بمعاشرته، ونلتذ بصحبته ومؤانسته حتى نسمع صوت "تنوسة" فمن ترى أن يكون طاهر الأعراق غير دنس الأخلاق، فأعمل فكره الحسن وأمعن نظره وقال: أيها الأمير قد خطر ببالي رجل ليست علينا في مجالسته كلفه قد خلا من إبرام المجالسة وبرئ من ثقل المؤانسة خفيف الوقفة إذا أحببت، سريع الوثبة إذا أمرت. قال: ومن ذاك؟ قال: "مان الموسوس". قال: أحسنت والله فتقدم إلى أصحاب الأرباع بطلبه، فما كان بأسرع من أن اقتنصه صاحب ربع الكرخ فسار به إلى باب بالأمير فأدخل الحمام وأخذ من شعرهن وألبس ثيابا نظافا، ثم ادخل عليه فقال: السلام عليك يا أمير. فقال: عليك السلام يا "مان"، ألم يأن أن تزورنا على حين توقان منا إليك، ومنازعة قلوبنا نحوك. فقال "مان": الشوق شديد، والمزار بعيد، والحجاب عتيد، والبواب فظ عنيد ولو سهل الإذن لسهلت علينا الزيارة. قال: لقد ألطفت في الاستئان، فلا تمنع في أي وقت جئت من ليل أو نهار، ثم أذن له فجلس، ثما دعا له بالطعام فأكل، ثم غسل يديه وأخذ مجلسه. وكان محمد قد تشوق إلى السماع من "تنوسة" جارية ابنة المهدي، فأحضرت فكان أول ماغنت: ولست بناس إذا غدوا فتـحـمـلـوا دموعي على الأحباب من شدة الوجد وقولي وقد زالت بليل حـمـولـهـم بواكر تخدى لا يكن آخر الـعـهـد فقال "مان": أحسنت والله، ألا زدت فيه: أقمت أناجي الفكر والدمـع حـائر بمقلة موقوف علـى الـجـهـد ولم يعدني هـذا الأمـير بـعـزه على ظالم قد لج في الهجر والبعد فاندفعت تغنيه، فرق محمد بن عبد الله له وقال: أعشاق أنت يا "مان"؟ قال: فاستحيا وغمزه ابن طالوت أن لا يبوح له بشيء فيسقط من عينه فقال: بل هلع، وطرب اعز الله الأمير وشوق كان كامنا فظهر وهل بعد المشيب من صبوة، ثم اقترح محمد على "تنوسة" هذا الصوت من شعر أبي العتاهية: حجبوها عن الـرياح لأنـي قلت يا ريح بلغيها السلامـا لو رضوا بالحجاب هان ولكن منعوها يوم الرحيل الكلاما فغنته فطرب محمد، ثم دعا برطل فشربه فقال "مان": ما على قائل هذا الشعر لو زاد فيه: فتنفست ثم قلت لطـيفـي آه لو زرت طيفها إلماما خصها بالسلام ستـرا وإلا منعوها لشقوتي أن تناما فكان أبعث للصبابة بين الأحشاء وألطف تغلغلا على كبد الظمآن من زلال الماء مع حسن تأليف نظامه وانتهائه إلى غاية تمامه قال محمد: أحسنت والله يا "مان"، ثم أمر "تنوسة" بإلحاقها هذين البيتين بالأولين ففعلت ثم غنت هذين البيتين من شعر أبي نواس: يا خليلي ساعة لا تـريمـا وعلى ذي صبابة فأقيمـا ما مررنا بـدار زينـب إلا فضح الدمع سرنا المكتوما فاستحسنه محمد فقال "مان": لولا رهبة التعدي لأضفت إلى هذين البيتين بيتين لا يردان على سمع ذي لب إلا صد استحسانه لهما. فقال محمد: الرغبة فيما تأتي به حائلة دون كل رهبة فهات ما عندك فقال: ظبية كالغزال لو تلحظ الصخ ر بطرف لغادرته هشيمـا وإذا ما تبسمت خلت ما تبدى من الثغر لؤلؤا منظـومـا قال محمد: أحسنت والله فأجز: لم تطب اللـذات إلا لـمـن طابت له لـذات تـنـوسة غنت بصوت أطلقت عبـرة كانت بحسن الصبر محبوسة فقال "مان": وكيف صبر النفس عن غادة تظلمها إن قلت طاووسـه وجرت إن شبهتـهـا بـانة في جنة الفردوس مغروسة ثم سكت، فقال محمد، فأعد لي وصفك لها، فقال: وغير عدل إن قرنـا بـهـا جوهرة في التاج مغروسه جلت عن الوصف فما فكرة تلحقها بالنعت محسـوسة فقالت "تنوسة": وجب علينا يا "مان" شكرك، فساعدك دهرك، وعطف عليك الفك، وقارنك سرورك، وفارقك محذورك، والله تعالى يديم لنا السرور ببقاء من ببقائه اجتمع شملنا فأنشأ يقول: ليس لي إلف فيقطعني فارقت نفسي الأباطيل أنا موصول بنعمة مـن حبلة بالحمد موصول أنا مشمول بمـنة مـن منه في الخلق مبذول أنا مغبوط بزورة مـن ربعه بالمجد مأهـول فأومأ إليه ابن طالوت بالقيام فنهض وهو يقول: ملك عز النـظـير لـه زانه الغر بالبـهـالـيل طاهري في مـركـبـه عرفه للناس مـبـذول دم من يشقى بصـارمـه مع هبوب الريح مطلول فقال محمد: وجب جزاؤك لشكرك على غير نعمة سلفت منا إليك، ثم أقبل على ابن طالوت فقال: يا هذا، ليس خساسة ثوب المرء واتضاع المنظر ونبو العين بمذهب جوهر الأدب المركب فيه ولله در صالح بن عبد القدوس حيث يقول: لا يعجبنك من يصون ثـيابـه حذر الغبار وعرضه مبذول فلربما افتقر الفتـى فـرأيتـه دنس الثياب وعرضه مغسول ثم قال وهو واقف: مدمن التحقيق موصول ومطيل اللبث مملول فأنا أستودعكم الله، ثم انصرف فأمر له محمد بن عبد الله بصلة سنية قال ابن طالوت: فما رأيت أحدا أحضر ذهنا منه إذ تقول له الجارية عطف عليك الفك فينفيها بقوله: ليس لي إلف فيقطعني البيت. قال: ولم يزل محمد مجريا عليه رزقا سنيا إلى أن مات، وبقيت "تنوسة" معززة مكرمة في منزل علية ابنة المهدي إلى أن ماتت بعدما عمرت ولم يتغير شيء من صوتها وجمالها. حرف الثاء ثبيتة ابنة الضحاك بن خليفة الأنصارية الأشهلية ولدت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت على جانب عظيم من الجمال والكمال، واللطافة والأدب، وعزة النفس. وكان يضرب بها المثل في الجمال بين نساء العرب، وكانت كلما خرجت من منزلها تتمايل إليها الأنظار وتهوى إليها القلوب بالأبصار وكان مرة بن سهل بن أبي حثمة مارا فيا لطريق فرأى محمد بن مسلمة يطار ثبيتة بنظره فقال له: أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: نعم، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا ألقى الله عز وجل في قلب رجل خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها). ومن ذلك يتضح أن من أراد الخطبة فله أن ينظر مخطوبته قبل زواجه بها، وبقيت ثبيتة محط أنظار شبان الصحابة حتى تزوجت وهي في غاية العفة والصيانة ولم يمدد إليها أحد يده بسوء، ولها صحبة حسنة وأحاديث نبوية. ثبيتة ابنة مرداس بن قحفان العنبري كانت من شاعرات العرب وكرمائهن اللاتي يضرب بهن المثل، وكان زوجها كريما لم يوجد أكرم منه في زمانه. قيل: إنه أتاه أخو امرأته فأعطاه بعيرا من إبله وقال لامرأته: هاتي حبلا يقرن به ما أعطيناه إلى بعيره، ثم أعطاه بعيرا آخر، وقال: هاتي حبلا، ثم أعطاه ثالثا فقال: هاتي حبلا. فقالت ما بقي عند حبل. فقال: علي الجمال، وعليك الحبال. فرمت إليه خمارها وقالت اجعله حبلا لبعضها فأنشأ يقولل: لا تعذلينيفي الـعـطـاء ويسـري لكل بعير جاء طالـبـه حـبـلا فإني لا تبكي عـلـي إفـالـهـا إذ شبعت من روض أوطانها بقلا فلم أر مثل الإبل مالا لـمـقـتـن ولا مثل أيام الحقوق لها سـبـلا فأجابته فورا: حلفت يمينا يا ابن قحفان بـالـذي تكفل بالأرزاق في السهل والجبل تزال حبال المحصـدات أعـدهـا لها ما مشى منها على خفه جمل فأعط ولا تبخل لمن جاء طالـبـا فعندي لها خطم وقد زالت العلل ثبيتة ابنة يعار بن زيد بن عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف الأنصارية كانت من المهاجرات الوائل ومن فاضلات النساء الصحابيات وهي امرأة أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة وهي مولاة سالم مولى أبي حذيفة قتل سالم يوم اليمامة. وكانت ثبيتة من النساء الأديبات العابدات الزاهدات الصابرات على العبادة مشهورة بحسن صحبتها ولها رواية مثبوتة عند المحدثين. الثريا ابنة عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر كانت من شهيرات نساء قريش وأبرعهن جمالا وكمالا، وكان عمر بن أبي ربيعة مستهاما بها وكانت تصيف بالطائف، وكان عمر يغدو إليها كل غداة إذا كانت بالطائف على فرسه فيسائل الركبان الذين يحملون الفاكهة من الطائف عن أخبارها فلقى يوما بعضهم فسأل أحدهم عن أخبارهم فقال: ما استطرفنا خبرا إلا أنني سمعت عند رحيلنا صوتا وصياحا على امرأة من قريش اسمها اسم نجم من السماء، وقد سقط علي اسمه فقال عمر: الثريا. قال: نعم، وقد كان بلغ عمر قبل ذلك أنها عليلة فوجه فرسه على وجهه إلى الطائف يركضه ملء فروجه وسلك طريق كداء وهي أحسن الطرق وأقربها حتى انتهى إلى الثريا وقد توقعته وهي تتشوق له وتتشوف، فوجدها سليمة ومعها أختها رضيا وأم عثمان، فأخبرها الخبر، فضحكت وقالت: والله أنا أمرتهم لأختبر ما لي عندك في ذلك فقال هذا الشعر: تشكي الكميت الجري لها جهدته وبين لو يستطيع أن يتكـلـمـا فقلت له أن ألق للـعـين قـرة فهان علي أن تكل وتـسـأمـا لذلك أدني دون خـيل ربـاطـه وأوصي به أن لا يهان ويكرما عدمت إذا وفري وفارقت مهجتي لئن لم أقل قرنا إن الله سلـمـا وسأل مسلمة بن إبراهيم أيوب بن مسلمة: أكانت الثريا كما يصف عمر بن أبي ربيعة فقال: وفوق الصفة، كانت والله كما قال عبد الله بن قيس: حبذا الحج والثـريا ومـن بـال خفيف من أجلها وملقى الرحال يا سليمن إن تـلاقـي الـثـريا تلق عيش الخلود قبل الهـلال درة من عقائد البـحـر بـكـر لم يشنها مثـاقـب الـلآلـي وحجت رملة بنت عبد الله بن خلف الخزاعية فقال فيها عمر: أصبح القلب فيا لحبال رهينـا مقصدا يوم فارق الظغـينـا قلت من انتم فصدت وقالـت أمبدي سؤالك العالـمـينـا نحن من ساكني العراق وكنـا قبله قاطنين مـكة حـينـا قد صدقناك إذ سألت فمـن أن ت عسى أن يجر شأن شؤونا وترى أننا عرفناك بـالـنـع ت بظن وما قبلنـا يقـينـا بسواد الثـنـيتـين ونـعـت قد تراه لناظر مستـبـينـا وبلغت الأبيات الثريا فبلغتها إياها أم نوفل فقالت: إنه لوقاح صنع بلسناه، ولئن سلمت له لأردن من شأوه ولأثنين من عنانه، ولأعرفنه نفسه، وهجرت عمر فلما هجرته قال في ذلك: من رسولي إلى الثريا فـإنـي ضقت ذرعا بهجرها والكتاب سلبتني مجاجة المسك عقلـي فسلوها ماذا أحل اغتصابـي وهي مكنونة تحـير مـنـهـا في أديم الخدين ماء الشبـاب أبرزوها مثل المهاة تـهـادي بين خمس كواعـب أتـراب ثم قالوا تحبها قـلـت بـهـرا عدد القطر والحصا والتراب فلما سمع ابن عتيق قوله: " من رسولي إلى الثريا فإني" قال: إياي أراد وبي نوه، لا جرم والله لا أذوق أكلا حتى أشخص فأصلح بينهما ونهض. قال بلال مولى ابن أبي عتيق: فركب وركبت معه فسار سيرا شديدا فقلت: أبق على نفسك فإن ما تريد ليس يفوتك. فقال: ويحك. أبادر حبل الود أن يتقضبا وما حلاوة الدنيا إن تم الصدع بين عمر والثريا، فقدما مكة ليلا غير محرمين، فدق على عمر بابه،فخرج إليه وسلم عليه ولم ينزل عن راحلته فقال له: اركب، وأصلح بينك وبين الثريا فأنا رسولك الذي سألت عنه، فركب معه وقدموا الطائف وقد كان عمر أرضى أم نوفل، فكانت تطلبت له الحيل لإصلاحها فلم يمكنها فقال ابن أبي عتيق للثريا: هذا عمر قد جمشني المسير من المدينة إليك، فجئتك به معترفا لك بذنب لم يجنه معتذرا من إساءته إليك فدعيني من التعداد والترداد فإنه من الشعراء الذين يقولون ما لا يفعلون، فصالحته أحسن صلح وأتمه وأجمله، ورجعوا إلى مكة فلم ينزلها ابن أبي عتيق حتى رحل وزاد عمر في أبياته فقال: أرهقت أم نوفـل إذ دعـتـهـا مهجتي ما لقاتلي من مـتـاب حين قالت لها أجيبي فـقـالـت من دعاني قالت أبو الخطـاب فاستجابت عند الـدعـاء كـمـا لبى رجال يرجون حسن الثواب وكانت أم نوفل دعتها لابن أبي عتيق ولو دعتها لعمر ما أجابت: وأتى عمر الثريا يوما ومعه صديق له كان يصاحبه ويتوصل بذكره في الشعر، فلما كشفت الثريا الستر وأرادت الخروج إليه رأت صاحبه فرجعت فقال لها: إنه ليس ممن أحتشمه ولا أخفي عنه شيئا واستلقى فضحك، وكان النساء إذا ذاك يتختمن في أصابعهن العشرة، فخرجت إليه فضربته بظاهر كفها فأصابت الخواتم ثنيتيه العليين وكادت أن تقلعهما، فعالجهما، فشفيتا واسودتا، وكان يفتخر بهما ويعده أثرا عزيزا عنده، وواعدت الثريا عمر أن تزوره فجاءت في الوقت الذي ذكرته فصادفت أخاه الحارث قد طرقه، وأقام عنده ووجه به في حاجة له ونام مكانه وغطى وجهه بثوب فلم يشعر إلا بالثريا قد ألقت نفسها عليه تقبله فانتبه وجعل يقول: اغربي عني فلست بالفاسق، أخزاكما الله. فلما علمت بالقصة انصرفت ورجع عمر فأخبره الحارث بخبرها فاغتم لما فاته منها وقال: أما والله لا تمسك النار أبدا وقد ألقت نفسها عليك. فقال الحارث: عليك وعليها لعنة الله. وتزوجها سهيل بن عبد العزيز بن مروان، وكان عمر بن أبي ربيعة أخرجه مسعدة بن عمر والي اليمن في أمر عرض له وتزوجت الثريا وهو غائب، فلما رجع وجدها نقلت في ذلك اليوم إلى الشام فأتى المنزل الذي كانت فيه وسأل عنها فأخبر أنها رحلت من يومئذ فخرج في أثرها فلحقها في مرحلتين وكانت قبل ذلك مهاجرته لأمر أنكرته عليه، فلما أدركهم نزل عن فرسه ودفعه إلى غلامه ومشى متنكرا حتى مر بالخيمة، فعرفته الثريا وأثبتت حركته ومشيته فقالت لحاضنتها: كلميه، فسلمت عليه وسألته عن حاله وعاتبته على ما بلغ الثريا عنه فاعتذر وبكى فبكت الثريا وقالت: ليس هذا وقت العتاب مع وشك الرحيل فحادثها إلى طلوع الفجر، ثم ودعها وبكيا طويلا، وقام فركب فرسه ووقف ينظر إليهم وهم يرحلون ثم أتبعهم بصره حتى غابوا وانشأ يقول: يا صاحبي قفا نستخبـر الـطـلـلا عن حال من حله بالأمس ما فعـلا فقال بالأمس لمـا أن وقـفـت بـه إن الخليط أجدوا البين فاحـتـمـلا وخادعتك الـنـوى لـمـا رايتـهـم فيا لفجر يحتث حادي عيسهم رحلا لما وقفنا نحييهـم وقـد صـرخـت هواتف البين واستولت بهـم أصـلا صدت بعادا وقالت للتـي مـعـهـا بالله لوميه في بعض الذي فـعـلا وحدثيه بما حدثـت واسـتـمـعـي ماذا يقول ولا تـعـي بـه جـدلا حتى ترى أن ما قـال الـوشـاه لـه فينا لـديه إلـينـا كـلـه نـقـلا وعرفيه به كالهزل واحـتـفـظـي في بعض معتبة أن تخطئ الرجـلا فإن عهدي بـه والـلـه يحـفـظـه وإن أتى الذنب ممن يكره الـعـذلا لو عندنا اعتيب أو نيلت نقـيصـتـه ما آب معتابه من عـنـدنـا جـذلا قلت اسمعي فلقد أبلغت في لـطـف وليس يخفى على ذي اللب من هزلا هذا أرادت بـه بـخـلا لأعـذرهـا وقد أرى أنها لن تعـدم الـعـلـلا ما سمي القلب إلا مـن تـقـلـبـه ولا الفؤاد فؤادا غـير أن عـقـلا أما الحديث الذي قـالـت أتـيت بـه فما عتبت به إذ جـاءنـي تـبـلا ما إن أطعت بها بالغيب قد علـمـت مقالة الكاشح الواشـي إذا مـحـلا إني لأرجعه فـيهـا بـسـخـطـه وقد يرى أنه قد غـر بـي زلـلا وهي قصيدة طويلة وقال فيها أيضا: أيها الطارق الذي قد عناني بعدما نام سامر الركبـان زار من نازح بغير دلـيل يتخطى إلي حتى أتانـي أيها المنكح الثريا سهـيلا عمرك الله كيف يلتقـيان هي شامية إذا ما استقلـت وسهيل إذا استقل يمـان وكتب إليها يوما وقد غلبه الشوق: كتبت إليك من بلـدي كتاب موله كـمـد كئيب وأكف العينـين بالحسرات منفـرد يؤرقه لهيب الـشـو ق بين السحر والكبد فيمسك قلـبـه بـيد ويمسح عينـه بـيد وكتبه في قوهية وشنفه وحسنه وبعث به إليها فلما قرأته بكت بكاء شديدا ثم تمثلت: بنفسي من لا يستقل بنـفـسـه ومن هو إن لم يحفظ الله ضائع وكتبت إليه تقول: أتاني كتاب مل ير الناس مثـلـه أمد بكافور ومسك وعـنـبـر وقرطـاسة قـوهـية وربـاطة بعقد من الياقوت صاف وجوهر وفي صدره مني إلـيك تـحـية لقد طال تهيامي بكم وتـكـري وعنوانه من مسـتـهـام فـؤاده إلى هائم صب من الحزن مسعر ولما مات عنها سهيل خرجت إلى الوليد بن عبد الملك وهو خليفة بدمشق في قضاء دين عليها فبينما هي عند أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان إذ دخل عليها لوليد فقال: من هذه؟ فقالت: الثريا جاءتني أطلب ليك قضاء دين عليها وحوائج لها فأقبل عليها الوليد فقال: أتروين من شعر عمر بن أبي ربيعة شيئا؟ قالت: نعم، يرحمه الله كان عفيفا أروي قوله: ما على الرسم بالبليين لـو بـي ن رجع السلام أو لو أجـابـا فإلى قصر ذي العشيرة فالطـا ئف أمسى من الأنيس يبـابـا إذ فؤادي يهوى الرباب وإني ال دهر حتى الممات أنسى الربابا وبما قد أرى به حـي صـدق ظاهري العيش نعمة وشبابـا وحسانـا جـواريا خـفـرات حافظات عند الهوى الأحسابـا لا يكثرن في الحـديث ولا يت بعن يبغين بابهام الـظـرابـا فقضى حوائجها وانصرفت بما أرادت، فلما خلا الوليد بأم النبين قال لها: لله درك الثريا أتدرين ما أرادت بإنشادها ما أنشدتني من شعر عمر؟ قالت: لا. قال: إني لما عرضت لها به عرضت لي بان أمي أعرابية وأم والوليد وسليمان ولادة بنت العباس بن جزي بن الحارث بن زهير بن جذيمة العبسي، فلما ماتت الثريا أتى الغريض المغني إلى كثير بن كثير السهمي فقال له: قل لي أبيات شعر أنح بها على الثريا فقال له هذين البيتين: ألا يا عين ما لك تدمعينـا أمن رمد بكيت فتكحلينـا أم أنت حزينة تبكين شجوا فشحوك مثله أبكى العيونا ثيودورا زوجة الملك بوستينان هي ابنة أكساسيو القبرصي، حارس الأدباب في الملعب، فلما مات أبوها باتت مع أختيها كومينو وأنسطاسيا في حالة فقر يرثى لها وجميعهن صغيرات فيالسن لا يتجاوز عمر الكبرى سبع سنوات، وكانت ثيودروا جميلة حسناء فقيرة فلم تجد سبيلا للكسب إلا الانخراط في سلم الممثلات، فأعجبت الناس بمهارتها واتخذت خلانا وبدلت أحبة لتعيش في راحة وهناء. قيل: إنها كانت في بلاد بافلاغونيا فحلمت أنها ستصير امرأة ملك قوي فعادت إلى القسطنطينية مسرعة وتابت واتخذت لها بيتا عاشت به بالبر والطهارة والتقوى تشتغل الليل والنهار بأشغال يدوية لتعيش وتساعد المساكين فعلم بها بوستينان ونظرها فتيمه هواها وشغفه جمالها والباهر وأعجبه نشاطها وعفتها، فاقترن بها على رغم مضادة أمه ونسبائه والشرائع القديمة التي تحظر على الشريف أن يقترن بعبيده أو ممثلة أو غريبة وأغرى عمه بستين على إصدار أمر يخالف القانون ويبطله ويفتح سبيلا لتوبة بنات الهوى وأملهن بالارتقاء إلى أعلى الدرجات وذروة المجد والفخار ولما تولى بوستينان العرش شارك امرأته بالملك وأجلسها على عرشه ووضع التاج القيصري على هامته وهامة ثيودورا الممثلة بنت أكاسيوس حاري الأدباب ولم تنج هذه الملكة بتوبتها من هجو العالمين، فرشقتها ألسنة المبغضين المضادين بسهام الاحتقار والتنديد وجهدوا في تذكيرها حالتها الأولى ونكايتها بكل أوان فهجرت لذلك مدينة القسطنطينية وعاشت بقصورها وجناتها الواقعة على شاطئ البوسفور، واعتزلت الناس، وانتقمت منهم ما استطاعت وكان زوجها في ابتداء ملكها مريضا فبذلت جهدا في جمع الموال ليمكنها أن تعيش بها عزيزة بعده مكرمة. والحق يقال: إن ثيورودا كانت امرأة ذكية فاضلة أتت أعمالا عظيمة مبرورة مشكورة وساعدت زوجها في السياسة أشد المساعدة بآرائها وحكمتها ولكن الشعب اليوناني أبغضها لاتباعها مذهب أفتيس ومضادتها بعض الأساقفة. وفي حزيران سنة 548 م ماتت بعلة رديئة كست جسمها بثورا فتكون مدة ملكها 22 سنة. ومن أعمالها السديدة ما كان في وقت الثورة المشهورة التي حصلت في القسطنطينية في أيام ملك بوستينان وقد اجتمع الملك والوزراء والعظماء حائرين مضطرين يرجون بالهرب خلاصا فنهضت الملكة ثيودورا. وقالت: إنني أحتقر الفرار إلا من الراحة والسلام فإلى الموت مصير الإنسان وحياة الأمراء المالكين كالعدم بعد فقدهم العز والملك فأطلب إلى الله أن لا يجعلني يوما واحدا عارية من التاج وأدوات الزينة الملكية بل يميتني قبل خلعي وسقوطي عن منصة الفخر والمجد، وإذا اعتمدت أيها الملك على الهرب فجميع وسائله ميسورة لك فهذه خزائنك ملأى بالذهب والجواهر،وهذا البحر مغطى بالسفن المواخر ولكن خف من يوم تعيش به عيشة دنيئة محتقرة في المنفى. أما أنا فناهجة منهج القدماء القائلين: إن العرش ضريح مجد، وأحيت هذه المرأة بكلامها وشجاعتها شجاعة زوجها فرفض الفرار وعاد إلى التفكير والتدبير، فتيسرت له وسائل إقناع الأقوام بخطئهم فأذعنوا إليه خاضعين وبخضوعهم ذل الآخرون فتمكنت الحكومة من قهرهم وراق الوقت للملك بوستينان بسبب مشورة هذه الفاضلة وحسن آرائها. حرف الجيم جان دارك وتسمى "لابوسل" وتعرف بالسيدة "أوريان" هي فتاة فرنساوية كانت نقية البشرة، مهفهفة القوام، دعجاء العينين، ذات شعر فاحم مسترسل على كتفيها، يلوح على محياها الصبيح سيما الحياء واللطف والدعة، وتبدو من مخايلها أمارات مضاء العزيمة، وبعد الهمة، وثبات الجأش، ولطالما امتطت الفرس فسابقت عليه وهو غير مسرج ولا مشكوم جراءة وفروسية، وكانت ذات كلام بالغ بين الرشد وأفعال دائرة على محور الاستقامة والصلاح. ولدت في "دومرمي" من مقاطعة "لورس" سنة 1411 للميلاد من راع يدعى "جان" وكان قد رباه الفقر وهذبه الدين، فنشأت كثيرة الهواجس الدينية، ولما بلغت الخمس سنوات أخذت ترى في هجعتها رؤيا علوية زاعمة أن الملائكة والأولياء تتجلى عليها بمظهر نوراني، فلما أنس أبوها منها ذلك أراها من القسوة والعنف ما حداها إلى الفرار والانطواء إلى أرملة من ربات الفنادق، فأقامت في خدمتها زمناً تبذل عندها من الإخلاص في السعي والإقدام في العمل والعفاف في المسلك ما تذكر به فتشكر، ثم عادت إلى أبيها زمان إذ كان فرنسا على شفا حفرة من النار والإنكليز يذيقونها من حروبهم ضريع الويل الممزوج بالشنار. وكان قد مر بقريتها فريق من الأعداء فاكتسحوها واستافوا أموالها فاقتسموها وتركوها خاوية على عروشها يندبها لسان الخراب، ويأوي إلى أطلالها البوم والغراب، فصدع فؤادها الشفاف ذل قومها وبوارهم وانكسارهم للعدو المفضي إلى دمارهم، فعاودتها الأحلام والرؤيا وزعمت أنها مأمورة بالإلهام بإنقاذهم وبلادهم من الهلكة والمعرة، وانتشال قومها من هوة الحيف والمضرة. وبعد تردد وإعمال روية سارت إلى "شارل" ملك فرنسا، وذلك في شهر شباط سنة 1429 ميلادية وكان عليها أن تقطع مسافة 150 فرسخاً في أقطار مشحونة بدبابة الإنكليز ومحفوفة بالمكاره والأهوال حتى تبلغ مدينة "لوزين" حيث يقيم الملك فتزيت بزي فارس وعلت جوادها بعد أن تقلدت حساماً بتاراً، واخترقت تلك المهامة حتى إذا أشرفت على مقر الملك بعثت تنبئه بقدومها وتخبره بأنها ستكون منقذة العرش ورافعة الحصار عن "أوليان" وأنها ستمهد سبيل تتويجه في "رام"، فلما قدم عليه البشير بذلك النبأ ابتسم ذرياً عن قلب مشحون بالغيظ، ثم استمر مع وزرائه في شأنها ثلاثة أيام، فكان فريق يسخر منها ويضحك عليها، وفريق يذود عنها ويرى إلقاء المقاليد إليها والملك بين ذلك من حزب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء حتى أسفر الرأي عن لقائها فلبس الملك ثياب أحد أتباعه وألبسه ثوبه الملكي اختباراً لأمرها، ثم أذن لها فجاءت تخترق صفوف الحشم والحاشية حتى وقفت بإزائه فانحنت جاثية لديه قائلة له: بلسان ذرب حييت وحبيت أيها الملك الحليم؟ فقال لها: أخطأت فإن الملك هو ذاك مشيراً إلى من ألبسه ثوبه فقالت: ما الملك إلا أنت وما أنت إلا الملك وإني لمأمورة أنا العذراء المسكينة من الروح الأمين بشد أزرك والدأب لأسباب نصرك وما على الرسول إلا البلاغ، فخلا بها الملك حيناً من الدهر ثم ناجى وزراءه فقال لهم: لقد أحاطت لعمر الله بما في سرائري وأدركت مما لا يدركه بعد الله إلا ضمائري وإني لا أشك أن أكون من أمرها على ثقة ولكن لا بأس من التأني ريثما تمتحن. ثم أتاها برهط من مهرة الأطباء وأساطنة العلماء وحاولوا أن يفقروها بمسائل مشكلات وغوامض حتى إذا أعيتهم الحيل وعادوا بالخيبة والفشل عززها الملك بكتيبة من خواص فرسانه فبرزت أمام الجيش شاكة السلاح، معتقلة بيدها رمحاً وبالأخرى راية وأخذت تعدو على جوادها متفننة في أنواعالفروسية حتى سحرت الناظرين فهتفوا ترحيباً بها واستحساناً لها وتعجباً منها. ثم صارت بجيشها تنهب الأرض هملجة وخبباً حتى بلغت العسكر في "أورليان" وإذا بأرواح القوم تكاد تبلغ التراقي والعدو محيط بالمدينة إحاطة الهالة بالبدر وأهلها في شدة من ضيق الخناق، فأمرت بادئ بدأة بتطهير العسكر من عواهر النساء، وحضت الرجال على الاستمساك بالتقوى والاعتصام بالرجاء، ثم زحفت على البلد، فاستول ىالرعب على قلوب الإنكليز وقالوا: ما هذه بشر إن هي إلا ملك كريم، أو ساحر أثيم، وكانت ترتدي بحلة بيضاء وتركب جواداً أشهب وتنشر فوقها راية بيضاء فإذا بصر بها الإنكليز وهي في هذا الهندام فروا من أمامها كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة. وما برحت تصدق الحملة وتتابعها وتبلي بالعدو البلاء الحسن وهي تتجرع من انحراف جيشها عنها وعدم انقياده لها أنواع الغصص واضروب الإحن حتى استتب لها الفوز فضعف الإنكليز واستكانوا وضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا فألجأوا إلى الجلاء على "أورليان" فكفوا عن حصارها في 18 أيار سنة 1429م، وانهزموا لا يلوون على شيء فسارت "جان دارك" إلى "بلوا" لتهنئ الملك بما أوتيه على يدها من النصر، وكان القرويون في تلك الأصقاع يتسابقون لمرآها، ويتزاحمون على لثم أقدامها وملس ثراها، فأكرم رجال البلاد وفادتها، ودعاها الملك إلى وليمة فأبت قائلة: إن الوقت وقت جهد وثبات لا وقت قصف ولذات، وإن الروح أنبأني بأن الموت قد دنا فتدلى حتى صار على قاب قوسين، وإنه لم يبق بيني وبينه أكثر من عامين فاذهب بحقك إلى "رام" حيثما أتوجك بيدي وبعد ذلك يفعل الله ما يشاء، وصارت أمامه بفصيلة من الجيش حتى إذا بلغت "جارجوا" اعترضها العدو فهاجمته، ورقت سلماً نصب لها على السور فرميت من أعلاه بما جند لها من الخندق، فصرعت، ولكنها أفاقت بعد قليل، وجعلت قائد الجيش يستثير حمية العساكر بكلام أرق من السحر وأفعل في الرؤوس من نشوة الخمر، وهي تعاني آلاماً مبرحة فدبت النخوة في صدور الرجال وحملوا حملة صادقة أذاقت العدو الأزرق بلاء أسود، وأرته من بريق النصل الأبيض موتاً أحمر، فاستولت على البلد عنوة بعد أن أسرت، ولما طار الخبر إلى الأمير "تلبوت" قائد الإنكليز العام أخلى سائر المدن وكر قافلاً إلى باريس وما برحت "جان دارك" آخذة في سيرها، وكلما عثرت بشرذمة فتكت بها حتى بلغت مدينة "رام"، وهناك تم تتويج "شارل" في 17 تموز سنة 1429م، وكانت "جان دارك" ممسكة بسيفه وعليها أثواب الكماة. وبعد انقضاء الحفلة جثت عند قدميه وعانقتهما باكية ثم قالت: اليوم أكملت لكم نصركم وأنجزت كل ما وعدتكم فأطلقوا سراحي فأعود إلى أبي قريرة العين حيثما أرعى الماشية وأغزل الصوف جرياً على سنة بيت ربيت فيه، ونشأت عليه فامتنع الملك قائلاً: كيف أغادر من بها نجاة الزة وإليها يرجع أمر استتبات راحتها، وعليها يتوقف استكمال سعادتها، ذلك لأن الناس كانوا قد ازدادوا بها اعتقاداً وعلقوا على بسالتها وإقدامها آمالاً طوالاً حتى كانوا يرون حول رايتها أرواحاً من الفراش البراق، فساءها امتناع الملك وعرتها من تلك الساعة الكآبة والحزن وفارقها ذلك الرشد والنشاط، وذهبت عنها تلك الحمية والبسالة، وانقطعت عنها أحلامها الروحانية حتى أصبحت أعمالها رهينة الحيرة والفشل وأقوالها قرينة الوهم والركاك، وكانت تُرى أبداً حائرة النفس دائمة البكاء. ولما لم يُجدها الإلحاح نفعاً استعادت من معبد "رام" سلاحها وبرزت ثانية في زي الأبطال غير أن كبراء القادة وأمراء الجيش كانوا قد أشربوا بغضها وأضمروا لها الحسد والضغينة فصاروا يشنعون عليها ويسيئون معاملتها، ويغرون العساكر على نبذ طاعتها، ويلقبونها بالألقاب المستهجنة، ويتهمونها بهتك حجابها، ويفضحونها أمام العموم، فكانت تردهم أقبح الرد ولا تجالس إلا حرائر النساء ومصونات الأبكار، ولا تنام إلا مع امرأة تخفرها، فلم يجد أحد فيها محلاً للوم والقذف، ومع أنها جرحت جراحات لم يثبت كونها سفكت بيدها دم أحد، ثم أشارت على الملك بالشخوص إلى باريس ليستخلصها من يد الإنكليز فساروا و"جان دارك" سائرة في ركابه حتى إذا بلغها بعد شق الأنفس أمرها بالهجوم على "قويورسنت" أو ترى حيث يقيم الأعداء فأثخنت في تلك الواقعة جرحاً، وصرعت صرعات، ولما استعادت رشدها قامت فعلقت درعها وسألت الملك الانصراف فأبى ووعدها بإعفاء قريتها من الضرائب ومنحها رتبة جليلة، فعاودت الخدمة مرغمة. وفي سنة 1430م انتدبها الملك إلى إجلاء الإنكليز عن "كوبيين" فسارت متدرعة بالإقدام بيد أنها لما أرادت الإيقاع بالحاضرين خذلها أتباعها فرميت بسهم، فصرعت واستسلمت إلى الأمير "فندوم". وذلك في 24 أيار سنة 1430م، فذاع خبر أسرها في تلك الأصقاع، وأقبل الناس لرؤيتها ثم بويعت للإنكليز وخذلها الملك "شارل" جاحداً جميلها، كافراً نعمتها، لؤماً منه وخسة أصل، وخاض الناس في حديثها، وكان أهل باريس يشدون عليها النكير، ويغرون الإنكليز على إتلافها، فلبثت مسجونة في قعلة "جان دولكسنبرغ" حتى أقيمت عليها الدعوى في 13 شباط سنة 1431م تحت رياسة "كوشون مترنه بوفه"من صنائع "هنري السادس" عامل الإنكليز فسيقت إلى المحكمة ست عشرة مرة أبدت في خلالها ثباتاً عجيباً، ودفاعاً مفحماً على أنهم حكموا أخيراً بأنها مبتدعة ساحرة وبأن تجازى بالحبس الأبدي مقصوراً قوتها على الخبز والماء، ثم أرغموها على الحلف بأن لا ترتدي بعد ذلك بلباس الرجال، ثم نصبوا لها شركاً بأن بدلوا ثيابها ليلاً بثياب رجل. فلما أرادت ترك فراشها لم تجد سوى تلك الثياب، فلبستها مضطرة، فهوجمت وسيقت إلى الحاكم بهذا الزي فحكم بأنها حانثة تستحق الإحراق فقالت بثبات وجلال: إنني أستأنف حكمك إلى عرش الحكيم العظيم، ولكنها لما أخرجت إلى حيث استوقدت النار خارت قواها فأتت متأوهة، ولما حمي الوطيس ولعلع اللهيب فيه جعلت تدعو وتبتهل بلسان أبكى أعداءها، وحير الكردينال "بوفور" فحول وجهه عنها تألماً والدموع تنهدر من مآقيه كالسواقي وقد تم هذا المشهد الأثيم في 21 أيار 1430م في ساحة تسمى "موضع البكر"، وذرى رمادها بالهواء فوق نهر السين، ثم بعد عشرين عاماً نقض مطران باريس ومطران "رام" هذا الحكم وأثبتا براءتها. وفي سنة 1820م أقيم لها تمثال في موطنها "دومرمي" وآخر في محل إحراقها "دون" ثم آخر في باريس وهو أجمل تماثيلها. وفي سنة 1851م نصب لها أهل "أورليان" تمثالاً في مدينتهم وهم يعيدون تذكارها في 8 أيار في كل عام وقد عاب الرأي العام "فوليت" بقصيدته التي أودعها ذم "جان دارك" وتسويد صحيفتها بأنواع السب الظالم والقذف الغادر، ولكنه لا يستغرب ذلك ممن أوقف حياته على تقويض عمد الديانات، وتزييف أوليائها، وقد ألف كتبة الإفرنج بموضوع قصتها عدة روايات محزنة من النوع المعروف "بالتراجيدي" أي الفاجعة وهي مما يذيب تمثيلها القلوب ويشق المرائر فيا قاتل الله الإنسان إنه لكافر. ليت السباع لنا كانت مجـاورة وليتنا لا نرى ممن نرى أحدا إن السباع لتهدا عن فرائسهـا والناس ليس بهاد شرهم أبدا جليلة بنت مرة الشيباني هي أخت "جساس" قاتل كليب بن ربيعة أخي المهلهل. وكانت جليلة تزوجت ب"كليب"، فلما قتل "جساس" أخوها "كليباً" زوجها، اجتمع نساء الحي للمأتم فقلن لأخت "كليب": اخرجي جليلة عن مأتمك فإن قيامها فيه شماتة وعار علينا عند العرب. فقالت لها: يا هذه، اخرجي عن مأتمنا فأنت أخت واترنا، وشقيقة قاتلنا، فخرجت وهي تجر أعطافها فلقيها أبوها مُرّة فقال لها: ما وراءك يا جليلة، فقالت: ثكل العدد، وحزن الأبد، وفقد حليل وقتل أخي عن قليل، وبين ذلك غرس الأحقاد، وتفتت الأكباد فقال لها: أوَ كيف ذلك كرم الصفح وإغلاء الديات؟ فقالت جليلة: أمنية مخدوع ورب الكعبة أبالبدن تدع لك تغلب دم ربها! قال: ولما رحلت جليلة قالت أخت "كليب": رحلة المعتدي وفراق الشامت، ويلٌ غداً لآل مُرّة من الكرة بعد الكرة، فبلغ جليلة قولها فقالت: وكيف تشمت الحرة بهتك سترها، وترقب وترها أسعد الله خيراً أختي أفلا قالت نفرة الحياة وخوف الاعتداء، ثم أنشدت تقول: يا ابنة الأقوام إن لـمـت فـلا تعجلي باللوم حتى تسـألـي فإذا أنـت تـبـينـت الــذي يوجب اللوم فلومي واعذلـي إن تكن أخت امرئ ليمت على شغف منها عليه فافـعـلـي جل عندي فعل جـسـاس فـيا حسرتي عما انجلى أو ينجلي فعل جساس على وجـدي بـه قاطع ظهري ومدن أجـلـي لو بعين فديت عـينـاً سـوى أختها فأنفقأت لـم أحـفـل تحمل العين أذى العين كـمـا تحمل الأم أذى ما تفـتـلـي يا قتيلاً قـوّض الـدهـر بـه سقف بيتي جميعاً مـن عـلِ هدم البيت الذي اسـتـحـدثـه وانثنى في هدم بيتـي الأول ورماني قتـلـه مـن كـثـب رمية المصمى به المستأصل يا نسائي دونـكـن الـيوم قـد خصني الدهر برزء معضل خصني قتل كلـيب بـلـظـى وأراني ولظى من أسـفـل ليس من يبكي ليومين كـمـن دائماً يبكي لـيوم ينـجـلـي يشتفي المدرك بالـثـأر وفـي دركي الثأر لثكل المثـكـل ليته كان رمى فاحـتـلـبـوا درراً منه برمي بالـحـلـي إنـنـي قـاتـلة مـقـتـولة ولعل اللـه أن يرتـاح لـي جميلة الخزرجية هي مولاة بني سليم التي قيل فيها: إن الدلال وحسن الغـنـاء وسط بيوت بني الخزرج وتلك الجميلة زين النسـاء إذا هي تزدان للمخـرج كانت جامعة بين أجلّ طبقات الغناء والجمال وأسمى مراتب العفاف والكمال، وقورة السمت، رخيمة الصوت، بهية الشارة، فتانة الملامح، رزينة الحصاة، عذبة الكلام، وجيزة العبارة. أجمع مجيدو عصرها - مثل: الغريض وابن سريج وابن محرز ومعبد بن جامع وحيابة وابن عائشة وسلامة وزمين وخليدة وعقيلة العقيقية - على كونها إمام هذا الفن ومجلي مضمار السبق فيه شرقاً وغرباً بين الإنس والجن. وكان معبد يقول: لم لم تكن جميلة لم نكن نحن مغنين، ولطالما تحاكم لديها أولو الفن المجيدون من مكيين ومدنيين وبصريين، فقضت بينهم قضاءً آخذاً بناصية الأنصاف مأموناً به جانب الحيف والإجحاف، قيل: حجت ذات سنة فخرج إلى لقائها كبراء مكة وساداتها، ومشاهير مغنيها وقيناتها فكثر الزحام وازدحمت في أرجاء الحرم الأقدام، والتفت الساق على الساق، حتى كأنه يوم التلاق، ولما انقضى الحج اقترح عليها الأمراء وعقد مجلس للغناء فقالت: ما كنت يا ذوي الفضل لأخلط الجد بالهزل. ثم عادت إلى يثرب مدينة النبي صلى الله عليه وسلم فاستقبلها سراتها وأشرافها يتقدهم الأطفال والنساء، وكان قد صحبها قوم من غزز مكة وأعيانها، فلما حلت دارها أتاها الجميع مهنئين باللطف والإيناس فغصت الساحات والسطوح بتخليط الناس، واصطف المغنون طبقتين متناوحتين، فكان كلما دمدمت وشدت علا من الخلق ضجيج ينطح به عنان السماء، وأذن السمع صماء الكل يقول: ما رأينا ولا سمعنا بمثل هذا، ثم اقترحت على المغنين أن يهذبوا شفعاً ووتراً، ففعلوا، فكانت تصلح لكل أغلاطه وتريه وجه الإصابة من الطرب طريقاً حتى أبهتت الناس عجباً، وحيرتهم وأبكتهم طرباً وصبابة، فانصرفوا يقولون: اللهم غفراً، فسبحان من جعلها في كل معنى غاية إنه ولي التوفيق. جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح الأنصارية هي أخت عاصم بن ثابت امرأة عمر بن الخطاب تكنى أم عاصم بابنها عاصم بن عمر بن الخطاب سمته باسم أخيها وكان اسمها عاصية، فلما أسلمت سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم جميلة، تزوجها عمر سنة 7 من الهجرة فولدت عاصماً، ثم طلقها عمر بتزوجها يزيد بن حارثة، فولدت له الرحمن بن يزيد فهو أخو عاصم لأمه. وقيل: إن عمر ركب إلى قبيلتها فوجد ابنه عاصماً يلعب مع الصبيان فحمله بين يديه، فزدركته جدته الشموس بنت أبي عامر فنازعته إياه حتى انتهى إلى أبي بكر الصديق فقال له أبو بكر: خل بينه وبينها فما راجعه وسلمه إليها لكونها حاضنته وكانت جميلة إذ ذاك متزوجة بيزيد بن حارثة. جنان جارية عبد الوهاب الثقفي كانت بمنزلة عظيمة من الحب عند أبي نواس ويقال: إنه لم يصدق بحب امرأة غيرها وكانت حسناء أديبة عاقلة ظريفة تعرف الأخبار وتروي الأشعار. رآها أبو نواس بالبصرة عند مولاها المذكور فاستحلاها وقال فيها أشعاراً كثيرة، وقيل له يوماً: إن جنان عزمت على الحج فقال: إني سأحج على هذا إن أقامت على عزيمتها فلما علم أنها خارجة سبقها، وما كان نوى الحج ولا أحدث عزمه إلا خروجها وقال لما عاد من حجه: ألم تر أنني أفنيت عـمـري بمطلبها ومطلبها عـسـير فلما لم أجد سبـبـاً إلـيهـا يقربني وأعيتنـي الأمـور حججت وقلت قد حجت جنان فيجمعني وإياها المـسـير وقد أرسل إليها أبو نواس حين عاد من حجه بهذه الأبيات: إلهنـا مـا أعـدلـك مليك كل من ملـك لبيك قد لـبـيت لـك لبيك إن الحمـد لـك والملك لا شريك لـك والليل لما أن حلـك والسابحات في الفلـك على مجاري المنسلك ما خاب عبد أمـلـك أنت له حيث سلـك لولاك يا رب هـلـك كل نبـي ومـلـك وكل مـن أهـل لـك سبح أو لبى فـلـك يا مخطئاً ما أغفـلـك عجل وبادر أجـلـك واختم بخير عمـلـك لبيك إن الملـك لـك والحمد والنعـمة لـك والعز لا شريك لـك وقيل: كانت جنان قد شهدت عرساً في جوار أبي نواس فانصرفت منه وهو جالس، فلما رآها أنشد بديهاً: شهدت جلوة العروس جنـان فاستمالت بحسنها النظـاره حسبوها العروس حين رأوها فإليها دون العروس الإشاره وغضبت يوماً جنان من كلام كلمها به، فأرسل يعتذر إليها، فقالت للرسول: قل له لا برح الهجران ربعك ولا بلغت أملك من أحبتك، فرجع الرسول إليه فسأل عن جوابها فلم يخبره فقال: فديتك فيم عتبـك مـن كـلام نطقت به على وجه جمـيل وقولك للرسول عليك غـيري فليس إلى التواصل من سبيل فقد جاء الرسول له انكسـار وحال ما عليه من قـبـول ولو ردت جنان مـرد خـير تبين ذاك في وجه الرسـول قيل: ولم تكن جنان تحبه أولاً، فما عاتبها به حتى استمالها بصحة حبه لها فصارت تحبه بعد بغضها له قوله: جنان إن جدت يا مناي بـمـا آمل لم تقطر السماء دمـا وإن تمادى ولا تماديت فـي منعك أصبح في قفرة رمما علقت من لو أتى على أنفس الماضيين والغابرين ما ندما لو نظرت عينه إلى حـجـر ولد فيه فتـوره سـقـمـا وقال الجماز: كنت عند أبي نواس جالساً إذ مرت بنا امرأة ممن يداخل الثقفيين فسألها عن جنان وألحف في المسألة فاستقصى، فأخبرته خبرها وقالت: قد سمعتها تقول لصاحبة لها من غير أن تعلم أني أسمع، ويحك قد آذاني هذا الفتى وأبرمني، وأحرج صدري وضيق علي الطرق بحدة نظره وتهتكه فقد لهج قلبي بذكره والفكر فيه من كثرة فعله لذلك حتى رحمته، ثم التفتت فأمسكت عن الكلام ففرح أبو نواس بذلك فلما قامت المرأة أنشأ يقول: يا ذا الذي عن جنـان ظـل يخـبـرنـا بالله قـل وأعـد يا طـيب الـخـبـر قال اشتكتك وقالت مـا ابـتـلـيت بـه أراه من حيثما أقبـلـت فـي إثـري ويعمل الطرف نحوي إن مـررت بـه حتى ليخجلني مـن حـدة الـنـظـر وإن وقفت لـه كـيمـا يكـلـمـنـي في الموضع الخلو لم ينطق من الحصر مازال يفـعـل بـي هـذا ويدمـنــه حتى لقد صار من همي ومن وطـري وقيل: أرسلت جنان تقول لأبي نواس: قد شهرتني فاقطع زيارتك عني أياماً لينقطع بعض القالة، ففعل وكتب إليها: إنا اهتجرنا إذ فـطـنـوا وبيننا حين نلتقي حسـن ندافع الأمر وهو مقتـبـل فشب حتى عليه قد مرنوا فليس يقذى عيناً مـعـاينة له وما إن تمـجـه أذن ويح ثقيف ماذا يضـرهـم لو كان في ديارهم سكن أريب ما بيننا الحديث فـإن زدنا فزيدوا فما لذا ثمـن وقيل: كتب إليها من بغداد: كفى حزناً أن لا أرى وجه حيلة أزور بها الأحباب في حكمان وأقسم لولا أن تنال مـعـاشـر جناناً بما لا أشتهي لجـنـان لأصبحت منها داني الدار لاصقاً ولكن ما أخشى فديت عدانـي فوا حزناً حزناً يؤدي إلى الردى فأصبح مأسوراً بكل لـسـان أراني انقضـت أيام وصـلـي منكم وآذن فيكم بالوداع زماني وقيل: بلغه أن امرأة ذكرت لجنان عشقه لها، فشتمته جنان وتنقصته وذكرته أقبح الذكر، فقال في ذلك: وا بأبي من إذا ذكـرت لـه وطول وجدي به تنقصنـي لو سألوه عن وجه حجـتـه في سبه لي لقال يعشقنـي نعم إلى الحشر والتنادي نعـم أعشقه أو ألف في كفنـي أصيح جهراً لا استسـر بـه عنفني فيه من يعنـفـنـي يا معشر الناس فاسمعوه وعوا إن جناناً صديقة الحـسـن فبلغها ذلك فهجرته وأطالت هجره، فرآها ليلة في منامه وأنها قد صالحته فكتب لها: إذا التقى في النـوم طـيفـانـا عاد لنا الوصل كـمـا كـانـا يا قرة العـين فـمـا بـالـنـا نشـقـى ويلـتـذ خـيالانــا لو شئت إذا أحسنت لي في الكرى أتممت إحسـانـك يقـظـانـا يا عاشقين اصطلحا في الكـرى وأصبحا غضبى وغضـبـانـا كذلـك الأحـــلام غـــدارة وربـمـا تـصـدق أحـيانـا وقيل: رآها يوماً في ديار ثقيف فقابلته بما كره، فغضب وهجرها مدة فأرسلت إليه تصالحه، فرده ولم يصالحها، فرآها في النوم تطلب صلحه فقال: دست له طيفها كيما تصـالـحـه في النوم حين تأبى الصلح يقظانا فلم يجد عند طيفي طيفها فرجـاً ولا رثى لتـشـكـيه ولا لانـا حسبت أن خيالي لا يكون لـمـا أكون من أجله غضبان غضبانا جنان لا تسأليني الصلح سرعة ذا فلم يكن هيناً منك الذي كـانـا ومن قوله: أما يغني حديثك عن جـنـان ولا تبقى على هذا اللسـان أكل الدهر قلت لها وقـالـت فكم هذا أما هـذا بـفـان جعلت الناس كلـهـم سـواء إذا حدثت عنها في الـبـيان عدوك كالصديق وذا كـهـذا سواء وإلا باعد كـالأدانـي إذا حدثت عن شأن تـوالـت عجائبه أتـيتـهـم بـشـأن فلو موهت عنها باسم أخـرى علمنا إذ كنيت من أنت عاني ومن ظريف ما كتبه إليها قوله: أكثري المحو في كتابك وامحيه إذا ما محوته بـالـلـسـان وامرري بالمحاء بين ثانـاياك العذاب المفلجات الحـسـان إنني كلما مررت بـسـطـر فيه محو لطعته بلـسـانـي تلك تقبيلة لكـم مـن بـعـيد أهديت لي وما برحت مكاني ورآها يوماً في مأتم سيدها تندبه باكية وهي مخضبة فقال مرتجلاً: يا قـمـراً أبـرزه مـأتـم بندب شجواً بـين أتـراب يبكي فيذرى الدر من نرجس ويلطم الـورد بـعـنـاب لا تبكي ميتاً حل في حفـرة وابكي قتيلاً لك بالـبـاب أبرزه المأتم لـي كـارهـاً برغـم دايات وحـجـاب لازال موتاً دأب أحـبـابـه ولا تـزل رؤيتـه دأبـي ودخل على أبي نواس بعض أصحابه يعودونه وهو مريض، فوجدوا به خفة قالوا: فانبسط معنا فقال: من أين جئتم؟ فقلنا من عند جنان. فقال: أو كانت عليلة؟ قلنا: نعم، وقد عوفيت الآ. فقال: والله أنكرت علتي هذه ولم أعرف لها سبباً غير أني توهمت أن ذلك لعلة نالت بعض من أحب ولقد وجدت في يومي هذا راحة ففرحت طمعاً أن يكون الله عافاه منها قبلي ثم دعا بدواة وكتب إلى جنان: إن حممت ولم أشعر بـحـمـاك حتى تحدث عوادي بشـكـواك فقلت ما كانت الحمى لتطرقنـي من غير ما سبب إلا بحـمـاك وخصلة قمت فيها غير متـهـم عافاني الله منها حين عـافـاك حتى إذا انقضت نفسي ونفسك في هذا وذاك وفي هذي وفي ذاك وقيل: إن أبا نواس حاول مراراً أن يتزوج بها ولم ينل ذلك، وتوفي قبلها وبقيت هي في منزل سيدها معززة مكرمة إلى أن ماتت بعد أبي نواس بمدة قليلة. ويقال: إن سبب وفاتها حزنها على أبي نواس لكونها لم تتصل به. جنفياف ابنة دوق براينت من أعمال فرنسا ولدت في فرنسا سنة 680 ميلادية وكانت من أبدع نساء عصرها جمالاً ورقة، وأكثرهن لطفاً ورزانة، وأبدعهن حديثاً ومعاشرة. أحبها "شغفريد" - كونت "بالتين" - وأحبته، فاقترنا سنة 700 م. وقبل أن يمضي على قرانهما عام انتدب "شارل مارتل" زوجها لقيادة كتيبة من جيشه المعد لمهاجمة العرب في المغرب، فأجاب سؤلاه وغادر "جنفياف" إلى عناية "ألكافلير غولو" وكيل أملاكه الذي لمه خلا له الجو زين له الخناس مراودة سيدته ومطارحتها الوجد فألفى من عفافها سوراً من حديد لا تخرقه هجمات الماكرين ولا تفعل به مجانيق المحتالين. ولما قنط وأعيته الحيلة عمد لؤماً وخبث طينة إلى اتهامها بالفحشاء زاعماً أنها حملت بعد ترحال زوجها خيانة، ولما كان بعلها ساذج القلب نزيه الضمير دخلت عليه وشاية أمينه الخائن وحدثت به الحمية والأنفة إلى توقيع أمر بإتلافها مع وليدها الطفل على زعمه بيد أن "غولو" خدع من عهد إليهم قتلها فتركت مع طفلها في توغاب لرحمة الله تعالى فحنت على ولدها وأخذت ترضعه وتدأب على تربيته حتى ترعرع، ولما عاد زوجها من غزوته علم أنها برئىة من الوصمة والعار فندم على فعلته ندم الفرزدق على طلاق نوار، فخرج ذات يوم متجولاً في ذلك الغاب للقنص ترويحاً لكربه وإفراجاً عن قلبه، فلقي "جنفياف" عرضاً فخيل له أن روحها مثلت لديه لتشد النكير عليه، ولم يبد له أنها حية حتى ناجته بما يعهد من رقتها، وأزاحت له الستر عما يعلم من مسألة قتلها ودخيلتها، فتجلت له الدنيا إذ ذاك بثوب بهج وغمر الفرح أهداب أماقيه، فأسبلت الدموع وضم محبوبته وابنها إلى صدره ضمة كادت تستفرشهما الفؤاد لو لم تحل دونه حناا الضلوع، وذهب بهما إلى قصره الجميل القائم بين مرج أفيح وماء سلسبيل وقال لهما: كلا منها رغداً حيث شئتما لا جناح بعد اليوم عليكما، فبنت "جنفياف" حيث كانت في الغاب معبداً حمداً لله على حياتها وشكراً وهو لايزال حتي اليوم عبرة للمارين وذكرى. قد شيد فيه أخيراً مذبح نقش عليه خلاصة ما كان وضريح دفن به بعد ذلك العروسان، وقد نظم بلغاء الإفرنج المهم من حوادث "جنفياف" المجيدة شعراً، وألف كتبتهم في أنبائها روايات تترى، عرب إحداها وطبعت ونشرت للعالم وهي على علاتها تثير الأشجان، وتهيج الأحزان، وتتلو على قارئها (كل من عليها فان) (الرحمن: 26). جنفياف القديسة سميت محامية لباريس ولدت في بلدة "تنشر" نحو سنة 422 ميلادية، وتوفيت في باريس سنة 512م حس أشهر التقاليد كان أبواها "سفيروس" و"جيرونتيا" فقيرين جدا، وكان عملها وهي صغيرة أن ترعى المشاية على قمة جبل "فالريان" حقل يدعى باسمها، وكذلك نبع ومغارة عند حضيضه، ولما كان عمرها 15 سنة أقامها للخدمة الدينية القديس "جرمانوس الأوستري". وقد نبأت سنة 449م بمهاجمة الهونة تحت قيادة "أطيلا"، ولما تهدد هذا القائد سنة 451م أن يهاجم باريس يقال: إن شجاعتها وبراعتها خلصت المدينة وكذلك في أثناء حصار الفرنكة لباريس تحت قيادة "كلوفيس" كانت تقوي الأهالي وتشجعهم، واتخذت طريق لإدخال المؤنة إلى المدينة، ولما أخذت باريس خلصتها شفاعة "جنفياف" من الاعمال القاسية، وكان "كلوفيس" يعتبرها وقد دفنت بالقرب منه في كنيسة القديسين "بطرس" و"بولس" التي بنياها، وقد سميت تلك الكنيسة مع الدير المجاور لها باسمها، وتابوتها الذي يقال إنه من عمل "سان ألدا" جعل مكانه في القرن الثالث عشر تابوت أكبر وأثمن وكان يحسب زمانا طويلا ملجأ أهل باريس، وقد أرسل إلى دار الضرب سنة 1391م، وأحرقت الذخائر التي كانت فيه. جنوب أخت عمرو ذي الكلب النهدي كانت شاعرة فصيحة لبيبة بليغة المعاني ذات ألفاظ رائقة، ومعان فائقة، لها في أخيها مراث قالتها لما قتله بنو كاهل منها ما رواه الجوهري: أبلغ بني كاهل عني مغـلـغـلة والقوم من دونهم سعيا ومركوب والقوم من دونهم أين ومسـبـغة وذات ريد بها رضع وأسكـوب أبلغ هذيلا وأبلغ من يبلـغـهـا عني حديثا وبعض القول تكذيب بان ذا الكلب عمرا خيرهم حسبا ببطن شريان يعوي حوله الذيب وقالت تمدحه في خلال رثائها: فأقسم ياعمرو لو نـبـهـاك إذا نبها منك داء عـضـالا إذا نبها منـك لـيث عـرين مغيثا مفيدا نفوسـا ومـالا وخرق تجوزت مـجـهـولة بوجناء حرف تشكي الكلالا فكنت النهار بـه شـمـسـه وكنت دجى الليل فيه الهلالا لقد علم الضيف والملرملـون إذا أغبر أفق وهبت شمـالا تخلت عن أولادها المرضعات ولم تر عين لمـزن بـلالا بأنك ربـيع وغـيث مـريع وأنك هناك تكون الثـمـالا وحرب رددت وثغر سـددت وعلج شددت عليه الحبـالا وما حويت وخـيل حـمـيت وضيف قربت يخاف الوكالا جهان والدة السلءان شمس الدين ملك "دهلى" في بلاد الهند وأم السلطان، تدعى المخدوعة "جهان" وهي من أفضل النساء، كثيرة الصدقات، عمرت زوايا كثيرة، وجعلت فيها الطعام للوارد والصادر وهي مكفوفة البصر وسبب ذلك أنه لما ملك ابنها جاء إليها جميع الخواتين وبنات الملوك والأمراء في أحسن زي وهي على سرير الذهب المرصع بالجواهر، فخدمن بين يديها جميعا، ومن شدة فرحها بولدها ذهب بصرها للحين، وعولجت بأنواع العلاج فلم ينفع وولدها أشد الناس برا بها، ومن بره أنها سافرت معه مرة فقدم السلطان قبلها بمدة، فلما قدمت خرج لاستقبالها وترجل عن فرسه وقبل رجلها وفي في المحفة بمرأى من النسا أجمعين. قال ابن بطوطة في "رحلته": "إننا لما انصرفنا من عند السلطان شمس الدين المذكور خرج الوزير ونحن معه على باب الصرف وهم يسمونه باب الحرم، وهنالك سكنى المخدوعة "جهان"، فلما وصلنا بابها نزلنا عن الدواب وكل واحد منا قد أتى بهدية على قدر حاله ودخل معنا قاضي قضاة الممالك، كمال الدين بن البرهان فخدم الوزير والقاضي عند بابها وخدمنا كخدمتهم، وكتب بابها هدايانا، ثم خرج من الفتيان جماعة وتقدم كبارهم على الوزير فكلموه سرا ثم عادوا إلى القصر. ثم رجعوا إلى الوزير، ثم عادوا إلى القصر ونحن وقوف، ثم أمرنا بالجلوس في سقيف هنالك، ثم أتوا بالطعام وأتوا بقلال من الذهب يسمونها السبني (بضم السين والياء آخر الحروف) وهي مثل قدور ولها مرافع من الذهب تجلس عليها يسمونها السبك (بضم السين والباء الموحدة)، وأتوا بأقداح وطسوت وأباريق كلها ذهب وجعلوا الطعام سماطين وعلى كل سماط صفان ويكون في رأس الصف كبير القوم الواردين، ولما تقدمنا للطعام خدم الحجاب والنقباء وخدمنا لخدمتهم. ثم أتوا بالشربة فشربنا. وقال الحجاب: باسم الله ووقف الوزير ووقفنا معه، ثم خرجوا من داخل القصر ثيابا غير مخيطة من حرير وكتان وقطن فأعطي كل واحد منا نصيبه منها، ثم أتوا بتيفور ذهب فيه الفاكهة اليابسة، وتيفور مثله فيه الجلاب، وتيفور ثالث فيه التبنول، ومن عادتهم أن الذي يخرج له ذلك يأخذ التيفور بيده ويجعله على كاهله، ثم يخدم بيده الأخرى إلى الأرض فأخذ الوزير التيفور بيده قصد أن يعلمني كيف أفعل إيناسا منه وتواضعا ومبرة جزاه الله خيرا ففعلت كفعله. ثم انصرفنا على الدار المعدة لنزولنا بمدينة "دهلى" وبمقبرة من "دروازة" وبعد وصولنا بعثت لنا الضيافة وهي مع جزار وطحان، وأمرتهما أن يعطونا مقدارا معينا كل يوم، وذلك مدة إقامتنا في بلادها، وكان وزن اللحم بمقدار وزن الدقيق، ومكثنا نستلم ضيافتها إلى أن انصرفنا من بلادها ولم أر مثلها في نساء الملوك لما حوته من العز والجاه والكرم العديم المثال".جورج سند دوفان كانت صاحبة روايات فرنساوية، سمت نفسها "جورج سند" ولدت في باريس سنة 1804 ميلادية، وتوفي أبوها "موريس دوين" ولم يكن لها من العمر سوى أربع سنوات فربتها جدتها الكونتس "دوهدن"، وبعد أن صرفت نحو سنتين في مدرسة يومية في باريس رجعت إلى "توهان" سنة 1820م. وعند وفاة جدتها بعد ذلك بأشهر قليلة سكنت مع أصحاب عائلتها في "ملون" حيث تعرفت ب "كزمير دوفان" فتزوجت به سنة 1822م وسكنت في "توهان" ولم يمض إلا قليل حتى ظهر لهما ما بينهما من الاختلاف في الطباع والأخلاق والذوق وزاد النفور بينهما الارتباك المالي الذي وقع في سنة 1831م. ولما كانت هي راغبة في امتحان حظها في التأليف حصلت رخصة من زوجها بأن تصرف ثلاثة أشهر من كل ستة أشهر في باريس، فنشرت بضع نبذ في جرنال "الفيقارو" فظهر لها أنها غير قادرة على الكتابة في الجرائد لما يلزم لذلك من سرعة الخاطر والعمل، وكان زوجها قد عين لها 1500 فرنك سنويا، فطلبت الاقتصاد، ورغبة في الدخول على المكاتب والملاعب العمومية دون ملاحظة لبست لبس رجل. وفي تلك الأثناء كتبت بمساعدة صديقها "جول سند" رواية عنوانها "روزه وبلانش" تحت اسم "جول سند" فصادفت قبولا، فقوى ذلك عزمها على نشر رواية أخرى من القلم نفسه، ولكن لم تجد عند "جول" -المذكور- رواية مجهزة إلا أنها كانت قد أكملت رواية عنوانا "أن بانا" نشرت في أيار سنة 1832م تحت اسم "جورج سند" فصادفت قبولا تاما، ومما زادها قبولا ما شاع من أنها من قلم امرأة، ثم أردفتها بعد قليل برواية عنوانها "فالنتين" وهي أحسن من الأولى وصادفت قبولا، ثم صارت بعد ذلك كاتبة روايات الجريدة "الريفودي ردموند". وسنة 1833م نشرت رواية عنوانها "ليلا" أثرت في العموم تأثيرا بليغاً لمحافظتها عن مبادئ الكفر والخلل في الهيئة الاجتماعية، ومن ذلك الوقت أخذ كثيرون من الذين كانوا يعتبرون مؤلفاتها ينظرون إليها بعين استخفاف فذهبت حينئذ على إيطاليا طلبا لتبديل الهواء ورافقها "أكفرت دومست" الشاعر، ولكنهما افترقا في البندقية فرجع إلى فرنسا وبقيت هي وكتبت هناك عدة كتابات، وعند رجوعها إلى فرنسا في أوائل سنة 1835م التقت بالمتشرع الفصيح "ميشال دوبرج" فساقها إلى الأمور السياسية ومع "لامني" الذي وقع جدال بينه وبينها في أمور دينية ومع "بيرلورو" الذي علمها المبادئ الاشتراكية، وظهر تأثرهم فيها في كثير من مؤلفاتها وكان حينئذ قد ازداد النفور بينها وبين زوجها فحصلت على أمر يؤذن لها بتركه ويولجها إدارة أمورها بنفسها وتربية أولادها وبعد ذلك جعلت "توهان" مكانا لاجتماع أصدقائها، واعتنت بتربية أولادها. وسنة 1838م صرفت الشتاء في جزيرة "ميورقة" حيث رافقها "شوبن" معلم البيانو فبقيت فيها إلى سنة 1847م حين اضطرتها ثورة سنة 1848م أن تعود ثانيا إلى ميدان السياسة ويقال: إنها عضدت بكاتاباتها كثيرا من الأعمال التي اتخذها "لدورولن" وكان حينئذ عضوا للحكومة المؤقتة ثم رجعت على "توهان". وسنة 1854م نشرت في جريدة "جرس" ترجمة حياتها محتوية على بعض الحوادث التي تخللتها وهي تاريخ لأفكارها وحاسياتها ونشرت نحو 60 رواية منها كتب ومنها نبذ في الجرائد ولها تآليف أخرى كثيرة مطبوعة باللغات الإفرنجية. جوزفين ابنة الكونت تشاوي لاباجرى الفرنسوي من مقاطعة بالقرب من "بلو"، وأمها فرنسوية الأصل أيضا من مستعمرات جزيرة لاقديس "رومينيكو" التابعد لفرنسا عرفها الكونت "تشاوي" لما هاجر إلى تلك الجزيرة سنة 1760م ليكون مأمورا بحرا تحت قيادة المركيز "بواهرني"، وإلى الجزيرة وقتئذ، فتزوج بها ورزق منها "جوزفين" المذكورة آنفا. وتوفي والدها بعيد ولادتها ثم ماتت زوجته وتركا "جوزفين" طفلة يتيمة الوالدين فاعتنت بها عمتها القاطنة في تلك الجزيرة وكانت هي وزوجها من أصحاب الأملاك الكثيرة والثروة الطائلة وعلى جانب عظيم من اللطف والدعة حتى أكرمهما أهالي الجزيرة واشتهرا بكل منقبة ومحمدة حتى كان خدمهما ينظرون إليهما نظر الآلهة وأحبهما جميع معارفهما حبا عظيما. فهذان اعتنيا ب "جوزفين" وربياها على المبادئ الأدبية منذ الصغر وغرسا في قلبها الحنو واللطف فكانت تعامل بمثل ذلك العبيد القاطنين في ذاك المكان فأحبوها كثيرا وكانوا يعدونها كملكة عليهم ولم يكن لها في تلك الجزيرة من تلعب معه من الأولاد سوى أولاد العبيد فهؤلاء كانوا أصدقاءها في الصغر أما أصحاب عمتها وزوجها فكانوا من خاصة الفرنسويين القاطنين في تلك الجزيرة وهم جماعة من المهذبين العرافين بالآداب والفنون المتمسكين بعوائد بلادهم واصطلاحاتها الحسنة، ومن السياح الأوربيين الذين يأتون الجزيرة ويجولون في أقطار العالم وكانت "جوزفين" تسمع أحاديثهم وتستوعبها في عقلها النير وتحفظ منها أمورا كثيرة لمستقبل الأيام، ولذلك ظن الناس بعد اقترانها ب "نابليون" ومطالعة رسائلها الأنيقة أنها تعلمت في أحسن المدارس ودرست كل الفنون على أنها لم تدرس شيئا منها درسا قانونيا ما عدا الموسيقى والتصوير والرقص، وأما ما بقي فاكتسبته اكتسابا بجدها واجتهادها وتوقد ذهنها وشدة ميلها إلى الدراسة. وكانت تضرب الغيثار بحذاقة غريبة وتغني بصوت رخيم يأخذ بمجامع القلوب، وإذا قرأت أثرت في عقول السامعين وسحرتهم بحسن بيانها ورقة كلامها. وقد اشتهرت بمحبة الأزهار ودرس علم النبات والرقص وبرعت في الخياطة وسائر فنون النساء غير أنها لم تكن تهتم بأمر الملبس اهتماما خاصا، ولا كانت تباهي بحسن قوامها وجمال محياها شأن كثيرات من النساء وكانت صديقتها الحميمة في الصغر إحدى النبات الحبشيات اللون. ويقال: إنها ابنة الكونت "تشاوي" والد "جوزفين" قبل اقترانه الشرعي وهي أكبر منها بسنتين ولم تفارقها لفرط محبتها لها وتعلقها بها. وبينما هما ذاهبتان للنزهة ذات يوم وجدتا عددا من العبيد حول امرأة سوداء طاعنة في لاسن تزعم أنها من أهل الكرامات الذين ينبئون بالغيب فوقفت "جوزفين" مع البنات، ودنت إلى المرأة وسألتها أن تنبئها بمستقبل أمرها، فقبضت المرأة على يدها وهزتها فقالت "جوزفين": أظنك اطلعت على شيء من مستقبلي. فقالت المرأة لها: نعم، قالت "جوزفين" مبتسمة: هل تصيبني السعادة أم التعاسة؟ فأجابتها المرأة: التعاسة، ثم سكتت وقالت: ثم تتلوها السعادة. فقالت "جوزفين": أظنك غلطت فانظري ثانية فرفعت المرأة نظرها إلى السماء وعلامات الكدر تلوح علة وجهها وقالت: لا يسوغ لي أن أقول أكثر من ذلك، فسألتها "جوزفين" بإلحاح أن تنبئها بمستقبلها فأجابتها المرأة: أخاف أن لا تصدقيني فألحت عليها، فقالت: إنك تتزوجين عن قريب ثم لا يمضي إلا القليل حتى يموت زوجك ولكنك ستصيرين ملكة فرنسا عدة سنين، ثم تموتين في مستشفى وسط اضطرابات أهلية. وفي تلك الأثناء هاجر إلى تلك الجزيرة عائلة إنكليزية وسكنت بالقرب من بيت عمة "جوزفين". وبين أفراد هذه العائلة شاب اسمه "وليم" يقارب عمره عمر "جوزفين" فأحب كل منهما الآخر حتى صار أهلهما يلمحون إلى ذلك وطنوا أنهما سيتزوجان عند بلوغهما سن الرشد إلا أن الفتى عاد إلى بلاده مع عائلته لأسباب قضت بذلك فشق لعيه فراق "جوزفين" وشعر أن حياته منغصة فتعاهد معها على المحبة والثبات على المودة إلى حين اللقاء. وكان عمر "جوزفين" وقتئذ أربع شعرة سنة وهي في معظم البهاء والجمال أسيلة الخد معتدلة القد واتفق في ذلك الحين أن رجلا فرنسويا يلقب ب "الكونت فيس إسكندربواهرني" زار عم "جوزفين" لأشغال له وهذا الرجل مولود في جزيرة "دومينيكو" وقد نال الوسامات وألقاب الشرف على شجاعته في الحرب التي نشبت بني المستعمرات والممالك الأصلية، وهو من المشهورين بالبسالة والنخوة ومساعدة المستعمرات فصيح اللسان ثابت الجنان، أنيس المعشر، لطيف المحضر وقد حضر وقتئذ إلى الجزيرة لإثبات حق له على أملاك من جملتها قسم في حوزة عم "جوزفين" واضطر على البقاء عدة أيام في بيت عم "جوزفين" لإنجاز أشغاله، وهناك علق قلبه ب "جوزفين" وسحرت عقله بلطفها وكمالها حتى لم يعد يستطيع فراقها، ولما رأت عمتها وزوجها ميل هذا الشاب إليها ورغبته فيها وهما يعلمان عظم منزلته وغناه سرا من ذلك وصارا يمسكان عنها كل الرسائل الواردة عليها من خطيبها الأول والمرسلة منها إليه مدة سنة من الزمان. أما "جوزفين" فحارت في عدم وصول رسائل خطيبها، ولم تنثن عن محبته وولائه مع ما أظهره لها الكونت "بواهرني" من شديد المحبة، وكانت تنظر إليه كضيف كريم في بيت عمتها. وفي بعض الأيام كلمها عمها في أمر زواجها ب "بواهرني"، ولما كانت تعلم أنه لا قبل لها برفض ذلك وليس لها إلا إبداء رأيها في الأمر حسب عادة تلك الأيام قالت: وكيف ذلك وقد وعدت "وليم" بأن تزوجه بي؟ فأجابها بأن "وليم" نسيك و"بواهرني" أفضل منه، ثم ذكر لها بعض مناقبه، فاضطرت إلى الصمت والتسليم. وبعد أيام رجع "بواهرني" إلى "رايس" ثم بعد أشهر قليلة عزمت "جوزفين" أيضا على الذهاب إلى فرنسا، وكانت في تلك المدة تفتكر ب "وليم" وتؤمل أن تسمع عنه شيئا، ولكنها قطعت آمالها منه قبل وصولها إلى باريس ولما وصلت إلى باريس وجدت "بواهرني" في انتظارها مع بعض رفقائه ومعارفها فذهبت برفقتهم وعلمت وقتئذ أن "وليم" وأباه في ذلك المكان ثم أتيا بعد وصولها بقليل لزيارتها. وفي اليوم التالي أتى "وليم" وحده لزيارتها فرفضت مقابلته فأرسل إليها رسالة يلومها على عدم محافظتها على العهد ويذكر لها الرسائل العديدة التي أرسلها إلهيا وعدم إجابتها عن شيء منها ويطلب الإفادة عن كل ذلك، فلما قرأت الرسالة ساءها ذلك كثيرا وتأكدت أنه لا يزال يحبها كما كان، وأن عمتها وزوجها خدعاها ليزوجاها ب "بواهرني"، وقد أخذ منها الغيظ كل مأخذ فطلبت إلى أصحابها أن يسمحوا لها بالذهاب إلى دير تقضي فيه مدة من الزمن فأجابوا طلبها، وتوجهت إلى دير قضت فيه بضعة أشهر بالحزن والقلق. وكان "وليم" في تلك المدة يترقب الفرص ليراها ولو مرة فلم ينل مرامه فيئس منها وقطع الرجاء من الاقتران بها، فتزوج بفتاة غنية قضى وإياها حياة تعيسة. أما "بواهراني" فقصدها إلى الدير وسمح له أن يكلمها من نوافذ غرفتها، ولما رأت انه لا سبيل لها إلا الاقتران به حسب رغبة عمتها وزوجها وأن "وليم" تزوج بغيرها طلبت الرجوع من الدير، واقترنت بالقسيس كونت "إسكندر بواهرني" المذكور ولها من العمر ست عشرة سنة، وكانت الهيئة التي تجتمع بها عبد زواجها مؤلفة من أعلى طبقة من الأمراء والأشراف وكانت ترضي جميع الناظرين إليها برقة حديثها وجودة أخلاقها. أما زوجها فكان معجبا بجحمالها وقد عرفها بالبلاط الملكي وبالملكة "ماري أنتوانت" هناك في قصر "فرسالية". وقضت "ماري أنتوانت" و"جوزفين الأولى" ابنة "ماريا تريزا" إمبراطورة النمسا من سلالة قياصرة "أستوريا" وقد أتت من وسط البلاط النمسوي لتكون ملكة فرنسا وزينة البلاط الفرنسوي، والثانية "جوزفين" ابنة رجل مزارع مولودة في جزيرة بعيدة عن العالم وقد ربيت بين الزنوج ومن كان يظن أو يخظر له ببال أن "ماري انتونت" تنحط على أسفل دركات الذل وتقتل بالسيف و"جوزفين" تستوي على عرش لم يجلس عليه القياصرة في أيامهم. وفي تلك الأيام بدأت الثورة وعم الكفر والإلحاد بلاد فرنسا، واستخفوا بالديانة المسيحية، فكثر الفساد وزاد البلاء، ولم يعد للزواج الشرعي أقل احترام بل شاع الطلاق إلى درجة مستهجنة، ولما رأت "جوزفين" أن زوجها "بواهرني" لا يعتقد بالدين ولا يراعي حرمة الآداب، وقد تلطخ بالمفاسد على أنواعها بخلاف ما كانت تعتقده فيه، كبر علهيا الأمر وأظهرت له مكدرها بلطيف العبارة خوفا من غيظه منها. وفي سنة 1780م ولدت ابنة وسمتها "هورتنس" فحببت ولادتها "جوزفين" إلى زوجها، ولما كان "بواهرني" على ما تدم نمن الأوصاف لا يعرف من الإنصاف والطهارة إلا اسمهما كان يلوم "جوزفين" لإنكارها عليه سوء تصرفه حاسبا إنه ليس لها حق في الكلام معه في هذا الشأن ما دام يعاملها باللطف والمعروف، ومن ثم لم تعد "جوزفين" ترى يوما سعيدا وزادت تعاستها يوما بعد يوم ولم تجد لها سلوا سوى ابنتها الصغيرة. وفي سنة 1783م ولدت ابنا وسمته "أيوجين" فصار لها ولدان تعزت بهما عن جفاء والدهما الذي لم يزل عاكفا على المنكرات، ومما زاد "جوزفين" غيظا فساد المرأة التي يميل إلهيا "بواهرني" فإنها جاءت مرة إلى "جوزفين" وهي غير عالمة أنها عشيقته وأرتها أنه لا يستحق محبتها، ثم ذكرتها بمحبة "وليم" لها، وما زالت تكلمها بمثل ذلك حتى اضطرتها لكتابة رسالة إلى عمها وعمتها ذكرت فيها أنها لولا الأولاد لتركت فرنسا إلى الأبد، وأن واجباتها تقضي عليها بأن تسلو "وليم"، ولكنهما لما زوجاها به لم تكن تعيسة كما هي الآن إلى عير ذلك من مثل هذا الكلام، فاختلست تلك المحتالة الكتاب وارتدت ل "بواهرني" مبرهنة له أن بين "وليم" و"جوزفين" مثل ما بينه وبينها فكره "جوزفين" من أجل ذلك كرها عظيما، وحاولت أن تبرئ نفسها مما اتهمها به ظلما وعدوانا فلم يصغ إليها بل طرها وأخذ ابنها منها، وطلب من المجلس طلاقها فأخذت ابنتها وذهبت إلى دير هناك لتقضي مدة من الزمان ريثما تنتهي محاكمتها ويا لها من مدة قضتها بالعزلة، ومرارة العيش والقلق الذي ما عليه من مزيد على أن المجلس برأها من كل ما اتهمت به بعد محاكمة طالت سنة من الزمان وحكم عليه "بواهرني" أن يقوم بنفقتها ونفقة ابنتها وأن تنفصل عنه انفصالا. وحدث في ذلك الوقت أنها تلقت رسالة من عمها وعمتها من "مرتينيكو" يسألانها فيها الذهاب إليهما فأخذت ابنتها معها وتوجهت إلى هناك فقابلاها بالمحبة والإعزاز، وقضت ثلاث سنين في "مرتينيكو" مغمومة حزينة لا سلوى لها سوى المطالعة وتعليم ابنتها، والتصديق على من حولها، وكان يغلب عليها الافتكار بولدها وما جرى لها مع زوجها فتذهب إلى الأماكن المنفردة وتبكي بكاء مرا نادبة حظها سوء حالها. أما "بواهرني" فانغمس في السرور، وانهمك في الشهوات محاولا نسيان امرأته وابنته فجلب ذلك له عارا وكثر تحدث الناس بأمره حتى صار مضغة في الأفواه، ولم ير من يمدحه على أعماله فتذكر زوجته الأمينة وحنوها وكمالها وجمالها فندم على قسوته وسوء معاملته لها، وأحب أن ترجع إليه ثانيا، فكتب لها مظهرا أسفه على ما فرط منه في الماضي واعدا أن يسلك معها بالمحبة والأمانة، ولا يعود في المستقبل إلى ما كان عليه مؤكدا لها احترامه لصفاتها الشريفة راجيا أن ترجع إلهي مع ابنتها لتجمع شمل تلك العائلة المشتتة. فلما اطلعت "جوزفين" على رسالة زوجها جذبها الوجد والشوق إلى ابنها البعيد عنها وتصورت أنها ستضمه إليها فابتهجت بمجرد التصور والفكر ولكنها لم تكن قد نسيت الأتعاب والأحزان التي قاستها فذكرت أمرها لأصدقائها وأظهرت لهم أنه لولا شوقها إلى ولدها ما كانت تترك الجزيرة طول عمرها فألح عليها أصدقاؤها بالبقاء فلم ترض، بل ودعتهم ورجعت إلى فرنسا، ولما وصلت إليها قابلها زوجها بالترحاب وكان قد اختبر قيمة العيشة الأهلية، والمحبة الطاهرة النقية، وفرحت "جوزفين" بزوجها وابنها وسر زوجها من اجتماع الشمل بعد التفرق وتناسيا الأيام التعيسة الماضية وصمما على المعيشة بالصفاء والسعادة، ولكن الدهر في الناس قلب فإن صفاءهما لم يطل لما حدث من الاضطرابات عند شبوب نار الثورة الفرنساوية فإن البلاد كانت وقتئذ قائمة قاعدة، والملك والملكة كانا في السجن، وكان "بواهرني" في ابتداء الثورة من أشد أنصار حزب الحرية وانتخب معتمدا للجمعية التي أقامها ذلك الحزب فكان له إلمام بكل متعلقاتها، ثم انحل عقد الجميع فرجع إلى الجيش، ولما انتظمت جمعية اتفاق الأمة انضم إلى عضوية هذه الجمعية وانتخب رئيسا لها مرتين. وانقسمت فرنسا في ذلك الوقت إلى حزبينن حزب مؤلف من العوام وآخر من الأشراف، وقوي حزب العوام على حزب الأشراف وكان قائده رجلا قاسيا يدعى "دوبس بير" فقبضوا على جمهور غفير من حزب الأشراف وأودعوهم السجن ليقتلوهم بعد المحاكمة، وكان في الجملة "جوزفين" وزوجها فإنهم قبضوا عليهما بعنف وساقوهما إلى السجن ووضعوا كلا منهما في مكان مظلم بعيدا عن الآخر، ولم يرثوا لحالة ولديهما الصغيرين وكانا في صباح اليوم الذي سجنت "جوزفين" فيه أتتها رسالة من بضع الأصدقاء يخبرونها بما سيجري عليها ويحضونها على الهرب وطلب النجاة، فلما اطلعت "جوزفين" على الرسالة جعلت تتأمل في أمر نجاتها ونجاة أولادها ولكنها لم تر بابا للهرب حتى سمعت قرع الباب الخارجي والضوضاء أمامه ففهمت سبب ذلك وأسرعت إلى الغرفة التي كان الولدان نائمين فيها ودنت منهما وهما نائمان والدموع تتساقط على وجنتيها، ثم أكبت عليهما وقبلتهما قبلة الوداع وخرجت من الغرفة وأغلقت الباب لئلا يستيقظا ودخلت غرفة الاستقبال، فرأت فيها عصبة من العساكر المسلحة، فأغلظوا لها الكلام، ثم سلبوا ما في بيتها وساقوها إلى السجن الذي قتل فيه ثمانية آلاف شخص منذ اشهر قليلة. أما الولدان، فلما استيقظا ووجدا انفسهما منفردين في البيت مع الخدم سألا عن أمهما فأجابهما واحد أنه قد قبض عليها وأخذت إلى السجن فبكيا وانتحبا، وطلبا أن يهذبا إلى السجن ويقيما مع أبيهما وأمهما وكان لهما عمة فلما علمت بسجن "جوزفين" أخذتهما إليهما. أما "بواهرني" و"جوزفين" فكان كل منهما في سجن مظلم من سجون القتلى وقد تلطخ كل منهما بآثار الذين قتلوا في تلك السجون وكانا لا ينفكان عن الافتكار والبكاء بسبب ما جرى لهما وما سيؤل إلهي أمرهما وما آل إليه بيتهما من الخراب ويتشوقان إلى استماع شيء عن ولديهما وأحوالهما وبينما هما في السجن إذ وصلت الأخبار إلى "جوزفين" عن أمر سلامتهما ففرح قلبها بتلك الأخبار السارة. وأما "بواهرني" فلم يمكنه أن يسمع شيئا وكان هذا الحادث الهائل هو العاصف الثاني الذي لاقته "جوزفين" في بحر هذه الحياة العجاج. أما السجن الذي كانت الذي كانت "جوزفين" مسجونة فه فكان دير "الكرملين" وقد اشتهر في تلك الأيام بكونه مصرح الظلم والعدوان وكان متسعا وفيه عدة غرف وله أسراب مظلمة حتى لقد وجد داخل جدرانه عشرة آلاف مسجون في وقت واحد وكان كل قسم من هذا البناء العظيم ملطخا بدماء القتلى الذين قتلوا في تلك الأثناء وكانت الرجال والنساء الهائجون يجرون الناس إلى السجون بالمئات والألوف، وكان كثير منهم من الكهنة الذين ساقوهم أمام مذبح الكنيسة للاستهزاء برسوم الدين وهناك قتلوهم. وكان في سجون فرنسا حيئذ نحو ثلثمائة ألف مسجون وكلهم من الأبرياء ينتظرون ساعة قتلهم، ولم يكن فيهم أحد من سوقة الناس وجهالهم بل كانوا جميعا من أشراف فرنسا ومهذبيها، أما سجن "جوزفين" فكان في كنيسة هذا الدير مع مائة وستين نفسا من الرجال والنساء وكانت تظهر البشاشة بقدر الإمكان بين هؤلاء الرفاق وهي موقنة أنه لا ينال زوجها سوء، وراجية أنهما سيخرجان قريبا ويرجعان على بيتهما وكانت تكتب إلى زوجها وأولادها تشجعهم وتشدد عزائمهم وتجذب جميع من في السجن إليها بحسن أخلاقها، ورقة شمائها حتى امتلكت قلوب المسجونين في زمن قصير فاختاروها لتقرأ لهم الجريدة اليومية لمهارتها في القراءة وكونها ذات صوت رخيم يأخذ بمجامع القلوب، وكانوا يرون العجلات من نوافذ السجن مشحونة بالمسجونين المسوقين إلى الذبح كل يوم فالبعض يرين رجالهن والبعض أولادهن وغيرهم من الأعزاء فيقعون على الأرض فاقدي الشعور. وف صباح يوم الأيام حلمت "جوزفين" أنها خرجت من السجن وجلست مع زوجها وأولادها، فسمعت مناديا يناديها للحضور أمام الحكام فتأكدت من ثم قرب أجلها لأنها علمت أن لا راد للعدو في تلك الشدة العديمة الشفقة والرحمة، وأن خداع هذه المحكمة ليس إلا الخطوة الأولى لإعدام حياتها وليس بعدها إلا المذبحة فسقطت أمالها في الخلاص من قمة الرجاء إلى الحضيض واليأس وجذبها الوجد إلى ووجها وأولادها وغلب إلى هنيهة حنو المرأة على شجاعتها، ولكنها رجعت إلى نفسها واستعدت على المحاكمة بقدر ما يمكن من الهدو والسكينة، ثم سيقت من سجنها إلى دار المحكمة الملطخة بدماء القتلى وأدخلت إحدى غرفها هي وآخرون أيضا لكي ينتظرون نوبتهم للمحاكمة التي نتيجتها إما الحياة,إما الموت العاجل. وبينما كانت "جوزفين" جالسة في هذه الغرفة تنتظر نوبتها إذ فتح باب من الجهة المقابلة ودخل منه فرقة من العساكر المتسلحة ومعهم عدد من الأسرى، وكانوا قد أتوا بهم من سجن آخر، وكانت عيون الجميع محدقة بهم وهم داخلون واحدا بعد آخر ونظرت "جوزفين" فرأت رجلا مهزولا ذكرها بزوجها فأعادت النظر إليه والتقت العين بالعين فعرف كل منهما الآخر فركض وركضت مسرعين وتذكر "بواهرني" عند ذلك عدم أهليته لكرم أخلاق "جوزفين" ومحبتها له فحنى رأسه المنصدع على كتفها وبكى بكاء الندامة والتوبة فبعد أن قضيا بعض دقائق على تلك الحالة أتى الجنود وجروا "بواهرني" إلى المحكمة، وكانت هذه المرة الأخيرة التي رأى فيها "جوزفين" ورأته ثم أرجعوه إلى السجن ولم يثبت عليه شيء إلا أنه كان من الأشراف والأكابر وعلى ذلك استحق الموت. ثم أدخلت "جوزفين" في نوبتها ولم يثبت عليها شيء أيضا سوى أنها مكانت امرأة رجل من الأشراف وصاحبة "ماري انتوانت"، وكانت ذات امتيازات خاصة بها في القصر الملكي وعلى ذلك استحقت الذبح هي أيضا فردت إلى السجن، ولكنها لم تعلم بشيء من الحكم الذي صدر عليها ولا على زوجها، وكانت واثقة أنهما سيخرجان قريبا إذ لم يدر في خلدهما أنه يحكم عليهما بالموت من غير أن يثبت عليهما ارتكاب جريمة، وكانوا يأتون إلى السجن في كل مساء بجريدة أسماء الذين نصيبهم الذبح في الصباح التالي وحدث بعد محاكمة "جوزفين" وزوجها بأيام قليلة في مساء أربعة وعشرين يوليو سنة 1794م أن "بواهرني" رأى اسمه بين أسماء الذين سيساقون إلى الذبح عند الصباح. فلما علم ذلك وتذكر "جوزفين" وأولاده حزن وعزت عليه الحياة، ولكنه تجلد واستعد للذبح، ثم أخذ وكتب رسالة طويلة إلى "جوزفين" مفعمة بعواطف المحبة، وأكد لها اعتقاده القلبي بطهارتها وسمو صفاتها وشكرها مرارا لأجل مسامحتها إياه القلبية عن كل ما صدر منه عندما كان مذنبا حيث رجع وطلب محبتها، وطلب منها أيضا أن تربي ولديها وتعلمهما محبة أبيهما حتى يبقى ذكره بينهما ومحبته في قلوبهما بعد الممات، وبينما مكان يكتب الرسالة أتى الجلادون وقصوا شعره لكيلا يبقى شيء معارض للسيف عن قطع رأسه فالتقط خصلة ضفيرة منه لكي يرسلها على "جوزفين" تذكارا أخيرا فمنعه الجلادون القساة، ولم يسمحوا له بذلك ولكنه اشترى منهم بضع شعرات وأرسلها ضمن الرسالة. وفي الغداة كانت عجلات المذنبين واقفة على باب السجن وكان قد حكم في ذلك لايوم بإعدام عدد كثير من المسجونين، ولما كانت العجلات مارة في أسواق باريس مشحونة بالأبرياء المحكوم عليهم كانت عيون الشعب شاخصة إليهم وقد اشمأزت من هذه المظالم، ولما وصلوا إلى المكان المعين لقتلهم قتلوهم جميعا بلا شفقة حتى إذا أفضت النوبة إلى "بواهرني" صعد إلى المذبحة وهو رابط الجاش ثابت الجنان، فضربوه بالسيف ضربة كانت القاضية. جوزفين فلم تكن موقنة بما سيقع على بعلها ولا عارفة بشيء من ذلك, ولما أتت جريدة الأخبار اليومية إلى السجن اجتهد بعض السيدات العالمات بذلك أن يخفينها عنها, أما هي فلم تنفك عن طلب الجريدة حتى استلمتها وأول شيء حول نظرها إليه أسماء الذين قتلوا فلما وجدت اسم زوجها بينهم سقطت إلى الأرض كميتة وبقيت مدة فاقدة الحواس, ولما استفاقت صرخت في وسط حزنها: آه. يا إلهي, أمتني أمتني لأنه لا سلام إلا في القبر, فاجتمع أصدقاؤها حولها وجعلوا يعزونها ويسألونها الحرص على حياتها إكراما لولديها, ولكنها لم تجد للسلوى سبيلا, ولا غمض لها جفن في تلك الليلة, ولما بزغ الفجر أتى عصبة من الثائرين القساة العديمي الشفقة إلى السجن بالأخبار التي كانت تفرح "جوزفين" لولا محبتها لولديها وتعلقها بهما وكان مآل تلك الأخبار أنهم استاقوها هي أيضا إلى القتل فجاء الجلادون وقصوا شعرها استعدادا للقضاء المبرم كما كانوا يفعلونه بالمحكوم عليهم وقالوا لها: إنك لا تحتاجين إلى هذا الشعر فيما بعد فاجتمع أصدقاؤها حولها وطفقوا يبكون وينوحون. أما هي فكانت رابطة الجأش ليس عليها شيء من ملامح الحزن والخوف والرعب, ولما رأت أصدقاؤها وما هم عليه من الحزن والغم التفتت إليهم وقالت لهم: ما بالكم تنوحون وتبكون فأنا لم أقتل كما تظنون بل إنني سأصير ملكة فرنسا لأن ذلك مكتوب لي في صحف الحوادث, فلما سمع أصحابها ذلك ازدادوا بكاء وعويلا ظانين أنها أصيبت بالجنون ونظرت إليها إحدى السيدات. وقالت: إذا لماذا لا تهيئين الحواشي والحشم لقصرك؟ فقالت لها "جوزفين": صدقت فإنك أنت تكونين وصيفتي في القصر, وكان كذلك بعد إذ, ولما أرخى الليل سدوله على ذلك السجن شمل الهدو والسكون داخله, ثم بزغت شمس الظهيرة في وسط قتام الليل وعلا هتاف الفرح والسرور بين المسجونين من كل جانب, ووقع كثيرون على الأرض فاقدي الشعور غير مصدقين بما سمعوه من البشرى وذلك أن "دوبسير" القاسي القلب كان قد أمسك وقتل وقام حكام آخرون وفتحوا أبواب السجون التي كانت مفعمة بالأسرى وأطلقوا سبيل الجميع. أما سبب إمساك "دوبسير" وقتله, فهو أن رجلا يقال له "تاليان" من المقتدرين مع ذوي الجاه والسطوة كان يحب مدام "فانشاي" وهي سيدة بارعة الجمال وكانت مسجونة مع "جوزفين" وكان يذهب كل يوم إلى السجن ليراها فحدث ذات يوم أنه اتصل بها سرا وأنه قد قربت محاكمتها, فلما علمت ذلك انتظرت وقت حضور "تاليان" إلى دار السجن ولما حضر اقتربت هي و"جوزفين" من نافذة السجن المشبكة بالحديد ورمت ورقة ملفوفة (كرمب) كتبت عليها قد دنت محاكمتي والموت مؤكد فإذا كنت تحبني كما تقول فابذل كل ما تستطيعه لإنقاذي وإنقاذ فرنسا, ثم جعلتا تشيران إليه حتى فهم قصدهما والتقط الورقة الملفوفة من الأرض ولما قرأها ثار ثائره ونبض نابضه وذهب حالا إلى أصدقائه وجعل يهيجهم ضد "دوبسير" وأتباعه, وكان الشعب قد مل من مظالم "دوبسير" فوافقه على ذلك حزب كبير منهم وأثاروا ثورة عظيمة في باريس على "دوبسير" فدارت الدائرة عليه وعلى أتباعه فقبضوا عليهم وقتلوهم وخلصوا البلاد من ظلمهم وعدوانهم ثم فتحوا أبواب السجون, وأخرجوا جميع الذين كانوا فيها وعددهم نحو خمسمائة ألف مسجون فأي قلم أو أي لسان يستطيع أن يعبر عما شمل الفرنساويين من الفرح والابتهاج لما انتشرت الأخبار في البلاد بإعدام ذلك الظالم الغشوم وإنقاذ أحبائهم من يده, وتخلصت "جوزفين" بهذه الواسطة من سجنها مثل كثيرين, ولكنها لم تخرج من ظلام السجن إلا إلى عالم أشد ظلاما وأكثف غماما فإن زوجها كان قد قتل, وبيتها قد نهب, وأملاكها اغتالها الناس, وكثيرون من أصدقائها قد هلكوا, فأمست وهي أرملة فقيرة ليس عندها شيء ولا لها من تذهب إليه وتطلب معونته, ولم تستطع أن تتعاطى عملا من الأعمال يمكنها به القيام بمعاشها ومعاش ولديها السبب توقف الحال بالاضطرابات الكثيرة فلم تر بدا هي وولداها من بسط كف السؤال وكان ما تجشمته في هذه المدة من أمر ما ذاقت وأصعب ما لاقت في كل أيام حياتها فمن هذه الدرجة ترقت "جوزفين" إلى أسمى درجة لا يمكن أحدا من الناس أن يتصورها ولا في منامه. قلنا: إن "دوبسير" قتل وقام مكانه حكام آخرون وفتحوا أبواب السجون للأسرى إلا أن دم القتلى لم يزل جاريا كما كان لأن هؤلاء الحكام قصدوا قطع شأفة الأشراف من البلاد, فكانوا يجرون الناس للقتل ذكورا وإناثا, كبارا وصغارا حتى إنهم كانوا يذهبون إلى المدارس ويجرون تلامذتها صبيانا وبنات ويقتلونهم. فلما رأت "جوزفين" ذلك ارتعدت فرائصها جزعا على ابنها وحاولت إخفاءه فأرسلته إلى أحد النجارين وظل يعمل عنده بمهنة عدة أشهر, وهو فرح بذلك. أما "جوزفين" فلم تبق على هذه الحالة وحشا لسيدة كبيرة النفس, كريمة الأخلاق, حميدة السجايا مثل "جوزفين" أن تترك بين جماعات البشر ولا يلتفت إليها, بل تفتح صدور المنازل وتعطى كل ما تحتاج إليه فإن كل أحد كان يشعر أن ينال شرفا عظيما بمصاحبتها, وكانت امرأة تدعى "دوميلين" وهي سيدة عظيمة ذات ميراث عظيم وقد اتفق خلاصها وخلاص أموالها من جور فرنسا فهذه دعت "جوزفين" إلى بيتها وبذلت لها كل ما تحتاج إليه, وكذلك مدام "فانشاي" وهي السيدة التي خلصت نفسها وعددا كبيرا معها بكتابتها إلى "تاليان" على ورقة الملفوف, وكان بعد خلاصها من السجن أنها اقترنت ب "تاليان" وهي أيضا كانت من أعز صديقات "جوزفين", وكانت تبذل لها ما تحتاج إليه مع كثيرين من غيرها. ثم إن جوزفين قامت تطالب بحقوقها مع جمعية اتفاق الأمة وهي استرجاع أملاكها المحجوزة وذلك على يد "تاليان" فنجح مسعاها بعد مدة طويلة وأتعاب جسيمة واسترجعت جانبا من أملاكها التي استولوا عليها, فرجعت بذلك ثانية على بيتها الخاص وجمعت إليها ولديها "هورتنس" و"أيوجين" وكانت محاطة بأصدقائها المخلصين, وصفت لها الأيام وسالمتها الليالي رويدا, وحدث ذات يوم أنها دعت ابنها على غرفتها وأعطته صورة أبيه المقتول وقالت له: خذ هذه يا ولدي إلى غرفتك واجعلها غاية تأملك, ونموذج حياتك الدائم فإن صاحبها كان أول محبوب بين الناس, ولو بقي حيا لكان أحسن والد, فأخذ "أيوجين" الصورة من أمه وخرج وهو يقبلها والدموع تتساقط من عينيه, ثم عاد في المساء على والدته وبصحبته ستة من أصدقائه وقد وضعوا على أعناقهم شرائط بيضا وسودا على مثال صورة "بواهرني" فنظر "أيوجين" إلى أمه وقال: انظري يا أماه, إلى مؤسسي نظام جديد في الفراسة وهذا قديسنا الحافظ لنا وأشار على صورة والده وهؤلاء هم أعضاؤها الأولون. ثم عرفها بكل منهم وقال: إن اسم هذا النظام نظام المحبة البنوية فإذا كنت تحبين أن تكوني شاهدة على افتتاحها فادخلي المجلس الصغير مع هؤلاء الشبان, فدخلت "جوزفين" معهم وإذا جدران الغرفة مزينة تزيينا جميلا بأكاليل الورد والغار وكانوا قد أخذوا نسق ذلك من مقالات ل "بواهرني" كانت قد طبعت قبلا, وكانت الغرفة مستنيرة أيضا بالشموع المضيئة. وفي أحد حيطانها مذبح كبير وعليه صورة "بواهرني" التي كانت بقدر جسمه تماما, وقد زين بالأزهار الجميلة, وعلق بإطار الصورة أكاليل معقودة من الورد الأبيض والأحمر وأمامها حنجوران من الطيوب. ثم رتبوا أنفسهم حول المذبح بكل هدو واستلوا سيوفهم من أغمادها عند إبداء شارة معينة ثم تعاهدوا على محبة والديهم ومساعدة بعضهم بعضا, والمحاماة عن بلادهم. ولما فرغوا من معاهدة بعضهم بعضا تقدمت "جوزفين" غليهم ودموع الفرح من صنيعهم ممزوجة بالتبسمات الوالدية. ثم أخذت يد كل منهم وأظهرت فرحها بتأسيس هذه الجمعية. وكانت "جوزفين" مع كل ما أصابها لا تزال على ما كانت عليه من اللطف والبشاشة, والنزاهة والفكاهة وذلك ما جذب كثيرين من الأصدقاء إليها, وكانت هيئات باريس الاجتماعية قد انقلبت من التقلبات السياسية وقد ابتدأ ذاك في إقالتها من عثرتها, ولكنها انقسمت إلى دائرتين عظيمتين: الواحدة: مؤلفة من بقايا الأشراف الذين رجعوا إلى باريس وجمعوا بقايا عيالهم وأموالهم وعاشوا بالاقتصاد. والثانية: من التجار والصيارفة الذين حصلوا ثروة عظيمة في وسط زوابع الثورة. وكانت نيران الحرب قد استعرت وقتئذ بين فرنسا وبقية دول أوربا إذا تحالفت جميع دول أوروبا على محاربة فرنسا واقتسامها فيما بينهم وذلك على تلك الحرب الأهلية التي أثارها الأهالي بسبب سوء سياسة جمعية اتفاق الأمة فحار رئيس الجمعية في أمره, ولكنه قال: أنا أعرف من القادر على المحاماة فهو ذلك الشاب الكورسيكي "نابوليون بونابرت" الذي طرد جيوش الإنكليز من "طولون" واسترجع المدينة. فدعوا "نابوليون" على مواجهة الجمعية وكان بمدينة "فالنس" في بداية الثورة في رتبة قائم مقام. وكان حاد الطبع, قليل الكلام والحركة, كثير التفكير, شديد الميل على المطالعة. فلما دعته جمعية اتفاق الأمة أجاب الدعوة ومثل لديها. فسأله الرئيس إذا كان يقبل أن يأخذ على نفسه المحاماة عن البلاد فقال نعم. ثم سأله أنه كان يعلم عظم هذه الشيعة. فأجاب: إنه يعلم ذلك حق العلم فذاعت أخبار ذلك على البلاد على داخل باريس, وشهر الحرب على العصاة وأرجعهم على الطاعة, فذاع اسم "نابوليون بونابرت" في أطراف باريس وتحدثوا به وبأعماله في كل قصر, وبيت, وحانوت, وفي الأزقة, وعلى الطرقات. ولقبه البعض بمخلص "الكونفانيسيون" أي اتفاق الأمة, والبعض بعفريت الحرب. وفي مساء يوم من الأيام كانت "جوزفين" في بيت أحد أصدقائها وبينما هي تنظر من نافذة إلى بعض أزهار البنفسج إذ دخل "نابوليون" ولم تكن تعرفه ولكن قد سمعت عنه إذ كانت شهرته قد ملأت الحاضرة, ولما دخل سر الجميع به وأحدقت العيون إليه فسلم على الجميع, ثم تقدم وأخذ مكانا بالقرب من "جوزفين" وجعلا يتحدثان في أمر المعركة الجندية التي جرت في أسواق باريس, وهذه كانت أول مواجهة بينهما ولم يمض على ذلك مدة قصيرة حتى أمر "نابوليون" بجمع كل الأسلحة من الأهالي وأخذ بالجملة سيف "بواهرني" فلما علم "أيوجين" بذلك ذهب من الغد إلى "نابوليون" وكان من العمر حينئذ اثنتا عشرة سنة وطلب منه استرجاع سيف والده فسر" نابليون" من جراءة الولد وحماسته وسمح له به في الحال, وأرادت "جوزفين" إظهار شكرها "لنابوليون" فذهبت إليه بنفسها وشكرته على ذلك فسر منها أضعاف سروره من الولد. ومن ثم صارا يلتقيان كثيرا ولم يخف عن "جوزفين" ميله إليها وحدثته نفسه من ذلك الوقت بالاقتران بها وأحبها حبا عظيما, وكانت هي المرأة الوحيدة التي أحبها في حياته, ولم يحل عن حبها مع كثرة ما طرأ عليه من الحوادث والغير. أما "جوزفين" فكانت في ريب من أمر اقترانها به وقد قالت ذات مرة لبعض أصدقائها: إنها لم تر في زمانها إنسانا محبوبا مثله, وإنها شغفة بشجاعته وسعة اختياره, ولكنها لم تكن تحبه مقدار ما كان يحبها, بل كانت ترهبه وترتعد من ننظره إليها, وقد قالت مرة لإحدى صديقاتها: ألا تخاف امرأة جعلها "نابوليون" السرية الخفية التي لا يفهمها حتى مديرونا وكتبت مرة إلى أخرى تقول: قد تقضى شرخ شبابي وهل يوجد رجاء بعد في المطل لكثرة رغبة "نابوليون" في على غير استحقاق مني لها أولا يعيرني بما يكون قد احتمله من أجلي إذا كان يترك محبتي بعد اقتراننا, ماذا أصنع؟ وبماذا أجيب؟ اكتبي إلي حالا ولا تخافي أن توبخيني إذا وجدت أنني مخطئة وأنت تعرفين أن كل ما يخطه يراعك مقبول إن "باراس" أكد أني إذا اقترنت ب "نابوليون" يوليه على إيطاليا فماذا تقولين عن هذا النجاح؟ انتهى. وكانت عواصف الثورة قد خمدت وقتئذ ولكن أوروبا كلها كانت لم تزل شاهرة السلاح علة فرنسا, وكان الحكم غير ثابت والشرائع غير محترمة فوقف هذا القائد الحديث السن كل أيامه لمصلحة الجمهور, ولكنه كان يخصص كل مساء ل "جوزفين", ولم يذق في أيامه شيئا من أفراح الشبان ومسراتها, لأن رغبته في حب الارتقاء غلبت على كل شيء ولكن لم يكن عنده مع كل ذلك شيء أسعد وأبهج من الساعات التي كان يقضيها وحده مع "جوزفين" إما بالأحاديث المفيدة, وإما بالمطالعة النافعة وكانت محبته لها ورغبته فيها تزداد يوما فيوما, ولم تكن صفات النساء في فرنسا وقتئذ تعد في منزلة عالية, وكان "نابوليون" قلما يحترم هذا الجنس ويقول: " إن كل النساء لا يقسن بجوزفين". وقد كان معتادا أن يرى في بيت "جوزفين" بعضا من الأصدقاء المخلصين الذين كانوا يحبونها محبة خالصة, ويرغبون في ترقية "نابوليون" إكراما لها. أما "نابوليون" فكان ذا عواطف قوية ولكن حبه للارتقاء والارتفاع كان أقوى. وأما "جوزفين" فكانت قانعة بخلوص محبته لها وشدة غرامه بها وما زالا يظهران الحب والتودد لبعضهما حتى كان التاسع من آذار (مارس) سنة 1796 للميلاد فاقترن "نابوليون" ب "جوزفين". وفي تلك الأثناء تولى "نابوليون" قيادة العساكر الفرنساوية في إيطاليا فترك عروسه بعد زفافه باثني عشر يوما, وأسرع إلى الجيش وكان كأنه لم يشعر بتعب ولا بجوع ولا نعاس وهو على ظهر جواده نهارا وليلا ولم يمض على توليته قيادة الجيش خمسة عشر يوما حتى أحرز الغلبة في ست وقائع وغنم إحدى وعشرين راية وخمسة وخمسين مدفعا, وعدة أماكن حصينة, وأغنى جهات أرض "بيارمونت", وأسر خمسة عشر ألف أسير وقتل وجرح عشرة آلاف جندي, وطرد النمساويين من إيطاليا وأرجعهم إلى بلادهم فإن إيطاليا كانت في تلك الأيام مقسومة على عدة ممالك وولايات صغيرة مستقلة, أكثرها خاضع للنمسا ولما علمت "جوزفين" بانتصار زوجها أتت إليه لكي تشاركه في أفراحه فأخذ قصر "منتبلو" في "ميلان" مسكنا لهما فقضت "جوزفين" هناك عدة من الشهور في سعادة ورخاء, فكان لها كل معدات الثروة والغنى بعدما كانت أرملة فقيرة أصبحت زوجة قائد ظافر قد طبقت شهرته آفاق أوروبا وبعدما كانت أسيرة محكوما عليها بالموت وجدت نفسها محاطة بالأشراف والأمراء, وكان لها منزلة عالية في قلب كل ميلاني وقد قال "نابوليون" ذات مرة مشيرا إلى ذلك: "إنني تسلطت على الممالك وأما جوزفين فقد تسلطت على القلوب". ولما أخضع "نابوليون" كل إيطاليا ضرب عليها الضرائب, ووضع لها النظامات الجمهورية وعقد العهود مع دولها وتقدم على محاربة النمسا في أراضيها فانتصر هناك أيضا انتصارا عظيما, وفتح أكثر مدنها, ثم طلبت دولة النمسا الصلح فعقد "نابوليون" معها صلحا عاد على فرنسا بالفوائد العميمة ثم قفل راجعا على باريس تاركا "جوزفين" وأولادها في "ميلان" لكي تحفظ له انقيادهم إليه بأنسها وبشاشتها, وحسن معاملتها. فكانت تدعوهم غالبا إلى بيتها وتفتح أنديتها لهم فعدها أهل "ميلان" ملكة بينهم وكثيرا ما كانت تتعب من أجلهم, ولكنها لم تكن تعبأ بالتعب إكراما لزوجها وحبا له, وكان "نابوليون" يكتب غليها يوميا وهي كذلك وقد قال في نهاية حياته: "إنه مديون لها في كل دقيقة سعيدة حصل عليها على وجه هذه البسيطة". وكانت "جوزفين" في أثناء إقامة "نابوليون" بباريس تسهر على مصالح الجمهور وتجهد أيضا في المحافظة على مصلحة "نابوليون" وتؤيد سطوته, وكانت معجبة بتقدمه راغبة في ازدياد شوكته ومع أن حاشيتها كانت من الأمراء والأشراف, فإن العامي لم يشعر أنها بعيدة عنه ولا الفقير أنها لا تلتفت غليه, بل شعروا جميعا بقربها منهم والتفاتها غليهم الفقير كالغني والصعلوك كالأمير, وكانت إذا صادفت صديقا أقام على صداقتها مدى العمر, والذي مكنها من ذلك قواها العقلية وخلوص محبتها وسهولة الاقتراب منها, ولولا مساعدتها ل "نابوليون" ما أوصلته بسالته إلى الدرجة التي وصل إليها فإنه لما كانت "جوزفين" رفيقته ومعينته كان ظافرا منصورا, ولما تركها كسر وخذل. وأقامت "جوزفين" سنة ونصفا في ميلان", ثم رجعت إلى فرنسا حيث " نابوليون" كانت حكومة "الديكرنوا" خائفة منه فأرادت أن تبعده عنها, فعرضت عليه أن يتقلد قيادة الأسطول المعين بغزو الأساكل الإنكليزية, فذهب "نابوليون" يتعهد أحوال تلك الأساكل, وقضى عشرة أيام ثم رجع على باريس وقال: "إن النجاح غير مؤكد". ولكنه أبدى رأيا بفتح الديار المصرية والسورية لتكون بابا للهند ثم يتقدم إلى فتح الهند وطرد الإنكليز منها وتجنيد عساكر من الأهالي وجعل ضباطا من الأوروبيين عليهم, ففرحت الحكومة بهذا الرأي وأجابت طلبه حالا لا رغبة في فتح البلدان, بل في إبعاد "نابوليون" عن فرنسا متوقعين أن يهلك ويتخلصوا منه لأنهم أمسوا جميعا خائفين سطوته, فجهزت الحكومة له ثمانية وعشرين بارجة وأربعمائة سفينة لنقل مهمات الحرب وأربعين ألف جندي. وفي صباح التاسع عشر من أيار (ماي) سنة 1798 م كان في ميناء "طولون" طالبا الديار الشرقية, وطانت "جوزفين" قد رافقته إلى "طولون" وقد رغبت كل الرغبة في الذهاب معه إلى مصر, ولكنه لم يسمح لها ووعدها إنه إذا نجح يبعث ليأخذها, ولما اقلعوا كانت "جوزفين" واقفة في شرفة البيت وعيناها مغرورقتان بالدموع محدقتان بذلك المنظر البهيج المحزن, ثم حولت عينها وتفرست في المركب الكبير الذي كان ينقل زوجها وابنها سائرا بهما وسط المخاطر, وصار المركب يبعد عنها ويصغر أكثر فأكثر حتى اختفى أخيرا بين مياه البحر المتوسط فدخلت غرفتها وشعرت بانفرادها ووحدتها وكان "نابوليون" قبل ذهابه على مصر قد عين "بلومبيا" مسكنا ل "جوزفين" ريثما يرسل في طلبها. ولما رأت "جوزفين" أنها منفردة أرسلت فطلبت ابنتها من المدرسة لتقيم معها مدة بعدها عن زوجها وابنها, وكانت تأمل أنه حالما يفتح بلاد مصر ينجز وعده لها وينقلها على وادي النيل ولم يمض زمان طويل حتى كتب إليها بأن تتأهب للسفر فعما قريب تصل غليها البارجة المسماة "بومونا" لتعبر بها البحر المتوسط إلى مصر ولكن اتفق في صباح يوم من الأيام أنها كانت جالسة وإبرتها في يدها, وحولها عدد من السيدات صديقاتها وابنتها "هورتنس" فخرجت إحدى السيدات إلى الشرفة خارجا فأبصرت كلبا قريبا مارا في الزقاق ودعتهن ليرينه فتراكضن على الشرفة, ولما وصلن إليها هبطت بهن على الأرض وألقتهن جميعا, فاضطر كثير منهن إلى ملازمة الفراش مدة طويلة وفي جملتين "جوزفين" فإنه مضى عليها مدة أشهر ما أمكنها الخروج من البيت ولكن هذه الحادثة من عظمها كانت قد نجتها من أخرى أعظم منها فإن البارجة التي كان قد أرسلها "نابوليون" لتأخذها إلى مصر كانت قد أخذت في البحر وأرسلت إلى لندن. فلما علم:نابوليون" بما وقع ل "جوزفين" وإنه لا يمكنها الحضور بعد إلى مصر كتب إليها بأن تشتري مسكنا خارجا عن باريس وتنتقل إليه وإنه إذا لم يعقه عائق يصل إليها قريبا, فاشترت "جوزفين" قصرا جميلا يبعد عشرة أميال عن باريس وخمسة أميال عن "فارساليا" اسمه "ملمازون" بمائة ألف ريال وأضافت إليه أراضي واسعة من كل الجهات وكانت مولعة به لكثرة ما يشرف عليه من المناظر الطبيعية ولما حضر "نابوليون" سر به هو أيضا وكان من أحب المساكن إليهما. وفي أول فصل الخريف أخذت "جوزفين" تتعافى مما أصاب فتركت "بلوم بيار" وأتت على "ملمازون" مع ابنتها وعدد من السيدات, وكان بيتها غاصا بالأشراف والأدباء, وكانت تكتب على "نابوليون" بكل ما يجري في القصر حتى الأحاديث التي تدور بينها وبين زوارها فيسر بأخبارها ويطلب منها أن تجتهد في توثيق رباطات المحبة والمودة بينه وبين أصدقائه القدماء, وأن تبذل جهدها في مصادقة آخرين غيرهم, وكان ل "جوزفين" تأثير عظيم في أعضاء "الديركتوار" وقد خلصت كثيرين من الضيق وردت إلى كثيرين آخرين الأملاك التي أخذت منهم, ولما رأى البعض تأثير "جوزفين" في "نابوليون" أرادوا أن يحولوا بينهما لغايات سياسية فاستعملوا لذلك نفس الأسباب التي كانت هي تستعملها لكي تكتسب له أصدقاء ونسبوا إليها الخفة والطيش, وكان لهؤلاء الأعداء تأثير عظيم في "نابوليون" فجعلوا يوسوسون في صدره ويهيجونه عليها فأثر كلامهم فيه لحدة مزاجه وقام من فوره فكتب إليها رسالة ضمنها قوارص الكلم فلما اطلعت "جوزفين" عليها تأثرت تأثرا عظيما, وقامت فكتبت إليه كتابا لطيفا رقيقا لم يسبق له نظير في الخلوص والرقة, وكانت محبتها وصفاء قلبها يظهران في خلال كل سطر من سطوره, ولكن حجزت هذه الرسالة بمساعي المحتالين فلم تصل على "نابوليون" وكانت المراكب الإنكليزية وقتئذ مراقبة لفرنسا وقد منعت كل مراسلة بينها وبين الجيوش في مصر. وكانت كل يوم تصل إلى "جوزفين" أخبار سيئة عن أحوال الجيوش في مصر, ومرة وصل إليها خبر أن زوجها مات فاشتغل بالها وأمست في قلق وبلبال, وقد كانت تخاف دائما أن زوجها ربما يترك محبتها بعد رجوعه محمولا على ذلك بسعي المفسدين والوشاة, ولكنها لم تزل تبذل غاية جهدها في كل ما يؤل إلى خيره ونجاحه ومع أن قلبها كان تعبا وخاطرها مكسورا. كانت تفعل كل ما تقدر عليه لكي تظهر البشاشة للجميع حسب عاداتها, وكانت تسلي نفسها بالأزهار والرياحين فتقضي جانبا من وقتها مع ابنتها "هورتنس" في الحديقة ومعولها ومرشتها في يدها, ثم كانت تقضي جانبا كبيرا من وقتها في زيارة بيوت الفلاحين حواليها, وكان كفها دائما مفتوحا لسد عوز المحتاجين, فتتصدق عليهم وتفرح لأفراحهم, وتحزن لأحزانهم. ولما توجت إمبرطورة على فرنسا ابتهج هؤلاء الفلاحون ابتهاجا عظيما ودعوا لها بطول البقاء, وحسبوها من أجدر النساء بهذا المقام وهكذا قضت "جوزفين" عدة أشهر بعضها في الجولان بين هؤلاء الفلاحين وبعضها في القصر بين الأشراف والأمراء في انتظار استماع الأخبار من " نابوليون". وفي ذلك الوقت ابتدأت سنة 1799 ميلادية فلاح أنها من بدأتها سنة شؤم على فرنسا فإن الفرنساويين كانوا قد تعبوا من مظالم الثورة وكانت حركة الأشغال واقفة, والجوع عاما في البلاد, وكان النمساويون قد دخلوا إيطاليا ثانية, وأوقعوا بالفرنساويين من كل جانب, وكانت الصلات بين الجيوش في مصر وبين فرنسا مقطوعة وأخبار موت "نابوليون" ذائعة في كل البلاد, وأما حكومة "الديركتوار" فكانت مؤلفة وقتئذ من خمسة قد نشأوا في غصون الثورة من بين عامة الناس واستلموا زمام الحكم وكانوا قساة ظالمين لا يعرفون شيئا من العدل والإنصاف, وكان الشعب قد سئم منهم وكره الاستمرار على هذه الحالة وتمنى مد يد قوية لإصلاح الأحوال السياسية وإرجاع الحكم والنظام إلى البلاد. وفي المساء التاسع من تشرين الثاني (أكتوبر) من تلك السنة دعا رئيس "الديركتوار" إلى بيته أكابر باريس ووجهاءها, وكانت "جوزفين" في جملة المدعوين وبينما هم جالسون على المائدة عند نصف الليل إذ وصلت رسالة برقية إلى الرئيس حاوية أخبار وصول "نابوليون" إلى "فريجي" (وهي مدينة صغيرة على شاطئ البحر المتوسط) فلما سمعت "جوزفين" ذلك أسرعت إلى بيتها وركبت مركبها وسارت مسرعة لملاقاة زوجها, وكانت راغبة في الوصول إليه قبل أن يصل إليه الأعداء ويسمعوه التهم والوشايات الباطلة, فسارت نهارا وليلا بلا أكل ولا نوم حتى إذا وصلت إلى "ليون" أخبرت أن "نابوليون" ترك المدينة إلى باريس منذ يومين فساءها ذلك كثيرا, وجعلت تضرب أخماسا لأسداس وتقول: "ما عسى أن يقول الأعداء عني إذا وصل "نابوليون" إلى باريس ولم يجدني في البيت". وكان من أخص هؤلاء الأعداء إخوة "نابوليون" ونساؤهم وذلك لما رأوا النجاح الذي وصل إليه "نابوليون" بتأثير "جوزفين" فيه زمام الأمور سيصبح في قبضة يده عما قريب ويكون هو الحاكم المطلق حسدوه وحاولوا أن يقفوا في سبيله فلم يجدوا سوى إلقاء البغض والفساد بينه وبين "جوزفين", ولما وصل إلى باريس في العاشر من تشرين الثاني (أكتوبر) اجتمعوا حواليه وصاروا يشكون إليه أعمال "جوزفين" وينسبون غليها الخفة والطيش والإسراف وعدم الافتكار به وغير ذلك. فلما سمع "نابوليون" ذلك هاج غضبه وقال بصوت عال" "إنني لأطلقنها". فالتفت غليه أحد الحضور وقال له: الآن تأتيك معتذرة بلسانها الفصيح وكلامها العذب فتصفح عنها وتعودان على ما كنتما عليه. فأجاب:نابوليون" وهو يتمشى في الغرفة ذهابا وإيابا: "لن أصفح عنها وأنت تعرفني ولولا خوف العاقبة لنزعت هذا القلب وألقيته في النار". وبمثل ذلك عزم "نابوليون" أن يلاقي "جوزفين" بعد غيابه عنها زهاء سنة ونصف من الزمان. ولما كان اليوم الثالث من وصوله عند منتصف الليل وصلت "جوزفين" وكان "أيوجين" ينتظر وصولها بإفراغ صبر, ولما علم بذلك لاقاها إلى الدار السفلى, ثم صعد بها إلى القسم العلوي حيث كان مجتمع أهل البيت وكان "نابوليون" جالسا هناك مع أخيه يوسف فأخذت "جوزفين" ترتجف وهي صاعدة على السلم خوفا من "نابوليون", ولما وصلت على الباب رآها "نابوليون" قبل أن تدخل الغرفة فالتفت إليها مغضبا وقال لها: "ارجعي حالا على ملمازون". فلما سمعت "جوزفين" ذلك غابت عن الرشد وأوشكت أن تسقط إلى الأرض فأمسكها ابنها وذهب بها على غرفتها وهو في حال الكدر الشديد, ولم يمض ربع ساعة حتى سمع صوت "أيوجين" وأمه وأخته نازلين على السلم قاصدين الذهاب جميعا إلى "ملمازون" فلما شعر "نابوليون" بنزولهم أسرع من غرفته وصار يكلم "أيوجين" ويلح عليه بالرجوع وهو لم يكن متوقعا هذه الطاعة الغريبة في "جوزفين" وكان قلبه لم يزل يحبها وطلب رجوعها, ولما وجدها تاركة البيت وذاهبة أراد إرجاعها, ولكن أنفته منعته من أن يدعوها صريحا ويرجعها, فصار يكلم "أيوجين" ويلح عليه بالرجوع حتى اضطر ان يرجع بأمه وأخته, ولما رجعوا لم يكلم أحد منهم الآخر بل دخلت "جوزفين" غرفتها وطرحت نفسها علة مقعد كان فيها ودخل "نابوليون" غرفته أيضا وبقيا يومين لم ير أحدهما الآخر وأخذت محبة "نابوليون" ل "جوزفين" ترجع تدريجا في هذه المدة, من مائدة ورسائل "نابوليون" المرسلة إليها مفتوحة أمامها على المائدة, فلما دخل "نابوليون" وقف هنيهة ثم نادى بصوت خفيف: "يا جوزفين". فرفعت "جوزفين" رأسها وقد غسل الدمع وجهها وأجابت بصوت كئب, ونغمة حنونة جرحت قلبه ولم ينسها كل أيام حياته فمد يده إليها ومدت يدها إليه ثم حنت رأسها عليه وبكت بكاء شديدا وقضيا بضعة ساعات في إيضاح الأمور وإزالة الشكوك, ومن ثم عادت ثقة "نابوليون" الأولي ب "جوزفين ولم يعد شيء يغيره عنها. وكان "نابوليون" و"جوزفين" مقيمين وقتئذ في "دي شنتراين", وكانت أنديتهما دائما غاصة بالقواد والأدباء والأشراف -شأن أندية الملوك والعظماء- وهم يتباحثون في أحوال البلاد وكيفية إصلاحها ويقولون: إنه لا رجاء لفرنسا غلا إذا مد "نابوليون" يده. ولم يمض شهر على رجوعه إلى باريس حتى انقلبت سياسة فرنسا وأبدلت الحكومة المديرية بالقنصلية وكانت الحكومة القنصلية مؤلفة من ثلاثة قناصل وخمس وعشرين عضوا و"نابوليون" أحد هؤلاء الثلاثة قناصل ورئيسهم أيضا, ولما أخذ "نابوليون" على نفسه عهد هذه الخدمة التي دعي إليها لم يفه لأحد ألبتة بذلك حتى ذهب أولا إلى "جوزفين" القوي في أهالي باريس مدة غياب "نابوليون" في مصر, وقد شعر نابوليون" نفسه بعظم مساعدة "جوزفين" له في هذا فشكرها على ذلك. وفي غد ذلك نقل "نابوليون" و"جوزفين" من "دي شنتراين" إلى "لوكزمبرج" وكان هذا القصر عتبة "التوبلمري". وفي صباح التاسع عشر من شباط (فبراير) سنة 1800 م انتقل "نابوليون" إلى التوبلري" بموكب عظيم كان انتقاله إليه تبوأه تخت ملك فرنسا. وفي مساء ذلك اليوم نفسه انتقلت "جوزفين" أيضا في مركب خاص بها, ولما وصلت إلى "التوبلري" وجدت زوجها بين سفراء الدول وعظماء المملكة وأشرافها فدخلت عليهم, وعرفها بهم فتلقاها الجميع بإجلال واحترام يلقيان بملكة وأشرافها عظيمة الشأن, وكان ل "جوزفين" في ذلك الوقت نحو ثلاث وثلاثين سنة من العمر وقد زادتها هذه السنون حسنا وجمالا عوضا عن أن تذهب بنضارة صباها فإنها كانت معتدلة القوام, وضاحة الحسن, ذات عينين زرقاوين, ومحيا تقرأ عليه آيات اللطف والكمال وكأن ما جرى لها في حياتها من الأتعاب والأحزان قد زاد اختبارها لهذه الدنيا ووسع نطاق معارفها وثقف عقلها, وكانت قد بلغت أوج عزها وإيناع مجدها, وطارت شهرتها في أنحاء البلاد كما طارت شهرة "نابوليون" في ذلك الحين. وكان رجال الثورة وقتئذ قد غيروا تقسيم الوقت إلى أسابيع, وأبطلوا حفظ الآحاد إلا أنهم جعلوا يوما واحدا من كل عشرة أيام للراحة من عناء الأعمال وكان "نابوليون" يقضي هذا اليوم هو و"جوزفين" في "ملمازون", وقد كان من أسعد أيامهما لأنهما سئما من عيشة البلاط وازدحامه وكثرة تكلفاته ورسمياته, فإذا أتت ساعة رجوعهما إلى "التوبلمري" ذكر "نابوليون" ذلك ل "جوزفين" فتنهدا وكان النمساويون مدة غياب "نابوليون" في مصر قد رجعوا إلى إيطاليا وطردوا الفرنساويين من كل الأملاك التي كان "نابوليون" قد رفع فيها راية الجمهورية. فلما حسن "نابوليون" أحوال البلاد الداخلية وجه أفكاره إلى الجيوش المهزومة التي كان قد أوصلها النمساويون إلى الألب فأخبر "جوزفين" بأفكاره وقال لها: إن ذهابه ضروري ولكنه لا يغيب طويلا فودعها في السابع من أيار (ماي) سنة 1800م في "التوبلمري" وفي الثاني من تموز (يوليو) عاد إليها ظافرا منصورا, فإنه كان في هذه المدة الوجيزة التي لم تزد على الشهرين قد طرد النمساويين وزينوا المدينة ليلة بعد أخرى وإظهارا لفرحهم وحبهم له كانوا حيثما يجدونه يتجمهرون ويدعون له بالنصر. وكانت "جوزفين" قد قضت هذه المدة من غياب "نابوليون" في "ملمازون", وكانت تكاتبه يوميا, وهو كذلك وكان كثيرا ما يكتب إليها وهو على ظهر جواده, وأحيانا وهو في ساحة القتال, وأحيانا كان يملي على كاتبه من وسط المعركة وطبول الحرب تقرع وجثث القتلى تتساقط فكان يكتب الكاتب الجمل الوجيزة التي يلقنه إياها, ويرسلها إلى "جوزفين". فهذه الالتفاتات من "نابوليون" إلى "جوزفين" في مثل هذه الأوقات الحرجة تمثل أبهج صورة من حسن معاملته إياها تؤكد سمو أخلاق "جوزفين" وآدابها وإلا لم يكن رجل نظير "نابوليون" يحسب الكتابة إليها يوميا فرضا واجبا عليه, وخصوصا في أحرج أوقاته, وقضيت "جوزفين" أكثر مدة غياب "نابوليون" في إصلاح الأشياء التي كانت تظن أن "نابوليون" يسر بإصلاحها, ولما رجع من الحرب صارا يقضيان جانبا من الوقت في "ملمازون" أكثر مما كانا يقضيان فيه قبلا وفتحا الأندية للزوار كما في "التوبلمري", وكان لهذه الأوقات التي تقضي فيه شهرة عظيمة, وكانت من أبهج أوقاتهما وقد كانا يقضيان جانبا منها في بعض الملاهي والألعاب اللطيفة ويشاركهما في ذلك ولدا "جوزفين" وبعض الأصدقاء الخصوصيين من ملوك وملكات وأمراء وأشراف وغيرهم من القواد المشهورين والضباط المميزين. ولكن "جوزفين" لم تغفل في وسط هذه الأفراح واللذات عن مساعدة الذين كانوا يحتاجون على مساعدتها بل كانت تساعد كل من كان في طاقتها مساعدته, وخصصت جانبا معينا من دخلها لمساعدة المهاجرين وكانت أحيانا تتهم بالإسراف, وبعد تبؤ "نابوليون" القنصلية بقليل أمر برجوع المهاجرين إلى أوطانهم وبذل غاية جهده في إرجاع أملاكهم المحجوزة ولا شك أنه وجد صعوبات كثيرة من جهات بعض الأرامل والأيتام الذين كان لهم ما يكفيهم من المال وأصبحوا فقراء مساكين ليس لهم شيء فكانوا يأتون إلى "جوزفين" ويقصون عليها قصصهم المحزنة فتسعى إليهم وترثي لأحوالهم, وتمدهم بالمساعدة التي تمكنها, وكانت دائما تفي بوعدها معهم شأن الكريم. وكان عمر "هورتنس" وقتئذ نحو ثمان عشرة سنة وعمر "لويس" أحد إخوة "نابوليون" أربعا وعشرين سنة فاتفق "نابوليون" و"جوزفين" على أن يزوجا "هورتنس" ب"لويس". وكان "لويس" شابا عالما كثير التأمل, قليل الكلام مثل أخيه "نابوليون", وكان في كل شيء أشبه سائر إخوته به, ولما كان "نابوليون" في إيطاليا يحارب النمساويين تعرف "لويس" بقتاة من سلالة أحد الملوك القدماء فأحبها وتعلق قلبه بها, ولكن لما رجع "نابوليون" وعلم بذلك لم يسر به لأنه خاف أن اقترانهما ربما يضر به فأبعد "لويس" مع العساكر عن باريس ولم يسمح برجوعه حتى تزوجت الفتاة. فلما رجع "لويس" وعلم أنها تزوجت تكدر كدرا عظيما ومن ثم تكدر صفو أوقاته ولم تعد الحياة تطيب له. أما "نابوليون" فشعر بهذا الجرح البالغ في قلب أخيه وكان دائما يجتهد في مرضاته, وأراد أن ينسيه تلك الفتاة, فعزم أن يزوجه ب "هورتنس" ولكن "لويس" لم يقبل ذلك -أولا- غير أنه قبل أخيرا, وكذا "هورتنس" لم ترغب من أول الأمر لأنها كانت تحب أحد القواد وكان من (أصدقائها) المقربين, وكان يتكل عليه أكثر من سائر القواد, ولكنها اغترت أخيرا بمواعيد رابها وقبلت أن يكون "لويس" بعلا لها, ولكنهما قضيا بعد اقترانهما حياة تعيسة إذ لم يكن أحدهما يحب الآخر وفي ساعة زفافهما لاحظ كل من الحاضرين أثر الغم على وجه من العروسين ولم تخف (بعدئذ) تعاستهما التي أدت إلى انفصال أحمدهما عن الآخر. أما "جوزفين" فرافقت "نابوليون" في سنة 1802 م عند طوافه ببعض جهات المملكة ورافقته أيضا في ذهابه إلى "ليون" لأجل ملاقاة نواب إيطاليا, وكانت حيثما ذهبت تدهش الجميع أيضا في ذهابه إلى "ليون" لأجل ملاقاة نواب إيطاليا, وكانت حيثما ذهبت تدهش الجميع بمزاياها الطبيعية وتأثيرها في زوجها وفي كل من عرفها, ومن ثم رجعت هي و"نابوليون" على قصرهما المحبوب في "ملمازون" وقضيا هناك عدة أسابيع في أفراح وسور لا يوصف, ثم عاد إلى الجولان في أطراف المملكة الشمالية لاستطلاع أحوال تلك القطائع, وكان الشعب يستقبلهما بالفرح والترحاب في كل مكان, ويثنون على "نابوليون" مزيد الثناء لإخماد نيران الثورة, وإرجاع النظام إلى المملكة, وتوطيد السلام فيها. وكان حيثما توجه يشعر باستعداد الشعب لتسليمه صولجان فرنسا في أقرب وقت, ولما رجع من سفره استلم قصر القديس "كلود" وكانت هذه خطوة أخرى إلى عرش "البوربون" فإن الشعب كان قد مل من سكينة الجمهورية, وأحب العودة إلى البهجة والأبهة الملكية فجدد هذا القصر وجعل "جوزفين" وأربع سيدات معها للقيام بواجباته, وحينئذ سمي "نابوليون" قنصل كل حياته. وكانت "جوزفين" في ذلك الوقت باذلة غاية جهدها لتقنع "نابوليون" بوجود الله وبإرجاع الديانة المسيحية إلى البلاد لأن الكفر كان قد مد أعراقه في فرنسا و"جوزفين" نفسها لم تكن تعرف كثيرا من التعاليم الدينية, ولا كانت من ذوات التقى إلا أنها كانت قد رأت الكفر وتعاسة البلاد الناشئة عن رفض الديانة المسيحية والأتعاب الأهلية المسببة عن عدم اعتبار الزواج اعتبارا دينيا, وكانت تميز فضائل الدين المسيحي واقتداره على ردع الشعب عن عمل الشر وحملهم على عمل الخير, فاقتنع "نابوليون" بكلامها وأعلن إرجاع الديانة المسيحية على البلاد, وفي غد صدور الإعلانات أقيمت الاحتفالات الدينية المرة الأولى في كنيسة "نوتردام" وأرجعت الديانة المسيحية على المملكة, ولم يمض بعد ذلك مدة طويلة حتى كثرت الإشاعات في شأن تتويج "نابوليون" ملكا على فرنسا, وكان كثيرون راغبين في ذلك. أما "جوزفين" فكانت ترتعد كلما سمعت ذلك, لأنها رأت احتياج "نابوليون" إلى ولد يخلفه إذا توج ملكا وكانت تسمع البعض يلحون عليه بأن يطلقها ويتزوج بغيرها من الأسرة الملكية قائلين: إن مصالح فرنسا تستلزم أن يكون له ابن يخلفه في الملك, وقد كانت متأكدة شدة محبة "نابوليون" لها إلا أنها كانت خائفة من إنفاذ هذا الأمر لأنها كانت قد عرفت أنه ليس لدى "نابوليون" تقدمة لا يمكنه تضحيتها لأجل مجده وتقدمه في هذه الدنيا. وفي يوم من الأيام دخلت "جوزفين" غرفة زوجها فوجدته جالسا مع رجل آخر من أصحاب السياسة يتحدث معه في الأمور السياسية, فلما دخلت جلست قليلا, ثم قالت: إنها لا ترغب ألبتة في تتويج "نابوليون" ملكا بل تفضل بقاءه قنصلا كما هو. فضحك "نابوليون" وقال" "لماذا هذا الجنون يا جوزفين إلى متى تصدقين كلام هؤلاء العجائز". وكان كلما قال أحد أمام "جوزفين" إنها ستكون إمبراطورة فرنسا عما قريب تجيب أنها مكتفية أن تكون امرأة القنصل "نابوليون" فقط. وفي الثاني من (ماي) سنة 1804 م قرر المجلس القضائي أن "نابوليون" سيكون إمبراطور فرنسا وأرسل التقرير إلى كل جهات فرنسا, فوافق عليه أكثر من ثلاثة ملايين ونصف من الشعب ولم يزد عدد المضادين على ألفين وخمسمائة. وفي غد تبوء "نابوليون" تخت إمبراطورية فرنسا صنع احتفالا عظيما في "التوبلمري" لكل العظماء والأشراف, وبرزت بينهم طجوزفين" في ذلك الاحتفال إمبراكورة لفرنسا, ولكن مخاوف بعض المتوحيات نزعت كل أفراح تلك الساعة منها, ولم تكد تتمالك إظهار غمها وحزنها, وذلك لأن المجلس قرر أيضا أن الإمبراطورية ستدوم في أسرة "نابوليون", وقد حضر ذلك الاحتفال عدد عظيم من أكابر أوروبا وعظمائها فوجدت "جوزفين" نفسها حينئذ في درجة لم يصل إليها أعظم ملكات أوروبا, وكانت شهرة زوجها قد عمت كل أوروبا, وقوته قد فاقت أعظم ممالكها. وفي الثاني من تشرين الثاني (أكتوبر) من السنة المذكورة حضر البابا من رومية لكي يتوجهما إمبراطورا وإمبراطورة على فرنسا في كنيسة "نوتردام" ولم يحصل على هذا الشرف أحد من ملوك أوروبا قبل "نابوليون" منذ عشرة قرون وكان الهواء في ذلك اليوم رائقا, والكنيسة مزينة بأفخر الزين والعجلات أمامها تلمع بعدد خيولها الذهبية والأرجوانية, والقواد والأبطال في ثيابهم الرسمية الموشاة بالذهب. ولما كان وقت التتويج دخلت "جوزفين" في حلة من الأطلس الأبيض موشاة بالذهب, وموشحة بالخرز الذهبي, ومزينة بالحجارة الكريمة, ومشمل من المخمل القرمزي مبطن بالأطلس الأبيض, وفرو القاقم على أكتافها حلي التتويج, تاجين, الواحد لأجل التتويج ولتضعه على رأسها في احتفالات المملكة الخصوصية فقط والآخر لأجل باقي الأوقات الرسمية, ومنطقة أيضا. أما التاج الأول فكان له ثمانية فروع ذهبية, أربعة منها على شكل النحل, والأربعة الأخرى على شكل روق الريحان وكانت حجارة الألماس البرلنتية منثورة عليها كنقط الندى وقد أحاطت بها حلق ذهبية مرصعة بحجارة من الزمرد والجمشت والتاج الثاني كان مصنوعا من أربعة صفوف من اللؤلؤ ومفصلا لحجارة ألماس ومن الأمام عدة حجارة من ألماس بلغ وزن واحدة منها مائة وتسعة وأربعين قمحة, وكانت المنطقة من الذهب الأبريز وقد رصعت بتسعة وثلاثين حجرا من ألماس الفلمنكي الملون. أما "نابوليون" فدخل في حلة من المخمل الأبيض موشاة بالذهب ومزرورة بحجارة ألماس وجبة ومشمل من المخمل القرمزي موشيين بالذهب ومرصعين بحجارة ألماس أيضا، وكانت المركبة المكلية على غاية ما يكون من الإتقان والجمال فإن ألواحها كانت من الزجاج النقي ويجرها ثمانية رؤوس خيل حمر الألوان. وكانت المسافة بين "التوبلمري" و"نوتردام" نحو ميل ونصف، وكان عشرة آلاف خيال في ثيابهم الرسمية ملازمين العجلات، وبلغ عدد الناظرين نصف مليون، إذ كانت النوافذ والسطوح وشرف البيوت المطلة على الطريق التي مر عليها الموكب غاصة بالوقوف، وكانت الموسيقى تصدح بألحانها المطربة، والمدافع تضرب في الهواء وعشرات الألوف من العساكر تهتف معاً. وكانت تلك الساعة مما لم يسبق لها مثيل في تاريخ العالم، وكان العرش في كنيسة "نوتردام" مغطى بأغطية من المخمل القرمزي وعليه مقعد من المخمل أيضاً يرقى إليه باثنين وعشرين درجة مستديرة، وكانت مغطاة بالجوخ الازرق ومحلاة بالخرز الذهبي، فجلس "نابوليون" بجانب "جوزفين" على العرش ووقف كبار القواد على الدرج ثم ابتدأ التتويج وطالت مدته أربع ساعات وكانت تتخلله الموسيقى العسكرية ولما أزف الوقت لأن يضع البابا التاج على رأس "نابوليون" أخذه بيده واقترب إلى "نابوليون"، وقبل أن يضعه على رأسه أخذه "نابوليون" من يده ووضعه هو نفسه على رأسه ثم نزعه عن رأسه ووضعه على رأس "جوزفين"، ثم نزعه عن رأسها حالاً لثقله ووضعه على مسند بجانبه وتوجها بآخر أصغر منه ثم جثت "جوزفين" والتاج على رأسها ويداها مكتوفان وصلت لله والتفتت إلى زوجها التفاتة عبرت عن شكرها ومحبتها له، وبقي "نابوليون" يتذكر هذه الالتفاتة كل أيامه. ولما تم التتويج وأزف وقت الانصراف ارتجل "نابوليون" خطبة تناسب المقام ذكر فيها أن نسله سيجلس على هذا العرش من بعده فأثر هذا الكلام تأثيرا عظيما في "جوزفين" ونشب كحربة في قلبها خصوصا لما تعهده في "نابوليون" والشعب الفرنساوي أيضا من الرغبة في أن يكون له ولد ولما عادت إلى "التوبلمري" كان الليل قد أرخى سدوله وأسواق المدينة مزينة بالأنوار و"التوبلمري" يتلألأ بها أيضا، ودخلت "جوزفين" مخدعها وجثت على ركبتيها وطلبت الإرشاد من ملك الملوك والدموع منسجمة على خديها. أما أهالي باريس فخصصوا الشهر الأول من تتويج "نابوليون" و"جوزفين" بكل أنواع الأفراح والملاهي العمومية وكانت المدينة تزين كل ليلة بالأنوار. وفي صباح أحد الأيام دخلت "جوزفين" إحدى غرفها فوجدت ناصلة ذهبية مع كل أدواتها وكانت من الذهب أيضا وقد أهداها إليها مجلس بلدية باريس. وفي مساء تتويجها أطلق الشعب منطادا كبيرا في الجو مصنوعا على هيئة التاج الملكي، فبقي مدة ظاهرا فوق باريس ثم سار نحوالجنوب. وفي مساء اليوم التالي وقع في مدينة رومية -وهي تبعد مسافة تسعمائة ميل عن باريس- ثم حدث على أثر تتويج "نابوليون" أن مديري جمهورية إيطاليا كتبوا إلى "نابوليون" -وكان وقتئذ رئيسهم- يطلبون إليه أن يرافقهم على "ميلانو" ويتوج ملكا عليهم إذ كان هو المنقذ لهم من أيدي أعدائهم النمسويين، وكان من عوائد "نابوليون" السفر بغير أن يعلم أحدا من قبل، ففي مساء يوم من الأيام بعد عماد الابن الثاني لأخيه "لويس" أمر بإعداد الخيل للسفر إلى إيطاليا الساعة السادسة من الصباح فرافقته "جوزفين" في هذا السفر، وكانا حيثما يصلان يستقبلهما الشعب بالترحاب ويزين لهما المدن ويدعو لهما بالنصر، وكانت "جوزفين" حاصلة حينئذ على كل ما من شأنه أن يجعلهما أسعد البشر لولا أمر واد وهو عدم وجود ولد ل "نابوليون"، ولكنها لما وصلت إلى إيطاليا نسيت غمها وقضت هنالك عدة أيام بغبطة وهناء، وكان بينهما وبين البابا "بيوس السابع" صداقة قوية وقد رافقهما بنفسه إلى "تورين"، ولما افترق عنها أهدت إليه كاسا من فخار (سافراس) ومن "تورين" أخذها "نابوليون" إلى ساحة "مارنفو" حيث نشبت أعظم وقائعه وهناك لبس ثيابه الحربية ووقف في وسط ثلاثين ألف جندي ومثل لها واقعة القتال. وفي الثامن من (ماي) سنة 1805م دخلا ميلانو، وكانت المدينة مزينة والفرح والطرب قائمين فيها. وفي السادس والعشرين من الشهر نفسه توج "نابوليون" ملكا على إيطاليا في كنيسة "ميلان" ولم يكن هذا الاحتفال أقل من الاحتفال في كنيسة "نوتردام" والذي زاد هذه الحفلة عظمة وأبهة أنه أخضر ل "نابوليون" -سوى التاج المعد لتتويجه- تاج "شارلمان" الحديدي ولم يكن هذا التاج قد علا رأس الملوك منذ أيام "شارلمان" من ألف سنة، وهنا أيضا كما في "نوتردام" لم يدع أحدا يضعه على رأسه بل وضعه هو بنفسه ثم توج "جوزفين" هو أيضا وأقاما مدة شهر في "ميلانو" وذهبا منها إلى "جنوى" ثم رجعا على باريس، وكان "نابوليون" قد أعطى "جوزفين" لائحة عن سفرهما وعن جميع الأماكن التي سيقفان فيها والخطب والأجوبة التي سيخطبها ويجيب بها، والهدايا التي كان يجب عليها تقديمها، والمبالغ التي يمكنها أن تنفقها، فكانت "جوزفين" تقضي قسما من كل صباح في درس هذه المثالات وقد أظهر "نابوليون" ل "جوزفين" في هذا السفر ما لا مزيد عليه من البشاشة والأنس، وكانا دائما مسرورين. وذكرت "جوزفين" فيما بعد أن هذا السفر من أسر أسفارها مع "نابوليون"، وكانا حيثما يصلان يتلاقهما الشعب بالترحاب، ويقيم لهما الأفراح، ويولم الولائم. وبعد وصولهما إلى باريس بمدة وجيزة سمعا أن قصد "أيوجين" ابن "جوزفين" الاقتران بابنة ملك "بافاريا" فذهبا على "ميونخ" ليحضرا الزفاف فاجتمعت "جوزفين" بابنها وفرحت له بعروسه خصوصا لأنها كانت في كل شيء كما تشتهي، ثم رجعا من هناك إلى باريس مشيعين بجمهور كبير من أمراء "جرمانيا" وأميراتها، وكانت "جوزفين" وقتئذ في ذروة من المجد التي لا يمكن هذا العالم أن يمنحها لأحد من البشر فإن كل أوروبا كانت عند قدمي زوجها، وابنتها "هورنتس" كانت ملكة "هولاندا" وابنها "أيوجين" كان نائب ملك إيطاليا، وصهر ملك "بافاريا". وكان "نابوليون" قد نزع من فكره طلاقها وقرر أن ابن أخيه "لويس نابوليون الأكبر" سيكون وارث ملكه فزالت كل الارتباكات في ذلك الوقت من هذا القبيل، وكان "نابوليون" دائما معجبا ب "جوزفين" حتى كان يقول في غالب الأوقات "إنه لا نظير لها بين نساء العالم". أما هي فلم تكن تنسى المحتاجين والحزانى مع ما وصلت إليه من السلطنة والسؤدد، بل كانت دائما مستعدة لمساعدة كل من طلب مساعدتها سواء كان بمالها أو بكلامها حتى كانت تتهم أحيانا بالتبذير والإسراف، وكانت تحب مرافقة "نابوليون" في أسفاره، وهو أيضا كان يرغب مرافقتها لا،ها كانت الشخص الوحيد الذي يوثق به، ومرة وعدها بمرافقته في إحدى سفراته ولكن الأحوال أحوجته إلى الذهاب سرا فأمر بإعداد لوازم السفر. وفي الساعة الأولى بعد نصف الليل وهو الوقت الذي ظن أن "جوزفين" تكون فيه مستغرقة في النوم قصد الذهاب، ولكنه لم يصل إلى العجلة حتى كانت "جوزفين" بين يديه، فأمر بإعداد لوازمها في الحال وذهبا معا إلى إسبانيا، فأخضع "نابوليون" إسبانيا تحت طاعته وملأها من العساكر الفرنسوية وولى أخاه "لويس" عليها، ثم قفل راجعا على فرنسا، ولكن لم يلبث طويلا حتى أتته الاخبار أن الإسبانيين طردوا أخاه من العاصمة بمساعي الإنكليز وقتلوا كثيرين من الفرنسويين القاطنين هناك. فرجع مسرعا إلى إسبانيا وفي هذا الوقت أيضا طلبت "جوزفين" الإتيان معه، ولكنه لم يسمح لها ذلك بل دخل مدريد عاصمة البلاد وأرجع أخاه إلى مقامه وثبت حكمه فيها ورجع ثانيا إلى فرنسا. وكانت آمال "نابوليون" و"جوزفين" في ذلك الوقت معلقة بالاير الصغير ابن "لويس" و"هورتنس"، وشاع في كل فرنسا وهولندا أنه سيكون صاحب الملك من بعد عمه. ولكن في ربيع سنة 1807م بينما كان "نابوليون" يحارب "بروسيا" وهو منتصر عليها انتصارا عظيما أصاب الولد داء الخناق ومات في ساعات قليلة وكان له من العمر خمس سنوات فحزنت "جوزفين" لفقده حزنا عظيما ورجعت إلى مخاوفها القديمة لأنها كانت تعرف "نابوليون" وتعرف رغبته في أن يكون له وارث يترك الملك له وكانت فرائصها ترتعد كلما افتكرت مرارة تلك الكأس التي كان لا بد لها من تجرعها، وقد بقيت مدة ثلاثة أيام منفردة في غرفتها بلا أكل ولا نوم، تسكب الدموع على عظم مصيبتها. أما "نابوليون" فلما وصلت إليه هذه الأخبار المحزنة كان في أوج انتصاره إذ كان قد قهر جميع أعدائه وأخضع "بروسيا" تحت طاعته وكان جميع ملوك أوروبا مستعدين لإتمام أوامره، فلما سمع هذه الأخبار جلس ساكتا وارتفق بيده على وجهه، وسمع وهو في حزنه الشديد يقول لنفسه المرة بعد الأخرى: "لمن أترك كل هذا؟" وكان يتنازع أفكاره عاملان قويان محبة "جوزفين" من جانب ومحبة المجد واشتهاء أن يكون له ولد يرث اسمه وشهرته من جانب آخر. وبقي مدة على هذه الحال ولا يذوق طعاما ولا يغمض له جفن، ولكن رغبته في كسب المجد واعتقاده أنه أوصل فرنسا إلى درجة لم تصل إليها مملكة على وجه الأرض فينبغي أن يخلف من يرثها من نسله جعلاه يضحي بكل سعادته وراحته ويفقد سلامة الذوق، ويحل قوى ربط المحبة وكانت "جوزفين" تعرف زوجها جيداً، فكانت بالخوف والرعب تنتظر قدومه وكانت تقضي أكثر أوقاتها بالنوح والبكاء، وكان أحيانا كثيرة يصدر في الجرائد كلاما في شأن طلاقها واقتران "نابوليون" بإحدى بنات الأسرة الملكية. وفي تشرين الأول "أكتوبر" سنة 1807م رجع "نابوليون" من (فيينا) فسلم على "جوزفين" بمزيد اللطافة. أما هي فلاحظت في الحال أنه كان قلقا في فكره، وأنه كان حينئذ يشتغل بهذه المسألة وكثيرا كان يجتمع بوزرائه سرا، فلاحظ رجال البلاط ذلك وكانوا قليلي الكلام، وكان "نابوليون" لا يكثر أن يلتفت إلى امرأته لأنه خاف أنه إذا التفت إلى التي أحبها هذا الحب العظيم يتغير فكره، وكانت "جوزفين" قلقة جدا من هذا القبيل ولكنها اجتهدت في اخفاء عواطفها، وكانت تلاحظ حركات "نابوليون" وسكناته، فترى في كل يوم أمرا جديدا يؤكد لها ما كانت تخافه. أما هو فكان يتجبنها ويبتعد عنها وقد قفل الباب الذي بين غرفته وغرفتها، وكانت قليلا ما يدخل مخدعها وإذا أراد ذلك قرع الباب كل ذلك ولم تكن جرت كلمة واحدة بينهما في هذا الشأن، وكانت "جوزفين" عندما تسمع وقع أقدام "نابوليون" ترتجف وتظن أنه آت إليها بالاخبار المخيفة. ولم تعد تقدر أن تصل من مكانها إلى الباب من غير أن تتمسك بالحائط أو بشيء آخر، ولكنه مضى كلا شهري تشرين الأول والثاني (أكتوبر ونوفمبر) ولم يكلم "نابوليون" "جوزفين" بشيء من هذا القبيل مع أنه كان في المذاكرة مع وزرائه في أمر الزواج الجديد والأسرة التي يصاهرها فإنه يستصعب مفاتحتها بهذا الشأن، غير أن هذه الصعوبة لم تغير مقاصده الثانية البتة، وكانت شهرته وسلطته عظيمتين إلى حد أنه لم يوجد أسرة في أوربا لم تكن تحسب شرفا لها أن تعطي بناتها زوجة ل "نابوليون"، فأشار عليه وزرائه أولا أن يأخذ زوجة من أسرة "البربون" لأنهم افتكروا أنه إذا فعل ذلك يرضي حزب الملكية في فرنسا ويكون ملكه أثبت بهذه الواسطة. ثم أشاروا عليه أن يأخذ سيدة سكسونية, ولكنهم ظنوا بعد طول التأمل أن يكون الأنسب أن يصاهر جلالة ملك "روسيا" ولكن بعد أن جرى كلام بين البلاطين في ذلك قر الرأي أن يأخذ "ماريا لويزا" ابنة إمبراطورة النمسا وكان في ذلك الوقت قد آن ل "نابوليون" أن يخبر "جوزفين" بما كان قاصدا أن يفعله, وكان في اليوم الأخير من تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1809 م دخل الإمبراطور والإمبراطورة لكي يتعشيا ولم يدخل معهما أحد, وكانت "جوزفين" كل النهار في غرفتها تسكب الدموع بغزارة كأنها عرفت أن ذلك اليوم كان يومها المحزن, ولكنها لما أتت ساعة العشاء غسلت عينيها ودخلت غرفة المائدة وبذلت غاية جهدها لكي تضبط نفسها عن البكاء, ولذلك لم تتجاسر أن تفتح فمها بكلمة واحدة. أما "نابوليون" فكان تائها في بحر الأفكار ولم يكلمها بكلمة واحدة فكان حول تلك المائدة حينئذ سكوت تام ولم يذق أحدهما شيئا بل كانت أنواع الطعام تتبدل بغير أن تمس, وكان اصفرار الموت على وجه كل منهما, ولما انتهى تقديم العشاء صرف "نابوليون" الخدم, ثم نهض وأغلق الباب بيده على نفسه و"جوزفين" وحينئذ أتت تلك الدقيقة التي كان كل منهما هالعا منها, فاقترب "نابوليون" إلى "جوزفين" وأخذ يدها وقال لها بصوت منقطع: "يا جوزفين, يا عزيزتي جوزفين أنت تعلمين كيف أحببتك وإني لك وحدك شاكر على الدقائق القليلة التي بك عرفت فيها السعادة على الأرض, والآن أخبرك أن واجباتي أقوى من إرادتي, وأن عواطفي القوية نحوك يجب أن تخضع لمصلحة فرنسا". فلما سمعت "جوزفين" ذلك خفق قلبها ونضب الدم في عروقها ووقعت على الأرض مغشيا عليها, فلما رأى "نابوليون" ذلك فتح حالا الباب ونادى من يساعده, فأتى إليه حالا عدد من الخدم من الغرفة المجاورة وكان هناك أيضا الكونت "بومون" فأومأ إليه "نابوليون" وهو مرتجف, ووجهه ممتقع بأن يأخذها على يده إلى غرفتها وأخذ هو مصباحا بيده وذهب أمامه, ولكن لما وصل إلى السلم سلم المصباح إلى أحد الخدم وساعد الكونت في حملها وكانت تقول في غشيتها: "آه لا يمكنك أن تفعل ذلك لأنك لا تحب قتلي". ولما وصلا بها وضعاها على فراشها صرف "نابوليون" الكونت وقرع الجرس في طلب خادمتها الخصوصية وقضى الوقت بجانبها حتى أخذت تستفيق, ولما ظهر له أنها ابتدأت ترجع إلى نفسها تركها ومضى إلا أنه لم ينم طول ذلك الليل, بل كان يتمشى في غرفته ويأتي على باب غرفة "جوزفين" ويسأل الطبيب عن أحوالها, أما الطبيب فلم يفارقها كل ذلك الليل. وفي مدة الأسبوعين الأولين بعد ذلك لم ير الواحد منهما إلا قليلا مما يتعلق بالآخر, واتفق أنه في تلك المدة كان عيد التتويج ونصرة "أوسترليتز" الشهيرة فكانت المدينة في ذلك الوقت مشتعلة بالأنوار وصوت قرع الأجراس ملأ الفضاء وفي هذين الاحتفالين كانت "جوزفين" مضطرة أن تحضر أمام الشعب وكانت مؤكدة أن كل الملوك والأمراء الذين كانوا حينئذ في باريس عالمون بالإهانة المقبلة عليها, وكانت كل أصوات الطرب والابتهاج في مسامعها قرع أجراس حزن مؤذنة بمصيبتها, ومع ذلك فإنها بذلت جهدها في تسليتها لكي تظهر أمام الناس كعادتها غير أن اصفرار وجهها واغريراق عينيها بالدموع كانا ينبئان عما تحاول إخفاءه, وكانت ابنتها "هورتنس" دائما معها باذلة غاية جهدها في تسليتها وابنها "أيوجين" ترك إيطاليا وأتى باريس إليها, وبعد مواجهتها ذهب إلى "نابوليون" وطلب الاستعفاء من خدمته قائلا له: إن ابن التي ليست إمبراطورة لا يقدر أن يكون نائب الملك وأنا قصدي أن أتبع أمي في انحطاطها لأنه يجب الآن تعزية في أولادها. أما "نابوليون" فلم يكن خلوا من العواطف بل تساقطت العبرات من عينيه وصار يكلم "أيوجين" بصوت مرتعش ويبين لزوم ذلك ويوضح له الأمور فتأثر "أيوجين" من كلامه, وأما أمه فطلبت منه أ، يبقى في خدمة "نابوليون" ويبقى من أصدقائه المخلصين كما كان أولا. وفي الخامس عشر من كانون الأول سنة 1809 م جمع "نابوليون" جميع الملوك والأمراء من أسرة الإمبراطورة وأكثر القواد المشهورين في منتدى "التوبلمري" العظيم حتى يقص عليهم خبر انفصاله من "جوزفين" وكان كل واحد من الحاضرين منذهلا من غرابة هذا الاجتماع فنهض "نابوليون" في أثناء ذلك وخاطبهم قائلا: "أن مصالحي السياسية ورغبة شعبي الذي كان دائما يدرب أعمالي تستدعي أن يكون لي وارث يرث محبتي للشعب الذي وضعتني العناية عليه. وقد مضى علي عدة سنوات مع الإمبراطورة "جوزفين" حتى قطعت الأمل من أن يكون لي أولا منها, وهذا هو الداعي الذي حملني على التضحية بأشد عواطف قلبي ومراعاة مصالح رعيتي وطلب انفصالنا. وقد بلغت الآن الأربعين من العمر وآمل أ، أعيش طويلا بعد وأن أحتضن في أفكاري الأولاد الذين تسر العناية بأن تباركني بهم, والله وحده يعلم كم كلفت قلبي هذا المقصد ولكن ليس من أمر مهما كان عزيزا علي إلا وأنا أضحيه طائعا مختارا لمصلحة فرنسا, وليس لي سبب أشكو منه ولا شيء أقوله سوى مدح محبة امرأتي المحبوبة وحنوها, فإنها زينت خمس عشرة سنة من حياتي فيبقى ذكرها منقوشا على صفحات قلبي إلى الأبد وأنا بيدي توجتها إمبراطورة ستبقى إمبراطورة في القلب والرتبة وأحب فوق كل ذلك أن لا تشك مطلقا بعواطفي من نحوها ولا تعتبرني إلا أعز صديق لها". فأجابت "جوزفين" بصوت منقطع وعينين مغرورقتين بالدموع: "إني أجيب على آمال كلام الإمبراطور من جهة انفصالنا بالقبول لأن اجتماعنا كان حائلا دون مسيرة فرنسا بسبب عدم وجود من يسوس يوما ما هذا الشعب من نسل هذا الإنسان العظيم الذي أقامته العناية لكي يطفئ شرر الثورة المخيفة, ويرجع المذبح والعرش والهيئة الاجتماعية, ولكن هذا الانفصال لا يغير عواطف قلبي بل سيجد الإمبراطور في أحسن صديقة له, وأنا أعلم ماذا كلف هذا العمل السياسي قلب الإمبراطور, ولكن نحن الاثنان نفتخر بهذه التضحية التي ضحيناها لأجل خير المملكة, وأشعر أنين التعظيم والمجد بإيرادي بإعطائي أعظم برهان على محبتي". هذا ما أظهرته "جوزفين" جهارا, وأما في الخفاء فإنها استسلمت للحزن والكآبة وقضت ستة أشهر بالبكاء والنحيب حتى قاربت العمى من شدة الحزن. وفي اليوم المعين لإنهاء نظام الانفصال اجتمع المحفل ثانية في نادي الإمبراطور العظيم ليشهدوا تمام نظام الانفصال, فدخل الإمبراطور بحلته الرسمية واصفرار الموت على وجهه, وعلامات اليأس والقنوط تلوح عليه واستند إلى أحد الأعمدة مكتوف اليدين لا يفوه بكلمة وبقي برهة غائصا في بحور الافتكار كالصنم لا يبدي حراكا, وكان في وسط النادي مائدة جميلة وعليها كل أدوات الكتابة من الذهب الإبريز, أمامها كرسي أعد ل "جوزفين" وكان جميع الحاضرين صامتين لا يفوهون بكلمة وكلهم شاخص إلى المائدة وما عليها كأنهم ينظرون إلى مذبحة أو مشنقة معلقة, ففي وسط هذا فتح باب من جانب المنتدى, ودخلت منه "جوزفين" مستندة إلى يد ابنتها "هورتنس" واصفرار الموت يلوح على وجه كل منهما ولما دخلا غلب البكاء على "هورتنس" ولم تنفك عن ذلك كل مدة الاجتماع. ولما دخلت "جوزفين" نهض الجميع إجلالا لها وتساقطت العبرات من عيونهم لشدة تأثرهم من منظرها. أما هي فتقدمت بحركاتها اللطيفة إلى المكان المعد لها, وارتفقت بيدها على وجهها وأصغت إلى قراءة نظام الانفصال والدموع تسكب من عينيها, وكان ابنها "أيوجين" جالسا على مقربة منها وبعد نهاية قراءة النظام حسمت "جوزفين" دموعها وانتصبت واقفة وأخذت على نفسها عهد الانفصال بصوتها الرائق العذب الاعتيادي, ثم جلست وأخذت قلما ووقعت اسمها بفك أمتن ربط المحبة والوداد التي لا يمكن للعقل البشري أن يتصورها, أو للقلب الإنساني أن يشعر بها, ثم استندت ثانية إلى يد ابنتها وخرجت من المكان أما "أيوجين" فوقع على الأرض مغمى عليه. أما شدة ذلك اليوم وآلامه فلم تكن قد انتهت, بل كان على "جوزفين" وهي في وسط توهانها في بحور الأحزان ما كان آلم وأشد عذابا من الأول وهو وداع من كان زوجها الوداع الأخير, فانتظرت في غرفتها وهي حزينة القلب مكسورة الخاطر لا تفوه بكلمة, فلما حان الوقت أتى "نابوليون" إلى غرفته قلقا كئيبا بسبب ما جرى ورمى بنفسه على فراشه. وفي الساعة نفسها فتح الباب الذي بين غرفته وغرفة "جوزفين" ودخلت هي منه وهي ترتجف وعيناها وارمتان من البكاء وشعرها مسدول على أكتافها وعلامات الحزن والغم الشديدين تلوح على وجهها فتقدمت إلى وسط الغرفة ودنت من سرير "نابوليون", ثم وقفت بغتة وغطت وجهها بيديها وصارت تبكي بكاء شديدا, وكان ذلك لأنها افتكرت حينئذ أنه لا حق لها بعد في الدخول إلى غرفة "نابوليون" ولكن محبتها الشديدة له حالا تهيجت وأنستها كل ذلك, فتقدمت إليه وطرحت نفسها بجانبه وغمرته بيدها وصارت تدعوه باكية منتحبة, فتهيجت عواطف "نابوليون" وجعل يؤكد لها محبته الصحيحة الصادقة وهو يبكي وينتحب ويثبت لها أنه سيبقى كذلك إلى يوم موته واجتهد لكي يسليها ويعزي قلبها وبقيا على ذلك برهة من الوقت, ثم قامت "جوزفين" وودعت زوجها الذي أحبته كل هذه السنين الوداع الأخير وافترقت عنه إلى الأبد. وفي اليوم الثاني ودعت "جوزفين" البلاط وأهله وفي الساعة الحادية عشرة اجتمع كل حاشية "التوبلمري" على أعلى السلالم وفي الشبابيك والمماشي ليروا افتراق سيدتهم المحبوبة التي كانت زينة ذلك القصر وبهجته, فنزلت على السلالم مغطاة بمنديل من قمة رأسها على قدمها والدموع ملء عينيها فصارت تلوح بمنديلها علامة الوداع للأصدقاء الباكين حولها إلى أن وصلت على الباب, وهناك وجدت عجلة مطبقة باستنظارها يجرها ستة من الخيول الجياد فدخلتها وسارت بها وتركت وراءها "التوبلمري" إلى الأبد. أما محل إقامتها الجديد فكان قصر "ملمازون" الذي كانت تفضله على سائر قصور الإمبراطور, وكانت قد قضت فيه هي و"نابوليون" أسعد أوقاتها فإن "نابوليون" كان يعرف محبتها لهذا القصر وقد أعطاها إياه لكي تقضي فيه باقي حياتها, وكان قد أجرى عليها راتبا سنويا قدره ستة آلاف ريال وأبقى لها اسمها ومقامها هناك, ومكثت "جوزفين" عائشة كما يعيش الملوك وكانت محبوبة عند كل شعب فرنسا ومعتبرة ومكرمة عند كل أهالي أوروبا وكان "نابوليون" يزورها غالبا ويستشيرها في أعماله, وقد أدرك الناس أن الذي يريد أن يرضي الإمبراطور ويكون من المقربين إليه هو الذي يلتفت إلى "جوزفين" ويحسن معاملتها وإكرامها ومن ثم أصبح قصر "ملمازون" محل اجتماع كل أعضاء بلاط "نابوليون" يأتون إليه دائما بحللهم الرسمية الملوكية, وكانت تدعو منهم كل يوم عشرة أو اثني عشر نفسا ليفطروا معها صباحا. وفي الساعة الحادية عشرة قبل الظهر كانت تمر أمام الجميع إلى غرفة المائدة يتبعها المدعون حسب رتبهم ومقامهم, وكانت تفرز اثنين منهم للجلوس عن يمينها وعن يسارها, ويقف وقت الطعام خمسة من الخدم وراءها وخادم واحد وراء كل من المدعوين, وسبعة أفواج من رتب مختلفة كانوا يخدمون على المائدة. أما مدة الفطور فلم تكن تزيد عن ثلاثة أرباع الساعة إلا فيما ندر وكانت تذهب بعد الفطور مع سيداتها وضيوفها إلى قاعة التحف. أما أوقات "جوزفين" فكانت تقضي في أعمال الرحمة مع المساكين حواليها والمطالعة واستقبال أعضاء بلاط "نابوليون" فإن منتداها كان دائما غاصا بهم, وكان "نابوليون" دائما يزورها ويقضي عندها ساعات كثيرة يتمشى بها معها في الجنينة أو في محل آخر أخذا بيدها, وكان يفعل كل ما في وسعه كي يعوض لها عن معاملته السالفة, وعن الحزن والغم اللذين سببهما لها, وكان قلبه باقيا متعلقا بها ويحبها محبة شديدة, ومحبته واعتباره لها يزدادان يوما فيوما, وكانت "جوزفين" تقضي أوقاتها يوميا على وتيرة واحدة فتنزل في كل يوم الساعة العاشرة صباحا إلى قاعة الاستقبال وتستقبل زوارها الذين كانوا من أعيان باريس, وكانوا يشتغلون ببعض الأمور المسلية مثل الصور الجميلة والنقوش البديعة والتحف الغربية والذي كان لا يرغب في ذلك, يذهب مع "جوزفين" لاستماع تلاوة بعض الكتب المفيدة من الموكل على بيتها وكانوا يقضون الوقت في ذلك إلى الساعة الثانية بعد الظهر فتأتي إذ ذاك ثلاث عجلات يجر كلا منها أربعة من جياد الخيل فتركب "جوزفين واحدة منها وتذهب مع اثنتين من خادماتها الخصوصيات وبعض الأصدقاء وتقضي مقدار ساعتين من الزمان: أحيانا في التنزه, وأحيانا في الجولان بين سكان القرية والتحدث معهم, ثم ترجع في الساعة الرابعة إلى القصر ويذهب كل في طريقه ويفعل ما يشاء إلى الساعة السادسة بعد الظهر ساعة العشاء بالمؤانسة والألعاب المختلفة إلى الساعة الحادية عشرة وحينئذ كانت تقدم الحلواء والشاي, وبعد ذلك الانصراف. وفي شهر آذار (مارس) سنة 1810 م وصلت "ماريا لويزا" إلى باريس وجرى احتفال إكليلها على "نابوليون" في "سنت كلود", وكان حافلا جدا, وبعد الإكليل دوت باريس بأصوات الطرب فأخذ "نابوليون" عروسه إلى "التوبلمري" من حيث خرجت "جوزفين" منذ ثلاثة أشهر وكانت أصوات المدافع وقرع الأجراس وابتهالات الشعب ثقيلة جدا على قلب "جوزفين" واجتهدت في إخفاء حزنها وغمها, ولكن عبثا تفعل ذلك فإن اصفرار وجهها واغريراق عينيها لم يخفيا أمرها. أما "نابوليون" فبقي يكاتبها ولم تمنع غيرة "ماريا لويزا" زيارته لها وبعد اقترانهما بأكثر من سنة ولد ملك لرومية. وفي نفس المساء الذي وصل هذا الخبر إلى "جوزفين" كتبت رسالة لطيفة إلى "نابوليون" تهنئه بالمولود وهذه خلاصتها: " سيدي, هل يمكن صوت امرأة ضعيفة أن يصل أذنيك في وسط التهاني الكثيرة الآتية إليك من كل جهات أوروبا ومدن فرنسا وأفراد جيشك, وهل تتنازل للإصغاء إلى التي طالما سلت أحزانك وخففت أوجاعك فتتكلم معك عن الفرح العظيم الذي به تحققت كل أمانيك أو تتجاسر التي ليست بعد امرأتك أن تهنئك بأنك صرت والدا. نعم سيدي, لا شك أن من القلب إلى القلب دليلا وأنا أعرف قلبك ولا أظلمك كما أنك أنت تعرف قلبي وأنني أقدر أن أحس معك كما أنك أنت الآن تحس معي ونحن الآن مشتركان بتلك المعاطفة التي تفوق كل شيء وإن كنا مفترقين. كنت أشتهي أن أسمع منك أنت ميلاد ملك رومية, وليس من أصوات المدافع أو والي المقاطعة غير أني أعلم أن واجباتك الأولى هي للمملكة ولسفراء الدول الأجانب ولعائلتك, وعلى الخصوص للأميرة السعيدة التي بلغتك أمانيك. نعم, إنها لا تقدر أن تكون محبة لك أكثر مني ولكنها تمكنت من إتمام سعادتك أكثر مني إذ ولدت هذا الولد لفرنسا, ولذلك كان لها الحق الأول لعواطفك الأولى ولكل اعتنائك. وأما أنا فلم أكن إلا رفيقة لك في أيام الصعوبات, ولذلك فلا أطلب من فؤادك إلا مكانا بعيدا جدا عن المكان الذي تحله الإمبراطورة "لويزا" وغاية ما أؤمله الآن تأخذ قلمك وتتحادث قليلا مع أعز صديقة لك, ولكن ليس قبلما ينتهي سهرك بجانب سرير امرأتك, ولا قبلما تتعب من معانقة ولدك وها أنا ذا بالانتظار. أما أنا فيعتذر علي الإبطاء في إخبارك بأني أفرح لفرحك أكثر من كل إنسان في العالم وأنت لا تشك في خلوص محبتي وصدق كلامي وأنا آسفة على شيء واحد وهو أني لم أفعل حتى الآن ما به الكفاية لأبين لك مقدار حبي لك، وأني لم أسمع شيئاً عن صحة الإمبراطورة سأتجاسر أن أتكل عليك يا سيدي بقدر أملي بك أن اسمع منك عن هذه الحادثة العظيمة التي حصلت دوام الاسم الشريف الذي أنت تمثله وأن "أيوجين" و"هورتنس" سيكتبان لي مفصلا عن ذلك، ولكني منك أشتهي أن أسمع إذا كان ابنك حسناً أو إذا كان يشبهك أو إذا كان يؤذن لي في رؤيته يوما ما، وبالاختصار إني انتظر منك ثقة غير محدودة وعلى ذلك سيدي لي حقوق بالنظر إلى محبتي غير المحدودة التي لا تتغير ما دمت حية". فلما انتهت جوزفين من كتابة هذه الرسالة أرسلتها إلى "نابوليون" ولكنها لم تفتح الباب لترسل رسالتها حتى وقف أمامها رسول "نابوليون" وبيده رسالة منه يبشرها فيها بالمولود فأخذتها "جوزفين" منه وذهبت بها إلى غرفة منامها وبعد نصف ساعة رجعت إلى أصحابها وقد احمرت عيناها من البكاء ورسالة "نابوليون" في يدها ملطخة الدموع، فدفعت إلى رسول الإمبراطور رسالة أخرى كانت قد كتبتها جوابا للإمبراطور على رسالته وأعطته دبوسا من ألماس وألف ريال من الذهب علامة على اعتبارها قيمة البشرى التي حملها إليها، وبعد أن صرفت الرسول أخذت رسالة الإمبراطور وتلتها على أصحابها الحاضرين. ولم ينقطع الإمبراطور بعد ذلك عن زيارة "جوزفين" بل كان يذهب إليها كالأول، ودبر طريقة تمكن بها من تقديم الولد على يديه لها حتى تراه، وكان ذلك في المضرب الملوكي قرب باريس وقد ذكرت "جوزفين" بعد ذلك في إحدى رسائلها إلى "نابليون" أن تلك الدقيقة التي رأته فيها حاملا ولده على يديه كانت أسعد ما لاقته في حياتها لأنها كانت أوضح علامة أظهر فيها محبته الأكيدة لها. أما الغرفة التي كانت منام "نابوليون" في "ملمازون" قبل انفصاله عن "جوزفين" فبقيت كما كانت، وكان مفتاحها مع "جوزفين" وكانت هي تذهب إليها يوميا وتنزع الغبار عن أداوتها وأثاثها ولم تسمح ألبته بتغيير شيء أو نقل شيء من مكانه، وكانت في ألو مدة إتيانها إلى "ملمازون" حزينة كئيبة، وعلامات الكدر والغم تلوح على وجهها على الدوام فأعطاها "نابوليون" قصر "نافار" كان حواليه منتزهات فسيحة تجري فيها الأنهار الصافية وتغرد في أشجارها الطيور الجميلة. وكان هذا القصر أحد القصور الملكية وهو قائم في وسط غابة "إفري" الشهيرة وكان قد تعطل قليلاً في مدة الثورة فأعطى "نابوليون" "جوزفين" 300 ألف ريال لترميمه وإصلاحه فرممته وأصلحته وحسنت فيه أشياء كثيرة حسب ذوقها حتى جعلته كجنة عدن، وصارت تفضله على "ملمازون" وبعد أن نقلت إليه بأيام قليلة كتبت إلى "نابوليون" الرسالة الآتية: "سيدي، تشرفت هذا الصباح برسالتك العزيزة التي كتبتها إلي مساء اليوم الذي تركت فيه "سنت كلود" وقد بادرت إلى إجابتك عما فيها من المواضيع اللطيفة الحبية. والحق أن هذه المواضيع تدهشني، ولكن ما أدهشني غير سرعتها، فإنه ليس لي هنا سوى خمسة عشر يوماً فتأكدت فيها أن محبتك لي تطلب تسليتي وتعزيتي حتى في الوقت الذي نحن فيه منفصلان الانفصال الذي كان لا بد منه لراحتنا كلينا ويقيني أن حسن اعتنائك بي والتفاتك إلي يتبعاني حيث كنت ويعزياني. والآن لم يعد لي شيء أشتهيه بعد اختيار محبة كانت مشتركة وآلام محبة ليست بعد مشتركة، وبعد التمتع بكل السرور الممكن للقوة غير المتناهية أن تمنحه، وبعد أن نلت كل السعادة بنظري على الإنسان الذي أحبه فوق جميع الناس. نعم، إنني لا أشتهي شيئا سوى السكون والراحة وهكذا فإني الآن لا أرى أن لي شيئا من دواعي الحياة سوى عواطفي الحبية نحوك ومحبتك لأولادي والأمل أنه ربما يمكنني أن أفعل بعد شيئا من الخير يؤل على راحتك وسعادتك، لذلك لا تأسف معي لأني هنا بعيدة عن البلاط الذي يظهر أنك تظن أني أتحسر عليه فإني هنا في "نافار" محاطة بأحباء أعزاء وحرية لا تباع أميالي في الفنون وإني أجد نفسي أحسن مما لو كنت في أي مكان آخر. وعندي هناك كثير للعمل لأني أرى حوالي علامات الخرائب التي أحدثتها الثورة الهائلة وسأبذل جهدي لأزيل آثارها من هذا البناء، كما أن سعادتك علمت الناس أن ينسوها، وإصلاح هذه الخرائب ومساعدة المساكين حولي يسراني أكثر من تملق سكان البلاط وما يظهرونه من التصنع والتكلف. إني أخبرتك سابقا عن كل أعضاء هذا البيت ولكني لم أخبرك ما به الكفاية عن سيادة المطران "بورليايرفاني" كل يوم أتعلم منه أمورا جديدة تجعل اعتبار الإنسان الذي يقرن عمل الخير بالسيرة الممدوحة يعظم في عيني، وسأتكل عليه في توزيع صدقاتي في "إفري"، ولما كان هو سيوزعها على الفقراء كنت على ثقة أنها ستوزع على الجميع بالسواء. سيدي، إني لا أقدر أن أقوم بالشكر الواجب لك لأجل الحرية التي متعتني بها في انتخاب أعضاء بيتي الذين يزيدون جميعا في بهجة عيشي البيتية، وليس ما يحسرني ألبتة سوى شيء واحد وهو رسمية اللباس هنا في البرية إلى أن تقول، وإني الآن ألقب بشريفة ليس لأني توجت إمبراطورة لفرنسا بل لأني كنت مختارتك وليس لي قيمة من دون ذلك وحسبي هذا الفخر لتخليد اسمي أما زواري في هذه المدة المتأخرة فأكثر مما كانوا قبلا ويسرني منهم إعجاهم وافتخارهم ب "نابوليون" وبالجملة فإني أجد نفسي كأني في بيتي وأنا في وسط هذا الغاب، لا تنسى صاحبتك، واذكر لها أحيانا أنك حافظ لها جزءا من محبتك لتنتعش روحها به وكرر لها الكلام عن سعادتك، وتأكد أن مستقبلها سيكون مستقبل سلام كما أن الماضي كان مشؤوما بالأحزان والأكدار. وقبل ذهاب "نابوليون" إلى ساحات "روسيا" المهلكة ذهب إلى "جوزفين" وقضى معها ساعتين من الزمان في الجنينة يحادثها بما كان أمامه، وكانت "جوزفين" تحذره من مباشرة هذا العمل الخطير، ولكن ثقته بالنجاح أقنعتها وجعلتها تسلم معه. وفي الختام قبل يدها ونهض للذهاب فرافقته إلى العجلة ولكن لم يمض طويل من الزمن حتى رجع "نابوليون" من "موسكو" فوجد أن كل أوروبا متجندة عليه ومتقدمة نحو عاصمته فذهب في وسط هذه المخاطر إلى "جوزفين" وطلب مواجتها وكانت هذه المواجهة الأخيرة. وفي نهاية هذه الزيارة الأخيرة شخص إليها برهة ساكتا وعلامات الحزن على وجهه ثم قال: "يا جوزفين إني كنت سعيدا كأسعد الناس عاش على وجه الأرض، ولكني في هذه الساعة عندما أرى عواصف تتجمع فوق راسي ليس لي في كل هذا العالم الواسع أحد إلا أنت التي ألتفت إليها وأستريح". وفي أعظم هذه الاضطرابات والانزعاجات الهائلة التي لم يسطر أعظم منها في تاريخ البشر كانت أفكار "نابوليون" دائما عند "جوزفين" رفيقة صباه، وكان يكتب إليها كل يوم تقريرا ويعلمها بالحوادث الجارية ويخبرها عن أحواله والرسائل التي كتبها إليها من مبادئ تلك الحروب، ومن ساحات القتال كانت ألطف وأرق ما كتب لها في حياته فإن المصائب والنكبات كانت قد دمثت أخلاقه حتى في تلك الأيام المضطربة عندما كان يحارب الجيوش الجرارة وكان عرشه آخذا في التقلقل تحت قدميه كانت رسالة من "جوزفين" تنعش روحه مهما كانت شواغله عظيمة. أما الجيوش المتحالفة فكانت آخذة في الاقتراب من باريس وكانت "جوزفين" مهمومة مغمومة بسبب ما حل ب "نابوليون" وكانت هي وكل سيداتها في "ملمازون" يقضين أكثر أوقاتهم في إعداد خيوط الكتان للجرحى الذين ملأوا المستشفيات، وأخيرا لما اقتربت جيوش الدول المتحالفة من "ملمازون" وصار بقاء "جوزفين" هناك من الأمور الخطيرة ركبت عجلتها وسارت إلى "نافار" وذعرت من أصوات العساكر ثلاث مرات في طريقها إذ كانت على مسافة غير بعيدة منها، وبعد أن قطعت نحو ثلاثين ميلا من طريقها انكسرت عجلتها وفي نفس ذلك الوقت رأت أمامها عصبة من الخيالة أتت نحوها فظنتها من عساكر الأعداء، ومن شدة خوفها تركت عجلتها وصارت تركض مع سيداتها في الحقول وكان المطر يهطل حينئذ وعبد أن سرن مسافة أدركن غلطهن ووجدن أن هؤلاء الفرسان فرنسيون، وبعد أن أصلحت العجلة ركبت ثانية وهكذا حتى وصلت "جوزفين" بالسلامة إلى "نافار" وكانت ساكتة في معظم الطريق لا تفوه ببنت شفة. وبعد أن أقامت عدة أيام في "نافار" قلقلة مضطربة البال تنتظر الأخبار عن "نابوليون" أرسل إليها الإمبراطور "إسكندر" إمبراطور الروس خفراء يحرسونها من الاعتداء عليها لأن مئات الألوف من العساكر كانت حينئذ منتشرة في كل تلك الجهات، وقد ألقت الرعب في قلوب سكان تلك النواحي. وكانت جوزفين حينئذ مغمومة حزينة لما الم ب "نابوليون" كانت تقضي كل أوقاتها إما بالكلام عنه، وإما بتلاوة رسائله فإنه كان يكتب إليها بلا انقطاع ويخبرها بأحوال الحرب وبفراره من مكان إلى آخر، ولكن كثيرا من هذه الرسائل لم يصل إليها لأن العساكر المحتلة التي كانت تمسكها عنها وآخر رسالة وصلت إليها قبل الأخيرة كانت من "بريان" يخبرها فيها بما جرى له وبالعصبة القليلة من العساكر الباقية له وأرسل في كتاب آخر يقول: "إني عندما أتذكر أيام شبابي وأقابل سلام تلك الأيام التي مرت علي بالأتعاب والمخاوف التي أتجرعها الآن أركه الحياة وقد سبق لي مرارا كثيرة أنني طلبت الموت بطرق مختلفة ولا يجب أن أخافه الآن وأنا أرى أن موتي الآن يكون بركة، ولكني أريد ثانية أن أرى جوزفين". فلما وصلت هذه الرسالة إلى "جوزفين" لم تقطع الأمل من نجاح "نابوليون" بل أملت أن الإنسان الذي كان كيفما توجه يلاقي النصر والنجاح لا بد من أن يفوز أخيرا ولو كان حينئذ متقهقرا، وكان ذلك رجاءها إلى أن وصلت إليها الرسالة الآتية: "عزيزتي جوزفين -كتبت إليك في الثامن من هذا الشهر ولكن ربما لم يصل كتابي إليك. القتال قائم على ساق وقدم، وربما كان إبطاله ممكنا، وينبغي تجديد المفاوضات والمراسلات الآن، وقد دبرت كل أموري ولا شك أن هذه التذكرة تصل إليك ولا أحتاج أن أكرر ما ذكرت لك سابقا وقد رثيت وقتئذ لحالي، وأما الآن فإني أهنئ نفسي لأجلها. إن راسي وقلبي قد تخلصا من ثقل عظيم، سقطتي عظيمة، ولكن ربما تكون مفيدة - كما قال البعض- وسأبدل القلم بالسيف في تقهقري، وسيكون تاريخ ملكي غريبا. العلام إلى الآن لم يرني كما أنا ولكنني سأريهم نفسي تماما، ولكن ماذا فعل هؤلاء لي إنهم خانوني جميعا إلا "أيوجين" الذي يستحقك ويستحقني -والآن أستودعك الله يا عزيزتي جوزفين، سلمي كما أني أنا أيضا مسلم ولا تنسي الذي لا ينساك ولن ينساك مدى العمر أستودعك الله ثانية يا جوزفين". فلما وصلت هذه الرسالة إلى "جوزفين" تكدرت كدرا عظيما وسكبت دموعا غزيرة حتى إذا سكن روعها قليلا قالت: "لا يجب أن أبقى هنا فإن حضوري لازم للإمبراطور. نعم، إن ذلك من واجبات "ماريا لويزا" أكثر مما هو من واجباتي ولكن الإمبراطور وحده ولا يجب أن أتخلى عنه. نعم، إنه كان في غنى في أوقات سعادته، وأما الآن فلا بد أن يكون في انتظاري". ولما فرغت من هذا الكلام سكتت وتأملت قليلا، ثم التفتت إلى الموكل على بيتها وقالت له: "ربما أعوق الإمبراطور عن أعماله إذا ذهبت، وربما يضطر أن يغير مقاصده لأجلي، أنت ستقيم معي هنا حتى أستخبر من الملوك المتحالفين فإنهم سيحترمون المرا' التي كانت زوجة ل "نابوليون". نعم، إن الملوك المتحالفين ذكروا "جوزفين" وعرفوها فإن سمو تصرفها عند طلاق "نابوليون" لها كان قد ملأ أوروبا حيرة واندهاشا، وقد كتب إليها الملوك المتحالفون يظهرون شعائر احترامهم وطلبوا منها أن ترجع إلى "ملمازون"، ووكلوا عددا وافرا من الحراس بوقايتها، ومن ذلك الوقت كان منتداها مزدحما بالملوك والأشراف الذين أتوا ليقدموا لها الاحترام على فضائلها الكثيرة، وأول من فعل ذلك كان الامبراطور "إسكندر" إمبراطور الروس، فإنه قال عند أول مواجهة لها: "يا سيدة إني كنت ملتهبا بنار الشوق لمعرفتك فإني من يوم دخلت فرنسا لم اسمع اسمك يذكر إلا بالبركة وقد سمعت خبر أعمالك الملائكية من أحقر البيوت إلى أعظم القصور ويسرني أن أقدم لجلالتك احترامات الجمهور التي أنا حاملها". أما "ماريا لويزا" فلم تكن مفكرة إلا بنفسها وقد أبت أن تصحب "نابوليون" في انحطاطه، وأما "جوزفين" فكتبت إليه رسالة تقول فيها: "إني أقدر أن أتصور الآن مقدار مصيبة انفكاك اتحادنا الذي فكته الشريعة وإني الآن أندب حظي ويشق علي أنني لست صديقة لك. ومن لا يحزن ويقطر قلبه دما عند حلول مصيبة هذا مقدارها. آه يا سيدي، حبذا لو كان بوسعي أن أطير غليك وأؤكد لك أن البعد لا يغير إلا ذوي العقول السخفية ولا يستطيع أن يلاشي محبة خالصة زادت المصائب قوتها. لقد أوشكت أن أترك فرنسا وأتبع خطواتك وأخصص لك بقايا حياة أنت زينتها لو كنت أعلم أني أنا الوحيدة التي ستتم واجباتها باتباعك لكنت أذهب على ذلك المكان الوحيد الذي فيه سعادتي وأسليك في وحدتك وتعاستك، قل كلمة واحدة وأنا أذهب حالا، وأما الآن فأستودعك الله يا سيدي لأني مهما زدت على ذلك قليلا جدا، وعواطفي بعد الآن لا تبرهن لك بالكلام بل بالعمل وأرجو أن تسلم بذلك لأنه ضروري". وبعد كتابة هذه الرسالة بأيام قليلة تناول الإمبراطور "إسكندر" وبعض أصحاب الألقاب والرتب طعاماً مع "جوزفين" وفي أول المساء خرج الجميع بنور الشفق إلى خارج وخرجت "جوزفين" معهم، وكانت صحتها منحرفة بسبب الأحزان والأكدار فشعرت بزكام شديد وجعل يزداد يوما فيوما وتنحط معه صحتها وقوتها حتى حكم الطبيب بدنو أجلها، وكان ولداها "أيوجين" و"هورتنس" لا يفارقانها ليلا ولا نهارا، وأخبراها بكلام الطبيب فتلقت تلك البشرى بفرح وسرور وسألت حضور قسيس فحضر وأتم الفروض الدينية، ثم دخل عليها الإمبراطور "إسكندر" فرأى ولديها "أيوجين" و"هورتنس" جاثيين عند فراشها وقد غسلتهما الدموع فأومأت "جوزفين" إلى الإمبراطور أن يقرب منها، فلما اقترب قالت له ولأولادها: "كنت دائما أشتهي سعادة فرنسا وقد فلت كل ما في طاقتي لأجل ذلك وها أناذا أقول لكم في الدقيقة الأخيرة من حياتي أيها الحاضرون الآن إن امرأة "نابوليون الأول" لم تسبب مطلقا انسكاب دمعة واحدة من عين واحدة". ثم طلبت صورة الإمبراطور، فلما أحضروها التفتت إليها وعلامات الرقة والمحبة تلوح على وجهها ثم أخذتها وقربتها إلى صدرها ووضعت يديها فوقها وصلت قائلة: "اللهم أحرس الإمبراطور مدة بقائه في صحراء هذه الدنيا واأسفاه إنه ارتكب غلطات فاحشة ولكنه لم يعوض عنها بآلام عظيمة، وأنت وحدك أيها الإله قد عرفت قلبه وعلمت أنه كان في نفسه أميال شديدة على صلاح أشياء كثيرة، فتنازل واصغ إلى تضرعي الأخير. واجعل هذه الصورة صورة زوجي تشهد أن رغبتي وصلاتي الأخيرة كانتا لأجله ولأجل أولادي". وكان ضلك في التاسع والعشرين من شهر أيار (مايو) سنة 1814م، وكانت الشمس قد قاربت الغروب فألقت بعض أشعتها المذهبة من نوافذ غرفة "جوزفين" المفتوحة، وكان النسيم اللطيف يتلاعب بالأشجار والطيور تغرد فيها. وبين حفيف الأشجار وتغريد الأطيار القت "جوزفين عينيها على صورة "نابوليون" وأسلمت الروح، فلما رأى الإمبراطور "إسكندر" أنها قد فارقت الروح قال والدموع تتساقط من عينيه: "ليست بعد تلك المرأة التي سمتها فرنسا: "محبة الخير، وملاك الصلاح"، وكل هؤلاء الذين عرفوا "جوزفين" لا ينسونها فإنها ماتت وتركت الأسف الشديد لأولادها ولأصدقائها ومعارفها". وبعد موتها بأربعة أيام احتفل بجنازتها، وكان ذلك في الثاني من حزيران (يونيو) عند الظهيرة فأخذوها من "ملمازون" إلى "رويل" وواروها بالتراب في دار الكنيسة وقد شهد احتفال الجنازة أعظم ملوك أوروبا وأشرافها، وبعد تمام كل الواجبات ورجوع الجميع بقي ولداها "أيوجين" و"هورتنس" هناك ثم جثوا على قبرها وبقيا برهة يمزجان الصلاة بالدموع، وقد جاء أكثر من عشرين ألف نفس من الأهالي وشاهدوا جثتها وبقولا يترددون عليها مدة أربعة أيام متوالية قبل دفنها. وقد أقام ولدها بعد ذلك نصبا من الرخام الأبيض مثلاها به، وهي لابسة الحلة التي توجت فيها، وقد جثت للتتويج أقامها فوق قبرها وكتبا عليه هذه الكلمات: "أيوجين وهورتنس لأجل جوزفين". |
||||
|
| الأوسمة والجوائز لـ » المحارب |
| بينات الاتصال لـ » المحارب |
| اخر مواضيع » المحارب |
| إحصائية مشاركات » المحارب | |
| عدد المواضيـع : | 456 |
| عدد الـــــــردود : | 658 |
| المجمــــــــــوع : | 1,114 |
|
|
رقم المشاركة : ( 6 ) | ||||
|
نائب المدير العام للأنساب والمشجرات
|
حرف الحاء
الحارثية ابن زيد هي بنت زيد بن بدر العرائي والغداني، وكانت من النساء المشهورات بالحماس والافتخار ولها أشعار مقبولة حسنة ومراث بديعة منها ما قالته: صلى الإله على قبر وطهره عند الثوبة تسفى فوقه المور زفت إليه قريش نعش سيدها فثم كل التقى والبر مقبـور أبا الـمـغـيرة والـدنـيا مـغـيرة وإن من غرت الدنـيا لـمـغـرور قد كان عندك للمـعـروف مـعـرفة وكان عندك للتـنـكـير تـنـكـير لم يعرف الناس مذ كفنـت سـيدهـم ولم يجل ظـلامـا عـنـهـم نـور لو خلـد الـخـير والإسـلام ذا قـدم إذا لـخـلـدك الإسـلام والـخـير قد كنت تخشى وتعطي المال مـن س عة إن كان بيتك أضحى وهو مهجور والناس بعدك قد خفت حـلـومـهـم كأنما نفخـت فـيهـا الاعـصـاير حبابة جارية يزيد بن عبد الملك بن مروان الأموي هي مولدة مدنية كانت صبيحة الوجه، مليحة النادرة، لطيفة المحاضرة، خفيفة الروح، غردة الصوت، شجية الغناء، ضاربة بالعود أخذت أصواتها عن ابن سريج وابن محرز ومالك وكان يزيد مغرما بالنساء شدد الكلف بهن فهام بها ولا هيام قيس بليلى، وعلقها ولا علوق أبي نواس بجنان، فتهتك وخلع عذاره، وانقطع إليها ليله ونهاره تاركا بين أيديها أزمة دينه ودنياه، فكانت تعزل من تشاء وتولي من تشاء وتحول بينه وبين الصوم والصلاة حتى اشتهر أمره وساء ذكره، ولوقائعه معها فكاهات ونوادر تركناها لكثرة تداولها بين الناس: قيل: إنه نزل معها يوما ببيت راس (وهي قرية من قرى الشام). فقال: زعم السلف أن الدهر لا يصفو لأحد يوما كاملا، وماذا علي لو غادرت كلامهم نجما آفلا، ثم قال لغلامه: ويحك، لا تمكن أحدا من الوقوف ببابي، ولا تدع إنسانا يخرق حجابي. ثم خلا بحبابة وما برح معها في لهو وطرب، وهزل ولعب، حتى استقام قسطاس النهار فدعا بطبق رمان كأنه شعلة نار أو باقوت تحته بلار أو حب آس غاص بالجلنار فشرقت حبابة بحبة منه ذهبت بروحها إلى عالم العدم، فصاح يزيد صيحة الألم وطارت نفسه بأثرها شعاعا وطفق يعض أنامله جزعا والتياعا، وما فتئ يقبلها وينوح وهو على مثل شوك القتاد حتى سطع ريحها وأدركها الفساد فأودعهوها الثرى حتف أنفه وهو يدمي بثناياه باطن كفه، ومازال يذري بعدها العبرات ويردد الأنين والسحرات، حتى نزلت به منيته بعدأسبوعين وهو معانق ضريحها فدفن حذاءها ولسان حاله يقول: أموت على إثر الحبيبة ظاعنـا ليجتمع الروحان في عالم الخلد وكان ذلك في سنة 105 للهرجة. ومن شعره فيها: أبلغ حبابة أسقى ربعها المـطـر ما الفؤاد سوى ذكراكم وطـر إن سار صحبي لم أملك تذكرهـم أو عرسوا فهموم النفس والهسر ومن شعرها له: إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهـوى فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا فما لاعيش إلا ما تلذ وتشتهي=وإن لام فيه ذو الشنان وفندا وكان سبب شراء حبابة أن يزيد قد حج أيام أخيه سليمان فاشترى حبابة بأربعة آلاف دينار وكا اسمها غالية. وقال سليمان: لقد هممت أن أحجر على يزيد فردها يزيد فاشتراها رجل من أهل مصر فلما أفضت الخلافة إلى يزيد قالت له امرأته سعدة: هل بقي من الدنيا شيء تتمناه؟ قال: حبابة، فأرسلت فاشترتها ثم صيغتها وألبستها وأتت بها يزيد فأجلستها من وراء الستر، وقالت: يا أمير المؤمنين، هل بقي من الدنيا شيء تتمناه؟ قال: قد أعلمتك، فرفعت الستر، وقالت: هذه حبابة، وقامت وتركتها عنده، فحظيت سعدة عنده، وأكرمها وسعدة هذه بنت عبد الله بن عمر بن عثمان. قيل: وغنت حبابة يوما: وبين التراقي واللهاة حـرارة وما ظمئت ماء يسوغ فتبردا فأهوى ليطير فقالت: يا أمير المؤمنين، إن لنا فيك حاجة. فقال: والله لأطيرن. فقالت: على من تخلف الأمة والملك؟ قال: عليك والله، ثم قبل يدها. فخرج بعض خدمه وهو يقول: سخنت عينك فما أسخفك. حبيبة هانم بنت علي باشا الهرسكي من أديبات الأستانة وشاعرات هذا العصر. ولدت سنة 1262 هجرية في مدينة "هرسك" وهي نادرة زمانها حازت من الفصاحة والآداب الجزء الاعظم ولها أشعار رائقة ومعان فائقة: ومن بديع شعرها ما وجدته في كتاب مشاهير النساء لمحمد أفندي ذهني باللغة التركية فأدرجته بحروفه: جكردة تبغ غمزه زخمى واركن آثمة يبكانك تيراي فاشي باي أرتق تيرد بريميه من كانك نكاه مسكنه جاناكة شابان كـوردك اغـيارى بنه نوباره لرآجدي دونه تبغ هـجـرانـك أو غافل بل خبر نادان عدو به همدم أولمشين وصالكدن يزي دورايلدك واراولسون احانك اميدمرحمت قلمق عبثدرسنـدن أي كـافـر سني بي ذين ديمشلردي ازلدن بوقدر آيمانك حبيبه يى دوادرددن خلاص أولمقده مشكـدر اميدا يتمز اسيردرد أولانلر غيرى درمانك حبوس ابنة الامير بشير بن محمد الشهابي ابن حيدر بن سليمان بن فخر الدين بن يحيى بن مذحج بن محمد بن جمال الدين ا؛مد لاذي شهد وقعة "مرج دابق" بين السلطان سليم وقانصوه الغوري. ولدت سنة 1182 هجرية في الشونصات، وكانت حاذقة، سديدة الرأي، ثابتة الجنان، عالية الهمة، كريمة اليد والنفس. تزوجت بالأمير عباس بن فخر الدين وكانت تجالس الرجال وتقودهم بفصاحة خطابها وكانت تعول من يلتجئ إليها وتعامله معاملة القريب والصديق وتجاهد في إقامة الحقوق لهم، وإن لم تكن، وأما من لم يكن على غرضها فلم يجد راحة في معيشة، ولو كان صاحب حق وما ذلك غلا لنفوذ سطوتها عند الحكام. وفي سنة 1208 ه جعلها الأمير بشير حاكمة على مقاطعة العرب فأدارت الحكم بفطنة لا مزيد عليها، ولما سجن الأمير بشير وأخوه الأمير حسن والشيخ بشير جنبلاط في سجن أحمد باشا الجزار بعكا أرسلت إلى الأمير بشير أموالا جزيلة، وقامت بأمر عياله، وأخذت تجتهد في استمالة الناس إليه. ولما ولى عبد الله باشا على الجبل الأمير حسن والأمير سليمان الشهابيين إذ تعهد له بزيادة المرتب من المال على الجبل سارت هي برفقة الأمير بشير والشيخ بشير إلى حوران، وكانت تخابرهما في شأن أحوال البلاد. ويروى أنها حاربت العرب إذ تعدوا على دروز حوران واستظهرت عليهم، ثم رجع الأمير بشير إلى ولايته فعادت إلى منصبها، ثم وقع الاختلاف بينها وبين الأمير بشير سنة 1237 ه بعد اعتقال عبد الله باشا وتوسط الأمير بشير أمره في مصر وعوده ظافراً، وكانت متحدة مع الشيخ بشير في مقاومة الأمير بشير فصادره الأمير بشير بعد رجوعه وأتعبه، فلما غلب الشيخ بشير سنة 1240 ه توجهت إلى بشامون فأتى الأمير بشير قاسم التهامي بامر الامير بشير عمر الحاكم ليصادرها في أموالها، وشدد عليها فما لبثت أن ماتت في تلك الأثناء. قيل: حتف أنفها. وقيل: بدسيسة من الأمير بشير وكان عمرها 58 سنة. ودفنت ببشامون وخلفت أولادها الأربعة وهم: الأمير منصور، والأمير أحمد، والأمير حيدر، والأمير أمين. وكانت اعتنت بتربيتهم بعد موت زوجها اعتناءا حتى نبغوا بين الأمراء الشهابيين. حبيبة بنت مالك بن بدر كانت عقل ثاقب، وفكر صائب، ترجع إليها رؤساء قبيلتها بالرأي ويشاورونها في مهام الأمور وكانت بهية الطلعة، حسنة الهيئة، لها بعض أشعار رائقة، ومقالات فائقة. وكان أبوها مالك بن بدر قتل في حرب داحس والغبراء بسبب الرهان المشهور قتله جنيدب أحد بني رواحة فقالت ترثيه: لله عينا من رأى مـثـل مـالـك عقيرة قوم إن جـرى فـرسـان فليتهما لم يشربـا قـط قـطـرة وليتهمـا لـم يرسـلا لـرهـان أحربه أمـس الـجـنـيدب نـدرة فأي قتيل كان فـي غـطـفـان إذا سجعت بالرقمـتـين حـمـامة أو الرس فابكي أنت فارس كنعان حبيبة بنت عبد العزى العوراء كانت من كرماء النساء المشار إليهن في ذاك الزمان وشاعراتهم الموصوفات، ولقبت بالعوراء لكونها كانت ذات حول في عينها. ومن شعرها في ذلك قولها: أإلى الفتى بر تلكـأ نـاقـتـي فكسا مناسمها النجيع الأسـود إني ورب الراقصات على منى بجنوب مكة هديهن مقـلـد أولى على هلك الطعـام ألـية أبدا ولكنـي أبـين وأنـشـد وصى بها جدي وعلمني أبـي نفض الوعاء وكل زاد ينفـد فاحفظ يمينك لا أبا لك واحترس لا تخرقنه فأره أو جـد جـد حدقة جارية الملك الناصر بن قلاون تربت في دار الملك الناصر وتعلمت الغناء والأدب وتدبير المنزل، وتخرجت على "مسكة" القهرمانية، وتعلمت منها جميع ما يلزم للمنازل الملوكية من التدبير. ولما توفيت "مسكة" تولت وظيفتها وقامت مقامها وصارت قهرمانية البيت السلطاني وصاروا يرجعون غليها في الأمور المتعلقة بالأعراس والمهمات وتربية الأولاد وعمرت زيادة عن "مسكة" وبذلك صار لها حظوة عند السلطان وحريمه مسموعة الكلمة منهما، ومن كثرة إحسانها وبرها تقاطر عليها المحتاجون لقضاء حوائجهم، سواء كان عند السلطان أو حرمه أو عندها، وهي لا ترد طالبا ولا ترجع أحدا خائبا. وتقدمت لها هدايا كثيرة من الأمراء والأعيان وكل منهم كان يتمنى رضاها. وقد بنت جملة بنايات خيرية أوقفتها لصرف ريعها في وجوه الخير، وعلى الجامع الذي بنته بخط المريس في جانب الخليج الكبير مما يلي الغرب بالقرب من قنطرة السد التي هي خارج مدينة مصر، وكان انتهاء بناء هذا الجامع في 20 جمادى الآخرة سنة 737. ولما توفيت "حدقة" دفنت فيه وقبرها معروفللآن. وأما الجامع فإنه تخرب ولم يبق غير آثاره، وهو غير مقام الشعائر الآن. حسانة النميرية ابنة أبي الحسين الشاعر الأندلسي كانت أحسن نساء زمانها، وأفصحهن مقالا، وأجملهن فعالا، تأدبت وتعلمت الشعر من أبيها، فلما مات أبوها كتبت إلى الحكم أمير الأندلس -وهي غذ ذاك بكر لم تتزوج- بهذه الأبيات: إني إليك أبا العاصـي مـوجـعة أبا الحسين سقته الواكف الـديم قد كنت أرتع في نعماه عـاكـفة فاليوم آوي إلى نعماك يا حكـم أنت الإمام الذي انقاد الأنـام لـه وملكته مقاليد النـهـى الأمـم لا شيء أخشى إذا ما كنت لي كنفا آوي إليه ولا يعرونـي الـعـدم لا زلت بالعزة القعساء مـرتـديا حتى تذل إليك العرب والعجـم فلما وقف الحكم على شعرها استحسنه وأمر لها بإجراء مرتب وكتب إلى عامله على "ألبيرة" فجهزها بأحسن جهاز. ويحكى أنها وفدت على ابنه عبد الرحمن متشكية من عامله جابر بن لبيد والي "ألبيرة"، وكان الحكم قد وقع لها بخط يده تحرير أملاكها، فلم يفدها، فدخلت إلى الإمام عبد الرحمن فأقامت بفنائه وتلطفت مع بعض نسائه حتى أوصلتها إليه، وهو في حال طرب وسرور، فانتسبت إليهن فعرفها وعرف أباها، ثم أنشدت: إلى ذي الندى والمجد سارت ركـائب ي على شحط تصلى بنار الهواجـر ليجيز صدعـي إنـه خـير جـابـر ويمنعني من ذي المظـالـم جـابـر فإني وأيتـامـي بـقـبـضة كـفـه كذي ريش أضحى في مخالب كاسر جدير لمـثـلـي أن يقـال بـسـرعة بموت أبي العاصي الذي كان ناصري سقاه الحيا لو كان حيا لمـا اعـتـدى على زمان باطـش بـطـش قـادر أيمحو الذي خطتـه يمـنـاه جـابـر لقد سام بالأملاك إحدى الـكـبـائر ولما فرغت رفعت إليه خط والده وحكت جميع أمرها فرق لها، وأخذ خط أبيه فقبله ووضعه على عينه وقال: تعدى ابن لبيد طوره حتى رام نقض رأي الحكم، وحسبنا أن نسلك سبيله بعده ونحفظ بعد موته عهده انصرفي فقد عزلته لك، ووقع لها بمثل توقيع أبيه الحكم فقبلت يده وأمر لها بجائزة، فانصرفت وبعثت إليه بقصيدة منها: ابن الهشامين خير النـاس مـأثـره وخـير مـنـتـج يومـا لـرواد إن هز يوم الوغى أثناء صـعـدتـه روى أنابيبها من صرف فرصـاد قل للإمام أيا خير الورى نـسـبـا مقـابـلا بـين آبـاء وأجـــدا جودت طبعي ولم ترض الظلامة لي فهاك فضل ثـنـاء رائح غـادي فإن أقمت ففي نعـمـاك عـاكـفة وإن رحلت فقد زودتـنـي زادي وبقيت على ذلك مدة حياتها وهي مغمورة بخيراتها ومشهورة بالجود والكرم والأدب والحكم. حفصة ابنة حمدون كانت فاضلة، روض فضلها أريج، وحدائق معلوماتها وأدبها بهيج، وشاعرة رقت وكثر اختراعها للمعاني وإبداعها، تسترق القلوب بألفاظها الزاهرة، وتسكر العقول بمعانيها الساحرة تنظم فتأتي بكل عجيبة وتشنف الأسماع بكل غريبة، وتنثر فتفتض أبكار الدقائق بنظرها الثاقب، وتجلى غياهب المشكلات بفكرها الصائب هي من وادي الحجارة بالأندلس، وهي من أهل المائة الرابعة. ومن شعرها: رأى ابن جميل أن يرى الدهر مجملا فكل الورى قد عمهم صيب نعمته له خلق كالخمر بعد امتزاجـهـا وحسن فما أحلاه من حين خلفته بوجه كمثل الشمس يدعو ببشـره عيونا ويغشيها بإفراط هيبـتـه ولها أيضا: لي حبيب لا ينثنـي بـعـتـاب وإذا ما تركـتـه زاد تـيهـا قال لي هل رأيت لي من شبيه قلت أيضا وهل ترى لي شبيها ولها تذم عبيدها: يا رب إني من عبيدي عـلـى جمر الغضا ما فيهم من نجيب أما جهول أبـلـه مـتـعـب أو فطن من كبـر لا يجـيب ومن قولها أيضا: يا وحشتي يا وحشتي يا وحشة متمـادية يا لـيلة ودعـتـه يا ليلة هي ماهية حفصة ابنة الحجاج الركونية كانت أديبة في زمانها, أبلغ شعراء أوانها شعرا وأدقهم نظرا. شعرها جيد ذات رونق فائق, وديباجة حسنة. وكان لها اليد الطولى في سبك المعاني, واستعمال الألفاظ الشائقة. ولم يكن شعرها مع جودته مقصورا على أسلوب واحد, بل كانت تتفنن فيه وتدخل في أساليب مختلفة, وكانت غزيرة المادة من الأدب مطلعة على شعر العرب الخلص وغيرهم. وكانت تكتب الخط الجيد وهي من أذكياء العرب المشهود لهم بالتفوق والبراعة في مبدأ أمرها كثيرا, وحفظت كثيرا, ولما كبرت وشبت ظهر لها جمال بارع كانت تبهر العقول به, وكانت حسيبة نسيبة غنية, ذات مال وافر, هويها جملة من أجلاء عصرها وأدباء زمانها, ولم تلتفت لأحد منهم سوى أبي جعفر بن سعيد, وكانت معه على عفة زائدة. وقالت يوما ارتجالا بين يدي أمير المؤمنين عبد المؤمن: يا سيد الناس يا من يؤمل الناس رفده أمنن علي بطرس يكون للدهر عده تخط يمنـاك فـيه الحمد لله وحـده وأشارت بذلك إلى العلامة السلطانية عند الموحدين فإنها كانت بكتب السلطان بيده بخط غليظ في رأس المنشور الحمد لله وحده. ومن قولها أيضا في الغزل: ثنائي على تلك الثنـايا لأنـنـي أقول على علم وأنطق عن خبر وأنصفها لا أكذب اللـه إنـنـي رشفت بها ريقا أرق من الخمر وولع بها السيد أبو سعيد عبد المؤمن ملك غرناطة، وتغير بسببها على أبي جعفر بن سعيد حتى أدى عليه أن قتله، وطلب أبو جعفر منها الاجتماع فمطلته قدر شهرين فكتب إليها: يا من أجانـب ذكـر اس مه وحسبي عـلامـه ما إن أرى الوعد يقضي والعمر أخشى انصرامه الـيوم أرجــوك لا أن يكون لي في الـقـيامة لو قد بصرت بـحـالـي والليل أرخى ظلامـه أنـوح شـوقـا ووجـدا إذ تستريح الحـمـامة صب أطـال هـــواه على الحبيب غـرامـه لمـن يتـيه عـلـــيه ولا يرد ســــلامة إذ لم تـنـيلـي أريحـي فاليأس يثني زمـامـه فأجابته تقول: يا مدعي في هوى الحس ن والغـرام الإمـامة أتى قـريضـك لـكـن لم أرض منه نظامـه أمدعي الحـب يثـنـي يأس الحبيب زمـامـه ضللـت كـل ضـلال ولم تفدك الزعـامـه ما زلت تصحب مذ كن ت في السباق السلامه حتى عثرت وأخـجـل ت بافتضاح السـآمـه باللـه فـي كـل وقـت يبدي السحاب انسجامه والزهر في كـل حـين يشق عنه كـمـامـه لو كنت تعرف عـذري كففت غرب المـلامة ووجهت هذه الأبيات مع موصل أبياته بعدما لعنته وسبته وقالت له: لعن الله المرسل والمرسول فما في جميعكما خير ولا برؤيتكما حاجة، وانصرف بغاية من الخذلان، ولما أطال على أبي جعفر وهو قلق لانتظاره قال له: ما وراءك يا عصام؟ قال: ما يكون وراء من وجهه خلق إلى فاعلة تاركة. اقرأ الأبيات تعلم، فلما قرأ الأبيات قال للرسول: ما أسخف عقلك وأجهلك: إنها وعدتني للقبة التي في جنت المعروفة بالكمامة، سر بنا. فبادرا إلى الكمامة فما كان إلا قليل وإذا بها قد وصلت وأراد عتبها فأنشدت: دعي عد الذنوب إذا التقينا تعالي لان عد ولا تعدي وجلسا على أحسن حالة، وإذا برقعة الكندي الشاعر لأبي جعفر وفيها: أبا جعفر يا ابن الكرام الأماجد كتوم عليم باختفاء المراصد يبيت إذا يخلو المحب بحـبـه ممتع لذات بخـمـس ولائد فقرأها على حفصة فقالت: لعنة الله قد سمعنا بالوارش عليهما فقال لها: بالله سميه لنكتب له بذلك. فقالت: أسميه الحائل لأنه يحول بيني وبينك إن وقعت عيني عليه فكتب له في ظهر رقعته: يا مـن إذا أتـانـــي جعلته نصب عـينـي نراك ترضى جلـوسـا بين الحبيب وبـينـي إن كـان ذاك فـمـاذا تبغي سوى قرب حيني والآن قد حصلـت لـي بعد المـطـال بـدين فإن أتـيت فـدفـعــا منها بكلـتـا الـيدين أو ليس تبغي وحـاشـا ك أن ترى طير بيني وفي حنينك في الـخـم ر كل قـبـح وشـين فلـيس حـقـــك إلا الخلو بـالـقـمـرين وكتب له تحت ذلك ما كان منهما من الكلام وذيل ذلك بقوله: سماك مـن أهـواه حـائل إن كنت بعد العتب واصل مع أن لـونـك مـزعـج لو كنت تحبس بالسلاسل فلما رجع إليه الرسول وجده قد وقع بمتمورة النجاسة وصار هتكة، فلما قرأ الأبيات قال للرسول: ارجع وأعلمهما بحالي، فرجع الرسول وأخبرهما بذلك، فكاد أن يغشى عليهما من الضحك وكتبا إليه ارتجالا كل واحد بيتا، وابتدأ أبو جعفر فقال: قل للذي خـلـصـنـا من الوقوع في الخرا ارجع كما شاء الخـرا ابن الخرا إلى الورا وإن تعد يوما عـلـى وصالنا سوف تـرى يا أسقط الـنـاس ويا أنذلهـم بـلا مـرا هذا مدى الدهـر تـلا قي لو أتيت في الكرا يا لحية تشـق فـي ال مخرا وتنشا العنبـرا لا قرب الله اجـتـمـا عا بك حتى تقـبـرا فلما وصلته الرقعة علم أنه ليس مقبولا لديهما، فانصرف من حيث أتى وبقيا يومهما ينتهبان اللذات ويتعاطيان المسرات بدون ريبة تقع من أحدهما حتى آن أوان الانصراف، فانصرفا ولك منهما له نحو صاحبه انعطاف. ومن شعرها: سلام يفتح فـي زهـرة ال كمام وينطق ورق الغصون على نازح ثوى في الحشـا وإن كان تحرم منه الجفون فلا تحسبوا العبد ينـسـاكـم فذلك واللـه مـا لا يكـون وقولها من أبيات: ولو لم يكن نجما كان ناظـري وقد غبت عنه مظلما بعد نوره سلام على تلك المحاسن من شج تناءت بنعماه وطيب سـروره وقولها: سلوا البارق الخفاق والليل ساكن أظل بأحبابي يذكروني وهنـا لعمري لقد أهدى لقلبي خـفـقة وأمطرني منهل عارضة الجفنا ونسب إليها البيتان المشهوران: أغار عليك من عيني ومني ومنك ومن زمانك والمكان ولو أني خبأتك في عيونـي إلى يوم القيامة ما كفانـي وكتبت إلى أبي جعفر: رأسـت فـمـا زال الـعـداة بــظـــلـــمـــهـــم زجـهـلـهـم الـنـامــي يقـــولـــون لـــم رأس وهل منكر أن ساد أهل زمانه جموح إلى العليا حرون عن الدنس وقال ابن رحبة: حفصة من أشراف غرناطة رخيمة الشعر، رقيقة النظم والنثر. ومن قولها في السيد أبي سعيد ملك غرناطة تهنئه بيوم عيد وكتبت بذلك إليه: يا ذا العلا وابن الخلي فة والإمام المرتضى يهنيك عيد قـد جـرى فيه بما تهوى القضا وأتاك من تهـواه فـي قيد الإنابة والرضـا ليعـيد مـن لـذاتـه ما قد تصرم وانقضى وسألتها امرأة من أعيان غرناطة أن تكتب لها شيئا بخطها فكتبت إليها: يا ربة الحسن بل يا ربة الكـرم غضي جفونك عما خطه قلمي تصفحيه بلحظ الود مـنـعـمة لا تحفلي برديء الخط والكلم واتفق أنه بات أبو جعفر معها في بستان بحوز مؤمل على ما يبيت به الروض والنسيم من طيب النفحة والنضارة، فلما حان الانفصال قال أبو جعفر وكان يهواها كما سبق: رعـى الـلـه لـيلا لـــم يرح بـــمـــذمـــم عشــية وارانـــا بـــحـــوز مـــؤمـــل وقد خفقت من نحو نجد أريجة إذا نفحت هبت بريا القرنفل وغرد قمري على الدوح وانثنى قضـيب مـن الـريحـان مـن فـــوق جـــدول يرى الـروض مـسـرورا بـمـا قـد بـــدا لـــه عنـاق وضـم وارتــشـــاف مـــقـــبـــل وكتب بها إليها بعد الافتراق لتجيبه على عادتها بمثل ذلك فكتبت إليه قولها: لعمرك ما سر الرياض بوصلنا ولكنه أبدى لنا الغل والحسـد ولا صفق النهر ارتياحا لقربنا ولا غرد القمري إلا لما وجد فلا تحسن الظن الذي أنت أهلـه فما هو في كل المواطن بالرشد فما خلت هذا الأفق أبدى نجومه بأمر سوى كيما يكون لنا رصد وكتبت حفصة إلى بعض أصحابها: أزورك أمتزور فإن قلبـي إلى ما تشتهي أبدا يمـيل فثغري مورد عـذب زلال وفرع ذوائبي ظل ظلـيل وقد أملت أن تظمأ وتضحى إذا وافى إليك بي المقيل فعجل بالجواب فما جمـيل إباؤك عن بثينة يا جمـيل وقال أبو جعفر بن سعيد: أقسك ما رأيت ولا سمعت بمثل حفصة، ومن بعض ما أجعله دليلا على تصديق عزمي وبر قسمي أني كنت يوما في منزلي مع من أحب أن أخلو معه من الأجواد الكرام على راحة سمحت بها غفلات الأيام، فلم اشعر إلا بالباب يضرب فخرجت جارية تنظر من الضارب فوجدت امرأة فقالت لها: ما تريدين؟ قالت: ادفعي لسيدك هذه الرقعة فجاءت برقعة فيها: زائر قد أتى بجيد الـغـزال مطلع تحت جنحه للهـلال بلحاظ من سحر بابل صيغـت ورضاب يفوق بنت الدوالي يفضح الورد ما حوى منه خد وكذا الثغر فاضح لـلألـي ما ترى ف دخوله بـعـد إذن أو تراه لعارض في انفصال قال: فعلمت أنها حفصة وقمت مبادر للباب وقابلتها بما يقابل به من يشفع له حسنه وآدابه والغرام به، وتفضله بزيارة من دون طلب في وقت الرغبة في الأنس به وفضلنا ليلة لم يسمح لنا بمثلها الزمان ولا لقيصر ولا لكسرى أنوشروان، وبقيت حفصة محافظة على وداد أبي جعفر إلى أن نكب وقتل. وقد رثته بمرات كثيرة لم ير مثلها، ولكون قتل أبي سعيد كان من أجلها لم تتمكن من نشرها، وبقيت بعده مدة طويلة وهي حزينة عليه لا تلتفت إلى السمرات ولا تألف الاجتماعات حتى دعاها داعي المنون فلبت وهي ذات شجون حليمة الحضرية كانت من نساء بني عبس الموصوفات بالعقل والحكمة ولها شعر رائق وروى لها الزبير بن بكار من أبيات رثاء في زوجها: يقر لعيني أن أرى لـمـكـانـه ذرى عقدات الأجرع المتفـاود وأن أرد الماء الذي شربـت بـه سليمى وإن مل السرى كل واحد وألصق أحشائي بـبـرد تـرابـه وإن كان مخلوطا بسم الأسـاود لقد كنت أخشى لو تمليت خشيتـي عليك الليالي مرها وانفتالـهـا فأما وقد أصبحت في قبضة الردى فشأن المنايا فلتصب من بدا لهـا حمدونية بنت عيسى بن موسى كانت ذات حسن وجمال، وصيانة وأدب. حجت إلى بيت الله الحرام في زمن المتوكل العباسي. قال محمد بن صالح العلوي: لما خرجنا على المتوكل أخذت أنا وأصحابي قافلة الحاج فجمعنا أموالا ومتاعا لا يحصى، وكنت قد جلست على كرسي في بعض المراحل وقت نزولنا وأصحابي يجمعون المال، وإذا أنا بامرأة قد رفعت سجاف هودج فأضاء منها المكان ولا إضاءة الشمس، فقالت: أين الشريف صاحب السرية فلي إليه حاجة؟ قلت: إنه يسمع كلامك. فقالت: أنا حمدونية بنت عيسى بن موسى، تعلم مكاننا عند الخليفة وأنا أسألك أن تأخذ مني ثلاثين ألف دينار مع أني أعطيتك ما في يدك، ولكن أسألك بفضلك أن لا يكشف لي أحد وجها. فناديت أصحابي، فلما اجتمعوا قلت: من أخذ منكم من هذه القافلة عقالا أذنته بحرب. فردوا حتى الأطعمة وخفرتهم إلى المأمن، فلما ظفر بي الخليفة وحبسني بسر من رأى دخل علي السجان يوما وقال: إن بالباب امرأتين من أهلك تريدان الدخول عليم ولوا أن دفعنا إلي دملج ذهب ما أذنت لهما، فقد منع الخليفة أن يدخل عليك أحد، فخرجت فإذا أنا بها مع امرأة وجارية تحمل شيئاً فلما بصرت بي قالت: أي والله هو، وبكت لما أنا فيه، ثم قبلت قدمي وقالت: لو استطعت أن أقيك بنفسي لفعلت، ولكني لا أقصر في خلاصك ودونك هذه النفقة ورسولي يأتيك في كل يوم بما تريد حتى يفرج الله عنك، ودفعت إلي بخمسمائة دينار وثيابا وطيبا وطعاما وانصرفت وقد أضرمت بقلبي نارا قدحتها النظرة الأولى، فأنشدت: طرب الفؤاد وعاودت أحزانه وتشعبت بشعابه أشجـانـه وبدا له من بعدما اندمل الهوى برق تألق موهنا لمعـانـه يبدو كحاشية الـرداء ودونـه صعب الذرى متمنعا أركانه يبدو فينظر أي لاح فلم يطـق نظرا غليه وصده سبحانـه فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه والماء ما سحت به أجفانـه يا قلب لا يذهب بحلمك بـاخـل بالنيل باذل تـافـه مـنـانـه واقنع بما قسم الإلـه فـأمـره ما لا يزال على الفتى إتيانـه والبؤس ماض لا يدوم كما مضى عصر النعيم وزال عنك أوانه ولم يزل رسولها يعاودني بالإحسان وملاطفة السجان إلى أن خرجت وعظم أمري عند الخليفة، فخطبتها، فامتنع أبوها فكان سجن هواها أعظم علي من السجن، فلم أر إلا أن أتيت إبراهيم بن المقتدر فأخبرته بذلك، وكان أبوها في ضيعته، فركب إليه فلم يفارقه حتى زوجني بها وبقينا متمتعين بنعيم عيشنا إلى أن توفيت وأصابني بعدها الحزن والشجون ولابن صالح فيها أشعار كثيرة لم تصل إلي معرفتها. حمد بنت زياد من وادي أشن بالأندلس، وهي خنساء المغرب وشاعرة الأندلس أديبة زمانها، وغريبة أوانها. كان الأدب نقطة من حوضها، وزهرة من روضها، لها المنطق الذي يقوم شاهدا بفضل لسان العرب، ويفتح على البلغاء أبواب العجز، ويسد عليهم صدور الخطب، فإن ا,جزت أعجزت بالمقال، وإن أطالبت كاثرت الغيث الهطال، مع مطارحة تذهب في الاستفادة مذهب الحكم، وأخلاق تحدث عن لطف الزهر غب الديم مرمى الترنم بذكرها المتعطر بنشر حمدها وشكرها، والنسيم نم بمرآها على الحدائق، والصبح يشرق بنور الشمس الشارق. روت عن العلماء الأفاضل ورووا عنها، ومنهم: العالم العلامة، البحر الحبر الفهامة، أبوالقاسم بن البراق. ومن عجيب شعرها البديع قولها: ولما أبى الواشون إلا افتـراقـنـا وما لهم عندي وعندك من ثـار وشنوا على أسماعنا كـل غـارة وقل حماتي عند ذاك وأنصـاري غزوتهم من مقلتـيك وأدمـعـي ومن نفسي بالسيف والسيل والنار والبعض يزعم أن هذه الأبيات لبهجة بنت عبد الرزاق، ولكنها لحمد أثبت وأشهر والله أعلم. وخرجت حمد مرة للوادي مع حبيبة لها فرأت الأزهار في جوانبه تتلألأ كأنها نجوم تساقطت من كبد السماء والماء في النهر يتماوج كأنه قطع من لجين ترمقه عيون ذكاء فأعجبها ذلك المنظر البهج، وأحبت أن تخوض بذلك النهر إتماما لترويح النفس خصوصا لخلوه من الناس فنضت عنها الثياب وعامت، ثم قالت: أباح الدمع أسـراري بـوادي له للحـسـن آثـار بـوادي فمن نهر يطوف بكـل أرض ومن روض يروق بكل وادي ومن بين الظباء مهـاة أنـس سبت لي وقد ملكت فـؤادي لها لـحـظ تـرقـده لأمـر وذاك الأمر يمنعني رقـادي إذا سدلت ذوائبهـا عـلـيهـا رأيت الأمر يمنعني رقـادي كأن الصبح مات له شـقـيق فمن حزن تسربل بالـحـداد وقولها هذه الأبيات الشهير بالبلاد المشرقية وهي: وقانا لفحة الـرمـضـاء واد سقاه مضاعف الغيث العميم حللنا دوحه فحنـا عـلـينـا حنو المرضعات على الفطيم وأرشفنا علـى ظـمـا زلالا ألذ من المـدامة لـلـنـديم يصد الشمس أنى واجهتـنـا فيحجبها ويأذن لـلـنـسـيم يروع حصاه حالية العـذارى فتلمس جانب العقد النظـيم حميدة ابنة النعمان بن بشير كانت من جميلات نساء العرب، وأعلمهن بفنون الأدب. وكانت في القرن الأول للهجرة ربيت في حجر أبيها مع أختيها: هند وعمرة، فنشأت هي على عز النفس، وصارت لا يرى لها من قرين يقوافها. ومن عزة نفسها كانت كلما تزوجت برجل ورأت فيه عيبا تهجوه بالشعر حتى خافت من لسانها العرب. ومن ذلك أن الحارث بن خالد لما قدم من المدينة على عبد الملك وهو إذ ذاك بدمشق والنعمان بن بشير وال على حمص فخطبها الحارث من أبيها، فزوجه بها ولم تمكث معه غير قليل حتى أساء معاملتها فقالت فيه: فقدت الشيوخ وأشـياعـهـم وذلك من بعض أقـوالـيه ترى زوجة الشيخ مغمـومة ولا تمسي بصحبته قـالـيه فلا بارك الله في عـرضـه ولا في غضون إسته البالية نكحت المدينـي إذ جـاءنـي فيا لم من نـكـحة غـاوية كهول دمشق وشـبـانـهـا أحب إلينا مـن الـجـالـية صنانهم كـصـنـان الـتـيو س أعيا على المسك والغالية وقمـل يدب دبـيب الـجـرا د أعيا على الغال والغالـية فقال الحارث يجيبها: أسنا ضوء نار ضمرة بالقـف رة أبصرت أم سنا ضوء برق قاطنات الحجون أشهى إلى قل بي من ساكنات دور دمشـق يتضوعن لو تضمخن بالمس ك صنانا كأنه ريح مرق ولما استحكمت بينهما النفرة طلقها الحارث فخلف عليها روح بن زنباع وعليه كانت الطامة الكبرى. قال صاحب الأغاني: إن قولها: (أحب إلينا منالجالية) تعني الجالية أهل الحجاز، وكان أهل الشام يسمونهم بذلك لأنهم كانوا يجلون عن بلادهم إلى الشام ولما بلغ عبد الملك قولها قال: لولا أنها قدمت الكهول على الشبان لعاقبتها. قال عمر بن شبة: لما تزوجها روح بن زنباع نظر غليها يوما تنظر على قومه بني جذام وقد اجتمعوا عند فلامها فقالت: وهل أرى إلا جذام فوالله ما أحب الحلال منهم فكيف بالحرام وقالت تهجوه: بكى الخز من روح وأنكر جـلـده وعجت عجيجا من جذام المطارف وقال العبا قد كنت حينا لبـاسـكـم وأكـسـيه كـرديه وقـطـائف فقال روح: إن يبك منا يبك ممن يهـنـينـا وإن يهوكم يهوى اللئام المقارقا واجتمعت يوما بمجلس فصارت تهزأ به وتضحك عليه ووقعت بينهما مناظرة كان البادئ فيها هو بقوله: أثنى علي بما علمت فإنـنـي مثن عليك لبئس حش المنطق فقالت: أثني عليك بأن باعـك ضـيق وبأن أصلك من جذام ملصق فقال: أثني علي بما علمت فإنني مثن عليك بمثل ريح الجورب فقالت: فثناؤنا شر الثنـاء عـلـيكـم اسوأ وأنتن من سلاح الثعلب فسكت روح عند ذلك فقالت هي: وهل أنا إلى مهـرة عـربـية سليلة أفراس تحللهـا بـغـل فإن أنتجت مهرا كريما فبالحـرا وإن يك إقرافا فما أنجب الفجل فقال روح: فما بال مهر رائع عرضـت لـه أتان فبالت عند جحفلة الـبـغـل إذا هو ولى جانبـا ربـخـت لـه كما رخت قمراء في دمث السهل وقالت فيه أيضا سميت روحا وأنت الغم قد علموا لا روح الله عن روح بن زنباع لا روح الله عمن ليس يمنعـنـا مال رغيب وبعل غير ممنـاع فقال: كبائع جونة نجل مخاصرها دبابة شثنة الكثين خنبـاع وقال فيها -وقد دخل عليها وهي في غاية الزينة والطيب-: تكحل عينيك برد الـعـشـى كأنـك مـومـسة زانــيه وآية ذلك بعـد الـخـفـوق تغلف راسك بـالـغـالـيه وإن بينـك لـريب الـزمـا ن أمست رقابهـم خـالـيه فلـو كـان أسـو حـاضـرا لقال لـهـم إن ذا مـالـيه وإن كان من قد مضى مثلكـم فأف وتف على المـاضـيه وما إن يرى الله فاستـبـقـين ه من ذات بعل ومن جاريه شبيها بك اليوم فيمكن بـقـي ولو كان في الأعصر الخالية فبعدا لمحياك غذ مـا حـييت وبعدا لأعظمك الـبـالـيه وقالت له حميدة يوما -وكان أسود ضخما: كيف تسود وفك ثلاث خصال؟ أنت من جذام، وأنت جبان، وأنت غيور. فقال: أما جذام: فأنا في أرومتها وبحسب الرجل أن يكون في أرومة قومه، وأما الجبن: فإنما لي نفس واحدة ولو كان لي نفسان لجدت بإحداهما. وأما الغيرة: فهو أمر لا أحب أن أشارك فيه، وإن المرء لحقيق بالغيرة على المرأة مثلكالحمقاء الورهاء لا يأمن أن تأتي بولد من غيره فتقدمه في حجره. وكان روح يتنارع معها يوما بمثل هذه المنافسات فظهرت عليه فلم يكن يسعه إلا أن قال: اللهم إن بقيت بعدي فابتلها ببعل يلطم وجهها ويملأ حجرها قيئا، فتزوجها بعد الفيض بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل وكان شابا جميلا يصيب من الشراب فأحبته فكان ربما أصاب من الشراب مسكرا فيلطم وجهها ويقيئ في حجرها فتقول: يرحم الله أبا زرعة قد أجيبت دعوته في. وكان السبب في زواجها فيضا هو أنها لما خلعت من روح بن زنباع بقيت زمنا عزبا لا يقدم عليها أحد من أقرانها نظرا لما اشتهرت به من عزة نفسها على الرجال، وبما أن آدابها كانت مشهورة في ذلك الزمان كان الأدباء يتمنون الاقتران بها ويمنعهم من ذلك تسلط لسانها على أزواجها إلى أن قيض الله لها فيض بن محمد الحكم المذكور ولجماله وأدبه تزوجت به، ولم تعلم تهتكه وخلاعته، ولما اتصلت به رأت منه رجلا بخلاف ما رأت من الرجال من سوء خلق وزيادة تهتك وإدمان على شرب المسكرات حتى صار يهينها ويلطم وجهها ويقيء في حجرها، وهناك هجرته وقلته وقالت فيه الأشعار الهجائية وأظهرت مساويه حتى صار عبرة لغيره. ومن أشعارها فيه قولها: سميت فيضا وما شيئا تفـيض بـه إلا سلاحك بين الـبـاب والـدار فتلك دعوة روح الخير أعرفـهـا سقى الإله صداه الأوطف الساري وقالت: ألا يا فيض كنت أراك فيضا فلا فيضا أصبت ولا فراتا وقالت: وليس فيض بفياض العـطـاء لـنـا لكن فيضا لنا بـالـقـيء فـياض ليث الليوث علينـا بـاسـل شـرس وفي الحروب هيوب الصدر حياض وولدت من فيض ابنة فتزوجها الحجاج بن يوسف، وقد كان قبلها عند الحجاج أم أبان بنت النعمان بن بشير فقالت حميدة للحجاج: إذا تذكرت نـكـاح الـحـجـاج من النهار أو من اللـيل الـداج فاضت له العين بدمـع ثـجـاج وأشعل القلب بـوجـد وهـاج لو كان نعمان قـتـيل الأعـلاج مستوي الشخص صحيح الأوداج لكنت منها بمكـان الـنـسـاج قد كنت أرجو بعض مايرجو الراج أن تنكحيه ملـكـا أو ذا تـاج ثم قدمت حميدة بعد ذلك على ابنتها زائرة فقال لها الحجاج: يا حميدة، إني كنت أتجمل مزاحك مدة وأما اليوم فإني بالعراق وهم قوم سوء فإياك فقالت: سأكف حتى أرحل، وكانت وفاة حميدة بالشام بآخر ولاية عبد الملك بن مروان. حنة ألبرت هي "دو ألبرت" ملكة نواره من أعمال فرنسا. ولدت في ناحية "بو" سنة 1528م، وتوفيت في باريس سنة 1572م كانت ابنة وحيدة ل "هنري الثاني" ملك نواره من زوجته "مرغريتا دو انفوليم" شقيقة "فرانسوا الاول" زفت في 15 تموز (يوليو) سنة 1540م ولها من العمر 12 سنة. تزوجها "غيليوم" روق "كليق","جوليه" وكان ذلك على غير إرادتها وإرادة أبويها فأبطل البابا "بولس الثالث" هذا الزواج. وسنة 1548م تزوجت ب "أنتون دو بوربون" دوق "قندوم" وجلست معه على تخت الملك في "نواره السفلى" و"بيرن" عند وفاة أبيها. وكانت مشهورة بجمالها وحذقها، واتبعت مذهب "كلفينوس". بعد وفاة زوجها سنة 1562م حافظت على أملاكها ولم تبال بدسائس إسبانيا ورومية ووعيدهما. وسنة 1567م أعلنت أن مذهب "كفينوس" هو المذهب القانوني في مملكتها، وانضمت سنة 1569م مع ولديها "هنري" و"كاترينا" على كولوني في "لاروشيل" وكانت رياسة فرقة من اللهو ال "هوغنو" وبعد أن قتل "برنس كوندي" كانت تعتبر سندا وحيدا للبروتستانت، وقد بالغ "أوبيني" وغيره من المؤلفين في مديحها بما كان لها من السطوى على الجنود ب "هوغنو" وسلمت رغما عنها بزواج ابنها "هنري" (هنري الرابع ملك فرنسا) ب "مرغرنيا دو فالو" وكان قد سعى في ذلك الزواج كل من "كترنياد" و"مديشي" و"شارل التاسع". وفي تلك الأثناء دعين إلىالبلاط الفرنسوي، فتوفيت فيه وذلك قبل حدوث مذبحة "سنت برتلي" بشهرين وظن جماعة أن سبب موتها سم دسته إليها "كترنياد" و"مديشي" والأرجح أنه اصباها حمى خبيثة قضت بها نحبها ولم تشهد زواج ابنها وكانت كلفت بالآداب والمعارف فبرعت فيها كثيرا ولها تآليف في الشعر والنثر وطبع بالآي بعض أشعارها. حنة اليصابات زوجة ألنبرو ولدت نحو سنة 1807م. وهي ابنة الأميرال "دغبي" تزوجت بأرل "ألنبرو" سنة 1824م. وسنة 1830م هجرت زوجها وهربت على انكلترا مع البرنس "فلكس شورنيرغ" وكان حينئذ سفيرا للنمسا في إنكلترا فصدر قرار من المجلس العالي الإنكليزي بطلاقها من زوجها ولكن لم يدم لها حب عاشقها لأنه تركها وشأنها بعد مدة وجيزة غير أن المجلس العالي عين لها بقراره الصادر بطلاقها مرتبا سنويا وافرا، فصرفت عدة سنين في إيطاليا وغيرها في رغد وانشراح وتزوجت "كنتا" يونانيا، ثم طلقت وصارت إلى الشرق فجعلت تجول فيه. قيل: وبينما كانت سائرة من تدمر إلى دمشق رافقها شيخ من البدو اسمه مجول مع قوم من عربه لحراستها فأغار عليهم وهم في الطريق جماعة من البدو قاصدين غزوهم فصدهم مجول ببسالة لا مزيد عليها فأحبته لبسالته وأمانته، وطرح نفسه في الخطر حبا فيها ومدافعة عنها فاتخذته زوجا لها على طريقة البدو وبقيت هي على مذهبها تذهب إلى الكنيسة وهو مذهبه يذهب إلى الجامع، ثم اشترت في دمشق بستانا بنت فيه بيتا ظريفا تصرف فيه بعض السنة بعيشة حضرية. وأما البعض الآخر فتصرفه في بيت الشعر لزوجها المذكور بين عربه بعيشة مرضية (وذكر مستر "يريم" في رحلته المعنونة بما ترجمته للسكنى في الخيمة بالأرض المقدسة) إذ زارها سنة 1855م، وقد طبع تلك الرحلة في "نيوبرك" من أميركا سنة 1857م، وبها تفاصيل لا محل لها هنا ويقال: إنها كتبت سيرتها بيدها ولا بد أن الذين وقفوا على خبرها يميلون إلى مطالعتها. حنة إسكو خاتون إنكليزية من "كنتيه لتلكن" أحرقت في "سمتفلد" في 12 تموز (يوليو) سنة 1546م كانت ذات عقل ثاب وتعلمت الكتاب المقدس، ثم انحازت إلى "البروستانت"، وكان زوجها "كيم" من أشد الناس تمسكا بالمذهب الكاثوليكي فطردها من بيته، فسارت إلى لندن لتطلب إلى الحكومة أن تقرر انفصالها عنه فأجابتها الملكة "كترنيابار" وكثير من خواتين البلاط الملكي إلا أن نكرانها حضور المسيح بالجسد في الافتخار حمل الحكومة على القبض عليها وإيداعها السجن، وذكر "برنت" أنها بعد عذاب مبرح كتبت محررا نقضت فيه مقالها الأول ولكن ذلك لم ينجها لأنها حبست مرة ثانية في "بنوغات" وطلب إليها أن تشهر أسماء مكاتبيها في البلاط الملكي فلم تفعل مع أنها كانت تعذب على مرأى من حامل أختام الدولة، ولم تستطع الوقوف بعد ذلك العذاب فوضعت في كرسي وطرحت في النار فكان صبرها على عذابها هذا وغيره يذهل الناظرين إليها. حنة ملكة بريطانيا وإرلانده هي آخر من جلس على عرش إنكلترا من عائلة "ستورس". ولدت سنة 1664م مسيحية، وتوفيت سنة 1714م وهي ثاني بنت ل "جيمس الثاني" دوق بورك من امرأته الأولى حنة "هترنيا كلارنيدن" الشهيرة، وكان ولداها كاثوليكيين، وأما هي فتربت على مبادئ كنيسة إنكلترا الأسقفية، وتزوجت سنة 1683م بالبرنس "جورج" أخي "كرستيان الخامس" ملك الدنمرك وجعلتها دوقة "مرلبورد" التي كانت تحبها محبة شديدة واتحدث مع الحسب الفائز فكفل لها ولأولادها إنكلترا بأنه لم يكن ل "وليم" و"ماري" عقب، فولدت 17 ولدا ولكن ماتوا في سن الطفولية إلا أكبرهم فتوفي وله من العمر إحدى عشر سنة، فلما توفي "وليم" جلست على عرش إنكلترا وذلك سنة 1702م. ومع ضعف عزمها تبعت سياسة سلفها في كبح مطامع "لويس الرابع عشر" فتجددت يوم تتويجها المعاهدة الثلاثية لين إنكلترا وهولاندا ضد فرنسا، وأعظم الحوادث السياسية التي زينت ملك حنة هو اتحاد إنكلترا وسكوتسيا وذلك في أيار سنة 1707م. وسنة 1710م أخذت شهرة "مرلبورط" في الانحطاط بعد أن بقي ثماني سنوات في أعلى درجة من الاعتبار والحب عند الملكة، والشعب والمجلس العالي وخسرت أمرأته فقوي حزب السوريين الذين كان منهم في ذلك الوقت أقدر رجال السياسة وأحذق الكتاب ووكل حزب الهويفر قبل سقوطه بمقاومتهم اللاهوتي "ساسيفمر" بل لأنه صرح في وعظه بأن حق الملوك هو من الله وانتصر السوريون في الانتخابات الجديدة، فأقيمت وزارة جديدة تحت رياسة "هرلي"، وصارت "ماشام" ابنة أحد تجار لندن نديمة للملكة، ومدبرة لبلاطها، فعزموا على عقد الصلح وأهملوا الانتفاع بنتائج الحرب وتركوا حلفاء إنكلترا في معاهدة "أسرخت" التي وقع عليها في "أنيسيان" سنة 1713م، ولم تكن الوزارة الجديدة متقفة، وكان قد تقرر أن يكون تاجر إنكلترا بعد موت حنة بدون عقب لسوقيا أكبر بنات "جمس الأول"، وحاول جماعة أن يرروا ذلك لاخيها ابن "جيمس الثاني" فساءت الملكة أعمال وزرائها واختلافاتهم فماتت فجأة، وإذا كان موتها قبل أن أكمل "بلولفبروط" تدابيره نشأ عنه تقرير سلالته بروتستنتينية لإكلترا بسلام ولم تكن حنة شديدة الحزم، ولكنها كانت وديعة وامتاز ملكها بحروب متوالية انتصرت فيها إنكلترا وقد أطلق على أيام ملكها اسم الا'صر الأوغسطي للآداب الإنكليزية وتزين ذلك العصر بكتابات أدبيون وبوب وسوقف وريفوار. وجرائد مشهورة بتلك الأيام. حنة النمساوية ملكة فرنسا هي ابنة "فيليب الثالث" ملك إسبانيا ولدت سنة 1601م، وتوفيت سنة 1666م، تزوجها "لويس الثالث عشر" سنة 1615م فبقيت 22 سنة لا تلد. وروى بعض المؤرخين أنه عندما هجرها زوجها "لويس" اخترعت إطاراً كانت تلبسه تحت ثيابها لتستر به حملها عن الملك إلى أن ولدت ولدا ذكرا، وكثيرا ما كان زوجها يسيء معاملتها ويعذبها. ويقال: إن الكردينال "رشليو" كان يهيج الملك إلى كرهها ومقاومتها، فاتفقت مع حماتها "ماري دي موليسي" على عزله، ولكن هبط مسعاهما لأن "ريشليو" كان ذا سطوة وحذق لا مزيد عليهما فاتهمها بأنها كانت متفقة ع أخيها ملك إسبانيا ودوق "لوران" وإنكلترا وكل أعداء فرنسا، وضد مصلحة الكردينال المذكور وإنها كانت تساعد الشاب التعيس "هنري روتلبر فيدبرنس كاني" في مؤامرته، وتنقاد إليه انقياد أعمى. فأمر الملك بتفتيش عرق قصر المقال "دوغراس" الذي كانت فيه مع حماتها وكان الملك قد حكم عليها بالخروج من البلاط فخرجت حنة أيضا من القصر ورجعت إلى البلاط الملكي في اللوفر حيث كانت تحتمل غضب زوجها وتضادده، ثم شاع بعد ذلك حملها "بلويس الرابع عشر" سنة 1638م. وولدت سنة 1640م، "فيليب" دوق "دورليان"، وبعد موت زوجها "لويس الثالث عشر" سنة 1643م، أقامها البرلمان رغما عن إرادته نائبة عن "لويس الرابع عشر" مدة قصره، فكان الكردينال "مازارين" يحكم باسمها. ويقال: إنه كان متزوجا بها سرا فتزينت الايام الأولى من نيابتها بانتصارات البرنسا "كوندي" ولكن رفعها لمقام الكردينال "فراريل" وجعلته رئيسا للوزارة هيج بعض عائلة كوندي وبعض عيال من السلالة الملكية وآخرين من عيال فرنسا الشريفة، فنشأت عن ذلك الحرب الأهلية التي تدعى حرب الفرنده (أي حرب القلاع) ومع ذلك كانت تدبر ملكها إدارة جيدة. حنة يولين ملكة إنكلترا وهي إحدى نساء "هري الثامن" قطع رأسها في 19 أيار سنة 1536م، وأما تاريخ ولادتها فمجهول وبعضهم قال: إنها ولدت سنة 1500م، وآخرون سنة 1507م. وهي ابنة الأرل "توماس بولن" كانت من السيدات اللواتي رافقن "ماري" شقيقة "هنري الثامن" إلى فرنسا عند تزوجها "بلويس الثاني عشر" سنة 1514م. ولما رجعت ماري بعد موت زوجها إلى إنكلترا بقيت حنة في فرنسا عند "كلور" زوجة "فرنسيس الألو"، ثم دعيت على إنكلترا سنة 1522م أو سنة 1527م، ودخلت في خدمة "كاترين" الأراغونية" وقد ظهر منها وهي هناك من الحذاقة والهمة والظرف ما لا مزيد عليه، وأما ما قيل أمن أن سلوكها في البلاط الفرنسوي كان محلا للشبهة، فلم يزل من دون دليل كاف ولم يمض إلى زمن قليل حتى أحبها "هنري الثامن" فألزم الكردينال "ولسي" أن يتوسط في فسخ خبطبتها من اللورد "برسي" ابن أرل "نرثمدلند"، وكانت تزداد محبة "هنري" لها وتقل ثقته بصحة تزوجه ب "كاترين" الأراغونية، فصرح في أواخر سنة 1527م الكردينال "ولسي" بقصده أن يتزوج بحنة حالما طلق "كاترين" فغلبت إرادة "هنري" ورغبته الشديدة مقاومة الكردينال "ولسي" على أن حنة كانت تحسب الكردينال -المذكور" ضدها فقاومته إلى أن اقتنعت من الملك بعزله فتزوج "هنري" بحنة في "هويتهل" في 25 كانون الثاني سنة 1533م بعد هياج استمر خمس سنين نشأ عن طلاق "كاترين". وكانت قد صرفت ثلاث سنوات في القصر قبل تزوجه بها فكانت في تلك المدة دائما مع "هنري" وجعلها قبل تزوجه بها ببضعة أشهر مركيزة "بمبروك" وعند ذلك أحيلت مسألة طلاق "كاترين" إلى مجلس "كانتريبري" الأكليريكي وحكم "كرانمر" في ألو شهر أيار من تلك السنة بفساد تزوج الملك ب "كاترين" من أوله وأن حنة هي امرأته الشرعية. وفي أول حزيران أقيم تتويجها باحتفال عظيم ثم بعد ذلك بثلاثة أشهر ولدت البرنسيس "أليصابات" التي تزين التاريخ الإنكليزي فيما بعد بأخبار ملكها، ولما ابتدأ "هنري" بكرهها ويميل على "جين سيمور" لم يكن أميرا صعب الحكم على حنة بارتكاب أمور منكرة، فأقيمت لجنة من الوردن كان والدها من جملتها للفحص عن سيرتها وذلك سنة 1536م، فقررت تلك اللجنة أنها أتت المنكرات مع "بريرتن" و"نرس" و"رستن" من الحشم الخاص وسميت صاحب موسيقى الملك حتى مع أخيها اللورد "رتشفرد" فأرسل الملك كل المتهمين إلى السجن وحوكت حنة أمام لجنة من الأمراء تحت رياسة عمها دوق "ترفلك" فثبت أنها مذنبة، وكان ممن أثبته إقرار سميتن مع أنها أقامت الحجة مع باقي المسجونين على براءتها وحكم بفساد تزوجها ل "هنري الثامن" وأبطله كما حكم بفساد تزوج "كاترين" فكانت تقضي ساعات سجنها بين السكينة والقلق وكان تصرفها عند قطع رأسها بجلال ملكي، وأما "سميتن" فعلق وقتل خنقا. وأما الأربعة الباقون المتهمون فقطعت رؤوسهم. حنة البريطانية ملكة فرنسا ولدت في "تنست" سنة 1476م. وتوفيت في قلعة "بلوى" سنة 1514م. كانت ابنة "فرانسيس الثامن" دوق بريطانية وولية لعهده. أعطاها أبوها دوقية بريطانية مهرا لما تزوجت "شارل الثامن" ابن "لويس الحادي عشر" سنة 1491م، فصارت الدوقية المذكورة من جملة أملاك فرنسا، وكان قد خطبها قبل ذلك الملك "مكسيميليان" من "أستوريا" ولكن حل هذه الخطبة "لويس الحادي عشر" وزوجها لابنه ووسع بذل في أملاكه، وتزوجت بعد موت "شارل الثامن" بخلفه "لويس الثاني عشر" سنة 1498م. وكان لها سطوة قوية عليه وعلى كل رجال البلاط فكانت قدوة للفضيلة والاجتهاد في أشغالها، وكانت تدير المملكة حق الإدارة مدة غياب زوجها في الحروب التي قام بها ضد إيطاليا. حنة ملكة نابولي وهي ابنة "شارل" دوق "كليريا" وحفيدة "روبرت أنجو". ولدت سنة 1327م، وقتلت في حصن "مورو" في ولاية "باسيليكانا" في 22 أيرا سنة 1382م، وكان أبوها يحاول أن يجعل اتحادا بين فرعي عائلة "أنجو" التي كانت تدعى "بتخت نابلي" لتزويجه حنة هذه في سن سبع سنوات بابن عمها "أندرو" المجري إلا أن تدبيره لم يأت بالغرض المقصود لأنه لما كبر الزوجان كان يبغض أحدهما الآخر بغضا شديدا، وكان الحزبان المتضادان من أقاربهما يهيجان دائما تلك الحاسة، وتوفي الدوق "شارل" قبل أبيه "روبرت" ولذلك خلفت حنة أباها عند موته سنة 1343م، فانقسم بلاطها بسرعة إلى حزبين حزب معها وحزب مع زوجها فبقي الخصام مدة سنتين إلى أن انتهت سنة 1345م، بأن قتل الملك قوم من الثائرين أخرجوه بحيلة من مخدعه وعلقوه في ممشى من مماشي القصر وقد اتهمت حنة بالاشتراك في تلك المؤامرة والسعي، وتدبير كل ما يتعلق بها. والظاهر أنها غير بريئة من هذه التهمة. وأما ما قيل من أنها كانت تلبس الحبل الذهبي الذي خنق به زوجها "أندرو" فلا يخلو من المبالغة، ثم بعد وفاة زوجها بقليل تزوجت من دون حل من البابا "لويس دو ثارنتو" وهو أحد أقاربها، ويظن أنه كان عشيقها وإذا كان "لويس" الكبير، صاحب "هنكريا" يطلب فرصة للأخذ بثأر أخيه اتخذ ذلك حجة وأغار سنة 1347م، على الأراضي النابولية وإذ كانت حنة غير مستعدة للدفاع هربت إلى "أفبنيون" التي كانت حينئذ موطنا للتابوت وبينما هي هناك إ'ذ أحضرت أمام مجلس حر أقرت بكونها قاتلة زوجها بشرط دفع ثمانين ألف فلوريني ذهبا وإعلان البابا رسميا بكونها برئت وتثبت زواجها الحديث. وفي تلك الأثناء رجع ملك "هنكريا" عن نابلي" تاركا فيها حامية قوية خرجت منها بعد قليل بتوسط البابا، ثم إن "لويس دو ثارنتو" توفي سنة 1362م، فتزوجت حنة سنة 1363م، "بجمسيس" الأراغوني ملك "نيورقة" إلا أنه لم يمض غلا قليل حتى تركها ورجع إلى بيته في إسبانيا وتوفي هناك سنة 1376م، فتزوجت بزوج رابع وهو "أونو برنسويك" فغاظت بذلك الدوق "شارك دورنسوا" الذي كانت زوجته تدعي وراثة التخت. وسنة 1378م، لما اختلف البابوان المتناظران وهما "إكليمنفس السابع" و"أوريانوس السادس" تحزبت حنة "لإكليمنفس" فغاظت بذلك "أوريانوس" فاستحضر حالا الدوق "دورنسوا" وأعلن أن له الحق في تخت "نابلي"، أما حنة فاتباعا لرأي "إكليمنفس" كتبت وصية مخصوصة جعلت بموجبها ابن ملك فرنسا الثاني وارثا لها ونزعت بالكلية حق الملك عن الدوق وزوجته فاتخذ "شارل دورنسوا" هذه الحوادث حجة كان يطلبها بعد زمان طويل فأغار على بلاد حنة ولم يصادف من الشعب إلا مقاومة قليلة وتقدم إلى "نابلي" وأسر الملكة وأرسلها تحت الحفظ ل "أمور" فكانت هناك تحت رحمة الملك "هنكاريا" فأمر بقتلها حالا، فقطعت بالوسائد أخذا بثأر "أندرو" على الطريق التي قتلته بها. حنة ملكة نابلي ابنة شارل دورتو ولدت نحو سنة 1370م، وتوفيت سنة 1435م. تزوجت وهي صغيرة ب "وليم" ملك "أستوريا" وترملت بعد ذلك عدة سنين، وخلفت أخاها "لاوس لاس" سنة 1414م بعد موت زوجها وكان بينها وبني "كنت سازونفلوا لوبو" اتصال سري وقد حافظت على ذلك الاتصال بعد موت زوجها ولم تحاول سترها فإنها وجهت إلى عشيقها -المذكور- أعلى المأموريات وجعلت مصالح المملكة بيده فعلاً إلا أن أصدقاءها أقنعوها أخيراً بأن تتزوج ثانياً فاختارت " جاكور دويورلون كنت لامرش" زوجا لها إلا أن تزوجها لم يكن واسطة لتغير سيرتها ذات الخلاعة، فلما اطلع زوجها على خيانتها نظف البلاط من كل أصدقائها وقطع رأس عشيقها جهارا وأرسلها إلى مكان منفرد. ثم إنه صالحها بعد ذلك مصالحة ظاهرة إلا أنها حالما رجعت إلى مركزها في البلاط نجحت بحيلة في سجن زوجها في إحدى قلاع " نابلي" ، ولم يخرج من ذلك السجن إلا بصعوبة، وعند خروجه خرج من البلاد ودخل ديرا في " برغونيا" حينئذ ابتدأت سلطة المقربين إليها في الرجوع إلى البلاد• فكان تاريخ ملكها مدة بضع سنين عبارة عن حيل ومكائد وذلك مع بعض الشعب الذي لها في كل الممكلة الذي نشأ عنه متأخرات دائمة في البلاط، وتوارث في البلاد، ومما زاد خصام الأحزاب قوة النزاع الذي جرى بين " لويس الثالث أنجو" و" ألفونسو دو أراغون" اللذين كانا يدعيان حق الخلافة• أما حنة فحكمت به أولا ل " ألفونسو" ثم عكست حكمها وعند وفاة " لويس الثالث" حكمت لرجل آخر من بيت " أنجو" أما " ألفونسو" فقبض على صولجان الملك رغما من الوصية التي حرمته إياها• حنة مورندي منزوليني كانت أبرع نساء زمانها بفن التصاوير والتماثيل، لأنها أخذته عن زوجها " منزوليني" وكان ماهراً في التشريح والرسم والتصوير، وفي نقش الشمع لعمل التماثيل، ولكنه ضعيف الرأي عصبي المزاج سوداويه، وكانت زوجته على جانب عظيم من النباهة والفطنة فتعلمت منه عمل التماثيل الشمعية، وأتقنته غاية الإتقان، وكانت تساعده في أعماله• وكان " منزوليني" ملازماً ل " للي" المصور الشهير في أعماله ويساعده على أشغاله، فوسوس شيطان الظنون في أذني " منزوليني" وظن أن " للي" عازم على أن يستأثر بالاسم والشهرة من عمل تلك التماثيل ولا يبقى له اسم فيها، فعزم على تركه• وكان " للي" دائما يعترف بفضله ويقول: إنه لولا مساعدة " منزوليني" لم يستطع عمل تلك التماثيل، فلما رأت حنة خطأ زوجها عزمت أن تتعلم منه فن التشريح وتتم العمل الذي أحجم عنه حفظا لصيته فأجابها إلى طلبها لشدة تعلقه بها وعلمها هذا الفن فدرسته برغبة شديدة، وقرأت أحسن المصنفات فيه وشرحت الأجساد البشرية بيدها رغما عما وجدته في نفسها من الكراهة الشديدة لذلك فإنها كثيرا ما كانت تمرض من رؤية الأجساد المشرحة ولكنها كانت تتغلب على ما بها من الضعف الطبيعي حتى أتقنت هذا الفن واكتشفت فيه اكتشافات كثيرة• وفي غضون ذلك أنشأ أحد الأطباء مدرسة لتعليم فن الولادة وطلب إليها أن تصنع له أجنة من الشمع متفاوتة في النمو فصنعت له الأجنة المطلوبة على غاية الإتقان، ثم جعلت تقدم خطابا في فن التشريح العلمي وتشريح المقابلة وأتقنتها أشد الإتقان فذاع صيتها حتى عم أوروبا لغزارة معارفها وحسن أسلوبها في التعليم• وفي سنة 1755م توفي زوجها عن ولدين صغيرين فحزنت عليه حزنا شديدا لأنها كانت تحبه حبا مفرطا مع كثرة عيوبه ولكنها لم تنفك عن خدمة العلم• وفي السنة الأولى من ترملها انتخبت عضوا في المجمع العلمي ب " بولونيا" ثم في مجامع أخرى كثيرة وجعلتها حكومة " بولونية" أستاذة تشريح في مدرسة " بولونية" الطبية ولكن الانتظام في سلك هذه الجمعيات كان نفعه معنويا لا ماديا لأنها كانت في حالة يرثى لها من الفقر، ولم تزد أجرتها في مدرسة الطب عن ثلثمائة فرنك في السنة، وكانت على جانب عظيم من الجمال، ولكنها كانت عفيفة النفس طاهرة السيرة والسريرة لأن العلم يعصم ذويه عن ارتكاب الدنايا• وفي سنة 1765م طلبت من الحكومة أن تزيد راتبها وتجعله خمسمائة فرنك في السنة فلم تجبها إلى طلبها ولكن أحد أرباب الحكومة وهوالكونت " أنوزي" أباح لها أن تقيم في بيته آكلة شاربة بشرط أن تعطيه بدل ذلك كل كتبها واستحضاراتها التشريحية، فأقامت عنده لأن الفقر كان قد أذلها• ولكن الكونت أكرم مثواها وأبقى لها كتبها واستحضاراتها فوهبا للمجمع العلمي حيث هي إلى يومنا وفيها الأجزاء الصغيرة من جسد الإنسان كالأوعية الشعرية التي ترى بالعين، وهي في غاية الضبط والإحكام• وكانت كغيرها من مشاهير الأرض وإذا تعبت من عمل ترتاح بمزاولة آخر فصنعت أوقات الراحة تماثيل كثيرة لزوجها ولبعض أصدقائها ومثلت نفسها قابضة على الجمجمة وأخذت تشريح الدماغ ومما يكاد يفوق التصديق أن هذه المرأة الفاضلة التي توسلت إلى حكومة " بولونية" لكي يزيد راتبها السنوي مائتي فرنك ولم تجبها إلى طلبها عرض عليها مراراً كثيرة أن تأتي إلى مدينة " لورندة" براتب كبير جدا، وأرسلت إمبراطورة روسيا تدعوها إليها ووعدتها أن تعطيها مهما طلبت وأرسلت مدرسة " ميلان" تدعوها إلهيا وفوضت إليها أن تختار الأجرة التي تريدها وتشترط الشروط التي تختارها وطلبت منها مدارس أخرى نفس هذا الطلب• فأجابت كل هؤلاء أنها تفضل البقاء في مدرسة " بولونية" على ما سواها وأرسلت لكل منهم مجموعا كاملا من مصنوعاتها التشريحية وشرحا كافيا وافيا يغني عنها، ولثبت بين الدفاتر والمحابر والدرس والتدريس إلى أن وافتها المنية سنة 1774م ولها من العمر 68 سنة• حرف الخاء خديجة ابنة خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب أول امرأة تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في أول أمره بل أول إنسان أسلم لم يسلم قبلها أحد لا ذكر ولا أنثى• وقيل: كانت تسمى في الجاهلية الطاهرة وكنيت بأم هند وأمها فاطمة بنت زائدة بن الأصم من بني عامر ابن لؤي تزوجها عتيق بن عائذ المخزومي، فمات عنها وله منها ولد، ثم تزوجها أبو هالة هند بن زرارة• وقيل: تزوجها قبل عتيق فما مات عنها أبو هالة وله منها هند• والظاهر أنه خلف لها ثروة عظيمة وكانت هي ذات ثروة وافرة فكانت تستأجر الرجال للتجارة في مالها، وتضاربهم بشيء تجعله لهم منه وكانت قريش تكثر التجارة في بلاد الشام، فلما بلغها عن النبي صلى الله عليه وسلم صدق الحديث وعظم الأمانة، وكرم الأخلاق أرسلت إليه ليخرج في مالها إلى الشام تاجرا مع غلامها ميسرة وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره• وفي رواية: أنه لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين سنة قال له عمه أبو طالب: أنا رجل لا مال لي، وقد اشتد علينا الزمان، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك في عيرها فلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك، فبلغ ذلك خديجة فأرسلت إليه وقالت له: أنا أعطيك ضعف ما أعطي غيرك من قومك• وفي رواية أخرى: أن أبا طالب أتاها فقال لها: هل لك أ تستأجري محمدا فقد بلغنا أنك استأجرت فلانا ببكرين ولسنا نرضى لمحمد دون أربع بكرات• فقال: لو سألت ذلك لبعيد بغيض لفعلنا فكيف وقد سألت لحبيب قريب! فقال أبو طالب: هذا رزق ساقه الله إليك، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم مع غلامها ميسرة حتى بلغ بصرى من الشام فنزل في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب فقال الراهب لميسرة: من هذا الرجل؟ فقال: رجل من قريش• فقال: ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي، ثم باع الرسول واشترى وعاد وقد ربح ضعف ما كان يربح غيره، فلما كانوا بمر الظهران تقدم الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبر خديجة بالربح ثم قدم ميسرة وقد أحب النبي وأخبرها بما سمع من الراهب فأضعفت للنبي صلى الله عليه وسلم ماوعدته وقد رأت ربحا وافرا، وكانت امرأة حاذقة عاقلة شريفة من أوساط نساء قريش نسبا وأكثرهن مالا وشرفا،وكان كل من قومها يتمنى أن يتزوج بها فلم يقدروا، فلما رأت ذلك من محمد صلى الله عليه وسلم أرسلت وعرضت نفسها عليه فأتى مع أعمامه إلى أبيها خويلد وخطبها إليه• ثم تزوجها وكان عمره إذ ذاك 25 سنة، وعمرها 40 سنة•وقيل: خمسة وأربعون• وقيل: غير ذلك• فولدت له أولاده كلهم إلا إبراهيم• وقيل: الذي زوجها عمها عمرو بن أسد لأن أباها مات قبل الفجار، ولما ابتدأ الوحي يبدو للنبي صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل كان متخوفاً من ذلك، وأخبر خديجة فقالت: أبشر فلن يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل،وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق• ثم انطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وكان قد تنصر وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة والإنجيل فأعلمته بشأنه وسألته خديجة بعد ذلك قائلة: يا ابن العم، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك• قال: نعم• فجاءه جبرائيل فأعلمها• فقالت: قم فاجلس على فخذي اليسرى، ففعل• فقالت: هل تراه• قال: نعم، قالت: فتحول على فخذي اليمنى، ففعل• فقالت: هل تراه• قال: نعم، فألقت خمارها• ثم قالت: هل تراه• فقال: لا، قالت: يا ابن العم أثبت وأبشر فإنه ملك وماهو بشيطان فكانت خديجة أول من آمن به وصدقه• ولما علمه جبريل الوضوء والصلاة أتى إلى خديجة وعلمها ذلك فتوضأت كوضوئه وصلت كصلاته، وبقيت خديجة مع النبي صلى الله عليه وسلم 24 سنة وأشهراً، ولم يتزوج عليها• وتوفيت قبل الهجرة بثلاث سنين بعد وفاة أبي طالب بثلاثة أيام• وقيل: بخمسة وخمسين يوماً وعمرها خمس وستون سنة ودفنت بالحجون وحزن النبي عليها ونزل في حفرتها وعظمت عليه المصيبة بوفاة أبي طالب، ثم وفاتها• وكانا من أشد المعضدين له وبعد ثلاث سنين من وفاتها تزوج بعائشة• وقيل: بسودة بنت زمعة• وروي أنه قال: " أفضل نساء الجنة خديجة وفاطمة ومريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون" • وقيل: إن معاوية اشتري المنزل الذي كانت فهي خديجة وجعله مسجداً• وقال ابن الوردي: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم دخل على خديجة فحكي لها ما رأى فقالت: أبشر فو الذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة، ثم أتت خديجة ابن عمها ورقة بن نوفل بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي وكان شيخا كبيرا، وكان قد عمي وتنصر في الجاهلية وكتب في التوراة والإنجيل، فلما ذكرت خديجة أمر جبريل وما رأى ميسرة فقال ورقة: إنه ليأتيه الناموس الأكبر، وهذا الناموس الذي أنزل على موسى يا ليتني أكون فيها جذعا حين يخرجه قومه فأخبرت النبي بذلك فقال صلى الله عليه وسلم: " أومخرجي هم؟" • فقالت: سألته ذلك قال: نعم لم يأت أحد قط بمثل ما جاء به إلا عودي وأوذي وإن يدركني يومه أنصره نصرا مؤزرا في ذلك، وإن رأيت أن ترسليه لي فأخبره عن ذلك• وقال أبياتا منها: ووصف من خديجة بعد وصف فقد طال انتظاري يا خديجـا بما أخبرته مـن قـول قـس من الرهبان يكره أن يعوجا بأن محمـدا سـيسـود يومـا ويخصم من يكون له حجيجا ويظهر في البلاد ضياء نـور يقيم به البرية أن تـمـوجـا ألا يا ليتنـي إن كـان ذاكـم شهدت وكنت أولهم ولوجـا رجائي في الذي كرهت قريش ولو عجت بمنكبها عجـيجـا ولما انتهى من أبياته قال: أرسلي لي محمدا فإني مخبره بما أريد ولما ذهب إليه النبي صلى الله عليه وسلم أخبره ما قاله لخديجة، وأنشد: يا للرجال لصرف الـهـم والـقـدر وما لشيء قضاه اللـه مـن غـير حتى خديجة تدعونـي لأخـبـرهـا أمرا أراه سيأتي النـاس عـن أثـر فخبرتني بأمر قـد سـمـعـت بـه فيما مضى من قديم الناس والعصر بأن أحـمـد يأتـيه فـيخـبـــره جبريل إنك مبعوث إلى الـبـشـر فقلت إن الـذي تـرجـين ينـجـزه لك الإله فرجي الخير وانتـظـري وأرسلـيه لـنـا كـيمـا نـسـائلـه عن أمره ما يرى في لنوم والسهـر فقال حين أتانا منـطـقـا عـجـبـا يقف منه أعالي الجلد والـشـعـر إني رأيت أمين الـلـه واجـهـنـي في صورة كملت من زهيب الصور ثم استمر وكاد الـخـوف يذعـرنـي مما يسلم ما حولي من الـشـجـر والله أعلم بالصواب• خديجة ملكة جزائر زيبة المهل من بلاد الهند وهي خديجة بنت السلطان جلال الدين عمر بن السلطان صلاح الدين البنجالي وكان الملك لجدها، ثم لأبيها فلما مات أبوها ولي أخوها شهاب الدين وهو صغير السن فتزوج الوزير عبد الله بن محمد الحضرمي أمه وتغلب عليه وهو الذي تزوج أيضاً هذه الملكة خديجة بعد وفاة زوجها الوزير جمال الدين• فلما بلغ شهاب الدين مبلغ الرجال أخرج ربيبة الوزير عبد الله ونفاه إلى جزائر السويد واستقل بالملك واستوزر أحد مواليه يسمى علي كلكلي، ثم عزله بعد ثلاثة أعوام ونفاه إلى السويد• وكان يذكر عن السلطان شهاب الدين -المذكور- أنه يختلف إلى حرم أهل دولته وخواصه بالليل، فخلعوه لذلك ونفوه إلى إقليم " هلدتني" وبعثوا من قتله بها ولم يكن بقي من بيت الملك إلا أخواته خديجة الكبرى ومريم وفاطمة فقدموا خديجة ملكة في سنة 740 للهجرة وكانت متزوجة بخطيبهم جمال الدين فصار وزيرا غالبا على الأمر وعين ولده محمدا للخطابة عوضا عنه ولكن الأوامر إنما تنفذ باسم خديجة وهم يكتبون الأوامر في سعف النخل بحديدة معوجة شبه السكين ولا يكتبون في الكاغد إلا المصاحف، وكتب العلم• ويذكرها الخطيب يوم الجمعة وغيرها فيقول: اللهم انصر أمتك التي اخترها على علم على العالمين وجعلتها رحمة لكافة المسلمين ألا وهي السلطانة خديجة بنت السلطان جلال الدين بن السلطان صلاح الدين، ومن عادتهم إذا قدم الغريب عليهم ومضى إلى الدار فلا بد له أن يستصحب ثوبين فيقدم لجهة هذه السلطانة ويرمي بأحدهما،ثم يقدم لوزيرها وهو زوجها جمال الدين ويرمي بالثاني وعسكرها نحو ألف إنسان من الغرباء وبعضهم بلديون يأتون كل يوم إلى الدار فيخدمون وينصرفون ومرتبهم الأرز يعطى لهم من البندر في كل شهر، فإذا تم الشهر أتوا الدار وخدموا وقالوا للوزير: بلغ عن الخدمة، واعلم بأنا أتينا نطلب مرتبنا في أمر لهم به عند ذلك ويأتي أيضاً إلى الدار كل يوم القاضي وأرباب الخطب وهم الوزراء عندهم فيخدمون ويبلغ خدمتهم الفتيان وينصرفون وأن النساء ليفتخرن بمثل هذه الملكة حيث إنها كانت مالكة نحو ألفي جزيرة من جزائر الهنود التي تزيد عن الأربعين مليونا من العالم وجميعها من المسلمين• وبقيت مالكتها مدة من الزمن بالعدل والإنصاف وقد طال ملكها نحو الثلاثين سنة، وفي مدتها كانت جوائزها في غاية الرونق والبهاء من كثرة الخيرات والأرزاق والزمن، وكان جميع الأهالي مكبين على الأشغال ملتفين للأعمال، محافظين على جزائرهم من الأعداء، وبارتباطهم هذا كانوا مهابين لا يدخلون أحداً من عدوهم ساحتهم وبقيت على ذلك إلى أن توفاها الله وأهل مملكتها راضون عنها آسفون عليها• خرقاء بنت النعمان بن المنذر كانت أحسن نساء زمانها جمالا، وأفصحهن مقالا، وأكملهن عقلا، وأعظمهن أدبا، وكانت معتنقة الديانة المسيحية ومتعبدة بها تعبدا زائدا وكانت إذا خرجت إلى بيعتها يفرش لها طريقها بالحرير والديباج مغشى الخز والوشي، ثم تقبل في جواريها حتى تصل إلى بيعتها وترجع إلى منزلها وبقيت على ذلك وهي في غاية العز والإجلال إلى أن هلك النعمان فكلمها الزمان، فأنزلها من الرفعة إلى الذلة، ولما نزل سعد بن أبي وقاص بالقادسية أميرا عليها وهزم الله الفرس، وقتل رستم أتت خرقاء بنت النعمان في حفدة من قومها وجواريها وهن في زيها عليهم المسموح والمقطعات السود مترهبات تطلب صلته، فلما وقفن بين يديه أنكرهن سعد فقال: أيكن خرقاء؟ قالت: ها أنا ذا• قال: أنت خرقاء؟ قالت: نعم، فما تكرارك في استفهامي، ثم قالت: إن الدنيا دار زوال ولا تدوم على أهلها انتقالاً، وتعقبهم بعد حال حالا، كنا ملوك هذا المصر يجبي لنا خراجه ويطيعنا أهله مدى الإمرة وزمان الدولة، فلما أدبر الأمر وانقضى صاح بنا صائح الدهر فشق عصانا، وشتت شملنا، وكذلك الدهر يا سعد أنه ليس يأتي قوما بمسرة إلا ويعقبهم بحسرة، ثم أنشأت تقول: فبينا نسوس الناس والأمر أمرنـا إذا نحن فيهم سوقة ليس نعرف فأف لدنيا لا يدوم نـعـيمـهـا تقلب تارات بنـا وتـصـرف فقال سعد: قاتل الله عدي بن زيد كأنه ينظر حيث يقول: إن للدهر صولة فاحذرنها لا تبيتن قد أمنت الدهورا قد يبيت الفتى معافى فيرزا ولقد كان آمنا مسـرورا فبينما هي واقفة بين يدي سعد إذ دخل عمرو بن معد يكرب وكان زوارا لأبيها في الجاهلية فلما نظر إليها قال: أنت خرقاء؟ قالت: نعم، قال: فما دهمك فأذهب بجودات شيمك أين تتابع نعمتك وسطوات نقمتك• فقالت: يا عمرو، إن للدهر عثرات وعبرات تعثر بالملوك وأبنائهم فتخفضهم بعد رفعة، وتفردهم بعد منعة، وتذلهم بعد عزان، هذا الأمر كنا ننتظره فلما حل بنا لم ننكره• فأكرمها سعد وأحسن جائزتها، فلما أرادت فراقه قالت: حي أختك بتحيات ملوكنا لا نزع الله من عبد صالح نعمة إلا جعلك سببا لردها عليه، ثم خرجت من عنده فلقيها نساء المدينة فقلن لها: ما فعل بك الأمير؟ قالت: أكرم وجهي وإنما يكرم الكريم كريم• حزانة ابن خالد بن جعفر بن قرط كانت من الأدب على جانب عظيم ومن الفصاحة والبلاغة على جانب أعظم، والفروسية كانت عندها زائدة، حضرت فتوح العراق مع سعد بن أبي وقاص وخاضت معه المعامع والمعارك وقد حضرت فتوح الحرة حينما استشهد من المسلمين خمسمائة وثلاثون فارسا فقالت ترثيهم في أبيات كما جاء في الحبرة للواقدي في " فتوج الشام": أيا عين جودي بالدموع الـسـواجـم فقد شرعت فينا سيوف الأعـاجـم فكم من حسام في الحـروب وذابـل وطرف كميت اللون صافي الدعائم حزنا على سعد وعمـرو ومـالـك وسعد مبيد الجيش مثل الغـمـائم هم فتـية غـر الـوجـوه أعـزة ليوث لدى الهيجاء شعث الجماجـم ومن قولها أيضا: طوى الدهر ما بيني وبين أحـبة بهم كنت أعطي ما أشاء وأمنع فلا يحسب الواشون أن قناتـنـا تلين ولا أنا من الموت نجـزع ولكـن لـلآلاف لا بـد لـوعة إذا جعلت أقرانها تتـقـطـع خماني ابنة أردشير بن بهمن ملكت بعد أبيها " بهمن" ملوكها حبا في أبيها ولعقلها وفروسيتها، وكانت تلقب ب " نهرزاد" وقيل: إنها ملكت لأنها حين حملت من " دارا الأكبر" سألته أن يعقد التاج له في بطنها ويؤثره بالملك ففعل " بهمن" وعقد التاج عليه حملا في بطنها، وكان " ساسان بن بهمن" رجلا يتصنع للملك فلما رأى فعل أبيه لحق بإصطخر وتزهد ولحق برؤوس الجبال وهلك " بهمن" و" دارا" في بطن أمه فملكوها ووضعته بعد شهر من ملكها فأنفت من إظهار ذلك وجعلته في تابوت وجعلت معه جواهر وأجرته في نهر المكر من إصطخر وسار التابوت إلى طحان من أهل إصطخر ففرح بما فيه من الجوهر فحضنته امرأته، ثم ظهر أمره حين شب فأقرت " خماني" بإساءتها فلما تكامل امتحن فوجد على غاية ما يكون من أبناء الملوك، فحولت التاج إليه وسارت إلى فارس وبنت مدينة إصطخر، وكانت قد أوتيت ظفرا وأعزت الروم وشغلت الأعداد عن تطرق بلادها وخففت عن رعيتها الخراج وكان ملكها ثلاثين سنة• خولة بنت الأزور الكندي وهي أخت ضرار بن الأزور• كانت مشهورة بالشجاعة والجمال، خرجت مع أخيها إلى الشام حين فتحها في خلافة أبي بكر الصديق وكانت تفوق الرجال بالفروسية والبسالة، ولها وقائع مشهورة لا يسعها المقام إذا أحببنا إيرادها ولكنا نقتصر علي البعض منها• قال الواقدي في " فتوح الشام": إنه لما أسر ضرار بن الأزور في وقعة أجنادين توجه خالد بن الوليد بطليعة من الجيش لخلاصه فبينما هو في الطريق إذ مر به فارس على فرس طويل وبيده رمح، وهو لا يبين منه إلا الحدق وقد سيق أمامه الناس كأنه نار، فلما نظره خالد قال: ليت شعري من هذا الفارس، وأيم الله، إنه لفارس ثم اتبعه خالد والناس وسار إلى أن أدرك المشركين وقد حمل على عساكر الروم كأنه النار المحرقة، فزعزع كتائبهم، وحطم مواكبهم، فما كانت إلا جولة جائل حتى خرج وسنانه ملطخ بالدماء، وقد قتل رجالا وجندل أبطالا وقد عرض نفسه للهلاك ثانية، واخترق القوم غير مكترث وكثر قلق الناس عليه ولا يعلمون من هو منهم رافع بن عميرة ومن معه ظنوا أنه خالد وقالوا: ما هذه الحملات إلا لخالد، وبينما هم ومنهم رافع بن عميرة ومن معه ظنوا أنه خالد وقالوا: ما هذه الحملات إلا لخالد، وبينما هم على ذلك إذ أشرف خالد بمن معه فقال له رافع: من الفارس الذي تقدم أمامك فلقد بذل نفسه ومهجته؟ فقال خالد: والله إنني أشد إنكارا منك أعجبني ما ظهر منه ومن شمائله• فقال رافع: أيها الأمير، إنه منغمس في عسر الروم ويطعن يميناً وشمالا• فقال خالد: معاشر المسلمين، احملوا بأجمعكم وساعدوا المحامي عن دين الله فأطلقوا الأعنة وقوموا الأسنة، وخالد زمامهم إذ نظر إلى الفارس وقد خرج من القلب كأنه شعلة نار، والخيل في إثره، وكلما لحقت به الروم لوى عليهم وجندل، فعند ذلك حمل خالد ومن معه ووصل الفارس -المذكور- إلى جيش المسلمين فتأملوه ورأوه قد تخضب بالدماء، فصاح خالد والمسلمون: لله درك من فارس بذل مهجته في سبيل الله وأظهر شجاعته على الأعداد، اكشف لنا عن اسمك، وارفع لثامك• فمال عنهم ولم يخاطبهم وانغمس في الروم فتصايحت الروم من كل جانب، وكذلك المسلمون وقالوا: أيها الرجل الكريم أميرنا يخاطبك وأنت تعرض عنه أظهر لنا اسمك لنزداد تعظيما، فلم يرد عليهم جوابا• فلما بعد عن خالد سار إليه بنفسه وقال: ويحك، لقد شغلت قلوب الناس وقلبي بفعلك، من أنت؟ فلما ألح عليه خالد خاطبه الفارس من تحت لثامه قال: إنني أيها الأمير لم أعرض عنك إلا حياء منك لأنك أمير جليل، وأنا من ذوات الخدور وبنات الستور وإنما حملني على ذلك أني محرقة الكبد، زائدة الكمد• فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا خولة بنت الأزور أخت ضرار المأسور بيد المشركين وإني كنت مع بنات العرب وقد أتاني الساعي بأن أسير، فركبت وفعلت ما رأيت، وعند ذلك حمل المسلمون وحملت خولة وعظم على الروم ما نزل بهم من خولة بنت الأزور وقالوا: إن كان القوم كلهم مثل هذا الفارس فما لنا بهم من طاقة، وأما خولة فإنها جعلت تجول يمينا وشمالاً، وهي لا تطلب إلا أخاها وهي لا ترى له أثرا، ولا وقعت له على خبر وجعلت تسأل عنه لم يجبها أحد ولم تر من المسلمين من يخبرها أنه نظره أورآه أسيرا أو قتيلا فلما أيست منه بكت بكاء شديدا وجعلت تقول: يا ابن أمي ليت شعري في أي البيداء طرحوك أم بأي سنان طعنوك، أم بأي حسام قتلوك• يا أخي أختك لك الفداء لو أني أراك أنقذتك من أيدي الأعداء. ليت شعري أتري أني أراك بعدها أبدا، فقد تركت يا ابن أمي في قلب أختك جمرة لا يخمد لهيبها ولا يطفأ سعيرها• ليت شعري ألحقت بأبيك المقتول بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فعليك مني السلام إلى يوم اللقاء• فبكي الناس من قولها عند سماعها ونياحها• ومن وقائعها أيضا ما ظهر من بسالتها يوم أسر النسوة في وقعة صحورا من أعمال الشام وقد جمعت النساء وقامت فيهم خطيبة وكانت هي من ضمن المأسورات فقالت: يا بنات حمير وبقية تبع، أترضين لأنفسكن علوج الروم ويكون أولادكن عبيدا لأهل الشرك! فأين شجاعتكن وبراعتكن التي تتحدث بها عنكن أحياء العرب ومحاضر الحضر؟ وإني أراكن بمعزل عن ذلك وإني أري القتل عليكن أهون من هذه الأسباب وما نزل عليكن من خدمة الروم• فقالت لها عفراء بنت غفار الحميرية: صدقت والله يا بنت الأزور نحن في الشجاعة كما ذكرت، وفي الرباعة كما وصفت لنا المشاهد العظام والمواقف الجسام ووالله لقد اعتدنا ركوب الخيل وهجوم الليل غير أن السيف يحسن فعله في مثل هذا الوقت وإنما دهمنا العدو على حين غفلة، وما نحن إلا كالغنم بدون سلاح• فقالت خولة: يا بنات التبابعة خذوا أعمدة الخيام وأوتاد الأطناب ونحمل بها على هؤلاء اللئام فلعل الله ينصرنا عليهم فنستريح من معرة العرب• فقالت عفراء بنت غفار: والله ما دعوت إلا ما هو أحب إلينا مما ذكرت، ثم تناولت كل واحدة عمودا من أعمدة الخيام وصحن صيحة واحدة وألقت خولة على عاتقها عمودا وسعت من ورائها عفراء أم أبان بنت عتبة ومسلمة بنت زارع ولبنى ومزروعة بنت عملوق وسلمة ابنة النعمان ومثل هؤلاء فقالت لهن خولة: لا ينفك بعضكن عن بعض وكن كالحلقة الدائرة ولا تتفرقن فتملكن فيقع بكن التشتيت واحطمن رماح القوم واسكرن سيوفهم، وهجمت خولة وهجم النساء وراءها وقاتلن قتالا شديدا حتى استخلصت النسوة من أيدي الروم وخرجت وهي تقول: نحن بنات تـبـع وحـمـير وضربنا في القوم ليس ينكر لأننا في الحرب نار تسعـر اليوم تسقون العذاب الأكبر ومن قولها حين أسر ضرار في المرة الثانية في " مرج دابق": ألا مخبر بعد الفراق يخبـرنـا فمن ذا الذي يا قوم أشغلكم عنا فلو كنت أدري أنه آخر اللـقـا لكنا وقفنا للـوداع وودعـنـا ألا يا غراب البين هل أنت مخبري فهل بقدوم الغائبين تـبـشـرنـا لقد كانت الأيام تزهو لـقـربـهـم وكنا بهم نزهو وكانوا كما كـنـا ألا قاتل اللـه الـنـوى مـا أمـره وأقبحه ماذا يريد النـوى مـنـا ذكرت ليالي الجمع كـنـا سـوية ففر قناريب الزمان وشـتـتـنـا لئن رجعوا يوما إلى دار عزمهـم لثمنا خفاقا للمطـايا وقـبـلـنـا ولم أنس إذ قالوا ضـرار مـقـيد تركناه في دار العدو ويمـمـنـا فمـا هـذه الأيام إلا مـعـــارة وما نحن إلا مثل لفظ بلا معنـى أرى القلب لا يختار في الناس غيره م إذا ما ذكرهم قلبي المضـنـى سلام على الأحباب في كل سـاعة وإن بعدوا عنا وإن منعوا مـنـا ثم بكت وقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون فوالله لأخذنا بثأره إن شاء الله تعالى، ولما زحفت عساكر الإسلام إلى أنطاكية لأجل خلاص ضرار سار معهم النساء اللاتي لهن أسرى وفي مقدمتهن خولة بنت الأزور وهي تنشد قولها من المراثي المبكيات: أبعد أخي تلذ الغمض عينـي فكيف ينام مقروح الجفون سأبكي ما حييت على شقـيق أعز علي من عيني اليمين فلو أني لحقت بـه قـتـيلا لهان علي إذ هو غير هون وكنت إلى السلو أرى طريقا وأعلق منه بالحبل المتـين وإنا معشر من مـات مـنـا فليس يموت موت المستكين وإني إن يقال مضى ضرار لباكية بمنسجـم هـتـون وقالوا لم بكاك فقلت مهـلا أما أبكي وقد قطعوا وتيني ولما أسر ضرار المرة الثالثة في وقعة " دير المسيح" من أرض البهنسا وسار المسيب ورافع وجماعتهما في طلبه تهللت فرحا، وأسرعت في لبس سلاحها، وأتت إلى خالد تستأذنه في المسير معها فقال لهما خالد: أنتما تعلمان شجاعتها وبراعتها فخذاها معكما فقالا: السمع والطاعة، ثم ساروا حتى بلغوا منتصف الطريق وكمنوا قبل مرور القوم فبينما هم كامنون وإذا بالقوم قد أتوا محدقين بضرار وهو متألم من كتافه وهو ينشد ويقول: ألا بلغوا قومـي وخـولة أنـنـي أسير رهين موثق اليد بـالـقـيد فيا قلب مت هما وحزنا وحـسـرة ويا دمع عيني كن معينا على خدي فلو أن أقوامي وخـولة عـنـدنـا لألزم ما كنا عليه من الـعـهـد ولو أنني فوق المجـمـل راكـبـا وقائم حد العضب قد ملكـت يدي لأذللت جمع الـروم إذلال نـقـمة وأسقيهم وسط الوغى أعظم الكـد فنادته خولة من مكمنها قد أجاب الله دعاءك وقبل تضرعك أنا خولة ثم كبرت وحملت وكبر بقية العسكر وحملوا حتى خلصوا ضرار من الأسر ووقائعها كثيرة وقد أبلت بلاء حسنا في فتوح الشام ومصر، عمرت طويلا وكانت وفاتها في أواخر خلافة عثمان بن عفان -فعلى مثل هذه يأسف الدهر رحمها الله رحمة واسعة. خولة ابنة منظور بن زبان كان والدها منظور مكث أربع سنوات في بطن أمه ولذلك سمي منظورا، وكانت أنها مليكة بنت خارجة بن سنان بن أبي حارثة المري تحت زبان أبي منظور ولما توفي زبان خلفه عليها منظور وكان ذلك قبل الإسلام ولما أسلم بقيت تحته إلى خلافة عمر بن الخطاب ففرق بينهما وكانت مليكة ولدت له هشاما وعبد الجبار وخولة. وكانت خولة ذات حسن وجمال وبهاء وكمال وقد واعتدال فتنت فيها شبان قريش وقد خطبها جملة من رجالهم وأبوها يردهم قولا منه أنهم ليسوا كفؤا لها، وبقيت على ذلك حتى تزوج طلحة بن عبيد الله مليكة والدة خولة بعد طلاقها من منظور بن زبان، فزوج خولة من ولده محمد بن طلحة، فولدت له إبراهيم وداود وأم القاسم ابني محمد بن طلحة -وكان أعرج- وقتل محمد عنها يوم الجمل فتزوجها الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان سبب زواجها به أنها حينما تكاثر عليها الخطاب بعد قتل زوجها محمد جعلت أمرها بيد الحسن بن علي بن أبي طالب فتزوجها، فبلغ منظور بن زبان ذلك فقال: أمثلي يفتات عليه في ابنته. ثم قدم المدينة وركز راية في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق قيسي في المدينة إلا رخل تحتها فقيل لمنظور: أين يذهب برك تزوجها الحسن بن علي وليس مثله أحد؟ فلم يقبل، وبلغ الحسن ذلك فقال: شأنك لها، فأخذها وخرج بها، فلما كانت بقباء جعلت خولة تندمه وتقول له: الحسن بن علي سيد شباب أهل الجنة! فقال: البثي ههنا فإن كان للرجل فيك حاجة سيلحقنا ههنا، فلحقه الحسن الحسين وابن جعفر وابن عباس، فلما وصلوا قابلهم بما يليق بهم ثم أرجعها على الحسن فتزوجها، ورجعوا جميعا، وفي ذلك يقول جبير العبسي: إن الندى في بني ذبيان قد علموا والجود في آل منظور بن سيار والماطرين بأيديهـم نـدى ديمـا وكل غيث من الوسمي مدرار تزور جاراتهم وهنا قواضبـهـم وما فتاهم لهـا سـرا بـزوار ترى قريش به صهرا لأنفسهـم وهم رضا لبني أخت وأصهار وبقيت خلوة تحت السحن بن علي حتى أسنت وقد مات عنها فكشفت قناعها وبرزت للرجال وصارت تجالسهم. قال معبد: جئتها يوما أطالبها بحاجة فقالت: غنيني يا معبد. فقلت لها: أو بقي بالنفس شيء؟ قالت: النفس تشتهي كل شيء حتى تموت، فغنيتها لحني في شعر قاله بعض بني فزاره وكان خطبها فلم ينكحها إياه أبوها وهو: قفا في دار خولة فاسـألاهـا تقادم عهدها وهجرتمـاهـا بمحلال كأن المـسـك فـيه إذا هبت بأبطحة صبـاهـا كأنك مزنة بـرقـت بـلـيل لحران يضيء لها سنـاهـا فلم تمطر عليه وجـاوزتـه وقد أشفى عليها أو رجاهـا وما يملأ فؤادي فاعـلـمـيه سلو النفس عنك ولا غناهـا وترعى حيث شاءت من حمانا وتمنعنا فلا نرعى حماهـا فطربت خلوة وقالت: أيا عبد بني قطن أنا والله يومئذ أحسن من النار الموقدة في الليلة القرة. وقيل: إنها تزوجت بعبد الله بن الزبير بعد وفاة الحسن وقد دخلت عليها النوار زوجة الفرزدق مستشفعة بها فشفعتها عند عبد الله. وفي ذلك يقول الفرزدق. أما بنوه فلم تقبل شفاعـتـهـم وشفعت بنت منظور بن زبانا ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا الخيرزان ابنة عطاء أم الهادي والرشيد كانت ذات جمال وبهاء وكمال. اشتراها محمد أبو عبد الله المهدي بمائة ألف درهم واستحظى بها وقدمها على جميع نسائه لما لها من الأدب واللطف، وقد أخذت بقلبه مكانة عظمى، وولدت له موسى الهادي وهارون الرشيد، وقد تقدمت في خلافة ولدها موسى الهادي حتى إنها شاركته في الأحكام من كثرة تداخلها معه في أمور المملكة وكان كثير الطاعة لها مجيبا لما تسأله من الحوائج للناس، فكانت المواكب لا تخلو من بابها. ففي ذلك يقول أبو المعافى: خيرزان هناك ثم هنـاك إن العباد يسوسهم ابناك وكانت يوما جالسة إذ دخلت عليها جارية من جواريها فقالت: أعز الله السيدة بالباب امرأة ذات جمال وخلقة حسنة، وليس وراء ما هي عليه من سوء الحال غاية تستأذن في الدخول عليك، وقد سألتها عن اسمها فامتنعت أن تخبرني، فالتفتت الخيرزان على زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس -وكانت في مجلسها: ما تقولين في أمرها؟ قالت لها: أدخليها فإنه لا بد من فائدة أو ثواب، فدخلت امرأة من أجمل النساء لا تتوارى بشيء، فوقفت بجانب عضادتي الباب، ثم سلمت متضائلة، ثم قالت: أنا مزنة بنت مروان بن محمد الأموي. فقالت الخيرزان: لا حياك الله وال مرحبا بك، فالحمد لله الذي أزال نعمتك وهتك سترك وأذلك. أتذكرين يا عدوة الله حين أتاك عجائز أهل بيتي يسألنك أن تكلمي صاحبك في الإذن في دفن إبراهيم بن محمد فوثبت عليهم وأسمعتيهن ما لا سمعن قبل وأمرت فأخرجن على تلك الحالة، فضحكت مزنة قهقهة حتى علا صوت ضحكها، ثم قالت: السلام عليك، ثم ولت مسرعة فنهضت إليها الخيرزان لتعانقها فقالت: ليس في ذلك موضع مع الحالة التي أنا عليها. فقالت الخيرزان لها: فالحمام إذا وأمرت جماعة من جواربها بالدخول معها إلى الحمام. فلما خرجت من الحمام وافتها الخلع والطيب فأخذت من الثياب ما أرادت ثم تطيبت، ثم خرجت إليها فعانقتها الخيرزان وأجلستها في الموضع الذي يجلس فيه أمير المؤمنين المهدي، ثم قالت الخيرزان: هل لك بالطعام؟ قالت: والله ما فيكن أحوج مني إليه فعجلوه، فأتي بالمائدة، فجعلت تأكل غير محتشمة إلى أن اكتفت، ثم غسلن أيديهن وقالت لها الخيرزان: من ورائك ممن تعنين به؟ قالت: ما خارج هذه الدار من بيني وبينه نسب فقالت: إذا كان الأمر هكذا فقومي حتى تختاري لنفسك مقصورة من مقاصيرنا وتحولي لها جميع ما تحتاجين إليه، ثم لا نفترق إلى الموت. فقامت ودارت بها في المقاصير فاختارت أوسعها وأنزهها ولم تبرح حتى حولت إليها جميع ما تحتاج غليه من الفرش والكسوة، ثم تركتها وخرجت عنها. فقالت الخيرزان: هذه المرأة قد كانت فيما كانت فيه وقد مسها الضرة وليس يغسل ما في قلبها إلا المال فاحملوا إليها خمسمائة ألف درهم فحملت غليها وفي أثناء ذلك وافى المهدي فسألها عن الخبر، فحدثته حديثها وما لقيتها به، فوثب مغضبا وقال للخيرزان: هذا مقدار شكر الله على نعمة وقد أكنك من هذه المرأة مع الحالة التي هي عليها، فوالله لولا محلك بقلبي لحلفت أن لا أكلمك أبدا فقالت: يا أمير المؤمنين، قد اعتذرت إليها ورضيت وفعلت معها كذا وكذا فلما علم المهدي ذلك قال لخادم كان معه: احمل إليها مائة بدرة وادخل إليها وأبلغها مني السلام وقل لها: والله ما سررت في عمري كسروري اليوم وقد وجب على أمير المؤمنين إكرامك ولولا احتشامك لحضر إليك مسلما عليك وقاضيا لحقك. فمضى الخادم بالمال والرسالة فأقبلت على الفور وسلمت على المهدي بالخلافة وشكرت صنيعة وبالغت في الثناء على الخيرزان، وقالت: ما على أمير المؤمنين حشمة أنا في عداد حرمه. ثم قامت إلى منزلها وأقامت عند الخيرزان إلى أن قضى المهدي. وأيام الهادي وصدر من أيام الرشيد وماتت في خلافة الرشيد وكان لا يفرق بينها وبين نساء بني هاشم فلما قضيت جزع عليها الرشيد والخدم جزعا شديدا وأخرجها بمشهد يليق بمثلها. وكلمت الخيرزان ولدها الهادي ذات يوم في أمر فلم يجد إلى إجابتها فيه سبيلا، فاعتل عليها بعله فقالت: لا بد من إجابتي. قال: لا أفعلن قالت: فإني قد ضمنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك فغضب الهادي وقال: ويل لابن الفاعلة، قد علمت أنه صاحبها لا قضيتها لك. قالت: إذا والله لا أسألك حاجة أبدا. قال: إذا والله لا أبالي. وقامت مغضبة فقال: مكانك فاستوعي كلامي والله وإلا نفيت من قرابتي من رسول الله لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من وادي أو من خاصتي أو من خدمي أو من خدمي لأضربن عنقه ولأقبضن ماله، فمن شاء فليلزم ذلك ما هذه المواكب التي تغدو إلى بابك كل يوم أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك؟ إياك، ثم إياك أن تفتحي فاك في حاجة لمسلم ولا ذمي. فانصرفت وما تعقل ما تجيب فلم تنطق وما تعقل ما تجيب فلم تنطق بحلو ولا مر بعدها، ثم إنه قال لأصحابه: أيما خير أنا أم أنتم وأمي أم أمهاتكم قالوا: بل أنت وأمك خير. قال: فأيكم يحب أن يتحدث الرجال بخبر أمه فيقال: أم فلان فعلت وصنعت. قالوا: لا نحب. قال: فما بالكم تأتون منزل أمي فتتحدثون بحديثها فلما سمعوا ذلك انقطعوا عنها وبعد مدة من الزمن تناست هذه الحادثة فبعث الهادي بأرز إلى الخيرزان. وقال لها: قد استطبتها فكلي منها فقيل لها: أمسكي حتى تنظري فجاءوا بكلب فأطعموه فسقط لحمه فأرسل إلهيا كيف رأيت الأرز؟ قالت: طيبا. قال: ما أكلت منها ولو أكلت منها لاسترحت منك. متى أفلح خليفة له أم؟ وكان سبب وفاة الهادي من قبل أمه الخيرزان كانت أمرت الجواري بقتله للسبب عينه وقيل: كان السبب في أمرها بذلك أن الهادي لما جد في خلع الرشيد والبيعة لابنه جعفر خافت الخيرزان على الرشيد فوضعت جواريها عليه لما مرض وأمرتهن بقتله فقتلوه بالغم والجلوس على وجهه فمات فأرسلت إلى يحيى بن خالد تعلمه بموته وبعد ذلك بقيت معززة في خلافة المأمون وأخرجت باحتفال عظيم لم ينله غيرها من نساء الخلفاء. رحمها الله تعالى. |
||||
|
| الأوسمة والجوائز لـ » المحارب |
| بينات الاتصال لـ » المحارب |
| اخر مواضيع » المحارب |
| إحصائية مشاركات » المحارب | |
| عدد المواضيـع : | 456 |
| عدد الـــــــردود : | 658 |
| المجمــــــــــوع : | 1,114 |
|
|
رقم المشاركة : ( 7 ) | ||||
|
نائب المدير العام للأنساب والمشجرات
|
حرف الدال
دارمية الجونية كانت فصيحة اللسان بليغة البيان، غير هيابة في المقال لا يسألها أحد سؤالا إلا جاوبته بأحسن جواب وأقنع خطاب. قال أبوس هل التميمي لما حج معاوية سأل عن امرأة من بني كنانة كانت تنزل بالحجونية يقال لها: دارمية وكانت سوداء كثيرة اللحم فأخبر بسلامتها فبعث إليها فجيء بها فقال: ما جاء بك يا ابنة حام؟ فقالت: لست بابنة حام أنا امرأة من بني كنانة وأنت طلبتني. قال: صدقت أتدرين لم بعثت إليك؟ قالت: لا يعلم الغيب إلا الله. قال بعثت إليك أسألك علام أحببت عليا وأبغضتني، وواليته وعاديتني؟ قالت: أو تعفيني. قال: لا أعفيك. قالت: أما إذا أبيت فإني أحببت عليا على عدله في الرعية، وقسمته بالسوية، وأبغضك على قتال من هو أولى منك بالأمر وطلبك ما ليس لك به حق، وواليت عليا على ما عقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم من الولاء وحبه المساكين وإعظامه لأهل بيته، وعاديتك على سفكك الدماء، وجورك في القضاء، وحكمك بالهوى. قال: فلذلك انتفخ بطنك وعظم ثدياك وربت عجيزتك. قالت: يا هذا! بهند والله كان يضرب المثل في ذلك لأبي سفيان وهند. قال معاوية: يا هذه! اربعي فإنا لم نقل إلا خيرا، إنه إذا انتفخ بطن المرأة تم خلق ولدها وإذا عظم ثدياها تروي رضيعها، وإذا عظمت عجيزتها رزن مجلسها. فلما سمعت ذلك رجعت وسكن غضبها ثم قال لها: يا هذه! هل رأيت عليا؟ قالت: نعم رأيته. قال: فكيف رأيته؟ قالت: رأيته والله لم يفتنه الملك الذي فتنك ولم تشغله النعمة التي شغلتك. قال: فهل سمعت كلامه؟ قالت: نعم، والله فكان يجلو القلوب من العمى كما يجلو الزيت الصدأ من الطست. قال: صدقت، فهل لك من حاجة؟ قالت: أو تفعل إذا سألتك؟ قال: نعم، قالت: تعطيني مائة ناقة حمراء جملها وراعيها قال: ماذا تصنعين بها؟ قالت: أغذوا بألبانها الصغار، وأستحيي بها الكبار، وأكتسب بها المكارم وأصلح بها بين العشائر. قال: فإن أعطيتك ذلك فهل أحل عندك محل علي بن أبي طالب؟ قالت: سبحان الله أو دونه. فأنشأ معاوية يقول: إذا لم أعد بالحلم مني عـلـيكـم فمن ذا الذي بعدي يؤمل للحمل خذيها هنيئا واذكري فعل ماجـد جزاك على حرب العداوة بالسلم ثم قال: أما والله لو كان علي حيا ما أعطى منها شيئا. قالت: ال والله ولا وبرة واحدة من مال المسلمين ثم أخذتها وانصرفت. دختنوس ابنة لقيط بن زرارة بن عباس الدرامي تزوجها عمرو بن عمرو بن عدس وكانت ابنة عمه وكان عمرو تزوجها بعدما أسن وكان أكثر قومه مالا وأعظمهم شرفا فلم تزل تولع به وتؤذيه وتسمعه ما يكره وتهجوه حتى طلقها فتزوجها من بعده ابن عمها عمير بن معبد بن زرارة، وكانت "دختنوس" شاعر لها شعر كثير منه هجو ومديح ورثاء وكانت ذات شجاعة عظيمة وحكمة غريبة ورأي صائب وكان أبوها لقيط يرجع إلى رأيها ويأخذها في غزواته لكي تهديه إلى الصواب عند الخطأ. وكان أخذها معه في يوم "شعب جبلة" بينه وبين عامر وعبس وكان وجد في طريقه كرب بن صفوان بن الحباب السعدي وكان شريفا فطلب منه الصحبة فأبى محتجا بالبحث عن إبل له فقال: لا أدعك تذهب فتخبر بي القوم فحلف له أن لا يخبرهم ثم سار عنهم وهو مغضب. فلما دنا منهم أخذ خرقة وصر فيها حنظلة وترابا وشوكا وخرقتين من يمانية وخرقة حمراء وعشرة أحجار سود، ثم رمى بها حيث يسقون ولم يتكلم فوصلت إلى قيس بن زهير العبسي فقال: هذا من صنع الله بنا هذا رجل قد أخذ عليه عهد أن لا يكلمكم فأخبركم أ، أعداءكم قد غزوكم وهم بنو حنظلة، وصاحب بن زرارة، وقبيلتان من اليمن، وفي عشرة أيام يكونون عندكم فخذوا حذركم ولما عاد كرب بن صفوان قال له لقيط: قد أنذرت القوم فأعاد الحلف أنه لم يكلم أحدا فأطلقه فقالت له "دختنوس": ردني على أهلي ولا تعرضني لعبس وعامر فقد أنذرهم لا محالة فاستحمقها وساء كلامها وردها وسار إلى بني عامر وعبس وتحاربا وانكسر قومه وأبلى بلاء حسنا حتى اندك الجرف بفرسه فهجم عليه عنترة فطعنه وعند ذلك تذكر ابنته "دختنوس" فقال" يا ليت شعري عنك دختنوس إذا أتاك الخبر المرسوس أتحلق القرون أم تـمـيس لإبل تميس إنها عـروس فلما بلغها موته قالت ترثيه: ألا أيها الويلات ويلة مـن بـكـى لضرب بني عبس لقيطا وقد مضى لقد ضربوا وجها عـلـيه مـهـابة ولا تحفل الصم الجنادل من تـوى فلو أنكم كـنـتـم غـداة لـقـيتـم لقطا ضربتم بـالأسـنة ولاقـنـا عذرتم ولكن كنتـم مـثـل ظـبـية أضاءت لها القناص من جانب الثرا فما ثـأره فـيكـم ولـكـن ثـأره شريح أرادته الأسـنة والـقـنـا فإن تعقب الأيام من فـارس تـكـن عليكم حريقـا لا يرام إذا سـمـا ليجزيكم بالقتل قتـلا مـضـعـفـا وما في دماء الخمس يا مال من بوا وقالت ترثيه أيضا: عثر الأغر بخير خـن دف كهلها وشبابهـا وأضرها لـعـدوهـا وأفكها لرقـابـهـا وقريعها ونجـيبـهـا في المطبقات ونابها ورئيسها عند المـلـو ك وزين يوم خطابها وأتمهـا نـسـبـا إذا رجعت إلى أنسابهـا يرعى عمودا للـعـش يرة رافعا لنصابهـا ويعولها ويحـوطـهـا ويذب عن أحسابهـا ويطأ مواطـن لـلـع دو وكان لا يمشي بها فعل المدل من الأسـو د لحينها وتبـابـهـا كالكوب الـدري فـي لا يخـفـى بـهـا عبث الأغر به وكـل منية لـكـتـابـهـا فرت بنـو أسـد فـرا ر الطير عن أربابها وهوازن أصحابـهـم كالفأر في أذنابـهـم ولها مراث كثيرة لم نعثر إلى على هذه منها. دلوكة بنت زباء ملكة من ملوك القبط الأولين بمصر كانت أول امرأة ملكت بعد هلاك فرعون وجنوده في البحر وكان ملكها عشرين سنة وعملت أعمالا عظيمة أشهرها الجدار المعروف بحائط العجوز. قالوا عنه: إنه أحد العجائب العشرين التي بمصر يحيط بمصر شرقا وغربا من العريش إلى أسوان ويقال له: جدار العجوز أيضا. وسبب بناء هذا الحائط على ما قيل: إن مصر لما خلت من الأشراف والأبطال بعد غرق فرعون وجنوده بالبحر الأحمر اجتمعت النساء، وملكن عليهن دلوكة وكانت ذات شرف وحكمة ودراية وكان عمرها مائة وستين سنة، فخافت أن يتناولها الملوك فجمعت نساء الأشراف وقالت لهن: إن بلادنا لم يكن يطمع فهيا أحد ولا يمد عينه إليها وقد هلك أكابرنا وأشرافنا وذهب السحرة الذين كنا نقوى بهم وقد رأيت أن أبني حصنا أحدق به جميع بلادنا فأضع عليه المحارس من كل ناحية فإنا لا نأمن من أن يطمع فينا الناس. فبنت هذا الحائط، وأحاطت به جميع أرض مصر المزارع والمدائن والقرى وجعلت دونه خليجا يجري فيه الماء وأقامت القناطر والترع وجعلت فيه المسالح المجالس على كل ثلاثة أميال مجرس ومسلحةن أي محل للسلاح والمجارس صفان على كل ميل وجعلت في كل مجرس رجالا وأجرت عليهم الأرزاق وأمرتهم أن يحرسوا بالأجراس فإذا أتاهم آت يخافونه ضرب بعضهم إلى بعض بالأجراس فيأتيهم الخبر بأي وجه كان في ساعة واحدة فينظرن في ذلك فمنعت بذلك مصر ممن أرادها وفرغت من بنائه في ستة أشهر على ما قيل. وقيل: إنها بنته خوفا على ولدها لا،ه كان كثير القنص فخافت عليه من سباع البر والبحر واغتيال من جاور أرضهم من الملوك والبوادي فحوطت الحائط من التماسيح وغيرها. قال المقريزي: وقد بقي من حائط العجوز بقايا كثيرة في بلاد الصعيد وهو مبني من اللبن الكبار. دليلة الفلسطينية امرأة فلسطينية من وادي "سوريف" أحبها "شمشون" فعرف أقطاب الفلسطينيين بحبه لها وقالوا لها: أنظري بماذا قوته العظيمة وبماذا نتمكن منه حتى نوقعه أو نقهره ونحن ندفع إليك كل منا ألفا ومائة درهم من الفضة فقالت: ل "شمشون": أخبرني بماذا قوتك العظيمة وبماذا توثق لتقهر؟ فقال لها: إذا أوثقوني بسبعة أوتار طرية لم تحف بعد فإني أضعف وأصير كواحد من الناس، فدفعوها إليها فشدته بها والكمين رابض عندها في المخدع. ثم قالت له: قد دهمك الفلسطينيون فقطع الأوتار كما يقطع خيط المشاقة إذا أشيط فقالت له: لقد خدعتني فأخبرني بماذا توثق فقال: إن أوثقوني بحبال جديد لم تستعمل قط فإني أضعف وأصير كواحد من الناس ففعلت كما فعلت في المرة الأولى فقطع الحبال كالخيط فكررت السؤال فقال لها: إذا ضفرت سبع خصل من شعر رأسي وربطت بها كالوتد فإني أصير كباقي الرجال فأخذت منه سبع خصل من السرى فمكنتها بالوتد وقالت له: قد دهمك الفلسطينيون فاستيقظ من نومه وقلع الوتد والنسيج والسرى فعاتبته على مخادعتها وكانت تضايقه كل يوم بكلامها وتضاجره حتى تاقت نفسه إلى الموت فأطلعها على ما في قلبه وقال لها: لم يعل راسي لأني ناسك لله من بطن أمي فإن حلقت رأسي فارقتني قوتي. ورأت "دليلة" أنه قد كاشفها بكل ما في قلبه، فأرسلت ودعت أقطاب الفلسطينيين وقالت: اصعدوا هذه المرة فأضجعته على ركبتيها ودعت رجلا فحلق سبع خصل رأسه ثم قالت له: دهمك الفلسطينيون فاستيقظ ووجد أن قوته قد فارقته فقبضوا عليه وتلقبت "دليلة" بالمحتالة لاحتيالها على "شمشون" -كما مر- وخبرها في سفر القضاة "الإصحاح السادس عشر" منالتوراة. دنانير جارية يحيى بن خالد البرمكي كانت جارية صفراء من مولدات المدينة كان مولاها قد أدبها وخرجها في الأدب والشعر والغناء حتى صارت أدرى الناس بالغناء القديم وأكمل الجواري آدابا، وأكثرهن رواية للغناء والعشر، وأحسنهن وجها وأظرفن عشرة. فلما رآها خالد بن يحيى البرمكي شغف بها واشتراها، وكان الرشيد يسير إلى منزله ويسمعها حتى ألفها واشتد بها فكان أكثر مسيرة إلى مولاها ويقيم عندها ويبرها ويفرط حتى إنه وهبها في ليلة عقدا قيمته ثلاثون ألف دينار، وعلمت زبيدة بحاله فشكته على أهله وعمومته فعاتبوه على ذلك فقال: مال ي في الجارية أرب في نفسها وإنما أربي في غنائها، فاسمعوها فإن استحقت أن يؤلف غناؤها وإلا فقولوا ما شئتم. فأقاموا عنده ونقلهم إلى يحيى فلما سمعوها عذروه وعادوا إلى زبيدة، وأشاروا عليها أن لا تلح في أمرها فقبلت ذلك وأهدت إلى الرشيد عشر جوار، وكان اعتماد "دنانير" في غنائها على ما أخذته من بذل المغنية، وهي التي خرجتها وأخذت أيضا من الأكابر الذين أخذت البذل عنهم مثل: فليح وإبراهيم الموصلي وابن جامع وإسحاق ونظارئهم. ولها كاب مجرد في الأغاني مشهور، وكانت تناظر ابن جامع وأمثاله فتغلبهم. وقيل: إنها عملت يوما صوتا أعجب به مولاها يحيى جدا، وأتى إلى إبراهيم الموصلي وطلب إليه أن يسمعه منها لينظر هل هو كما وقع في نفسه. فأتى إبراهيم وغنت "دنانير" الصوت فطرب له إبراهيم واستعاده منها ثلاث مرات لعله يجد موضوعا فيه قابلا للإصلاح يصلحه فينسب غليه فلم يجد. وقال بعضهم: إنها كانت تغني غناء إبراهيم فتحكيه حتى لا يكون بينهما فرق، وكان إبراهيم يقول ليحيى: متى فقدتني و"دنانير" باقية فما فقدتني؟ وقامت "دنانير" عند البرامكة دهرا طويلا لم تخرج من عندهم ولا كفرت نعمة مولاها. وشغف بها عقيل مولى صالح بن الرشيد فخطبها، فردته فاستشفع مولاها صالحا وابن محرز وغيرهما فلم تحبه، فكتب إليها: يا دنانير قد تنكر عـقـلـي وتحيرت بين وعد مـطـل شغفي شافـعـي إلـيك وإلا فاقتليني إن كنت تهوين قتلي ما أحب الحياة يا أخت إن لـم يجمع الله عاجلا بك شملي فكان كالكاتب على صفحات الماء، ومات ولم يجد لعلته من دواء، وأقامت على الوفاء لمولاها وأصابتها علة الجوع الكلبي وهي عند البرامكة فكانت لا تصبر عن الأكل ساعة واحدة فكأني يحيى يتصدق عنها في كل يوم من شهر رمضان بألف دينار لا،ها كانت لا تصومه. وحكي أن الرشيد دعا بها بعد نكبة البرامكة وأمرها أن تغني فقالت: يا أمير المؤمنين، آليت أن لا أغني بعد سيدي أبدا. فغضب وأمر بصفعها، فصفعت، وأقيمت على رجليها وأعطيت العود فأخذته وهي تبكي أحر بكاء وغنت صوتا يفتت الجلمود حزنا فرق لها الرشيد وأمر بإطلاقها، فانصرفت. دهيا بانة ثابت بن تيفان وقومها جرادة من زنانة، كانت تلقب الكاهنة ملكة البربر في جبل "أوراس". قال ابن خلدون: وكان لها بنون ثلاثة ورثوا رياسة قومهم عن سلفهم وربوا في حجرها، فاستبدت عليهم وعلى قومهم بهم، وربما كان لها من المهانة والمعرفة بغيب أحوالهم وعواقب أمورهم فانتهت إليها رياستهم، فملكت 35 سنة وعاشت 127 سنة، وكان قتل عقبة بن نافع بإغرائها وكان المسلمون يعرفون ذلك منها. قيل: وكان مذهبها ومذهب قومها وقبائل تفوسة اليهودية وكانت تدعى خطاب الشياطين فلما انقضى أمر البربر وقتل "كسيلة" رئيس "أوراس" عندما غزاهم العرب انضم برابرة "أوراس" ومن جاورهم إلى "دهيا" هذه لما كان لها من السيادة والسلطة والدهاء، فلما غزا أفريقيا حسان بن النعمان الغساني من قبل عبد الملك بن مروان استولى على قيروان و"قرطجنة" ثم سار إلى الكاهنة وحاربها عند نهر "مسكيني" على مرحلة من "باغابة" و"محانة"، فانكسر المسلمون أمامها وقتلت منهم جما غفيرا، وأسرت جماعة منهم: خالد بن يزيد القيسي، فأطلقتهم جميعا ماعدا خالد بن يزيد أبقته عندها واتخذته لها ولدا لشجاعته وشرفه. ففارق حسان أفريقيا وكتب إلى عبد الملك أن يمده بالجيوش، وأقام بعمل برقة خمس سنوات ينتظر ورود الإفادة. وفي هذه المدة ملكت "دهيا" افريقيا كلها وبعد الخمس سنوات سير عبد الملك إلى حسان الجنود والأموال، وأمره أن يناجز "دهيا" الكاهنة، فأرسل حسان رسولا سرا إلى خالد بن يزيد، فكتب إليه خالد يعرفه تفرق البربر بظلم الكاهنة ويأمره بالسرعة فسار حسان وعلمت الكاهنة فقالت: إن العرب يريدون البلاد والذهب والفضة ونحن إنما نريد المزارع والمراعي ولا أرى إلا أن أخرب أفريقيا حتى ييأسوا منها، قم فرقت أصحابها فخربوا البلاد وهدموا الحصون ونهبوا الأموال فلما قرب حسان من البلاد لقيه جم من أهلها من الروم يشكون إليه ظلم الكاهنة فسار إلى "فانيس" فلقيه أهلها بالأموال والطاعة، فجعل فيها عاملا، فسار على قعصة فأطاعه من بها، واستولى عليها وعلى "قسطيلة" ونفذ أمره وبلغ الكاهنة قدومه، فأحضرت ولديها وخالد بن يزيد وقالت لهم: إني مقتولة هذه المرة فامضوا إلىحسان وخذوا لأنفسكم منه آمانا. فساروا إليه وبقوا معه، وسار حسان نحوها فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم البربر وقتلوا قتلا ذريعا، وأدركت الكاهنة فقتلت، ثم استأمن البربر إلى حسلان فأمنهم وشرط عليهم أن يكون منهم عسكر مع المسلمين عدتهم اثنا عشر ألفا فأجابوا فجعل على هذا العسكر أحب ابني الكاهنة المذكورين. ديدرون ابنة الملك بقلوس هي ملكة "سورو" زوجة "سيته" كاهن "هركليس" الذي كان أغنى الفينيقيين على بكرة أبيهم وأجملهم خلقا وخلقا ثار أخوها "بكاليون" بزوجها فقتله طمعا في استلاب كنوزه فجزعت عليه "ديدون" جزعا عظيما، ولم تطق بعده المكث في صور ففرت مع أخيها "برقا" وثوم ممن تغيروا على أخيها زاعمة أن زوجها المقتول قد أمرها بالرؤيا أن تبارح صور وكانت قد نقلت خفية على محل اسمه "كرنا" واقع بني صور وصيدا قسما جليلا من أمتعتها وثروتها فركبت من هناك سائرة إلى شمال فينيقية فعاجت بسيرها لجزيرة قبرص، وكان يوم عيد، فرأت على الشاطء ربربا من أجمل بنات الجزيرة مجتمعا هناك للهو والمرح، فاختطف رجالها منهم وأقلعوا حتى إذا بلغوا سواحل "زوجيتا" تجاه جزيرة صقلية، استأذنت "ديدون" ملكها "برياس" في بناء قلعة فأذن لها على شريطة أن تبذل له خراجا فرضيت وبنت هناك قلعة بصرة ومعناه حصن باللغة الفينيقية فحرفه اليونان فسموها "برسا" أي جلد الثور. ثم اشترت منن ملك "موريطانيا" أرضا أنشأت فيها مدينة قرطاجنة الأفريقية، وذلك سنة 860 قبل المسيح وكان "أيارياس" قد شغف بها حبا فخطبها من نفسها ولما لم تسعها مخالفته حرصا على حياة قومها، وكانت مرتبطة مع زوجها المقتول بقسم أن لا تستبدله بآخر، طلبت مهلة ثلاثة أشهر لكي تستعد للزفاف عليه فلباها، ولكنها في نهاية المدة المذكورة علت رابية هناك وطعنت نفسها بخنجر فماتت. فكانت سيرتها موضوعا جميلا لكتبة الإفرنج يبنون عليها رواياتهم المفجعة وقد عثر المتأخرون على تمثلا ل "ديدون" منحوت بيد "كيرين" الشهير. قيل: إنه محفوظ الآن بدار الآثار في لندن. حرف الذال ذات الخال هي في الأصل لقرين مولى العباسة بنت المهدي ويكنى بأبي الخطاب وكان يعشقها إبراهيم الموصلي وله فيها أشعار كثيرة منها قوله: ما بال شمس أبي الخطاب قد حجب ت يا صاحبي لعل الساعة اقتربت أولا فما بال ريح كنت آنـسـهـا عادت علي بصر بعد ما جنبـت إليك أشكو أبا الخـطـاب جـارية غريرة بفؤادي اليوم قد لعـبـت وأنت قيمها فانظر لعـاشـقـهـا يا ليتها قربت مني وما بـعـدت وما زال يقول فيها الشعر ويغني فيه حتى شهرها بشعره وغنائه وبلغ الرشيد خبرها فاشتراها بسبعين ألف درهم. ودعت الرشيد يوما فوعدها أن يصير غليها وخرج يريدها فاعترضته جارية أخرى، فسألته أن يدخل إليها فدخل وأقام عندها، فشق ذلك على "ذات الخال" وقالت: والله لأطلبن له شيئا أغيظه به، وكانت من أحسن النساء وجها، ولها خال على خدها فقطعته وبلغ ذلك الرشيد فشق عليه وبلغ منه فخرج من موضعه وقال للفضل بن الربيع: انظر من الباب من الشعراء؟ فقال: رأيت الآن الأحنف. فقال: أدخله. فعرفه الرشيد الخبر، وقال: اعمل في هذا شيئا على معنى رسمه له، فقال: تخلصت ممن لم يكن ذا حـفـيظة وملت إلى من لا يغـيره حـال فإن يك قطع الخال لما تعطـفـت على غيرها نفسي فقد ظلم الخال فنهض الرشيد إلى "ذات الخال" مسرعا مسترضيا وجعل لها هذين البيتين سببا وأمر للعباس بألفي دينار وأمر إبراهيم الموصلي فغناه في هذا الشعر وغضب الرشيد عليها يوما وقال في مجلسه: أيكم يأخذ "ذات الخال" حتى أهبها له فبكر حمويه الوصيف فقال: أنا يا أمير المؤمنين فوهبا له، فقال إبراهيم: أتحسب ذات الخال راجية ربـا وقد سلبت قلبا يهيم بها حـبـا وما عذرها نفسي فداها ولم تدع على أعظمي لحما ولم تبقي لبا ثم اشتاقها بعد ذلك الرشيد فقال لحمويه: ويلك يا حموية، وهبنا لك الجارية على أن تسمع غناءها وحدك قال: يا أمير المؤمنين، مر فيها بأمرك. قال: نحن عندك غدا فمضى فاستعد لذلك واستأجر لها من بعض الجوهر بين زينة وعقودا ثمنها اثنا عشر ألف دينار، فأخرجها على الرشيد وهو عليها، فلما رآه أنكره فقال: ويلك يا حمويه من أين لك هذا وما وليتك عملا تكسب فيه مثله، ولا وصل إليك مني هذا القدر؟ فصدقه عن أمره فبعث الرشيد إلى أصحاب الجوهر فأحضرت واشترى الجوهر منهم ووهبه لها، ثم حلف أ، لا تسأله في يومه ذلك حاجة إلا قضاها فسألته أن يولي حمويه الحرب والخراج بفارس سبع سنين، ففعل ذلك، وكتب له عهده به وشرط على ولي عهده أن يتمها له إن لم تتم في حياته وضموا يومهم في أحسن ما يكون، ومن قول إبراهيم فيها: أبد لذات الخـال يا ثـعـلـب قول امرئ في الحب لا يكذب إني أقول الحق فاستـيقـنـي كل امرئ في حبه يلـعـب وقال فيها أيضا: جزى الله خيرا من كلفت بـحـبـه وليس به إلا المموه مـن حـبـي وقالوا قلوب العـاشـقـين رقـيقة فما بال ذات الخال قاسية القلـب وقالوا لها هذا محبك مـعـرضـا فقالت أرى إعراضه أيسر الخطب فما هـو إلا نـظـرة بـتـبـسـم فتنشب رجلاه ويسقط للـجـنـب وقال فيها أيضا. ولكن فلنذكر السبب وهو أن إبراهيم الموصلي لعب الشطرنج يوما مع ابن زيدان صاحب البرامكة فدخل عليهما إسحاق فقال أبوه: ما أفدت اليوم؟ فقال: أعظم فائدة، رجل سألني ما أفخم كلمة في الفم فقلت: لا إله إلا الله. فقال أبوه: إبراهيم أخطأت، هلا قلت دنيا ودينا فأخذ ابن زيدان الشاه فضرب به رأس إبراهيم وقال: يا زنديق، أتكفر بحضرتي فأمر إبراهيم غلمانه فضربوا ابن زيدان ضربا شديدا فانصرف من ساعته إلى جعفر بن يحيى وحدثه الخبر وعلم إبراهيم أنه قد أخطأ وجنى، فركب إلى الفضل بن يحيى فاستجار به فاستوهبه الفضل من جعفر فوهبه له فانصرف وهو يقول: إن لم يكن حب ذات الخال عنـانـي إذا فحولت في مسـك ابـن زيدان فإن هذي يمين ما حلـفـت بـهـا إلا على الصدق في سري وإعلاني ذبية بنت ثبية الفهمية كانت من أحسن بني فهم حسبا وأعرقهن نسبا، وأكثرهن أدبا، وأبهاهن جمالا، وألطفن كمالا، لها شعار لطيفة ورثاء مقبول منها: قولها ترثي قومها كانوا قتلوا بصورة وهو مكان بأراضي مكة: ألا إن يوم الشـر يوم بـصـورة ويوم فناء الدمع لو كان فـانـيا لعمري لقد أبكت فريم وأوجعـوا بجرعة بطن القيل من كان باكيا قتلتم نجوما لا يحول ضـيفـهـم ولا يذخرون اللحم أخضر ذاويا عماد سمائي أصبحت قد تهدمـت فخري سمائي لا أري لك بانـيا ذؤابة امرأة رباح القيسي كانت -رضي الله عنها- تقوم الليل كله وكانت إذا مضى الربع الأول تقول له: قم يا رباح للصلاة، فلا يقوم، فتقوم ثم تأتيه وتقول له: قم يا رباح، فلم يقم، فتقوم الربع الآخر، ثم تأتيه وتقول: قم يا رباح فلا يقوم، فتقوم الربع الآخر، إلى تمام الليل ثم تأتيه وتقول: قم يا رباح قد مضى عسكر الليل وأنت نائم فليت شعري من غرني بك يا رباح ما أنت إلا جبار عنيد. وكانت تأخذ تبنة من الأرض وتقول: والله للدنيا أهون علي من هذه وكانت إذ صلت العشاء تطيبت ولبست ثيابها ثم تقول لزوجها: ألك حاجة فإن قال لا نزعت ثياب زينتها وصلت إلى الفجر -رضي الله عنها. حرف الراء راحاب الإسرائيلية امرأة مشهورة من "أريحاء" قبلت في بيتها الجاسوسين اللذين أرسلهما "يشوع" ليجسا الأرض وأخبأتهما عن أبناء بلدتها وأنقذتهما بحيلة كما هو مذكور في "الإصلاح الثاني من سفر يشوع" غير مطيعة لأمر الملك فكوفئت على ذلك بإنقاذها هي وكل عائلتها عندما فتح الإسرائيليون المدينة، ومن الاتفاق أن بيتها كان مبنيا على السور فأمرها الجاسوسان أن تربط خيطا من القرمز بالطاق فيكون علامة لهم على بيتها ثم صارت فميا بعد زوجة لسلمون وجدة للمسيح وقصتها مع الجاسوسين إلى غير ذلك من أخبارها مذكورة في "الإصحاح الثاني والسادس من سفر يشوع". وذكرت أيضا في "إنجيل متى" والرسالة إلى العبرانيين ورسالة يعقوب الرسول. راحيل ابنة لابان هي زوجية يعقوب وأم يوسف وبنيامين قصتها وردت في "الإصحاح تسعة وعشرين" إلى "الإصحاح ثلاثة وثلاثين". وفي "الإصحاح خمسة وثلاثين من سفر التكوين". وما جرى بينها وبين يعقوب هو من الأمور التي تلذ مطالعتها، فإن جمالها والحب الشديد الذي كان ليعقوب نحوها من حين التقيا أولا على بئر "حاران" حين قابلها على عادة أهل البادية وأخبرها بأنه ابن رفقة والخدمة المستطيلة التي خدم بها إياها بصبر حتى كانت السبع سنين عنده كأنها أيام قليلة صبا بها واتخاذه رياها زوجة أخيرا عوض أختها "لبتة" وموتها عند ولادتها ابنا ثانيا كل ذلك مما يزيد قصتها اعتبارا ولذة. ولما توفيت دفنت على طريق "أفراتة" -أي بيت لحم- وأقام يعقوب نصبا على قبرها وهو أول من نصب على قبر مذكور في التاريخ لأن أهالي تلك الأزمان كانت عادتهم إلى ذلك الوقت أن يتخذوا المقابر مدافن لهم وكان موقع قبرها معروفا في أيام "سموئيل" و"شاول" كما يستفاد من العدد الثاني من "الإصحاح" العاشر من سفر سموائيل الأول" وقد وصفها "إرميا" النبي بعبارات مؤثرة جدا: "راحيل" المدفونة تبكي على فقد بنيها وذلك لأن جماهير المسبيين الذين سيقوا إلى بابل اجتازوا بالقرب من قبرها. وقد أشار إلى ذلك "متى الإنجيلي" عند قتل "هيروس" الأطفال في بيت لحم. وأما موقع الرامة الوارد ذكرها هناك فهو من المسائل الواقعة تحت البحث عند جغرافي فلسطين ولكن موقع قبر "راحيل" على طريق بيت لحم بعيدا قليلا عن "أفراتة" في تخم بنيامين لم يقع فيه اختلاف وهو على بعد نحو ميلين إلى الجنوب من أورشليم ونحو ميل إلى الشمال من بيت لحم، وهو من الأماكن التي يزورها اليهود والمسلمون والمسيحيون تبركا به وزاره السائح "متدربل" سنة 1697م، ووصفه الدكتور "روبنصن" وصفا يتضمن ملخصة ما وصفه به السائحون الشرقيون قال: هو مزار إسلامي، أو مدفن شخص مقدس، حقير، مربع، مبني بالحجارة وله قبة وداخله قبر أشبه بقبور المسلمين المألوفة، وكله مطين بالطين من خارج، ومنظر البناء لا يدل على أنه قديم. وفي القرن السابع لم يكن هناك إلا شبه هرم من الحجارة، وأما الآن فهو مهمل وأخذ في السقوط على أن السائحين من اليهود لا يزالون يزورونه، وجدرانه مغطاة بأسماء من عدة لغات وكثير منها عبراني، واتفاق العموم على أن ذلك المقام هو قرب "راحيل" لا سبيل إلى الاعتراض عليه لأن ما ورد في الكتاب المقدس يعضده من كل وجه. وقد ذكره أيضا كثيرون من السائحين من سنة 333 للميلاد وذلك "ايرتبموس" وغيره في ذلك العصر. رادغنده ابنة برنير ملك تورتجه ملكة فرنسوية، ولدت سنة 521م، فلما قام أخوها "هرمنفدو" على أبيه وقتله واختلس الملك، نهض عليه "سيرى" و"كلوتيد الأول" ملك فرنسا وسلباه الملك، واقتسماه بينهما، فوقعت "رادغنده" في حصة "كلوتير" وكانت قد تربت على الوثنية وكان عمرها حينئذ عشر سنوات فأدخلها "كلوتير" في المذهب المسيحي حتى إذا تهذبت وترعرعت تزوجها سنة 538م، وألبست تاج الملك في "سواسون" وكان لها ميل شديد إلى العيشة الرهبانية، فلم تمض ست سنوات حتى استأذنت الملك في الاعتزال إلى بعض الأديرة فسمح لها ولم يكن له منها ولد وأقطعها أرضاً تعيش فيها إذا أرادت فأتت أولا إلى "بواتيه"، ثم انتقلت سنة 544م لما قاطعها فاشتهرت في "أكوتيانيا"بفضيلتها وتقواها حتى تقاطر إليها الناس وأشهر الأساقفة. وفي سنة 559م أنشأت ديرا في "بواتيه" على اسم الصليب وذلك لأن الإمبراطور "بوتينوس" كان قد أهدى إليها هدية من جملتها قطعة من خشبة الصليب ثم بنت كنيسة على اسم العذراء وأقامت تمارس الفضائل وأعمال القداسة والتقشف والزهد إلى أن توفيت في 13 آب (أغسطس) سنة 587م ودفنت تحت الخورس في الكنيسة التي بنتها ونسب إليها فعل عجائب كثيرة ونقلت جثتها إلى "ديجون" عند اكتساح العرب "أكوتيانيا" في القرن الثامن، ثم أعيدت إلى "بواتيه" بعد مدة طويلة. وقيل: لما فتح قبرها سنة 1412م كان جسدها باقيا لم يبل وبقي هناك إلى سنة 1562م ثم تلاشى وتفرقت أجزاؤه في الحروب الدينية. ولها عيد في 13 آب المذكور. وكتب كثيرون من الآباء سيرتها، ونظموا على اسمها قطعا كثيرة للترتيل، وحفظت من خط يدها رسالة بعثت بها قبل موتها بقليل إلى كل أساقفة فرنسا عنوانها وصية "راغندة". رادكليف مؤلفة إنكليزية ولدت في لندن سنة 1764م، وتوفيت سنة 1823م. وتزوجت رجلا من "أكسفرد" صاحب جريدة، واشتغلت في تصنيف قصص على طرز جديد فاشتهرت في وقت قليل بحذفها في الإنشاء وحسن أساليبها وكان مدار مواضيع هذه القصص بث انفعالات شديدة في النفس كالرعب والهول وغوامض الأسرار والأمور العجيبة الذي يقرؤها يتوهم نفسه محاطا بالخيالات والأشباح الوهمية والأرواح الجهنمية أو السماوية، ثم يظهر سرها وينكشف أمرها في آخر القصة فتنطبق على أسباب طبيعية. وقيل: إنها هي نفسها كانت تتخيل مثل هذه الخيالات المطبوعة في مخيلتها أفضى بها الأمر إلى اختلال عقلها في أواخر حياتها، ولما شاعت قصصها وتطلبها الناس برغبة صار بعض الكتبة ينشر قصصه تحت اسمها من قلمه، وإذا لم تر هذه القصص المزورة لائقة بها انقطعت عن التصنيف ولم تكتب منذ ظهورها شيئاً ويقال: إن القصة التي عنوانها "أسرار أو دلف" اشتراها منها صاحب المطبعة بمبلغ 25 ألف فرنك وترجمت كل قصصها إلى الفرنساوية. راعوث امرأة موابيه كانت أولا زوجة ل "محلون" وبعد وفاته تزوجت ب"بوعز" فولد منها "عوبيد" جد داود النبي. وهي واحدة النساء الأربع اللواتي ذكرهن القديس متى في سلسلة "ميلاد المسيح" والثلاث الأخر هن "ثاماء" و"راجاب" وزوجة "أوريا" وما جرى ل "راعوث" مذكور بطريقة لطيفة في السفر المنسوب إليها وملخصة: أنه حدث جوع شديد في أرض "يهوذا" ربما نشأ من حلول الموآبيين تلك الأرض في أيام "عجلون" فأجئ أليملك من أهالي بيت لحم "أفراتة" أن يهاجر إلى أرض مداب هووزوجته نعمى وابناه "محلون" و"كلبون" وبعد مضي عشر سنين ترملت نعمى ومات ولدها وسمعت أنه قد زالت المجاعة من أرض "يهوذا" فرجعت "راعوث" وكنتها معها لأنها كانت تحبها جدا وتحب ديانتها فوصلت إلى بيت لحم في أيام حصاد الشعير فذهبت "راعوث" لتلقط شعيراً للقيام بأمر حماتها واتفق أنها أتت حقل "بوعز" وكان رجلا غنيا وقريبا لحميها أليملك وكان القوم قد بلغهم ما كان من صنيعها مع حماتها وأمانتها لها وتفضيلها لأرض بعلها على وطنها فأحسن "بوعز" معاملتها وأعطاها ما التقطته ثم اتخذها له زوجة فرزق منها أولاداً كان من سلالتهم المسيح وإذا كانت "راعوث" جدة نبي الله داود يستنتج أنها كانت في أواخر حبرية "عالي" أو أول حبرية "صموائيل" ومن أراد تفاصيل قصتها فليراجعها في سفر راعوث. راحيل الممثلة الشهيرة ولدت هذه الشهيرة في الرابع والعشرين من شهر مارس سنة 1821م في قرية منف من أعمال سويسرا وكان أبوها يهوديا يحمل البضاعة ويطوف بها على البيوت وكان أسامها في الصغر "أليا" ثم دعيت "راحيل" بعد أن صارت مشخصة وكان لها أخ وأربع أخوات صاروا جميعهم مشخصين. وانتقلت هذه العائلة من "سويسرا" إلى "جرمانيا"، ثم جاءت فرنسا فاستوطنت أولا بهون، ثم انتقلت إلى باريس وكانت "راحيل" وأختها "سارة" تغنيان في القهاوي والأزقة، وكان الناس يتصدقون عليهما واتفق يوما أن رآهما أحد المحسنين فعجب بهما وبالأخص ب "راحيل" وسألها قائلا من علمك الغناء؟ فأجابته" قد تعلمته بنفسي. فقال لها: وأين سمعت هذه الأغنية؟ فأجابت: قد سمعتها وأنا في الشوارع أمام الشبابيك، فحفظت منها ما أمكن حفظه فأعطاها بعض الثياب وصرفها ومن ذلك الوقت لم تعد تظهر في الشوارع. وظهرت "راحيل" أول مرة في المرسح الفرنساوي في 12 يونيو سنة 1838م، ولم يكن في المرسح سوى أربعة أو خمسة أشخاص على الكراسي وبعض اليهود في أعلى التياترو، وهؤلاء كانوا قد أتوا ليسمعوا ابنة ملتهم وقد وصف الدكتور "فرون" تلك الليلية بقوله: ذهبت ذات يوم مساء للتنزه وكان الوقت حارا قليلا شأن أيام الصيف عندنا فدخلت المرسح الفرنساوي وإذا في محل التمثيل فتاة جديدة،وقد رأيت على وجه هذه الفتاة ملامح الحذق والذكاء حتى إن كل لفتة منها كانت تأتي بمعني جديد إلى أن قال: وما أخال أحداً من القراء يجهل هذه الفتاة التي ملأ ذكرها الأسماع -ألا وهي "راحيل" الممثلة الشهيرة- ولم يأت آخر (أغوسطوس) من تلك السنة حتى ملأ صيتها باريس، وأطنب بمدحها كثيرون من أرباب الأقلام، من جملتهم "جولجانن" الشهير. وفي مدة لاتزيد عن ثلاثة أشهر توجت ملكة التمثيل وأشغلت الناس عن سواها من ممثلات تلك الأيام واعتبرها الشعب الفرنسوي غاية الاعتبار، فكانت واسطة عقد جمعياتهم وزهرها، وكانت الدعوات تأتي إليها من كل صوب حتى إنها كتبت إلى أحد أصدقائها تقول: لا يمكن للإنسان أن يأخذ حريته في معيشته إذا كان ممثلا مشهورا لدى الشعب الفرنسوي وكانت الوزراء تتردد على التياترو لسماعها والملك "لويس فيليب" أتى التياترو مرات عديدة إكراما ولها وذلك خلاف عادته ولم ينسها النجاح أهلها بل كانت تودهم كثيرا، وكتاباتها لهم مملوءة من المحبة والحنو، وكانت تود أصحابها القدماء كثيرا، وبلغها ذات يوم وفاة أحدهم فأرسلت إلى عائلته مبلغاً هائلاً من المال. وقد أحيت بتمثيلها العوائد والمناظر الرومانية واليونانية التي كان قد مضى عليها مدة طويلة في زوايا النسيان، وقد وصفها "إسكندر دوماس" الراوي الشهير بأنها ذات سلطان قوي على عقول السامعين، فتؤثر فيهم حركاتها ونظراتها وصوتها المشجى حتى كانوا يملون من الفترة بين الفصول. وذهبت "راحيل" سنة 1840م إلى إنكلترا فأطنبت الجرائد بمدحها منها جريدة "التيمس" التي قالت: "إن تأثيرها في العقول ابتدأ من أول عبارة لفظتها". وذكر أحد الذين حضروا هناك أنها كانت تظهر أمامهم بجميع المظاهر وتبين لهم القلب البشري بكل أوصافه فكانت تظهر تارة بزي القتلة، فتبدو على وجهها علامات الغضب والشر حتى لا يشك الناظر أنها قاتلة ثم تمثل دورا لطيفا فتغلب عليها طبيعة النساء وتظهر من الرقة واللطف ما يخلب الألباب، وهكذا كانت تتلاعب بالحاضرين كأنهم آلة في يدها، ومما يدل على ثباتها وعزمها ما أظهرته في تمثيل رواية "بايزيد" فإنها مثلتها أول مرة في 23 (نوفمبر) سنة 1838م، ولم تنجح فعادت بالفشل. وفي اليوم الثاني نشرت الجرائد الخبر في المدينة كلها وقام الانتقاد عليها من كل صقع وناد، ولما رأت ذلك سارت إلى صديقها "جانن" الذي مر ذكره لعلها تلطف حكمه عليها ولو قليلا فقابلها بلطف وبين لها غلطها ونصحها أن لا تقدم على تمثيل هذه الرواية مرة أخرى فقالت له: إني سأمثل هذه الرواية بعد رغما عن كل أهل باريس ومثلتها، كما قالت، فنجحت النجاح التام حتى أذهلت الحاضرين، وكان "ألفردميست" من جملة المشهرين لها فإنه كان يمدحها في الجرائد ويحث الناس على الأخذ بيدها وتنشيطها. حكي أنه صادفها ذات ليلة خارجه من التياترو الفرنساوي فدعته مع بعض الأصدقاء إلى العشاء قال: لما وصلوا إلى البيت نظرت إلى يديها فرأت أنها نسيت أساورها وخواتمها في التياترو فأرسلت خادمتها تجيء بها إليها، ولما لم يكن في بيت أبيها غير هذه الخادمة قامت هي بنفسها وذهبت إلى المطبخ ثم عادت بعد ربع ساعة ووضعت أمامها صحناً من المرق وبعض اللحم المشوي وطلبت إلينا أن نأكل من الصحون الكبيرة إذ كانت الصحون الصغيرة في الخزانة، والمفتاح مع الخادمة، وكانت وهي على العشاء تحدثنا عن حالتها الأولى وما كان أبوها عليه من الفقر وكانت والدتها وأخواتها ينظرون إليها شزرا ويشيرون إليها بأن تسكت. أما هي فأجابتهم: أنه لا عيب في الفقر بل إنها تفخر بأنها نشأت من حال كهذه ووصلت إلى ما وصلت إليه بجدها. وبعد العشاء ذهب الأصدقاء وبقيت أنا وحدي فأخذت تقرأ لي أشعار "راسين" وقد رأيت أنها تفهمها جيدا، ودامت كذلك حتى مضى نصف الليل ورجع أبوها، فلما رآها انتهرها وأمرها بأن تنام حالا فقامت والدموع ملء عينها وسمعتها تقول وهي ذاهبة: سأشتري قنديلا وأضعه في غرفتي الخصوصية حتى لا يمنعني أحد من المطالعة، فذهبت متعجبا من اجتهادها وثباتها. وذكر في موضع آخر أنه تغدى عندها ذات يوم وكان على الغداء عدة من الأصحاب فنظر أحدهم إلى يدها وقال لها: ما أجمل خاتمك! فقالت له: إذا كان قد أعجبك فسأضعه تحت المزايدة فدفع أحد الحضور خمسمائة فرنك ودفع الآخر ألفا، وهكذا حتى بلغ ثلاثة آلاف، ثم التفتت إلي وقالت لي: وأنت كم تدفع؟ فأجبتها: إني أدفع محبتي فرمت بالخاتم إلي وطلبت مني إتمام وعدي بنظم دور كانت طلبته مني. وذهبت "راحيل" إلى إنكلترا مرة ثانية سنة 1855م فشخصت في قصر الملكة فأنعمت عليها الملكة بسوار قد كتبت عليه بالألماس إلى "راحيل" من الملكة "فيكتوريا"، وأرسل إليها "دوق ولنثون" رسالة يقول فيها" إني أرسل احتراماتي إلى الماداموازل "راحيل" وقد استأجرت "لوجن" في التياترو حتى أتمكن من حضور تمثيلها. وذهبت سنة 1855م إلى أمريكا ولكنها لم تنجح لأن الأميركان لا يهتمون كثيرا بالروايات الفرنساوية لأنهم لا يفهمونها واشتد عليها مرض الصدر في نيويورك فرجعت إلى فرنسا وأشار الأطباء عليها بالقدوم إلى مصر فأتت إليها ولكنها لم تستفد كثيرا فيها لأنها شعرت بنفسها أنها وحيدة بعيدة عن أصدقائها حتى إنها كتبت إلى فرنسا تقول: إني سأموت من الوحدة لا من فعل المرض، لأني أرى حولي سوى خرائب الهياكل وأنقاض الأبنية ورجعت إلى فرنسا وزارت الملاعب التي كانت تمثل فيها، وتوفيت في الثالث من يناير سنة 1858م والإجماع على أنها ملكت أمام التمثيل فانقاد لها طوعا ومع ما كانت من أمرها فقد أظهرت في عملها من الثبات والعزم رغما عن ضيق ذات اليد ما تقصر عنه همم الرجال، وقد قالت مرارا عديدة: "إني اتخذت الصبر والثبات دستورا بمعونة الله فوصلت إلى ما وصلت إليه". رابعة الاشمية هي زوجة أحمد بن أبي الحواري. كانت من العابدات الزاهدات، وكان فضلها لا يقدر، وكراماتها لا تنكر. قال أحمد بن أبي الحواري: كانت رابعة لها أحوال شتى، فمرة يغلب عليها الحب، ومرة يغلب عليها الأنس، ومرة يغلب عليها الخوف، فسمعتها في حال الحب تقول: حبيب لـيس يعـدلـه حـبـيب وما لسواه في قلبي نـصـيب حبيب غاب عن بصري وشخصي ولكن عن فـؤادي مـا يغـيب وسمعتها في حال الأنس تقول: ولقد جعلتك في الفؤاد محـدثـي وأبحت جسمي من أراد جلوسي فالجسم مني للجلـيس مـؤانـس وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسـي وسمعتها في الخوف تقول: وزادي قليل ما أراه مبلـغـي أللزاد أبكي أم لطول مسافتي أتحرقني بالنار يا غاية المنـى فأين رجائي فيك أين مخافتي قال: فقلت لها مرة -وقد قامت بليل-: ما رأينا من يقوم الليل كله غيرك. قالت: سبحان الله مثلك يتكلم بهذا! إنما أقوم إذا نوديت. قال: فجلست على المائدة في وقت قيامها، فجعلت تذكرني فقلت لها: دعينا نتهنا بطعامنا. فقالت: ليس أنا وأنت ممن ينغص عليه الطعام عند ذكر الآخر. وقالت: لست أحبك حب الأزواج إنما أحبك حب الإخوان. وقالت لزوجها: اذهب فتزوج. قال: فذهبت فتزوجت وكانت تطعمني الطعام وتقول: اذهب لأهلك، وكانت إذا طبخت قدرا قالت: كلها يا سيدي فإنها ما نضجت إلا بالتسبيح. وبقيت على عبادتها إلى أن توفاها الله. رابعة ابنة الشيخ أبي بكر التجاري قال في كتاب "الجلاء الغامض": الست الفاضلة العارفة الكاملة زوجة السيد أحمد أم السيد صالح ست الغفقراء رابعة كانت سليمة الصدر، نقية القلب، لها معرفة جاذبة وحزن دائم ولا تأخذها في الله لومة لائم كانت سيرة جميلة وأوصاف حميدة سماها السيد أحمد: ست الفقراء وكناها أم الفقراء. ويقول: طاعتك على الفقراء واجبة، بكت بين يدي السيد أحمد مرة وقالت: كيف حالي بعدك أبقى أنا وحيدة ويغلق باب المسرة والابتهاج في وجهي؟ فقال -رضي الله عنه-: أهل المملكة يحبونك، وقولك مسموع، والنعمة عليك باقية. فإنقاذ أهل البيت الأحمدي لها مدة حياتها، وكانت تقف على ضريح زوجها وتكلمه وتنتظر الجواب منه فيأتيها شبيه الحلم بالجواب، وما أكرم أحد بعد وفاة زوجها بالولاية إلا وهي كانت عارفة به سألت ربها في خلافة السيد محمد الموت فتوفيت ليلة الجمعة النصف العاشر من شهر شوال سنة 613 ه ودفنت في القبة المباركة. رابعة ابنة إسماعيل البصرية العدوية مولاة آل عتيك كانت -رضي الله عنها- كثيرة البكاء والحزن، وكانت إذا سمعت ذكر النار غشي عليها زمانا، وكانت تقول: استغفارنا يحتاج إلى استغفار وكانت ترد ما أعطاه الناس لها وتقول: ما لي حاجة بالدنيا وكانت بعد أن بلغت ثمانين سنة كأنها الخلال البالي تكاد تسقط إذا مشت، وكان كفنها لم يزل موضوعا أمامها، وكان موضع سجودها كهيئة الماء المستنقع من دموعها، وسمعت -رضي الله عنها- سفيان الثوري يقول: وا حزناه فقالت: واقلة حزناه ولو كنت حزينا ما هناك العيش. ومناقبها كثيرة -رضي الله عنها- ومشهورة. وجاء في ترجمتها لابن خلكان: أنها كانت من أعيان عصرها وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة، وذكر أبو القاسم القشيري في الرسالة أنها كانت تقول في مناجاتها: "إلهي تحرق بالنار قلبا يحبك". فهتف بها مرة هاتف ما كنا نفعل هذا فلا تظني بنا ظن السوء. وقال بعضهم: كنت أهدي لرابعة العدوية فرأيتها في المنام تقول: هداياك تأتينا على أطباق من نور مخمرة بمناديل من نور، وكانت تقول: "ما ظهر من أعمالي لا أعده شيئا". ومن وصاياها: "اكتموا حسناتكم كما تكتمون سيئاتكم". وأورد لها الشيخ شهاب الدين السهروردي في كتاب عوارف المعارف هذين البيتين: إني جعلتك في الفؤاد محـدثـي وأبحث جسمي من أراد جلوسي فالجسم مني للجلـيس مـؤانـس وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسـي وكانت وفاتها في سنة 135 ه ذكره ابن الجوزي في "شذور العقود". وقال غيره سنة 185 ه رحمها الله تعالى. وقبرها يزار وهو بظاهر القدس من شرقيه على رأس جبل يسمى الطور. وذكر ابن الجوزي في كتاب "صفوة الصفوة" في ترجمة رابعة المذكورة بإسناد له متصل إلى عبدة بنت أبي شوال. قال ابن الجوزي: وكانت من خيار إماء الله تعالى، وكانت تخدم رابعة. قالت: كانت رابعة تصلي الليل كله فإذا طلع الفجر هجعت في مصلاها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر فكنت أسمعها تقول: إذا وثبت من مرقدها وهي فزعة: "يا نفس كم تنامين وإلى كم تنامين يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلا لصرخة يوم النشور". وكان ذلك دأبها دهرها حتى ماتت ولما حضرتها الوفاة دعتني وقالت: "يا عبدة لا تؤذني بموتي أحدا وكفنيني في جبتي هذه" وهي جبة من شعر كانت تقوم فيها إذا هدأت العيون قالت: فكفنتها في تلك الجبة وفي خمار من صوف كانت تلبسه ثم رأيتها بعد ذلك بسنة أو نحوها في منامي عليها حلة استبرق خضراء وخمار من سندس أخضر لم أر شيئا قط أحسن منه فقلت: يا رابعة، ما فعلت بالجبة التي كفناك فيها والخمار الصوف؟ قالت: "إن الله نزعه عني وأبدلت به ما ترينه على فطويت أكفاني وختم عليها ورفعت في عليين ليكمل لي بها ثوابها ويم القيامة". فقلت لها: لهذا كنت تعملين أيام الدنيا. فقالت: "وما هدا عندما رأيت من كرامة الله عز وجل لأوليائه" فقلت لها: ما فعلت عبيدة بنت أبي كلاب. فقالت: "هيهات هيهات سبقتنا والله إلى الدرجات العلا" فقلت: وبم وقد كنت عند الناس أكبر منها. قالت: إنها لم تكن تبالي على أي حال أصبحت من الدنيا أو أمست فقلت لها: فما فعل بشر بن منصور قالت: "بخ بخ، أعطي والله فوق ما كان يؤمل". قلت: فمريني بأمر أتقرب به من الله عز وجل؟ قالت: عليك بكثرة ذكره يوشك أن تغتبطي بذلك في قبرك رحمها الله تعالى. وكان الحسن البصري توفيت زوجته فأراد زوجة فقيل له عن رابعة العدوية فأرسل إليها يخطبها، فردته وقالت: راحتي يا إخوتي في خلوتـي وحبيبي دائما في حضرتـي لم أجد لي عن هواه عـوضـا وهواه في البرايا محنـتـي حيثما كنت أشاهـد حـسـنـه فهو محرابي إليه قبـلـتـي إن أمت وجدا وما ثـم رضـا وإعناني في الورى واشقوتي يا طيب القلب يا كل المـنـى جد بوصل منك يشفي مهجتي يا سروري يا حـياتـي دائمـا نشأتي منك وأيضا نشـوتـي قد هجرت الخلق جمعا أرتجي منك وصلا فهو أقصى منيتي وكانت تقول مرة: "إلهي ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك بل حبا لك وقصد لقاء وجهك". وتنشد: أحبك حبـين حـب الـهـوى وحـبـا لأنـك أهـل لـذاك فأما الذي هو حـب الـهـوى فشغلي بذكرك عمن سـواك وأمـا الـذي أنـت أهـل لـه فكشفك لي الحجب حتى أراك فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ولكن لك الحمد في ذا وذاك رابعة بنت إسماعيل كانت تقوم من أول الليل إلى آخره، وكانت تقول: "إذا عمل العبد بطاعة الله تعالى أطلعه الجبار على مساوئ عمله فيتشاغل بها دون خلقه". وكانت تصوم الدهر وتقول: "ما مثلي يفطر في الدنيا". وكانت تقول لزوجها: "لست أحبك حب الأزواج وإنما أحبك حب الإخوان". وكانت تقول: "ما سمعت أذانا قط إلا ذكرت منادي يوم القيامة، ورأيت أهل الجنة يذهبون ويجيئون وربما رأيت الحور العين يستترن مني بأكمامهن". ومناقبها كثيرة رضي الله عنها. الرباب بنت امرئ القيس ذكر في كتاب "نور الأبصار" ما ملخصه: إن الرباب بنت امرئ القيس بن عدي بن مرداس الكلبي، وكان نصرانيا فأسلم وجاء إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فدعا له برمح وعقد له على من أسلم بالشام من قضاعة فتولى قبل أن يصلي صلاة، وما أمسى حتى خطب منه الحسين بنته الرباب فزوجه إياها فأولدها عبد الله وسكينة وكانت الرباب من خيار النساء وأفطنهن، وخطبت بعد قتل الحسين -رضي الله عنه- فقالت: ما كنت لأتخذ حما بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبقيت بعده سنة لا يظلها سقف بيت إلى أن ماتت رحمها الله. رصفة بنت آية سرية أخذها "شاول" لنفسه من غير الإسرائيليين، فولدت له "أرموني" و"مغيبوشت" وهي من النساء المشهورات في العهد القديم مثل "راعوث" و"راجاب" و"إيزابلا". والراجح على ما جاء في قاموس التوراة أنها كانت غريبة عن شعب إسرائيل يتصل نسبها بإحدى العائلات الشريفة فإن "شاول" بأخذه لها وضع عادة جرى عليها ملوك بني إسرائيل من بعده إذ كانوا يتخذون لأنفسهم السراري من غير أبناء جنسهم، وحدث بعد وفاة "شاول" ونزول الفلسطينيين شرقي الأردن أن رصفة ذهبت مع رفيقاتها من عائلة الملك إلى مقرهن الجديد في "محتايم" فوقع لها في هذا المكان حادث ذكر في التوراة، وهو أن "أشبوشت" اتهم "إبيزيا" بالدخول على سرية أبيه فأنكر "إبيزيا" ذلك. وأقام الحجة عليه، ثم أعقبت هذه التهمة حادثة أخري وهي أن "إبيزيا" قتل بخيانة "يوآب" وانتحر "أشبوشت" بعد ذلك. والغالب على الظن بناء على ما يؤخذ من إنكار "إبيزيا" ومدلول الواقعة أن التهمة المذكورة كانت محض زور وبهتان، ولم يذكر في التوراة شيء غير ذلك عن رصفة سوى ما ذكر. وبالاختصار هو أن داود لما رغب إليه الشعب في اقتضاء حقه من عائلة "شاول" وذوي قرباه مقابل ما ناله بسببهم من ضربة الجوع قال لهم: مهما قلتم لي أفعل. فقالوا له: الرجل الذي أفتانا والذين أمروه علينا يبيدونا لكيلا نقيم في كل تخوم إسرائيل، فلنعط سبعة رجال من بنيه فنطلبهم للرب في جوعة "شاول" مختار الرب فأخذ داود ابني رصفة ابنة آية اللذين ولدتهما ل "الشاول" "أرموني" و"مغيبوشت|" وبني "ميراب" بنت "شاول" الخمسة الذين ولدتهم بعد "ريئيل بن برلاري المحولي" وسلمهم إلى يد الجبونيين فصلبوهم على الجبل أمام الرب، فسقط السبعة معا وقتلوا في أيام الحصاد في أولها في ابتداء حصاد الشعير، فأخذت رصفة مسحا وفرشته لنفسها على الصخر من ابتداء الحصاد حتى انصب الماء عليهم من السماء، ولم تدع طيور السماء تنزل عليهم نهاراً ولا حيوانات الحقل ليلا. رضية ملكة دهلي في بلاد الهند ابنة السلطان شمس الدين كانت من أوفر نساء زمانها عقلا وأحسنهن وجها. تعلمت فنون السياسة من صغرها، ولما بلغت حد الكمال ازدادت رونقا، وبهاء وعقلا. ولما مات أبوها السلطان شمس الدين يلمش اجتمع الناس على أخيها ركن الدين وبايعوه بالملك فافتح أمره بالتعدي على أخيه معز الدين فقتله، فانكرت عليه شقيقته رضية ذلك فأراد قتلها وأحست بذلك، فلما كان بعض أيام الجمع خرج ركن الدين إلى الصلاة فصعدت رضية على سطح القصر القديم المجاور للجامع الأعظم ولبست عليها ثياب المظلومين وتعرضت للناس ولكمتهم من أعلى السطح وقالت لهم: إن أخي قتل أخاه ظلما وهو يريد قتلي معه. وذكرتهم أيام أبيها وفعله الخير وإحسانه إليهم، فثاروا عند ذلك على السلطان ركن الدين، وهو في المسجد، فقبضوا عليه وأتوا به إليها فقالت لهم: القاتل يقتل، فقتلوه قصاصا بأخيه. وكان أخوها ناصر الدين صغيرا فاتفق النسا على تولية رضية الملك، فولوها، واستقلت بالملك أربع سنين، ثم إنها اتهمت بعبد لها من الحبشة فاتفق الناس على خلعها وتزويجها. فخلعت وتزوجت من بعض أقاربها وولي الملك أخوها ناصر الدين. رفقة ابنة بتوئيل هي أخت "لابان" وزوجة إسحاق وفي "الإصحاح الرابع والعشرين من سفر التكوين" خبر ذهاب عبد إبراهيم بأمر سيده إلى أرام النهرين ليأخذ زوجة لابنه إسحاق وما جرى له مع رفقة، وهو واقف على عين الماء لما خرجت بنات المدينة يستقين ماء وقال: إن الفتاة التي أقول لها ناوليني جرتك لأشرب فتقول: وأنا أسقي جمالك أيضا هي التي عينها الإله لعبده إسحاق، وإذ كان لم ينته كلامه خرجت رفقة التي ولدت ل "بتوئيل" ابن ملكة امرأة نحور أخي إبراهيم وجرتها على كتفها، وكانت الفتاة حسنة المنظر جدا عذراء، فنزلت إلى العين وملأت جرتها وطلعت، فرض العبد للقائها وقال: اسقيني قليل ماء من جرتك. فقالت: اشرب يا سيدي وأسرعت وأنزلت جرتها على يدها وسقته، ولما فرغت من سقيه، قالت: أتسق لجمالك أيضا حتى تفرغ من الشرب فأسرعت وأفرغن جرتها في المستقاة وركضت أيضا على البئر لتستقي فاستقت لكل جماله والرجل يتفرس فيها طامعا ليعلم أنجح الله طريقة أم لا وحدث عندما فرغن الجمال من الشرب أن الرجل أخذ خزامة ذهب وأنها نصف شاقل، وأعطاها إياها مع سوارين وزنهما عشرة شواقل ذهب. وقال: بنت من أنت أخبريني، وهل عند أبيك مكان لنا لنبيت؟ فقالت له: أنا بنت "بتوئيل" ابنة ملكة وعندنا كل ما تشتهي من القرى فخر الرجل وسجد لله تعالى وقال: تبارك الله الذي لم يمنع لطفه وحقه عن سيدي إذ كنت أنا في الطريق هداني إلى بيت أخوة سيدي، فركضت الفتاة وأخبرته أبويها عن هذه الأمور، فجاء "لابان" أخوها إلى الرجل وهو واقف عند الجمال على العين فقال: ادخل يا مبارك لماذا تقف خارجا وأنا قد هيأت البيت ومكانا للجمال. فدخل الرجل البيت وحل عن الجمل، فأعطي تبنا وعلفا للجمال، وماء لغسل رجليه، وأرجل الرجال الذين معه، ووضع أمامه الطعام ليأكل فقال: لا آكل حتى أتكلن كلامي. فقال: تكلم. فقال: أنا عبد إبراهيم وإن الله قد أكرم مولاي جدا، فصار عظيما وأعطاه غنما وبقرا وفضة وذهبا، وعبيدا وإماء، وجملا وحميرا، وولدت سارة امرأته ولدا له أعطاه كل ماله واستحلفني سيدي بقوله لي: لا تأخذ زوجة لابني من بنات الكنعانيين الذين أنا ساكن في أرضهم بل تذهب إلى بيت أبي وعشيرتي وتأخذ منهم زوجة لولدي. ثم قص عليهم ما جرى له مع رفقة عند العين، ثم قال: إني أحمد الله الذي هداني في طريق أمين لأخذ ابنة أخ سيدي لابنه والآن إن كنتم تصنعون معروفا وأمانة مع سيدي فأعطوني ما طلبت وإلا فأنصرف يمينا أو شمالا فأجاب "لابان" و"بتوئيل" وقالا: من عند الله خرج الأمر لا نقدر أن نكلمك بشر أو بخير، هذه رفقة أمامك خذها واذهب فلتكن زوجة لابن سيدك كما أمر الله فسجد العبد للأرض وأخرج فضة وذهبا وثيابا وأعطاها لرفقة، وأعطى تحفا لأخيها وأمها، وسألوها: هل تذهبين مع هذا الرجل؟ قالت: اذهب. فأخذها ومضى وسارت معها حاضنتها بعد أن ودعوا رفقة وقالوا لها: أنت بنتنا وأختنا مهما بعدت عنا. وجاء في التوراة ما يستفاد منه أن إسحاق أحب رفقة لا،ها كانت جميلة وصنيعة طائعة لطيفة. ولما مضى عليها تسع عشرة سنة وهي عاقر صلى إسحاق لله ودعاه لأجلها فحبلت وكان في بطنها توأمان وأحبت رفقة يعقوب ولدها الثاني ولما صار إسحاق هرما من مجاعة إلى الأرض الفلسطينية بات محفوفا بخطر من جمال زوجته رفقة كما سمعت إسحاق يقول ليعصوا بكرة: ائتني بعنز واصنع لي أطعمة لآكل وأدعو لك قبل وفاتي قالت ليعقوب: اذهب إلى الغنم وخذ لي من هناك جديين من المعز فاصنع لهما أطعمة لأبيك كما يحب فتحضرها إليه ليأكل حتى يدعو لك قبل وفاته، فقال إن عيصو أشعر وأنا أملس فربما جسني فأجلب على نفسي لعنة لا بركة. فقالت له: لعنتك علي يا ابني، فأجابها فألبسته ثياب عيصو الفاخرة وألبست يديه وملاسة عنقه جلود جدي المعز فنال يعقوب البركة فلما أخبرت بأن عيصو توعد يعقوب بالقتل بعد وفاة أبيه لغيظه منه لأنه سبقه إلى بركة أبيه دعت يعقوب إليها وأخبرته بتوعد أخيه وقالت له: فالآن يا بني اسمع لقولي وقم اهرب إلى أخي "لابان" إلى "حاران" وأمم "غنده" أياماً قليلة حتى يرتد سخط أخيك وينسى ما صنعت به، ثم أرسل فآخذك من هناك لئلا أعدمكما في يوم واحد وقالت لإسحاق: مللت حياتي من أجل بنات "حث" إن كان يعقوب يأخذ زوجته من "حث" مثل هؤلاء من بنات الأرض فلما زال حياه وسار برضا أبيه إلى فزان أران" ولم تذكر رفقة عند عود يعقوب على أبيه ولا ذكر دفنها. رقية ابنة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ولدت له من أم حبيب الصهباء التغلبية كانت من سبي الذرية الذين أغار عليهم خالد بن الوليد بعين التمر فاشتراها علي -رضي الله عنه- واستحظى بها فأولدها عمرا ورقية المومى إليها، فعمرو الأكبر شقيق رقية. وفي الفصول المهمة كانا توأمين وعمر عمرو هذا خمسا وثمانين سنة، وحاز نصف ميراث علي - رضي الله عنه- وذالك أن إخوته أشقاءه وهم عبد الله وجعفر وعثمان قتلوا مع الحسين بالطف فورثهم. وفي الباب العاشر من "المنن" لشعراني قال: وأخبرني الخواص أن رقية بنت الإمام علي -كرم الله وجهه- في المشهد الموجود بتكيتها المعروفة بتكية السيدة رقية بمصر. وهذه التكية في غاية الإتقان والخفة والنورانية وبداخلها ضريح السيدة رقية بعلوه قبة لطيفة الصنعة، وهناك مساكن للصوفية، وحنفيات للوضوء، وجنينة صغيرة ويعمل لها مقرأه وحضرة كل أسبوع، ومولد كل سنة وشعائر هذه التكية مقامة من أوقات السيدة رقية التي يبلغ مقدارها ثلاثة عشر ألف قرش وسبعمائة قرش وثمانية عشر قرشا، واثنين وثلاثين بارة بالعلمة الأميرية المصرية. رقية بنت الفيف عبد السلام بن محمد مزرع المدينة كانت عالمة عاملة، عاقلة كاملة، صادقة الرواية، حسنة الطوية. تعلمت العلم عن جملة من العلماء الأخيار وحدثت بالإجازة عن شيوخ مصر والشام كابن سد الناس من المصريين والمزي وغيره من الشاميين وأقامت في المدينة وفتحت درسا للحديث وانتفع بها أهل الحجاز وهي من مشاهير المحدثين بتلك الأصقاع ولم يوجد مثلها من نساء ذلك الزمان رحمهما الله رحمة واسعة. رقاش ابنة مالك بن فهم بن غنم بن أوس الأسدي رقاش ابنة مالك بن فهم بن غنم بن أوس الأسدي وقيل التنوخي أخت جذيمة الأبرش. كانت من أبدع نساء زمانها وأحسنهن جمالا، وكان عدي بن نصر نديما لجذيمة الأبرش فأبصرته رقاش فعشقته وراسلته ليخطبها إلى جذيمة، وكانت على غاية من الظرف والأدب. فقال لها: لم اجترئ على ذلك ولا أطمع فيه. قالت: إذا جلس على شرابة فاسقه صرفا، واسق القوم ممزوجا فإذا أخذت الخمرة فيه فاخطبني إلهي فلم يردك فإذا زوجك فاشهد القوم ففعل عدي ما أمره فأجابه جذيمة وأملكه إياها فانصرف إليها فأعرس بها في ليلته وأصبح بالخلوق فقال له جذيمة -وأنكر ما رأى به-: ما هذه الآثار يا عيد؟ قال: آثار العرس: قال: وأي عرس؟ قال: عرس رقاش. قال: من زوجك بها ويحك؟ قال: الملك زوجنيها. فندم جذيمة وأكب على الأرض متفكرا وهرب عدي فلم ير له أثر ولم يسمع له بذكر، فأرسل إليها جذيمة: خبريني وأنت لا تكذبيني أبحر زنت أم بهجـين أم بعبد فأنت أهل لعـبـد أم بدون فأنت أهل لدون فقالت: لا بل أنت زوجتني أمرا عربيا حسيبا، ولم تستأمرني في نفسي، وأنشدت: أنت زوجتني وما كنت أدري وأتاني النساء لـلـتـزيين ذاك من شربك المدامة صرفا وتماديك في الصبا والجنون فكف عنها وعذرها. ورجع عدي على إياد فكان فيهم فخرج معه فتية يوما متصيدين فرمى به فتى ومنهم فيما بين جبلين فتكسر، فمات، فحملت رقاش، فولدت غلاما فسمته عمرا فلما ترعرع وشب ألبسته وعطرته وأزارته خاله، فلما رآه أحبه وجعله مع ولده. وخرج جذيمة متبديا بأهله وولده في سنة خصبه فأقام في روضة ذات زهر وثمر فخرج ولده وعمرو معهم يجتنون الكمأة فكانوا إذا أصابوا كمأة جيدة أكلوها وإذا أصابها عمرو خبأها، فانصرفوا إلى جذيمة يتعادون وعمر يقول: هذا جناي وخياره فيه إذ كل جان يده إلى فيه. فضمه جذيمة إليه والتزمه وسر بقوله وأمر له بحلي من فضة طوق به فكان أول عربي ألبس طوقا. وقصة عمرو مشهورة مع الزباء وغيرها. رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولدت رقية ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث وثلاثون سنة وكان تزوجها عتبة بن ابي لهب وتزوج أختها أم كلثوم عتيبة أخوه فما نزلت: (تبت يد أبي لهب) (المسد:111)قال أبو لهب لهمها: رأسي من رأسكما حرام إن لم تفارقا ابنتي محمد ففارقاهما ولم يكونا دخلا بهما، وتزوج رقية عثمان بن عفان رضي الله عنه بمكة وهاجر بها الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة وكانت ذات جمال بارع، وكان فتيان أهل الحبشة يتعرضون لها ويتعجبون من جمالها فآذاها ذلك فدعت عليهم فهلكوا جميعا. وولدت لعثمان بالحبشة ولدا سماه عبد الله وكان يكنى به وبلغ الغلام ست سنين فنقر عينه ديك فتورم وجهه ومرض ومات، وتوفيت رقية بالمدينة وكان النبي صلى الله عليه وسلم في وقعة بدر وكان عثمان قد تخلف عن بدر لأجلها فجاء زيد ابن حارثة بشيرا بفتح بدر وعثمان قائم على قبرها وكانت وفاتها لسنة وعشرة أشهر وعشرين يوما من الهجرة. رملة بنت الزبير بن العوام كانت أخت مصعب بن الزبير بن العوام لأمه، وكانت أمها أم الرباب بنت أليف بن عبيد بن مصار الكلبي تزوجها عثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام بن خويلد فولدت له عبد الله بن عثمان، وهو زوج سكينة بنت الحسين بن علي عليها السلام، ثم تزوجها خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وكان قتل ابن الزبير. ولما حج خالد بن يزيد خطب رملة بنت الزبير فأرسل إليه الحجاج صاحبه عبيد الله بن موهب وقال: ما كنت أراك أن تخطب إلى آل الزبير حتى تشاورني وكيف خطبت إلى قوم ليسوا كفؤا وكذلك قال جدك معاوية وهم الذين قارعوا أباك على الخلافة، ورموه بكل قبيحة، وشهدوا عليه وعلى جدك بالضلالة؟ فنظر إليه خالد طويلا ثم قال له: لولا أنك رسول والرسول لا يعاقب لقطعتك إربا إربا، ثم طرحتك على باب صاحبك قل له: ما كنت أرى أن الأمور بلغت بك على أن أشاورك في خطبة النساء. وأما قولك لي: قارعو أباك وشهدوا عليه بكل قبيح فإنها قريش يقارع بعضها بعضا فإذا اقر الله عز وجل الحق قراره كان تقاطعهم وتزاحمهم على قدر أحلامهم وفضلهم. وأما قولك: إنهم ليسوا بأكفاء فقاتلك الله يا حجاج ما أقل علمك بأنساب قريش أيكون العوام كفؤا لعبد المطلب بن هشام بتزوجه صفية، وبتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد ولا تراهم أهلا لأبي سفيان فرجع إليه فأعلمه ومن شعر خالد فيها: أليس يزيد السير فـي كـل لـيلة وفي كل يوم من أحبتنا قـربـا أحن إلى بنت الزبير وقد عـلـت بنا العيس خرقا من تهامة أو نقبا إذا نزلت أرضا تحبب أهـلـهـا إلينا وإن كانت منازلها حـربـا وإن نزلت ماء وإن كان قبلـهـا مليحا وجدناه ماء باردا عـذبـا تجول خلاخيل النـسـاء ولا أري لرملة خلخالا يجول ولا قلـبـا أقلوا علي اللوم فيهـا فـإنـنـي تخيرتها منهم زبـيرية قـربـا أحب بني العوام طرّا لحـبـهـا ومن حبها أحببت أخوالها كلبـا ونشزت سكينة بنت الحسين عليها السلام على زوجها عبد الله بن عثمان فدخلت رملة على عبد الملك بن مروان وهو عند خالد بن يزيد بن معاوية فقالت: يا أمير المؤمنين، لولا أنه يبتذ أمرنا ما كانت لنا رغبة فيمن لا يرغب فينا• سكينة بنت الحسين قد نشزت على ابني• قال: يا رملة إنها سكينة• قالت: وإن كانت سكينة فوالله لقد ولدنا خيرهم، ونكحنا خيرهم، وأنكحنا خيرهم -تعني بمن ولدوا ففاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم-، ومن نكحوا صفية بنت عبد المطلب، ومن أنكحوا النبي صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رملة، غرني منك عروة بن الزبير، فقالت: ما غرك، ولكن نصح لك لأنك قتلت أخي مصعبا فلم يأمني عليك• ولم تزل به حتى أصلح بين سكينة وعبد الله بن عثمان. رميصاء بنت ملحان رميصاء بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصارية الخزرجية النجارية، وتلقب أم سليم أم أنس بن مالك• كانت عند مالك بن النضر والد أنس بن مالك في الجاهلية فغضب عليها وخرج إلى الشام ومات هناك، فخطبها أبو طلحة الأنصاري -وهو مشرك- فقالت: إني فيك لراغبة، وما مثلك يرد ولكنك كافر وأنا مرأة مسلمة فإن تسلم فلك مهري ولا أسألك غيره• فأسلم وتزوجها وحسن إسلامه فولدت له غلاما مات صغيرا وهو أبو عمير وكان معجبا به فأسف عليه، وولدت له عبد الله بن أبي طلحة -وهو والد إسحاق- فبارك الله في إسحاق وإخوته، وكانوا عشرة كلهم حمل عنه العلم• وقيل: إن أبا طلحة لما خطب رميصاء قالت: يا أبا طلحة ألست تعلم أن إلهك الذي تعبد زينة من الأرض يحبرها حبشي بني فلان؟ قال: بلى، قالت: أفلا تستحي تعبد خشبة؟ إن أنت أسلمت فإني لا أريد منك الصداق غيره• قال: حتى أنظر في أمري• فذهب ثم جاء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله• فقالت: يا أنس زوج أبا طلحة، فتزوجها• وكانت تغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم• وروت عنه أحاديث• وروى عنها ابنها أنس وكانت من عقلاء النساء رضي الله عنها• رولاند الفرنساوية ولدت هذه الفاضلة في 17 اذار (مارس) عام 1754م، من أبوين فقيري الحال، مختلفي الأخلاق والآراء وكانت أمها دمثة الأخلاق لينة العريكة، قانعة بهبات الباري تعالى• وكان أبوها طماعا سيء الطباع كثير التذمر والحقد على المكارم والأشراف، زاعما أنهم علة تعاسته وسبب فقره• ولذلك كان يندد بهم ككثيرين غيرهم من الفرنسويين، وتعلمت القراءة والكتابة قبل بلوغها الرابعة من عمرها، وتعلقت بالمطالعة حين لم يكن لأبويها طاقة على ابتياع الكتب لها، فأرسلاها إلى دير من الأديرة لتقتبس العلوم عن راهباته فأظهرت فهي من النجابة والبراعة في كل علم تعلمته ما جعلها فخراً لمعلماتها وقدوة لرفيقاتها، وأجادت في الموسيقى والتصوير وطالعت كل ما عثرت عليه من التواريخ ودواوين الشعر والرحلات والمقالات الدينية والعلمية والفكاهية والسياسية وبالغت في استقصاء أحوال اليونان والرومان القدماء واشتد ميلها إليهم• قيل: إن أباها وجدها ذات يوم منخرطة في البكاء من أجل أنها لم تولد رومانية وكثيراً ما كانت تتصور أمامها اليونان في سلطتهم والرومان في أوجه عظمتهم وتقابل بين أحوال ذينك الشعبين العظيمين وأحوال بلادها التي كانت قد أفرطت في الملاهي والترقي، وتهافتت على الباطل• فتنفر نفسها الأبية من الدنيا التي انغمس فيها أكابر قومها وتتمنى أن يسود الإنصاف وتسن بها الشرائع العادلة أبناء وطنها• والظاهر أن ذلك رسخ في ذاكرتها منذ نعومة أظافرها لكثرة ما كان أبوها يلقي على مسامعها من الأحاديث عن الملوك والأشراف، وهو يجول بها في شوارع باريس، ويريها قصورها الشاهقة ومبانيها الفاخرة وأشراف المدينة، وسيداتها خارجين إلى المتنزهات العمومية في عجلاتهم المذهبة بالخدم والحشم، لا هين بالأحاديث الفارغة، وخيولهم تدوس المساكين والبائسين وهم لا يبالون، ثم يقول لها: انظري يا ابنتي أين العدل والإنصاف؟ أين الآخذون بناصر الإنسانية ليقتصوا من هؤلاء البرابرة القساة ألا ترين أنهم يتوسدون الحرير والديباج، ويعيشون بالترف والعشب غارق في بحار الهموم محاط بالأتعاب يصل الليل بالنهار في الكد والكدح ليحصل الخيرية التي يتمتع بها هؤلاء العتاة؟ وخرجت من المدرسة وهي في الرابعة عشرة فجعلت أمها تمرنها على أشغال البيت فتخضع لأوامرها خضوعا تاما علما منها أن الأشغال البيتية من أهم واجبات المرأة، وكانت تبتاع لوازم بيتها بنفسها، فأكرمها البائعون لنباهتها ورزانتها، ولما بلغت سن الزواج تقاطر عليها الطلاب من كل فج، فرفضت طلبهم قائلة لوالديها: إن الطبيعة والشرائع قد اتفقت على وجوب تفضيل الرجل على المرأة فأخجل أن أختار من لا يكون أهلا لهذا المقام السامي وحدث أن أحد الأشراف دخل مخزن أبيها ورأى إنشاءاتها فدهش من براعة أساليبها، وراعه إتقان قريحتها، فكتب إليها كتابا يحثها فيه على التأليف، فأجابته لذلك بأبيات شائقة دقيقة المعنى أظهرت فيها الموانع التي تحول دون وصول المرأة إلى مثل تلك المنزلة الرفيعة، ومن ذلك اليوم جرت المكاتبة بينهما وكان لهذا الشريف ابن من أهل الطيش والجهالة فأراد أن يزوجه بها ظنا منه أن حكمتها وعزمها يهديانه سواء السبيل، فأبت ومن معرفتها بهذا الرجل تمكنت من معاشرة الأشراف رغبة في الاطلاع على شؤونهم ولكنها لم تقتبس شيئا من عوائدهم القبيحة ولا شاركتهم في آرائهم، بل زادت بهم احتقارا إذ كان دأبهم الطرب والملاهي، وهمهم التأنق بالزينة والملابس• وفي 4 شباط (فبراير) سنة 1780م، تزوجت ب"رولاند" أحد مفتشي المعامل في مدينة "ليون" وكان رجلا من ذوي الوجاهة والبراعة في العلوم جامعا بين الفضائل والمكارم، مشهوراً بالفضل والمآثر، له كتابات عديدة تدل على جودة عقله، فأقاما سنة في باريس ثم انتقلا إلى مدينة "امبان"، ثم رجعا منها إلى "ليون" حيث قضت أسعد أيام حياتها وأظهرت مناقب المرأة الكاملة، فرتبت بيتها على أحسن منوال، وعكفت على تربية ابنتها وتعليمها بنفسها، وكانت إذا انتقلت إلى مصيف زوجها (في لبلاتبيه) تخصص جانبا من وقتها لزيارة المرضى والمساكين المجاورين لها وتعالجهم بنفسها لعدك وجود طبيب يعالجهم، فأحبوها محبة تفوق الوصف واشتهرت بينهم بالفضائل والفواضل• ولها على زوجها الفضل الأعظم• قال أحد أصحابه: لا أرى بين المحدثين من يشابه كانون الرماني في أكثر من "رولاند"• والحق أن يقال: "رولاند" مديون لامرأته بشجاعته ومعارفه فإنها كانت متخذة أفكاره ومعنية بأعماله وكثيرا ما كانت تصلح كتاباته وتقوم براهينه بغزارة معارفها، وقوة بيانها، واتقاد تصوراتها حتى طار صيته في بلاغة الإنشاء وقوة الكتابة• ولما بلغها نبأ الثورة الفرنسوية تلقته بالترحاب زعما منها أن الثورة أقرب طريق لسعادة فرنسا وأحسن بشرى بتبديل أحوال هاتيك الأيام بأحسن منها، فبذلت كل قواها في تحريك الخواطر إليها فلم يمض طويل الزمان حتى أضرمت نار الغيرة والحماسة في قلوب أهل وطنها وحركت زوجها وأصحابها فأداروا دولاب الثورة بمدينتهم "ليون" وعلقت آمال الشعب"دولاند" وامرأته بخلع غل الظلم عن أعناقهم، فوقف لهما جماعة من الأشراف بالمرصاد ووضعوا عليهما العيون، فما ثناهما ذلك عن عزمهما وزاد الناس حبا في "رولاند" فاختاروه نائبا عن مدينة "ليون" في مجمع الأمة الذي استدعاه "لويس السادس عشر" في بادئ الثورة فتوجه هو وامرأته في 20 شباط (فبراير) سنة 1791م، إلى باريس وكتبت مدام "رولاند" مقالة في أحوال تلك الأيام كان لها وقع عظيم• وفي آذار (مارس) سنة 1792م، انتخب زوجها وزيراً لداخلية وأعد لسكنه قصرا مفروشا مشيدا بالأثاث الفاخر ومزينا بالزينة البهية فدخلته مدام "رولاند" وكأنها خلقت له، ولم يبن إلا لها، ثم لما طلب من زوجها أن يشير على الملك بإعلان الحرب على المهاجرين وحلفائهم كتبت باسمه كتابا للملك قوي الحجة، عظيم التأثير حتى دهش زوجها من جراءتها وقوة أدلتها، ولكن كانت نتيجته خلع "رولاند" عن وظيفته ولذلك أشارت امرأته عليه أن يعرض كتابه على المجمع لتعلم الأمة سبب خلعه، ففعل، فعد ضحية لحب الوطن ثم طبع الكتاب ووزع نسخا عديدة في كل أنحاء المملكة، فهاجت الأمة بأجمعها حتى التزم الملك أن يرجعه إلى منصبه، فكانت زوجته سبب خلعه ثم نصبه ثانيا• واتفق أم الجاكويين اجتهدوا أيام كانت العائة الملكية في السجن أن يهيجوا الشعب لينتقموا من مدام"رولاند" بدعوى أن لها دخلا في المكيدة التي كان يقصد بها تخليص الملك وإرجاعه إلى عرش الملك وتكلف بإتمام ذلك رجل لئيم يسمى "أشيل فيارد" لأظهر حزم "الجيرونديين" وهو يقصد باطنا أن يتجسس أعمالهم ويدبر على مدام"رولاند" مكيدة فكان حذراً حذرها منه فأوجست منه خيفة وأبعدته عنها احتقارا واستصغارا ومع ذلك فقد نجح باتهامها أمامك الجمع أنه كان بينها وبين أصحاب النفوذ في فرنسا وغيرها مراسلة سرية واتفاق على إنفاذ الملك فاستدعاها ديوان "الكونقاتسيون" لمرافعة خصمها والمدافعة عن نفسها فدخلت المحفل وكان غاصا بالجماهير وهم يحتدمون غيظا، وقد علا لغطهم، فلما جلست سكتت الضوضاء وأحدقت بها الأنظار، فدافعت عن نفسها وعن أصحابها دفاع أهل الحق والشيمة والشهامة، فبرأت نفسها وتلعثم لسان خصمها عن الكلام فرجع بصفقة خاسرة وأشار الرئىس أن يظهر الأعضاء علامات اعتبارهم لها، فهنأها الجميع وصفقوا لها استحسانا، وكان ذلك أمر من العلقم على أعدائها "كدانتون" و"مارت" و"روبس بير"• أما "روبس بير" هذا فهو الذي خلصت حياته من القتل لما ثار الشعب وأرادوا قتله حنقا عليه ففر مذعورا وقصدته مدام "رولاند" وزوجها في منتصف الليل وخبأته في بيتها ثم استعانت على خلاصه بصديق لهما بعيد النفوذ والسطوة فبرأه قبل صدور الحكم عليه فما كان من "روبس بير" إلا أنه قابل الإحسان بالإساءة فصار أشد العاملين على مدام "رولاند" وقتلها حتى قال "لامرتين" الشهير في صدد ذلك: "لا شك أن مدام "رولاند" ذكرت في سجنها الليلة التي خلصت حياة "روبس بير" فيها فإن كان هو أيضاً ذكرها وهو في أعلى مجده وقوته فلا ريب أن ذكرها له كان عليه أشكى من وقوع السهام"• ولا يخفى ما ألم بحزب الجيروندين بعد ذلك وما كان نصيبهم من الثورة ففي 31 أيار سنة 1793م، أودعت مدام "رولاند" السجن فصبرت على مشاقه كما صبرت وثبتت على الأهوال، ورتبت أحوال معيشتها فيه جاعلة لكل ساعة من النهار شغلا خصوصيا فعنيت وقتا لدرس اللغة الإنكليزية وآخر لإنشاء مقالات سياسية وآخر للتصوير، وجعلت معظم همها تشجيع قلوب المسجونين ومساعدتهم بما كان يغض عن حاجاتها من المال• وفي تشرين الثاني (أكتوبر) حكم عليها بالقتل فسيقت للذبح مكتوفة اليدين وعلامات الشجاعة تلوح على وجهها، فلما صارت بمرأى من تمثال الحرية وكان منصوبا حيث المسلة المصرية اليوم التفتت إليه وقالت: أيتها الحرية كم من ذنب يرتكبه الناس باسمك اليوم أيتها الحرية انظري كيف يتلاعبون باسمك• ويقال: إنها طلبت قلما وقرطاسا لتخط ما جال في خاطرها وهي أمام الجلاد فلم تعطهما وضربت عنقها وهي في التاسعة والثلاثين من عمرها فكان موتها سبب انتحار زوجها كما عرف من ورقة وجدت في جيبه بعد موته وقد كتب عليها لم يعد لي صبر على البقاء بعد موت امرأتي في عالم ملوث بالآثام• رحمة زوجة نبي الله أيوب عليه السلام هي بنت أفرايم بن يوسف بن يعقوب عليهما السلام• كانت من النساء الصالحات، الطائعات لأزواجهن، وقد اتصفت من دون النساء بالصبر الجميل على بلاء زوجها أيوب عليه السلام حيث لم يبق له مال ولا ولد ولا صديق، ولا أحد يقر به غيرها فإنها صبرت معه على مضض ذام البلاء الشديد وكانت تسأل وتأتيه بطعام وشراب ويبيتان يحمدان الله سبحانه وتعالى ويرجوان منه عفوا على ما نالهما من البلاء، فلما كانت في بعض الأيام وهي تسأل كعادتها إذ تمثل لها إبليس في صورة رجل فقال لها: زين بعلك يا أمة الله؟ فقالت: هو ذاك يحك قروحه، وتردد الديدان في جسده• فلما سمع منها طمع أن تكون كلمة جزع فوسوس لها وذكرها ما كانت فيه من النعيم والمال، وذكرها جمال أيوب وشبابه وما هو فيه اليوم من الضر وإن ذلك لا ينقطع عنه أبدا فصرخت، فلما صرخت علم أنها قد جزعت فأتى بسخلة وقال لها: ليذبح أيوب هذه لي وسيبرأ، فجاءت تصرخ وقالت: يا أيوب إلى متى يعذبك ربك ولا يرحمك أين المال؟ أين الماشية؟ أين الولد؟ أين الصديق؟ أين ثوبك الحسر قد تغير وصار مثل الرماد؟ وأين جسمك الحسن الذي قد بلي يتردد فيه الدود؟ اذبح هذه السلخة واسترح• فقال لها أيوب: أتاك عدو الله فنفخ فيك فأجبته، أرأيت ما تبكين عليه مما كنا فهي من المال والولد والصحة من أنعم علينا به؟ قالت: الله• قال: فكم متعنا به؟ قالت: ثمانين سنة• قال: فمنذ كم ابتلانا الله؟ قالت: منذ سبع سنين• قال: ويلك والله ما عدلت ولا أنصفت ربك• ألا صبرت في هذا البلاء الذي ابتلانا به ربنا كما كنا في الرخاء، والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة كما أمرتيني أن أذبح لغير الله طعامك وشرابك الذي تأتيني به على حرام لا أذوق مما تأتيني به بعد إذ قلت هذا، فاغربي عني لا أراك، فطردها• فما رأى أيوب امرأته وقد طردها وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق وخر لله ساجدا وقال: رب (أني مسني الضر) (الأنبياء:83)، ثم رد الأمر إلى ربه فقال: (وأنت أرحم الرحمين)(الأنبياء:83) فأوحى الله إليه أن اركض برجلك فركض فنبعت عين ماء فاغتسل فلم يبق من دائه شيء ظاهر إلا سقط بأثره، وأذهب الله عنه وكل ألم وداء كل سقم وعاد عليه شبابه وجماله أحسن ما كان وأفضل مما مضى، وجعل يلتفت يميناً وشمالاً فلم ير شيئا مما كان من أهل وولد ومال إلا وقد ضاعفه الله تعالى، فخرج حتى جلس على مكان مشرف• ثم إن "رحمة" قالت: أرأيت إن كان قد طردني إلى من أكله أأدعه حتى يموت جوعاً وعطشاً ويضيع فتأكله السباع، فوالله لأرجعن إليه ثم رجعت فلا كناسة ترى ولا تلك الحال التي كانت تعرف وإذا هي قد تغيرت فجعلت تطوف حول هذه الكناسة وتبكي وذلك بمرأى من أيوب فأرسل إليها أيوب فدعاها وقال لها: ما تريدين يا أمة الله؟ فبكت، وقالت: أردت ذلك المبتلى الذي كان منبوذا على هذه الكناسة لا أدري أضاع أم ماذا فعل به؟ فقال أيوب عليه السلام: ماكان منك؟ فبكت، وقالت: بعلي، فهل رأيته؟ فقال: وهل تعرفينه إذا رأيته؟ قالت: وهل يخفى على أحد رآه ثم إنها جعلت تنظر إليه• وقالت: أما إنه أشبه خلق الله بك إذ كان صحيحا، قال: فأنا أيوب آمرتيني أن أذبح لإبليس فإني أطعت الله وعصيت الشيطان فرد علي ما ترين فاعتنقته فقيل: إنها ما فارقته من عناق حتى مر بها كل ما كان لهما من المال والولد• فلما برأ أيوب أراد أن يبر يمينه بأمن يجلد "رحمة" فأمر ه الله أن يأخذ من جماعة الشجر مبلغ مائة قضيب خفافا لطافا ويضبرها ضربة واحدة كما قال الله تعالى: (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث)(ص:44)• وقيل: كانت "رحمة" تكسب له ما تعمل للناس فتبيعه وتجيئه بقوته، فلما طال عليها البلاء وسئمها الناس فلم يستعملها أحد، التمست يوما من الأيام تطعمه فما وجدت شيئا فجزت قرنا من رأسها فباعته برغيف فأتته به فقال لها: أين قرنك فأخبرته الخبر فحزن عليها وشكر صنيعها• روشنك ابنة الدهقاء أوزبرت كانت مشهورة بالجمال تزوجها إسكندر المكدوني، ولما مات كانت حاملا ووضعت لثلاثة أشهر من موته ولدها إسكندر الملقب "إيروس" واتفقت مع "برديكاس" وقتلا "ستايترا" زوجة إسكندر لأنها كانت تحاول منع تنصيب ابنها "إيفوس" فصفا له الملك بالإرث من أبيه، ثم اتحدت مع "أولبياس" على "فيليبس أرديوس" وامرأته "أوريدبكي" ثم جعلت نفسها تحت حماية "يوليسرخون"،ولما وصل "كاسندر" اعتصمت بمدينة "بيدنا"، ولما أخذت هذه المدينة وقتل "أولبياس" حبسها "كاسندر" في "أمغيبولبس" وبها قتلت هي وابنها سنة 311 قبل الميلاد• والمشهور في تواريخ العرب أن "روشنك" هي ابنة "دارن الأصغر" ملك الفرس ظفر به الإسكندر• قال ابن الأثير: إن الإسكندر لما وجد "دارن" وقد ضربه حاجباه الضربة القاضية أخذه وأسند رأسه إلى حضنه وكلمه كلاما باللطف والاحترام، وطلب أن يوصي بما يريد، فأوصاه بأن يتزوج ابنته "روشنك" ويرعى حقها ويعظم حقها ويستبقي أحرار فارس ويأخذ له بثأره ممن قتله، ففعل الإسكندر كل ذلك وبنى ل "روشنك" مدينة بالسواد وقيل: إنه جعل هيئة زفافها إليه على النسق الشرقي وإنها قالت بعد موته: ما كنت أظن أن قتل "دارن" يقتل• ريا بنت الغطريف السلمي كانت ذات جمال باهر وأدب ظاهر ولها معرفة بأشعار العرب، وكانت تقول الشعر الجيد، عشقها عتبة بن الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري علقها بمسجد الأحزاب في المدينة المنورة يوم منتزه إذ هو جالس في المسجد ودخل عليه نسوة وفيهن جارية لم ير مثلها فوقفت وقالت: ما تقول في وصل من يطلب وصلك ثم مضت ولم يعرف لهاخبر، فلما كان في اليوم الثاني توجه إلى مسجد الأحزاب وجلس في المكان الذي كان فيه بالأمس وإذا بالنسوة قد أقبلن ولم ير الجارية فيهن فقلن له: ما ظنك بطالبة وصالك؟ فقال: وأين هي؟ قلن له: مضى بها أبوها إلى السماوة فأنشد: خليلـي رياقـد أجـد بـكـورهـا وسارت إلى أرض السماوة عيرها خليلي قد غشيت من كثرة الـبـكـا فهل غيري عبرة أستـعـيرهـا وتوجه إلى أبيها هو وصاحب له فأكرم وفادتهما وسألهما عن أمرها وقال: اذكرا حاجتكما فأخبراه بخطبة عتبة إلى ابنته فقال: ذلك إليها فدخل وأخبرها بذلك فأجابت، وشكرت له عتبة، فقال: قد نمى إلى أمرك معه وأقسم لا أزوجك به فقال: إن الأنصار لا يردون ردا قبيحا فإن كان ولابد فاغلظ عليهم المهر فقال: نعم، ما أشرت به ثم خرج فقال: قد أجبت ولكن على ألف دينار وخمسة آلاف درهم خهجرية ومائة ثوب من الأبراء والخز، وخمسة أقراص من العنبر، فضمنا ذلك وقالا له: إذا أحضرناها لك أجبت؟ قال: أجبت• فأحضروا له ذلك فأولم أربعين يوما، ثم أخذخا ومضى، فلما قارب المدينة خرج عليه خيل كثيرة فقاتل عتبة حتى قتل فحين علمت ريا بموته جاءت وبكت بكاء مرا حتى أبكت عليه من كان حاضرا، وأنشدت: تصبرت لا أني صبرت وإنـمـا أعلل نفسي أنهـا بـك لاحـقة ولو أنصفت روحي لكانت إلى الر دى أمامك من دون البرية سابقة فما أحد بعدي وبعدك منـصـف خليلا ولا نفس لنفسي موافـقة ثم شهقت شهقة فماتت فوار وهما التراب في قبر واحد فنبت على قبرهما شجرة فسموها شجرة العروسين• ومن قول عتبة فيها: أراكم بقلـبـي مـن بـلاد بـعـيدة تراكم تروني في القلوب على البعد فؤادي وطرفي يأسفـان عـلـيكـم وعندكم روحي وذكركـم عـنـدي ولست ألذ الـعـيش حـتـى أراكـم ولو كنت في الفردوس أو جنة الخلد وقوله فيها أيضا: يا لرجال لـيوم الأربـعـاء أمـا ينفك يحدث لي بعد النوى طربا ما إن يزال غزال فيه يظلمـنـي يهوى إلى مسجد الأحزاب منتقبا يخبر الناس أن الأجـر هـيمـه أو أنه طالب للأجر محتسـبـا لو كان يبغي ثوابا أتى ظـهـرا مضمخا بفتيت المسك محتقبـا ريا ابنة مسعود بن رقاش العشيري التغلبي من ربيعة كانت ذات ظرافة وفراسة ومعرفة وحسن• نشأت مع الصمة بن عبد الله بن مسعود صغيرين وكانا يتذاكران الأدب وملح الأشعار، ونوادر السير والأخبار حتى صارت أعجوبة زمانها ونادرة أوانها، فأعجب بها وتمكنت منه محبتها، ولم يكن عندها منه مقدار ما عنده منها، فما شكا ما يجد منها إلى بعض أصدقائه أرشده إلى تزوجها فخطبها إلى عمه، فأنعم على مائة من الإبل، فمضى إلى أبيه فأعطاه تسعا وتسعين، فأبى مسعود إلا التمام وعبد الله إلا ذلك، وحلف كل على ما قال، وأوقفوا الأمر، فحملت الصمة الأنفة على أنه خرج عنها إلى العرا فقالت ريا: ما رأيت رجلا أضاعه أبوه وعمه بعير إلا الصمة -لما عندهما من العلم بحبه لها• وفد رجل يقال له: علي غاوي، فخطب منه ريا وأمهرها ثلثمائة ناقة برعاتها فزوجه بها فحملها إلى مذحج، فبلغ ذلك الصمة فلزم الوساد وقال: زمن ذكر دار بالرقاشين أعصفـت به بارحات الصيف بدأ ورجـعـا حننت إلى ريا ونفـسـك بـاعـدت مزارك من ريا وسعيا كما مـعـا فما حسن أن يأتي الأمـر طـائعـا ويجزع إن داعي الصبابة أسمعـا كأنك لم تـسـمـع وداع مـفـارق ولم تر شعبي صاحبين تقـطـعـا بكت عيني اليمنى فلما زجـرتـهـا عن الجهل بعد الحلم أسبلتا مـعـا ولما رأيت البشر أعـرض دونـنـا وحالت بنات الشوق تحتي نـزعـا تلفت نحو الحي حتـى وجـدتـنـي رجعت من الرصغاء ألوي وأجزعا وأذكر أيام الحمـى ثـم أنـثـنـي على كبدي من خشية أن تصدعـا فليست عشيات الحمـى بـرواجـع عليك ولكن خل عينيك تـدمـعـا أما وجلال الله لو تذكرينـنـي كذكراك ما كففت للعين مدمعا فقالت بلى والله ذكري لو أنـه تضمنه صم الصفا لتصـدعـا وقد سمع امرأة تنادي ابنتها: يا ريا، فسقط مغشيا عليه، فاحملوه إلى بستان هناك وأضجعوه، فلما أفاق أنشد: يعز بصبـر لا وجـداك لا تـرى سنام الحمى إحدى الليالي الغوابر كأن لساني من تذكري الـحـمـى وأهل الحمى يهتف به ريش طائر ولم يزل يرددها حتى قضي عليه، ولما وصل خبره داخلها من الوجد ما أمسكت معه عن الطعام والشراب وجعلت تبكيه حتى ماتت• ومن لطيف شعره فيها قوله: ألا من لعين لا ترى قلـل الـحـمـى ولا جبل الآثـال إلا اسـتـهـلـت ألا قاتل الله الحـمـى مـن مـحـلة وقاتل دنـيانـا بـهـا كـيف ولـت غنينا زمانا باللـوى ثـم أصـبـحـت براق الهوى من أهلها قد تـخـلـت فما وجد أعـرابـية قـذفـت بـهـا صروف اللوى من حيث لم تك ضنت تمنت أحالـيب الـرغـاء وخـيمـت بنجد ولم يقدر لهـا مـا تـمـنـت إذا ذكرت نجـدا وطـيب تـرابـهـا وبرد الحصى من أرض نجد أرنـت ريطة بنت عاصم بن عامر صعصة وكانت شاعرة فصيحة، جميلة المنظر، لطيفة المخبر، عذبة المنطق• لها رثاء مقبول لا بأس فيه منه ما قالته في قومها وكانوا قد أصيبوا في يوم من أيام العرب• وقفت فأبكتـنـي ديار أحـبـتـي على رزئهن الباكيات الحـواسـر غدوا بسيوف الهـنـد وراد حـومة من الموت أعيا وردهن المصادر فوارس حاموا عن حريمي وحافظوا بدار المنايا والقنا مـتـشـاجـر ولو أن سلمى نالها مـثـل رزئنـا لهدت ولكن يحمل الرزء عامـر ريطة بنت العجلات بن عامر بن برد منبه هي أخت عمرو بن العجلان بن عامر الهذلي قتله بنو فهم في بعض غزواته فقالت أخته ترثيه: كل امرئ لمحال الدهر مـكـذوب وكل من غالب الأيام مغـلـوب وكل حي وإن عزوا وإن سلـمـوا يوما طريقهم في الشر عـبـوب أبلغ هذيلا وأبلغ من يبـلـغـهـا عني رسولا وبعض الظن تكذيب بأن ذا الكلب عمرا خيرهم نسـبـا ببطن شريان يعوي حوله الـذيب الطاعن الطعنة النجلاء يتبـعـهـا معجز من نجيع الجوف أسلـوب التارك القرن مصفـرا أنـامـلـه كأنه من نجيع الجوف مخضوب تمشي النسور إليه وهـي لاهـية مشي العذارى عليهن الجلابـيب والمخرج العاتك العذراء مـذعـنة في السبي ينفح من أردانها الطيب وكانت ريطة هذه من نساء العرب الموصوفات بالأدب والفصاحة والحماسة، لم يكن في زمانها أحسن منها سيرة وأعذب منطقا، وألطف شارة• لها جملة مراث غير هذه ولم تمكث زمنا أخيها وذلك لحزنها عليه• حرف الزاي زبيدة بنت جعفر بن المنصور العباسي هي امرأة هارون الرشيد وأم ولده محمد الأمين• كانت ذات معروف وخير وفضل ونفقة واسعة على البر وأصحاب الحاجات وقصة حجها وما فعلته في طريقها من الإحسان مشهورة في كتب التواريخ شهرة عظيمة فوق ما كان لها من شهرة الشرف والثروة الواسعة فإنها جمعت شرف الخلافة من أطرافها فأبوها ابن خليفة، وعمها المهدي خليفة، وزوجها أشهر الخلفاء وابنها خليفة أيضا، ولذلك قد كثرت عنها الحكايات والأخبار في كتب العرب• قال ابن الجوزي: إنها سقت أهل مكة الماء بعد أن كانت الرواية عندهم بدينار، وإنها أسالت المياه عشرة أميال بحط الجبال ونحت الصخور حتى غلغلته من الحل إلى الحرم، وعملت عقبة البستان فقال لها وكيلها: يلزمك نفقة كثيرة• فقالت: اعملها ولو كلفت مشربة الناس دينارا، وكان لها مائة جارية تحفظن القر ولكل واحدة ورد عشر القرآن وكان يسمع في قصرها كدوي النحل من قراءة القرآن• وقيل: كان اسمها أمة العزيز فلقبها جدها المنصور زبيدة لبضاضتها ونضارتها• قال ابن الأثير: وكان مولد زبيدة بقصر حرب وهو قصر بناه حرب بن عبد الله من أكابر قواد المنصور حينما وجهه المنصور مع ولده جعفر أبي زبيدة ليكون نائبا عن مالك بن الهيثم في ولاية الموصل وهذا القصر بأسفل الموصل وتزوج بها الرشيد سنة 165 هجرية ،كان يحبها كثيرا ويكرمها غاية الإكرام، وكانت شديدة البر به والاحتفاظ على رضاه، ولم يكن يمنع عنها شيئا من كل ما تطلبه من نفقة وما يتعلق بها وبغيرها مما يسرها وينفعها غير أنها بعد تلك الكرامة والعزة والأبهة أصبحت بعد موت الرشيد في حالة سيئة من الكآبة والذل وخفض الجناح، وذلك لما وقع بين الأمين والمأمون من الفتن ولاسيما بعدما قتل ولدها الأمين في تلك الأثناء، وقد كتبت للمأمون بأبيات ترثي بها سوء حالها بعد فقد ولدها وهي: لخير إمام قام من خير عنـصـر وأفضل سام فوق أعواد منـبـر لوارث علم الأولين وفـهـمـهـم وللملك المأمون من أم جعـفـر كتبت وعيني مستهل دمـوعـهـا إليك ابن عمي من جفون ومحجر وقد مسـنـي ضـير وذل كـآبة وأرق عيني يا ابن عمي تفكري وهمت لما لاقيت قد مـصـابـه فأمري عظيم منكر عند منـكـر سأشكو الذي لاقيته بـعـد فـقـده إليك شكاة المتضير المـقـهـر وأرجو لما قد مـر بـي فـقـده فأنت لبيتي خير رب مـعـمـر أتى طاهر لا طهر الله طـاهـرا فما طاهر فيما أتى بمـطـهـر وذلك لأن طاهر بن الحسين هو الذي قام بحرب الأمين وكان السبب في قتله: فأخرجني مكشوفة الوجه حـاسـرا وأنهب أموالـي وأخـرب أدوري يعز على هارون ما قـد لـقـيتـه وما مر بي من ناقص الخلق أعور فإن كان ما أبدى بـأمـر أمـرتـه صبرت لأمر من قـدير مـقـدر تذكر أمير المؤمـنـين قـرابـتـي فديتك من ذي حرمة مـتـذكـر وقالت زبيدة أم جعفر ترثي ولها الأمين: أودي بألفين من لم يترك الناسـا فامنح فؤادك عن مقتولك الياسا لما رأيت المنايا قد قصـدن لـه أصبن منه سواد القلب والراسا فبت متكئا أرعى النـجـوم لـه أخال سنته بالليل قـرطـاسـا والموت كان به والهم قـارنـه حتى سقاه التي أودى بها الكاسا رزئته حين باهيت الرجـال بـه وقد بنيت به للدهـر أسـاسـا فليس من مات مردودا لنا أبـدا حتى يرد علينا قبلـه نـاسـا فلما قرأها المأمون بكى وقال: أنا الطالب بثأر أخي قتل الله قتلته، ثم إن المأمون عطف على زبيدة فجعل لها مكانا في قصر الخلافة وأقام لها الوظائف والخدم والجواري، وكانت حاضرة عند دخوله الغرفة التي زفت إليه بها بوران بنت الحسن، وطلبت لها بوران منه الإذن بالحج فأجابها إلى طلبها، وألبست بوران بيدها قسما من ملابسها• وأما ححجتها المشهورة فقيل: أنفقت فيها في بناء المساجد والصدقات ألف ألف وسبعمائة ألف دينار، وأجرت الماء من دجلة إلى عرفات، ثم إلى مكة حتى سقت أهلها -كما مر- وهذه مبالغة عظيمة فالماء الذي أجرته إلى مكة ليس من دجلة قيل: وأجرت نبع العرعار من جبل لبنان إلى بيروت حتى وصل إلى وادي المكلس فبنوا له طبقات فناطر حتى جرى الماء فوقها إلى جانبه الآخر وتطرق إلى بيروت لأنها كانت قد مرت من هناك في حجتها -المذكورة- فوجدت الماء قليلا وإلى الآن يقال لهذه القناطر: قناطر زبيدة والأرجح أن بانية هذه القناطر إنما هي زنوبية ملكة تدمر المعروفة باسم زبيدة أيضا ولها آثار كثيرة من مثل ذلك تدعى الزبيدية غالبا نسبت إليها منها بركة في طريق مكة بين العقيق والعذيب بها قصر ومسجد عمرتهما من مالها، ومحلات ببغداد مشهورة أيضا باسمها، ولكثرة مالها وسعة نفقتها ضرب المثل الحريري بقوله: "لو حبتك شيرين بجمالها وزبيدة بمالها"• ومما يحكى عن حلمها وحسن أخلاقها وفهمها أن أحد الشعراء مدحها بقصيدة يقول من جملتها: أزبـيدة ابـنة جـعـفـر طوبى لزائرك المـثـاب تعطين من رجـلـيك مـا تعطي الأكف من الرغاب فهم الخدم بضربه وطرده وكانت هي خلف الستارة تسمعه فقالت: دعوه لأنه لم يرد إلا خيرا، ولكنه أخطأ الصواب، فإنه سمع شمالك أندى من يمين غيرك وقفاك أحسن من وجه سواك فظن أن الذي ذهب إليه من ذلك القبيل أعطوه ما أمل، ونبهوه على ما أهمل• وأخبارها كثيرة منها: أنه حصل جفاء بينها وبين المأمون يوما فوجهت إلى أبي العتاهية تعلمه بذلك وتأمره بأن يقول أبياتا تعطفه عليها فقال: ألا إن ريب الدهر يدني ويبعـد ويؤنس الآلاف طورا ويفقـد أصيبت بريب الدهر مني يدعلت فسلمت للأقدار والله أحـمـد وقلت لريب الدهر إن ذهبت يد فقد بقيت والحمد للـه لـي يد إذا بقي المأمون لي فالرشيد لي ولي جعفر لم يفقدا ومحـمـد فلما سمع المأمون هذه الأبيات حسن موقعها عنده وأحسن إليها وبكى وقام من وقته إليها، وأكب عليها وقبلت يديه وقال لها: ما جفوتك تعمدا ولكن شغلت عنك بما لم يكن إغفاله؟ فقالت: يا أمير المؤمنين، إذا حسن رأيك لم يوحشني شغلك وأتم يومه عندها• قال الحسن بن إبراهيم بن رباح: كان مخارق المغني يهوى جارية لأم جعفر يقال لها: نهار ويستر ذلك عن مولاتها حتى بلغها ذلك فأقصته ومنعته عن المرور ببابها، وكان بها كلفا، فلما بلغه الخبر أن أم جعفر علمت حبهما قطعتها وتجافاها إجلالا لأم جعفر وطمعا في السلو عنها، وبقي على ذلك حتى ضاق ذرعه وبينما هو ذات ليلة راكب في زلال، وقد انصرف من دار المأمون وأم جعفر وكان يشرف على دجلة إذ جاز دارها فرأى الشمع يزهر فيها، ولما صار بمسمع منها ومرأى اندفع يغني: إن يمنعوني ممري قـرب دارهـم فسوف أنظر من بعد إلـى الـدار سيما الهوى اشتهرت حتى عرفت بها أني محب وما بالحب مـن عـار ما ضر جيرانكم والله يصلـحـهـم لولا شقائي إقـبـالـي وإدبـاري لا يقدرون على منعي ولو جـهـدوا إذا مررت وتسليمي بـأشـعـاري فقالت أم جعفر: مخارق والله ردوه فصاحوا به قدم، فقدم، وأمره الخدم بالصعود فصعد، وأمرت له أم جعفر بكرسي وصينية فيها النبيذ فشرب وخلعت عليه وأمرت الجواري فغنينه، ثم ضربت عليه فغنى وكان أول ما غنى به: أغـيب عـنـك بـود مـا يغـيره نأي المحب ولا صرف من الزمن فإن أعش فلعل الدهر يجمـعـنـا وإن أمت فقتيل الهم والـحـزن قد حسن الله في عيني ما صنعـت حتى أرى حسنا ما ليس بالحسـن ولما انتهى من غنائه اندفعت نهار فغنت كأنها تباين وإنما قصدها إجابته عن معنى ما عرض لها به: تعتل بالشغل عنا ما تـلـم بـنـا والشغل للقلب ليس الشغل للبدن ففطنت أم جعفر أنها خاطبت بما في نفسها فضحكت وقالت: ما سمعنا بأملح مما صنعتما ووهبتها له: ومنها ما قاله أبو العتاهية عن نفسه قال: لما جلس الأمين بالخلافة أنشدت أبياتا هي: يا ابن عم النبي خير البـرية إنما أنت رحمة للـرعـيه يا أمين الهدى الأمين المصفى بلباب الخلافة الهاشـمـيه لك نفس أمارة لك بالـخـي ر وكف بالمكرمات نـديه أن نفسا تحملت منك ما حـم لت للمسلمين نفـس قـويه وبعد فراغه من الأبيات ذهب لأم جعفر فقالت له: أنشدني ما أنشدت أمير المؤمنين، فأنشدها فقالت: أين هذا من مدائحك في المهدي والرشيد؟ فغضب وقال لها: أنشدت أمير المؤمنين ما يستملح وأنا القائل فيه: يا عمود الإسلام خـير عـمـود والذي صيغ من حـياء وجـود والذي فيه ما يسـلـى ذوي الأح زان من كل هالك مـفـقـود والأمين المهذب الهـاشـمـي ال قرم محض الآباء محض الجدود إن يومـا أراك فــيه لـــيوم طلعت شمسه بسعد السـعـود فقالت لي: الآن وفيت المديح حقه، وأمرت لي بشعرت آلاف درهم• قال محمد بن الفضل: كان المأمون يوجه إلى أم جعفر زبيدة في كل سنة مائة ألف دينار جددا، وألف ألف درهم فكانت تعطي أبا العتاهية منها مائة دينار وألف درهم فأغفلته سنة، فرفع رقعة إلى محمد بن الفضل وقال له: ضعها بين يديها فوضعه، وكان فيها: خبروني أن في ضرب السنه جددا بيضا وصفرا حسنـه سككا قد أحدثت لـم أرهـا مثل ما كانت أرى كل سنة فقالت: إنا والله أغفلناه فوجهت إليه بوظيفة على يدي ابن الفضل -المذكور- ولها أخبار كثيرة خلاف هذه وكانت وفاتها ببغداد في جمادى الأولى سنة 216 هجرية رحمها الله تعالى• زبيدة القسطنطينية يه ابنة أسعد بن إسماعيل بن إبراهيم بن حمزة الحنيفية ذكرها المرادي من جملة مشاهير أبناء القرن الثاني عشر للهجرة وقال: هي أم الفطنة الشاعرة المشهورة وصاحبة الديوان، الأديبة الفاضلة، الكاملة الحاذقة• ولدت بالقسطنطينية ونشأت بكنف والدها شيخ الإسلام المولى أسعد مفتي الدولة العثمانية وقرأت القرآن واشتغلت بأخذ الفنون وقرأت الفقه واللغة والآداب ونظمت الشعر الفارسي والتركي، وتعلقت على الأدب، واشتهر ذكرها وشاع صيتها وكانت تخترع كل معنى مبتكر تحاربه الألباب، وامتدحت سلاطين وقتها ووزرائه، واشتغلت بمطالعة الكتب واتصل بها المولى الرئيس ودرويش عبد الله نقيب الأشراف وقائد العساكر، وتنافس الناس بشعرها وتداولته الأيدي - وكانت وفاتها في ذي القعدة سنة 1194م• زباء نائلة بنت عمرو بن الظرب بن حسان بن أذينة العمليقي ملك الجزيرة ومشارق الشام كان جذيمة الأبرش قتل أباها فملكت هي بعده ونهضت بالأخذ بثأره من جذيمة قيل: وكانت مملكتها من الفرات إلى تدمر وجنودها بقايا العمالقة وغيرهم، فلما استجمع لها الأمر واستحكم ملكها تأهبت لغزو جذيمة فقالت لها أختها -وكانت عاقلة-: إن غزوت جذيمة فإنما هو يوم له ما بعده والحرب سجال، ثم أشارت عليها بترك الحرب وإعمال الحيلة فأجابتها إلى ذلك وكتبت إلى ذلك وكتبت إلى جذيمة تدعوه إلى نفسها وملكها، وقالت له: إن ملك النساء قبح في السماع وضعف في السلطان، وإنها لم تجد لملكها ونفسها كفؤا غيرك• فلما وصله الكتاب وهو ببقة من شاطئ الفرات استدعى خواصه واستشارهم في الأمر فأجمع رأيهم على أن يسيروا إليها ويستولي على ملكها ويتزوجها، وكان فيهم رجل يقال له: قصير بن سعد من قبيلة لخم وهو ابن جارية لجذيمة كان أبوه تزوجها، وكان أديبا حازما ناصحا لجذيمة، مقربا إليه فخالفهم فيما أشاروا به وقال: رأي فاتر، وعدو حاضر• وقال لجذيمة: اكتب إليها إن كانت صادقة فلتقبل إليك وإلا فلا تمكنها من نفسك، وقد وترتها وقتلت أباها فقال جذيمة: رأيك في الكن لا في الضح (أي في البيت لا في الخارج) ثم دعا بابن أخته عمرو بن عدي فاستشاره فشجعه على المسير وقال: إن قومي مع الزباء فإذا رأوك صاروا معك• فأطاعه فقال: قصير لا يطاع لقصير أمر ثم إن جذيمة استخلف على الملك عمرو بن عدي وعلى خيوله عمرو بن عبد الجن وسار في وجوه أصحابه ومعهم قصير فلما أبعدوا قليلا قال لقصير: ما الرأي؟ قال: ببقة تركت الرأي، ثم استقبله رسل الزباء بالهدايا والألطاف فقال: يا قصير كيف ترى؟ قال: خطر يسير وخطب كبير وستلقاك الخيول فإن سارت أمامك فإن المرأة صادقة، وإن أخذت جنبتيك فأحاطت بك فإن القوم غادرون فاركب العصا فإني راكبها ومسايرك عليها (والعصا فرس كانت لجذيمة لا تجاريها الخيل)• فلما لقيته الكتائب حالت بينه وبين العصا فركبها قصير ونظر إليه جذيمة موليا على متنها فقال: ويل أمه، حزما على متن العصا ما ضل من تحري العصا! فلما وصلوا به أدخلوه على الزباء فأجلسته على نطع وأمرت بطشت من ذهب وسقته الخمر بكثرة، ثم أمرت براهشية فقطعا وقدمت إليه الطشت وقد قيل لها: إن قطر من دمه شيء في غير الطشت طلبه بدمه وكانت الملوك لا تقتل بضرب الرقبة تكرمه للملك، فلما ضعفت يداه سقطتا فقطر من دمه خارج الطشت فقالت: لا تضيعوا دم الملك• فقال جذيمة: دعوا دما ضيعه أهله، ثم هلك جذيمة على هذا الحال• وأما قصير فقد جرت به العصا إلى غروب الشمس، وقد قطعت أرضا بعيدة، وقد سقطت به ميتة فدفنها وبنى عليها بناء وسار حتى دخل على عمرو بن عدي وقال له: تهيأ ولا تطل دم خالك فقال: وكيف لي بها وهي أمنع من عقاب الجو، وكانت الزباء قد سألت كهنتها عن أمرها وكيفية موتها فقالوا لها: نرى قتلك يكون على يد عمرو بن عدي فحذرت عمرا من ذلك اليوم واتخذت لنفسها سربا من مجلسها إلى حصن لها داخل مدينتها حتى إذا فاجأها أمر دخلت السرب ومضت إلى الحصن، ثم دعت برجل مصور حاذق في صناعته وأرسلته إلى عمرو بن عدي متنكرا وقالت له: صوره قائما وجالسا ومتفضلا، ومتنكرا ومتسلحا بهيئته ولبسته ولونه وذلك حتى إذا رأته في أية حالة منها تعرفه ففعل المصور ما أمرته به، وأتى إليها بالصور• وأما قصير فقال لعمرو: اجدع أنفي واضرب ظهري ودعني وإياها ففعل به عمرو ذلك وخرج قصير حتى قدم على الزباء فأدخل عليها، فلما رأته أجدع قالت لأمر ما جدع قصير أنفه، قم قالت: ما الذي أراه بك يا قصير؟ قال: زعم عمرو أني غدرت بخاله وزينب له المسير إليك ومالأتك عليه، ففعل بي ما ترين، فأقبلت إليك وقد عرفت أني لا أكون مع أحد هو أثقل عليه منك فأكرمته ورأت ما أعجبها من حزمه وحذقه ودرايته ومعرفته بأمور الملك فلما عرف أنها قد وثقت به قال: إن لي بالعراق أموالا كثيرة ولي بها طرائف وعطر فابعثيني لأحمل مالي وأحمل إليك من طرائفها ومن صنوف ما يكون بها من التجارة فتصيبين أرباحا وبعض ما لا يكون للملوك غنى عنه فأذنته ودفعت إليه أموالا، وجهزت معه الدواب، فسار حتى قدم العراق وأتي عمرو بن عدي مختفيا وأخبره الخبر• وقال: جهزني بصنوف البز والطرف لعل الله يمكننا من الزباء فتصيب منها ثأرك فأعطاه ما طلب وعاد به إلى الزباء فأعجبها ذلك كثيرا وزادت بقصير ثقتها ثم جهزته بعد ذلك بأكثر مما جهزته في المرة الأولى فسار إلى العراق ولم يدع طرفه الأقادم بها عليها حتى تعجبت منه، ثم عاد الثالثة وقال لعمرو: اجمع لي ثقات أصحابك وجندك وهيئ لهم الغرائر (وهي كالصناديق كان هو أول من اخترعها) فلما تهيأت جعل كل رجلين في غرارتين على ظهر بعير وجعل معقد رؤوسهما من باطنهما وقال لعمرو: إذا وصلنا أقمتك على باب باب السرب، ثم أخرجت الرجال من الغرائر فصاحوا بأهل المدينة فمن قاتلهم قاتلوه وإن أقبلت هي إلى سربها قتلتها أنت، فلما تم ذلك، سار قصير مجدا حتى إذا قرب سبق إليها وبشرها بكثرة ما حمل إليها من المال والتحف والثياب وكان المسير في الليل ويكمن في النهار لراحة القوم فأشرفت الزباء من قصرها أبصرت الإبل مثقلة بالأحمال تسير الهوينا وتكاد قوائمها تسوخ في الأرض فقالت: يا قصير: ما للجمال مشيهـا وئيدا أجندلا يحملن أم حديدا أم صرفانا تأرزا شـديدا زم الرجال جثما قعودا ثم دخلت الإبل المدينة فلما توسطتها أنيخت وخرج الرجال من الغرائر ودخل عمرو على باب السرب ثم وضعوا السيف في أهل البلد وأقبلت الزباء تريد الخروج من السرب، فلما أبصرت عمرا عرفته بالصورة فمضت سما كان بخاتمها وقالت: بيدي لا بيد عمرو وتلقاها عمرو بالسيف فقتلها وأصاب ما أصاب من المدينة، ثم رجع إلى العراق وجلس على سرير الملك بعد خاله جذيمة• الزرقاء جايرة بن رامين كانت من المشهورات بالجمال والحسن والغناء وافتتن بها غالب أهل زمانها، وكان الناس يقصدونها لسماع صوتها، ويبذلون لها مالا خطيرا فاشتد ولوع يزيد بن عون الصيرفي بها فدخل عليها ومعه لؤلؤتان فقال لها: قد بذل لي فيهما أربعون ألف درهم• فقالت: هبهما لي• فقال: افعل إن شئت• قالت: شئت، فحلف لا يعطيهما لها إلا من فمه إلى فمها، فغمزت الخادم، فخرج وكان يزيد واقفا متكسرا بين يديها كاتفا يديه فجلس أمامها وتقدم إليها، فأقبلت لتنالهما، فجعل يروغ بفمه ليستكثر من مقابلتها فانقضت عليه فأخذتهما وقالت: من هو المغلوب منا• فقال: والله لا يزال طيب هذه الرائحة في فمي ما حييت أبدا• ولما أفضت إلى جعفر بن سليمان وأبوه عامل المنصور على البصرة، فدخل على ابنه يعتبه على شرائها واشتغاله بها في هذه الأيام، وقد خرج عليهم خارجي فغمز جعفر الخادم فأخرجها إليه، فبهت من جمال طلعتها وحلاوة منطقها فرضي ولم يعتب بعدها أبدا، وقال للزرقاء يوما: هل تمكن أحد من محبيك منك بشيء؟ فخشيت أن تكتمه ما عساه أن يكون بلغه فأخبرته بموافقة الصيرفي، فاحتال عليه حتى حصل عنده فضربه حتى مات وبقيت الزرقاء عنده في عز وجاه إلى أن ماتت• الزرقاء ابنة عدي بن قيس الهمدانية كانت ذات شجاعة وبلاغة عظيمة، وكانت شهدت مع قومها صفين ولها جملة خطب ألقتها في مواقف القتال حتى خيل لمن يسمعها أنها أضغاث أحلام، وبينما معاوية بن أبي سفيان جالس في ديوانه بدمشق بعدما آل الأمر إليه واجتمع حوله حاشيته تذاكروا حرب صفين فقال أحدهم: إنه رأى الزرقاء وهي راكبة على بعير واقفة بين الصفين وهي تحرض الناس على القتال ولم ترهب أحدا من الفريقين• فقال معاوية: أو هي حية إلى الآن؟ فقيل له: نعم، هي مقيمة بالكوفة• فقال: يجب أن نستقدمها إلينا، ثم كتب إلى عامله بالكوفة أن يوقرها مع ثقة من ذوي محارمها وعدة من فرسان قومها، وأن يمهد لها وطاء لينا ويسترها بستر حصين، ويوسع لها في النفقة•فأرسل إليها فأقرأها الكتاب• فقالت: إن كان أمير المؤمنين جعل الخيار لي فإني لا آتيه وإن كان حتما فالطاعة أولى، فحملها وأحسن جهازها على ما أمر به، فلما دخلت علي معاوية قال: مرحبا وأهلا قدمت خير مقدم قدمه وافد، كيف حالك؟ قال: بخير يا أمير المؤمنين أدام الله لم النعمة• قال: أتدرين فيم بعثنا إليك؟ قالت: إني لا أعلم ما أعلم• قال: ألست الراكبة الجمل الأحمر الواقفة بين الصفين تحضين على القتال وتوقدين الحرب فما حملك على ذلك؟ قالت: يا أمير المؤمنين، مات الرأس وبتر الذنب ولم يعد ما ذهب والدهر ذو غير، من تفكر بصر، والأمر يحدث بعده الأمر• قال لها معاوية: أتحفظين كلامك يومئذ؟ قالت: لا والله لا أحفظه ولقد نسيته• قال: لكني أحفظه لله أبوك حين تقولين: زيها الناس ارعووا وارجعوا قد أصبحتم في فتنة غشتكم جلاليب الظلم، وجارت بكم عن قصد المحجة فيا لها فتنة عميا صماء بكماء لا تسمع لناعقها ولا تنساق لقائدها• إن المصباح لا يضيء في الشمس ولا تنير الكواكب مع القمر، ولا يقطع الحديد إلا الحديد ألا من استرشدنا أرشدناه، ومن سألنا أخبرناه، أيها الناس إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها فصبرا يا معشر المهاجرين على المضض فكان قد اندمل الشتات والتأمت كلمة الحق ودمغ الحق الظلمة، فلا يجهلن أحد فيقول: كيف وإني ليقضي الله أمرا كان مفعولا، الآن آن الأوان خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدماء، ولهذا اليوم بعده والصبر خير في الأمور عواقبا• أيها في الحرب قدما غير ناكصين ولا متشاكسين ثم قال لها: والله يا زرقاء لقد أشركت عليا في كل دم سفكه• قالت: أحسن الله شاركتك وأدام سلامتك مثلك من يبشر بخير ويسر جليسه قال: أو يسرك ذلك؟ قالت: نعم والله سررت بالخبر فإني لك بتصديق الفعل، فضحك وقال لها: والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب من حبكم له في حياته اذكري حاجتك• قالت: يا أمير المؤمنين آليت على نفسي أن لا أسأل أميرا أعنت عليه أبدا• ثم انصرفت وبعد ذلك أرسل لها معاوية جائزتها• |
||||
|
| الأوسمة والجوائز لـ » المحارب |
| بينات الاتصال لـ » المحارب |
| اخر مواضيع » المحارب |
| إحصائية مشاركات » المحارب | |
| عدد المواضيـع : | 456 |
| عدد الـــــــردود : | 658 |
| المجمــــــــــوع : | 1,114 |
|
|
رقم المشاركة : ( 8 ) | ||||
|
نائب المدير العام للأنساب والمشجرات
|
زرقاء اليمامة ابنة مرة الطسمي
هي أخت رياح بن مرة كانت حادة البصر ليس على وجه الأرض أبصر منها وكانت تبصر الراكب على مسيرة ثلاث ليال، فلما أغار على قومها الملك حسان أحد ملوم اليمن وكان أخوها مع القوم وذلك في خبر طويل، وحين قربوا من اليمامة حذرهم رياح من أخته وأخبرهم بأنها تنظر الراكب من مسيرة كذا ميلا وأمرهم أن يقلعوا الشجر وكل شخص يحمل أمامه شجرة ففعلوا، ثم ساروا، ولما أشرفت من منظرها قالت: يا جديس، لقد سارت إليكم الشجر قالوا لها: ما ذاك؟ قالت: أشجار يسير وراءها شيء وإني لأرى رجلا من وراء شجرة ينهش كتفا أو يخصف نعلا فكذبوها وكان ذلك كما ذكرت فغفلوا عن أخذ أهبة الحرب ففي ذلك تقول الزرقاء لجديس تحذرهم: إني أرى شجرا منخلفها بشـر فكيف يجتمع الأشجار والبشر سيروا بأجمعكم في وجه أولهم فإن ذلك منكم فاعلموا الظفر فلم يسمعوا لها وهجم عليهم الملك حسان بحمير فأفناهم وشتت شملهم، فلما فرغ حسان من جديس دعا باليمامة بنت مرة فأمر بها، فنزعت عيناها، فإذا هي داخلها عروق سود، فسألها عن ذلك فقالت: حجر أسود -يقال له الإثمد- كنت أكتحل به فنشب إلى بصري وكانت أول من اكتحل به فاتخذوه بعد ذلك كحلا، وأمر الملك باليمامة فصلبت على باب خيمتها -وهو اسم البلد الذي كانت جديس مقيمة فيها- وسميت الزرقاء المذكورة باسمها. زليخا امرأة قطفير عزيز مصر قيل: 'نم اسمها راعيل ابنة عابيل، وقيل: اسمها بكا ابنة فيوش وأكثر التواريخ أن اسمها زليخا. كان والدها من أولاد ملوك القبط الذين حكموا مصر قبل دخول العرب الذين سماهم المؤرخون ملوك الرعاة. كانت زليخا رأت في نومها أنها ستكون ملكة على مصر وأن القمر صار تاجا لها ولبسته يوم توليتها على عرش المملكة فقيل لها: إنها ستتزوج بملك مصر، ومضى على ذلك أيام وليال، ولم يظهر لمنامها تأثير حتى إنها تزوجت بقطفير عزيز مصر الذي كان بذاك الزمان محافظا على البلد من قبل ملكها وظنت أن منامها كان أغاث أحلام فصرفت أفكارها عما رأت. وفي أثناء ذلك دخلت العرب إلى مصر واستولت عليها وأبقت من دخلوا تحت الطاعة في الأحكام مثل قطفير وخلافه، وبذلك صارت زليخا مسموعة الكلمة مطاعة الأوامر، مقبولة الرجاء عند ملوك الرعاة ولم تطلب أمرا إلا تجاب عليه وبقيت تحت قطفير حتى قيض الله لها يوسف بصفة عبد جاءت به التجار وصارت عليه المزايدة حتى رسا مزاده على قطفير زوج زليخا فأخذه إلهيا وأمرها بإكرامه، فأخذته إليها وأكرمت مثواه إكراما لا مزيد عليه حتى جعلته بمثابة أولاد الملوك وكانت تلبسه الديباج وقراطق الحرير وتوقفه على رأسها وتأمره بما تريد من أمرها، ولما تفرس العزيز في يوسف الخير والصلاح لم ينزله منزلة العبيد بل قال لامرأته: أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهو يومئذ ابن سبع سنين. وقيل: سبع عشرة سنة فكانت زليخا تمشط شعره بيدها وتخدمه بنفسها ومازالت زليخا في كل يوم تحسن إلى يوسف وتتولى أمره حتى مال قلبها إليه وتكاثر وجدها وهو مع ذلك لا يلتفت إليها بعينه حياء من ربه ولا ينظر إليها حتى تكاثر همها ودق عظمها وكابدها الشجون وواصلها النحول. فلما عيل صبرها وضاق صدرها دخلت حاضنتها. فقالت لها: يا سيدتي، أرى غصنك ذابلا وجسدك ناحلا، وقلبك مائلا فقالت لها: وكيف لا وأنا أخدم هذا الغلام منذ سبع سنين ألاطفه بلساني وأتحبب إليه بإحساني، وكلما زدت ميلا إليه زاد إعراضا عني وكلما قربت منه تباعد مني. فقالت الحاضنة: يا سيدتي، لو نظر إليك لكان أسرع إليك منك إليه، ولو نظر إلى حسنك وجمالك وصفاء لونك لما قر له قرار دونك فقالت لها: وكيف لي به؟ قالت لها: مكنيني من الأموال، فقالت: ها خزائني بين يديك خذي منها ما شئت ودعي ما شئت لا حساب عليك في ذلك، فتمكنت من الأموال ودعت أهل البناء والهندسة وقالت: أريد بيتا ترى الوجوه في سقفه وحائط كما ترى في المرآة المصقولة فأجابوا بالسمع والطاعة ثم بنوا لها بيتا سمته القيطوم، فلما تكامل بناؤه وتم إتقانه دعت بحضور مصور حاذق فصور في الحائط صورة يوسف وزليخا متعانقين ولم يبق من صورتهما شيء غلا صور، وأمرت بسرير من ذهب مرصع بالدر والياقوت واللؤلؤ، فوضعته في صدر البيت وجعلت عليه فرش الديباج والحرير الملون، ثم فرشت البيت وأرخت الستور، ثم ألبست زليخا من نوع من الحلي والحلل النفيسة ما لا يوصف ولا يقدر بقيمة وأجلستها على مرتبة عظيمة مما يليق بمثلها. ثم خرجت إلى يوسف وهي مستعجلة فقالت: يا يوسف أجب سيدتك زليخا فإنها تدعوك في بيتها القيطوم وكان سامعاً لها مطيعاً، وكان بيده قضيب من ذهب يلعب به، فرمى القضيب من يده وأسرع إلى الباب ليدخل فنادته زليخا مستعجلة له بالدخول فظن السوء في نفسه وأراد الرجوع بعد أن وضع رجله داخل العتبة، فتوقف عند ذلك وزاد إحساس قلبه بالشر فأسرعت إليه وجذبته إلى السرير وقالت: هيت لك، فأغمض عينيه وكف يديه ونكس رأسه حياء من الله تعالى فقالت له: يا يوسف، ما أحسن وجهك• قال: الله صوره في الأرحام• قالت: ما أحسن عينيك! قال: هما أول ما يسقطان مني في قبري• قالت: ما أحسن شعرك! قال: هو أول ما يبلى مني• قالت: يا يوسف: ما أطيب ريحك! قال: لو شممت رائحتي بعد ثلاث لفررت مني، قالت: يا يوسف أتقرب إليك فتتباعد مني! قال لها: أرجو بذلك التقرب من ربي• قالت: انظر إلي نظرة واحدة• قال لها: أخشى العمى من ربي في آخرتي• قالت: ضع يدك على فؤادي• قال لها: إذا تغل في النار يدي• قالت: أشتريك بمالي وتخالفني• فقال: الذنب لإخوتي إذ باعوني حتى ملكتيني• قالت: اصبر معي ساعة واحدة في البيت• قال لها: ليس فيه شيء يسترني من ربي قالت: يا يوسف، بأي وجه تخالفني وبأي حكم ترجع عن مرادي ولا ترعى صنعي؟ قال لها: حكم إلهي الذي في السماء عرشه، وفي الأرض سلطانه وبطشه وإكراماً لسيدي الذي أكرم مثواي وأنزلني منزلة الأولاد• فقالت له: أما إلهك الذي في السماء فإني أفتح بيوت الأموال وأتصدق عنك بها وأهديها إليه حتى يرضى عنك ويغفر لك، ولا أبالي أنا فيما يفعل في حقي لمرادي وقضاء حاجتي، وأما سيدك الذي أكرم مثواك فأنا أطعمه السم حتى ينتثر لحمه ويسقط عظمه ويموت جهداً وكمداً، وأكون أنا وأموالي وما ملكت يداي ملكك وطوع يمينك• قال: إذاً فما يكون عذري يوم القيامة بين يدي ربي إذ أكون فضلاً عن ارتكاب المعصية سبباً في جريمة قتل سيدي الذي أحسن إلي. وبعد هذه المحاورة التفت يوسف إلى صنم داخل البيت وعليه ستر فقال لها: لماذا سترت هذا الصنم؟ قالت: استحيت منه، فقال: إذا كنت تستحين من هذا وهو لا يسمع ولا يدري ولا ينفع ولا يضر فكيف أنا لا أخاف من ربي وقام وبادر بالخروج من الباب من غير أن يكون بينهما سبب من الأسباب وقد شهد الحق له بذلك في كتابه العزيز بقوله تعالى (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين)(يوسف:24). ولما رأته فر يريد الباب أدركته وجذبت قميصه من خلفه فتمزق القميص ووافق ذلك الوقت أن العزيز مر بالباب يريد قضاء حوائجه فإذا بوجبة فالتفت فإذا بالباب يحمل ويساق فدفع الباب وقال: من ؟ فإذا يوسف مقدود الثوب باكي العين وإذا زليخا ناشرة الشعر محمرة الوجه باكية العين• فقال العزيز: فيم أنتما؟ فقالت زليخا: ياسيدي غلامك العبراني الذي ائتمنته على أهلك ومننت عليه بفضلك، وأحللته محل ولدك يريد بأهلك السوء• فأقبل العزيز على يوسف بوجهه وقال: يا يوسف، هذا جزائي منك ائتمنتك على أهلي وأحللتك محل الأولاد المكرمين، ورجوت الخير والانتفاع بك فصرت تخونني في أهلي• فقال يوسف: معاذ الله أن أخونك في أهلك وأرضى بذلك! بل هي راودتني عن نفسي• فوقف العزيز متحيراً ينظر إليها تارة وإليه أخرى فقال يوسف: إن لي شاهداً يشهد ببراءتي• فقال العزيز: ما هو الشاهد ولم يكن معكما أحد في البيت؟ فقال: انظر هذا القميص كيف قد من دبر فلو كنت أنا المراود لكان القميص قد قد من قبل وهذا برهان محسوس على ذلك وكان مع العزيز ابن عم زليخا، فلما سمع هذا الدليل وجده قاطعاً فقال: انظر إلى قميصه إن كان قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين فنظر العزيز إلى القميص فوجده ق د من دبر فقال لها: إن ذلك من كيدكن إن كيدكن عظيم ثم قال ليوسف: اكتم هذا ولا تبح به لأحد وقال لها: استغفر لذنبك إنك كنت من الخاطئين ثم تركها وانصرف• وبعد ذلك قالت ليوسف: قد فضحتني والله لأسلمنك للمعذبين يعذبونك حتى ينسل جسمك كما سللت جسمي• فقال لها: إن كنت احتقرتني لغربتي فالله حسبي ونعم الوكيل• واشتغلت عن ذلك بكلفها به وشاع الخبر بمصر أن امرأة العزيز راودت فتاها عن نفسه قد شغفها حباً، وقد اجتمع نساء الملوك والأمراء والقادة مرة وتذاكران أمرها قاستقبحنه وقلن: إنها في ضلال مبين، فبلغ ذلك زليخا وعظم عليها فأرادت أن تبين عذرها لهن فيه فصنعت لهن صنيعاً وأرسلت إليهن تدعوهن لضيافتها، وهيأت لهن مجلس أنس وأوجدت فيه كل معدات الطرب وكن عشرة نسوة من نساء الملوك والأمراء وعشر بنات أبكار من بنات الملوك والأمراء، وبعد أن تناولن الطعام قدمت لكل واحدة منهن صحفة من عسل وأترجة وسكيناً حاداً، وقالت لهن: ما حقي عليكن؟ فقلن لها: أنت سيدتنا وكبيرتنا والمطاعة فينا نسمع لك ونطيع• فقالت: لهن: بحقي عليكن إذا خرج عليكن فتاي يوسف إلا ما قطعتن له مما في أيديكن وأعطيتنه يأكل• فقلن لها حباً وكرامة• فتركتهن وذهبت إلى يوسف وقالت له: يا يوسف، أطعني اليوم واعصني أبداً• قال: أما مالم يكن فيه سخط ربي فلا أبالي • فقالت له: دعني حتى أزينك وإن كنت مزيناً قال: اصنعي ما بدا لك، فرصعت جوانبه بالدر والياقوت وكللت جبينه بالجوهر وألبسته قباء أخطر ومنطقته بمنطقة من ذهب أحمر، ووضعت على عاتقه منديلاً من السندس وكأساً من ذهب في يده وقالت: اخرج عليهن فلو رأين منك ما رأيت لذهبن عن أنفسهن ولتركن الطعام والشراب ولمن أنفسهم كما لمنني• فخرج عليهن وهن قعود يقطعن في الأترج فلما رأينه ظنن أن صنم زليخا الذي تعبده وكن يسمعن به ويحببن أن ينظرن إليه، فلما بدا لهن يوسف أكبرنه وصرن شبه السكارى والحيارى من كثرة تعجبهن من بهائه وكماله وأمعن في نظرهن إلى حسنه وجماله ورمن أن يقطعن ما في أيديهن كما شرطت زليخا عليهن فصرن يقطعن أيديهن وصارت الدماء تسيل في حجورهن ولا يجدن ألم القطع ولا حدة السكاكين ولا وقوع الدم على الأجسام، ويوسف يقول: ويحكن ماذا تصنعن بأنفسكن إنما أنا عبد من عبيد ربي، وزليخا تضحك مما تراه منهن من تقطيع أيديهن وذهاب عقولهن وأمرته بالانصراف، فلما غاب عن عيونهن رجعن إلى حسهن فقالت لهن زليخا: ويحكن من لحظة واحدة فعلتن بأنفسكن هذا وأنا منذ سبع سنين أقاسي منه ما أقاسي، وأخدمه على أطراف البنان وهو لا يعيرني طرفه ولا يلتفت نحوي فقلن لها: حاشى لله ما هذا بشراً أن هذا إلا ملك كريم فقالت لهن: ما هذا الذي فعلتنه بأنفسكن؟ فلما رأين ما نزل بهن أدركهن الخجل وذكرن ما لمنها به• فقالت لهن: هذا الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم وأبى ولئن لم يفعل ما آمره لأسجننه وأعذبنه حتى يكون من الصاغرين• وقد أقرت لهن بأمرها لكونهن عذالها ورأتهن وقعن بما وقعت به فقلن لها: إنك لمعذورة فمرينا أن نكلمه بشأنك عساه أن يطيع ويسمع عندما توبخه عن إعراض نفسه فأذنت لهن بالخلوة طمعاً في أن يملنه إليها، فجعلت كل واحدة منهن إذا خلت به تدعوه إلى نفسها وتشكو إليه وجدها فقال يوسف: يا ربي كانت واحدة لم أقدر عليها بعنايتك، وقد صرعن جماعة (رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين)(يوسف: 33). ولما رأين أن لا حيلة لهن باستمالته قلن لها افعلي ما بدا لك فيه ، فطاولته مدة من الزمن ولما يئست منه قالت لزوجها: إن هذا الغلام فضحني بين الناس ونكس رأسي بين نظرائي وقد شاع خبري وخبره في مصر ولا براءة لي عندهم إلا أن أحبسه في السجن• فقال لها زوجها: لا يحبسه إلا الملك الريان بن الوليد، وكان مراده أن يخرج أمره من يدها لأنه إذا كان مره بيدها ربما حنت عليه وأخرجته من السجن فلما سمعت ذلك لبست ثيابها وزينتها وجعلت تاجها على رأسها وخرجت حتى أتت إلى الريان بن الوليد وكان في بيته الأعظم وهو بيت من الحديد والنحاس فيه الزخارف بأنواع الجواهر والمعادن وكان يجلس في أعلى الباب حتى إذا دخل عليه أحد يراه قبل دخوله، فإن شاء أذن له وإلا ينصرف• ولما رأى زليخا مقبلة أذن لها بالدخول وأمر الغلمان بفتح الأبواب أمامها، وكانت ذات قدر عظيم عنده مسموعة الكلمة لأنها من بنات الملوك، ولما دخلت على الملك خرت له ساجدة فقال لها الملك: ارفعي رأسك فأنت المقربة المرضية وحاجتك عندي مقضية، فرفعت رأسها إليه وأخذت في الثناء عليه بقولها: أيها الملك دام لك العز والبقاء وألبست ثوب النعمة والرخاء لم تزل لي مكوماً ولقضاء حاجتي مسرعاً وأن عبدي العبراني قد استعصى عليّ وأحب أن تأذن لي بحبسه في سجن المجرمين حتى يتأدب ولو بعد حين فقال لها: قد أجبتك وجعلت أمر السجن بيدك فانطلقي فاطلقي من شئت واحبسي من شئت فأخذت إذنه ورجعت إلى منزلها وأمرت بإحضار الحدادين إليها فمثلوا بين يديها فقالت لهم: إني أريد أن تصنعوا لي قيداً محكماً لعبدي يوسف العبراني• فقالوا: أيتها الملكة المطاعة في أمرها العظيم في قومها إنا نرى بدناً ناعماً وساقاً رقيقاً ووجهاً أنيقاً، وإنه ربي بنعمة كاملة وعافية شاملة، فكيف يقوى على حمل القيد الحديد الثقيل• فقالت: قيدوه وهذا لا يعنيكم• فقال يوسف: افعلوا ما أمرتكم به فإني من أهل بيت البلاء فقيدوه وحملوه على الأكتاف وانطلقوا به إلى السجن وتسامح الناس به فأقبلوا عليه من كل مكان حتى غصت الطرقات وصاروا ينظرون إليه ويقولون: إنه عصى سيدته الملكة وهو منكس رأسه ويقول: هذا خير من عصيان رب العالمين، فلما وصلوا به إلى السجن قالوا للسجان: خذ هذا فإن سيدته غضبت عليه وأمرت أن يسجن في سجن المجرمين، فأدخله السجان إلى السجن ووضعه بين أصحاب الكبائر والجنايات، ودخل العزيز على زليخا وقال: ما فعلت بيوسف؟ قالت: قيدته وحبسته وكان كرادها أن تخرجه عن قريب• فقال لها: أقسمت عليك بالملك الريان ورأسه إلا ما أبقيت يوسف في السجن ما دام املك حياً فلم يمكنها إلا إبرار القسم وأدركها الندم، ولم تجد عذراً تخرجه به، وكانت تصعد إذا جن الليل إلى أعلى قصرها وتنظر إلى جهة السجن وتبكي وتقول: حبيبي يوسف ليت شعري أنائم أنت أم يقظان أجائع أنت أم عطشان، وتبقى على ذلك النحيب والبكاء حتى ينفجر الصبح وجداً عليه وشوقاً إليه وقد أنحلت الغرام وخالطها الهيام وداخلها السقام وهجرها المنام، وتعذر على ناعتها إثباتها ودامت على ذلك لا تشكو إلا بذكره ولا تسأل إلا عن أمره مدة اثنتي عشرة سنة حتى أذن الله ليوسف بالخروج من السجن كما جاء في قصته، ولم يشأ الخروج إلا بعد براءة ساحته، فجاء الملك بالنسوة اللاتي قطعن أيديهن وسألهن عن ذنب يوسف بقوله: ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه وكيف دعوتنه إلى الفاحشة فأقررن عند ذلك• وقلن: حاشى الله ما علمنا عليه من سوء، ولا كانت رغبة فينا ولا دعوة للزنا وإنه لبريء الساحة طاهر الذيل• فقالت زليخا: هذا وقت بيان الحق واضمحلال الباطل إن مراد حبيبي إقراري• فأنا أقر بذنبي، الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين، ولما ظهرت براءة يوسف وتبوأ الملك وحصل القحط في مصر نسي زليخا ولم يفتكر بها لكثرة أشغاله، وقد مات العزيز زوجها وهي لكثرة إسرافها نفذت أموالها خصوصاً في أيام القحط التي حصلت بمصر في مدة يوسف حتى صارت لا تملك شيئاً ومدة يدها للسؤال فقيل لها: تعرضت للصديق لرحمك وأعطاك شيئاً عن الناس يغنيك• وقيل لها من آخرين: لا تفعلي فربما يذكر ما كان منك إليه من المراودة وطول السجن والمخالفة فيسيء إليك ويعاقبك فقالت: أنا أعلم بحبيبي منكم وإن من خلقه الصفح والاحتمال والفضيلة والابتهال، ثم نهضت حتى جلست على ربوة بطريقه وكان ليوسف يوم يركب فيه في كل أسبوع وكان يركب معه من عظماء دولته ووزرائه وقواده وأرباب مملكته نحو المائة ألف نفس، فلما أقبل يوسف وأحست به قامت ونادت بأعلى صوتها سبحان من جعل العبيد ملوكاً بالطاعة، وجعل الملوك عبيداً بالمعصية• فأمسك العنان ونظر إليها وهي واقفة في ذلك المكان فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا التي كنت أخدمك دهراً وأرجل جمتك وكان مني ما كان في ذلك الزمان قد ذقت وباله ولقيت نكاله، وتغيرت كما ترى أحوالي، وصرت أسأل الناس الذين كانوا يسألوني فمنهم من يرحمني ومنهم من يعرض عني، وهذا جزاء من خالف مولاه واتبع هواه• فلما سمع الصديق كلامها بكى إشفاقاً عليها ثم قال لها: هل بقي بقلبك شيء مما كان؟ قالت: والله لنظرة فيك أحب إلي من الدنيا وما فيها ثم قال ت: ناولني سوطك فناولها إياه فوضعته على قلبها فأحس يوسف بانتفاض يده مع السوط من شدة انتفاض قلبها وقال لها: ما أصاب قلبك؟ فقالت: يا يوسف ، هو كما ترى• فقال لها: اذهبي إلى منزلك وإننا سننظر في أمرك، ثم ذهب باكياً وبعد وصوله إلى مستقره أرسل إليها رسولاً فقال: يقول لك الملك إن كنت أيماً تزوجناك وإن كنت ذات بعل أغنيناك• فقالت للرسول: إليك عني فإن الملك أعرف بالله من أن يستهزئ بي فإن لم يلتفت إلي أيام شباب وجمالي فكيف يلتفت إلي الآن ولم تصدق قوله، فرجع الرسول وأخبر الصديق بما قالت وذكرت من شأنها، فعلم أنها غير واثقة تصدق قوله، فرجع الرسول وأخبر الصديق بما قالت وذكرت من شأنها، فعلم أنها غير واثقة بما قاله لها الرسول• فلما كان في الأسبوع الثاني مر الصديق عليها بموكبه فرآها على الحالة التي رآها بها أول مرة وقالت له كما قالت في الأول فقال لها: ألم يبلغك رسولي ما أرسل به إليك فما ترين؟ فقالت: ألم أقل إن نظرة إليك أحب إلي من الدنيا وما فيها• فلما سمع منها ذلك أمر بحملها إلى قصره وأحضر الشهود وتزوجها، فلما زفت عليه وأدخلت إليه نظر إليها فزاد إشفاقاً عليها فأكرمها إكراماً لا مزيد عليه، ورتب لها من يقوم بأودها ولم يمض زمن حتى عاد إليها جمالها ورونقها وبهاؤها وكمالها وذلك من سوروها بما نالت من حبيبها حلاً بعد الحرام، وانتقالها من دنيا إلى أخرى بقدرة الملك العلام• وقيل: إنها طلبت إليه أن يدعو الله أن يرد لها جمالها ففعل، وهنالك تذكرت المنام الذي كانت رأته قبل تزوجها بقطفير فرأت تفسيره قد حصل بزواجها بيوسف، أن لبست تاج مصر في مدته وصارت ملكة كعادة زمانهم ولما دخل عليها يوسف وجدها بكراً فتعجب من ذلك وقال لها: ما كنت تفعلين حين راودتني عن نفسي قالت: أيها الصديق اعذرني ولا تلمني فإن الله كساك حلة الجمال والبهاء والكمال وكان زوجي عنيناً لا يقرب النساء فغلب علي حب الشهوة ففعلت ما فعلت• ولما أتاها ولدت له "افراديم" وبعده"منشا" وذلك في مدة أربع سنوات ولم تلد له خلافهما مدة حيتها• زوي امبراطورية المملكة الشرقية هي ابنة قسطنطين التاسع زفت إلى رومانوس الثالث سنة 1028م ثم عشق صائغاً يدعى ميخائيل وهو ميخائيل الربع البافلاغوني فأهلكت زوجها وتزوجته فرقي تخت الملك ولم يلبث أن زساء معاملتها فاتفقت مع أخيه وعلى رواية ابن أخيه يوحنا الملقب من ثم ميخائيل الخامس وخلعاه ورقي ميخائيل تحت الملك سنة 1035م فأساء معاملتها أيضاً فأثارت هيجاناً في القسطنطينة وخلعت ميخائيل ورقت مكانه مع أختها تيودورا فتزوجت وكانت في الثالثة والستين من عمرها قسطنطين العاشر مونوماخوس سنة 1042 فصفا لها الجو وحكمت كيف شاءت إلى أن هلكت سنة 1052 ميلادية• زينب ملكة تدمر كانت آية زمانها في الجمال ونادرة عصرها في الفضل المقرون بالجلال تعرف عند الرومان ب زنوبيا ملكة الشرق، تولت عرش تدمر بعد زوجها أذينه المقتول عام 267 للميلاد وكان أشتد ساعدها ورسخت في البلاد وطأتها في عاصمتها البناءات الباهية الأنيقة، وغرست في ضراحيها الرياض الزاهية حتى تركتها جنة من الجنان فيها فاكهة، والنخل ذات الأكمام، والحب ذو العصف والريحان• ثم جنحت إلى المغازي والفتوحات ودانت لشدة بأسها العباد، وفتنت ببديع حسنها وسحر أساليبها الملوك، فأسكرها الفوز والنصر وبعثها على التمادي في طلاب العز والتماس الفخر فبعثت بالسرايا والصوائف إلى مصر فقهرتها ولقبت ذاتها بألقاب أهاجت عليها حسد مملكة الرومان، فنوتها وزحف عليها أورليان قيصر روم، فعبأت الجيوش وقابلته على مقربة من أنطاكية فحمص، فهزمها شر هزيمة حتى اعتصمت منه بقاعدة بلادها تدمر، فأدار عليها رحى الحرب حصاراً وقتالاً حتى تداعت له أسوارها عنوة فأعمل في أهلها السيف، وفي قصورها التخريب حتى غادرها قاعا صفصفاً يأوي إليها البوم والقطا، نادبة سالف مجدها المذكور، وقديم عزمها المأثور• وأما زنوبيا فأسرها أورليان وقادها إلى عاصمة الرومان ذليلة صاغرة حيثما دخلها بموكب حافل وهي ترسف بقيودها الذهبية أمام العواجل، وكان ذلك عام 272 للميلاد فسبحان الحي الباقي من لا عاصم من يديه ولا واقي• وأما تدمر فهي مدينة قديمة ذات آثار عظيمة كانت تعرف بمدينة النخل ويسميها الأقدمون بالميري واقعة بين نهري الفرات والعاصمة تبعد بنحو 90 ميلاً عن حمص إلى الشرق و 150 ميلاً عن دمشق إلى الشمال الشرقي• قيل: إنها سميت باسم تدمر بنت حسان التي بنت المدينة في أيامها والصحيح: أنها من بناء سليمان كما ورد في التوراة وقد زعم العرب أن الجن بنوها له وعلى ذلك يقول النابغة: إلا سليمان إذ قـال الإلـه لـه قم في البرية فاحددها عن الفند وخبر الجن أني قد أمـرتـهـم يبنون تدمر بالصفاح والعمـد• ولم تنل تدمر عزاً مثل ما نالته في مدة زنوبيا ولم يرجع إليها رونقها الأصلي أبداً حتى صارت خرائب في هذا الزمان يأوي إليها البوم والغربان• زينب ابنة عبد الله بن عبد الحليم كانت حنبلية المذهب وهي بنت أخي الشيخ تقي الدين • قال الحافظ ابن حجر: سمعت من ابن الحجار وغيره وحدثت وانتفع الناس بعلمها ولي منها إجازة• وهي من نساء الحديث المشهورات ذات لهجة صادقة ولذلك عدت من المحدثين• زينب ابنة محمد بن عثمان بن عبد الرحمن الدمشقية كانت أحسن نساء زمانها منظراً، وأعذبهن مقالاً، وأفصحهن منطقاً، وأعلمهن بالفقه والحديث وكان يعرف أبوها بابن العصيدة، حدثت بالإجازة العامة عن فخر الدين ابن الحجار وغيره• ومن تلامذتها: الحافظ ابن حجر وله منها إجازة وعمرت أكثر من مائة سنة وعشر سنين وكانت حلقة درسها لا تقل عن الخمسين طالباً للحديث ولم يسمع بامرأة مثلها فتحت حلقة درس واجتمع فيه طلاب مثل طلاب حلقة درسها• زينب ابنة عثمان بن محمد لؤلؤ الدمشقية كانت من أفاضل العلماء ولها اليد الطولى في علوم السنة سمعت من الحافظ ابن حجر وأخذ منها الحافظ ابن حجر• وتوفيت سنة ثمانمائة ولها رسائل في الفقه، والسنة استند عليها كثير من العلماء• زينب المرية هي ابنة أحد مشاهير العرب ولدت بالمرية من أعمال الأندلس ولم نقف على تاريخ ولادتها واسم أبيها والذي وصل إلينا أنها كانت ذات حسن وجمال، وبهاء وكمال، وأدب وظرف، وتهذيب ولطف• رقيقة المعاني جزلة الألفاظ حاضرة النادرة لها شعر بديع جالست الأدباء وساجلت الشعراء حتى أنها كان يشار إليها بالبنان في ذلك الأوان، ومن شعرها: يا أيها الراكب الغدي مطيته=عرّج أنبئك عن بعض والذي أجد ما عالج الناس من وجد تضمنهم=إلا ووجدي بهم فوق الذي وجدوا حسبي رضاه وإني في مسرته=ووده آخر الأيام أجتهد وتوفيت بالمرية مأسوفاً عليها من ذوي الأدب وأهل العلم• زينب ابنة حدير كانت من عاقلات ذاك العصر وأطوعهن لأزواجهن وكان زوجها القاضي شريح كما روى عنه الشعبي فإنه قال: قال لي شريح: يا شعبي، عليكم بنساء بني تميم فإنهن النساء قلت: وكيف ذلك؟ قال: انصرفت من جنازة ذات يوم ظهراً فمررت بدور بني تميم فإذا امرأة جالسة في سقيفة على وسادة وفي جانبها ذات يوم ظهراً فمررت بدور بني تميم فإذا امرأة جالسة في سقيفة على وسادة وفي جانبها جارية كأنها البدر في الليلة الداجية، فاستقيت فقالت لي: أي الشراب أعجب إليك النبيذ أم اللبن أم الماء؟ قلت: أي ذلك تيسر عليكم فقالت: اسقوا الرجل لبناً فإني أخاله غريباً• فلما شربت نظرت إلى الجارية فأعجبتني، فقلت: من هذه؟ قالت: ابنتي• قلت: وممن؟ قالت: زينب بنت حدير إحدى نساء تميم، ثم إحدى نساء بني حنظلة، ثم إحدى نساء بني طهية• قلت: أفارغة أم مشغولة؟ قالت: بل فارغة• قلت: أتزوجينيها؟ قالت: نعم، إن كنت كفؤاً، لها عم فاقصده• فانصرفت إلى عمها فقال: يا أبا أمية ما حاجتك؟ قلت: إليك• قال: وما هي؟ قلت: ذكرت لي بنت أخيك زينب بنت حدير• قال: ما بي عنك رغبة ولا بك عنها مقصر وإنك لنهزة وزوجني بها وبارك القوم لي، ثم نهضنا فما بلغت منزلي حتى ندمت فقلت: تزوجت إلى أغلظ العرب وأجفاها فهممت بطلاقها، ثم قلت: أجمعها إلي فإن رأيت ما أحب وإلا طلقتها، فأقمت أياماً ثم أقل نساؤها يهادينها• فلما أجلست في البيت أخلي لي البيت فقلت: يا هذه، إن من السنة رذا دخلت المرأة على الرجل أن يصلي وتصلي ركعتين ويسألا الله خيراً ليلتهما ويتعوذا بالله من شرها فقمت أصلي، ثم التفت فإذا هي خلفي فصليت فإذا هي على الفراش، فمددت يدي فقالت: على رسلك• فقلت: إحدى الدواهي منيت بها• فقالت: إن الحمد لله وحده أحمده وأستعينه إني امرأة عربية ولا والله ما سرت سيراً قط أشد علي منه وأنت رجل غريب لا أعرف أخلاقك فحدثني بما تحب فآتيه وما تكره فأنزجر عنه• فقلت: الحمد لله وصلى الله على محمد قدمت خير مقدم على أهل دار زوجك سيد رجالهم، وأنت سيدة نسائهم أحد كذا وأكره كذا قالت: أخبرني عن أختانك أتحب أن يزوروك؟ فقلت: إني رجل قاضٍ وما أحب أن تملوني• قال: فبت بأنعم ليلة وأقمت عندها ثلاثاً، ثم خرجت إلى مجلس القضاء فكنت لا أرى يوماً إلا هو أفضل من الذي قبله حتى إذا كان عند رأس الحول دخلت منزلي فإذا عجوز تأمر وتنهى، فقلت: يا زينب من هذه؟ فقالت: والدتي• قلت: حياك الله بالسلام• قالت: أبا أمية، كيف أنت وحالك؟ قلت: بخير والحمد لله• قالت: كيف زوجتك؟ قلت: كخير امرأة• قالت: إن المرأة لا ترى في حال أسوأ خلفاً منها في حالين إذا حظيت عند زوجها وإذا ولدت غلاماً فإن رابك منها ريب فالسوط، فإن الرجال والله ما جازت إلى بيوتهم شر من الورهاء المتدللة• قلت: أشهد أنها بنتك قد كفيتنا الرياضة، وأحسنت الأدب• قال: فكانت في كل حول تأتينا فتذكر هذا، ثم تنصرف• قال شريح: فما غضبت عليها قط إلا مرة واحدة كنت لها ظالماً فيها وذلك أني كنت إمام قومي فسمعت الإقامة، وقد ركعت ركعتي الفجر فأبصرت عقرباً فعجلت عن قتلها فأكفأت عليها الإناء، فلما كانت عند الباب قلت: يا زينب، لا تحركي الإناء حتى أجيء، فعجلت فحركت الإناء فضربتها العقرب فجئت فإذا هي تلوي فقلت: ما لك؟ قالت: لسعتني العقرب، فبهذا السبب كان غضبي لتعجيلها رفعه، وكان لي جار يضرب زوجته فقلت في ذلك: رأيت رجالاً يضربون نساءهم=فشلت يميني يوم تضرب زينبا أأضربها في غير جرم أتت به=إلي فما عذري إذا كنت مذنبا فتاة تزين الحلي إن هي حليت=كأن بفيها المسك خالط محلبا زينب ابنة حجش أم المؤمنين بنت حجش بن الرئاب زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، تكنى أم الحكيم، وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي كانت قديمة الإسلام ومن المهاجرات مع الرسول وكانت قبل النبي صلى الله عليه وسلم تحت زيد بن حارثة ومضى النبي يوماً إلى بيته لغرض فرفعت باب الخباء فرأى زينب حاسرة فأعجبته ومن ثم كرهت إلى زيد فلم يستطع أن يقربها فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: "أرابك فيها شيء؟" قال: لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أمسك عليك زوجك واتق الله"• ففارقها زيد، واعتدت فحلت للرسول صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عليه (فلما قضى زيدٌ منها وطراً زوجناكها) (الأحزاب: 37( فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من يبشر زينب أن الله قد زوجنيها" وقرأ عليهم: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه)(الأحزاب: 37) الآية• فكانت زينب تفتخر على نسائه وتقول: زوجكن أهلكن وزوجني الله من السماء، وذلك سنة 5 للهجرة، فلما دخل عليها قال لها: "ما اسمك؟"• فقالت: برة، فسماها زينب ولما تزوجها تكلم في ذلك المنافقون وقالوا: حرم محمد نساء الولد وقد تزوج امرأة ابنه لأن زيد بن حارثة مولى النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعى بابن محمد على سبيل التبني فأنزلت الآية وهي: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) (الأحزاب: 04) والآية الأخرى (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله) (الأحزاب: 5)• فدعي زيد من ثم بابن حارثة، وكانت زينب قصيرة جميلة، صناع اليدين، صوامة، قوامة، تشتغل وتتصدق من شغل يدها• وقالت عائشة: يرحم الله زينب بنت حجش لقد نالت في هذه الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف، إن الله عز وجل زوجها بنيه ونطق القرآن وإن الرسول قال لنا ونحن حوله: "أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً" فبشرها بسرعة لحوقها به وهي زوجته في الجنة وذلك لأنها أول من توفيت من نسائه بعده، وكان يريد بطول اليد كثرة الصدقة• وقال لعمر بن الخطاب: "إن زينب أواهة" أي خاشعة متصدعة• وتوفيت سنة 02 • وقيل: 12 للهجرة وكان عمرها حين تزوجها 53 سنة• زينب ابنة الحارث امرأة يهودية من خيبر كانت زوجة سلام بن مشكم، فلما استقر النبي صلى الله عليه وسلم في خيبر أهدت له شاة مصلية مسمومة فوضعتها بين يديه، فأخذ مضغة فلم يسغها ومعه بشير بن البراء بن معرور فأكل بشير منها وقال النبي: "إن هذه الشاة تخبرني أنها مسمومة" ثم دعا المرأة، فاعترفت• فقال: "ما حملك على ذلك؟"• قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك فقلت: إن كان نبياً فسيخبر، وإن كان ملكاً استرحنا منه• فتجاوز عنها ومات بشير في تلك الأكلة أما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يؤثر فيه السم إلا تأثيراً خفيفاً، فحجم بين كتفيه وقال في مرضه الذي مات فيه: "هذا وإني وجدت انقطاع أبهري من أكلة خيبر"• فكان المسلمون يرون أنه مات شهيداً مع كرامة النبوة وادعى ورثة بشير على زينب فقتلت• زينب ابنة الإمام أحمد الرفاعي لبست الخشن من الثياب، وتركت الطيب من الطعام والشراب، وكانت قد أرخت الحجاب وتملت بعبادة الملك الوهاب، وقنعت بدون اليسير مع القدرة ولزمت حنين أبيها وتبعت أثر طريقته بالذل والانكسار والسكينة والافتقار• كان السيد أحمد - رضي الله عنه - يقول: كأنها خلقت رجلاً والناس يظنون أنها خلقت امرأة، وقال السيد عمر الفاروثي: كنت ذات يوم عند السيد أحمد فأظهرني على كثير من أسراره، ثم أخذني بيده ودخل بيته على رابعة، فقال له: سلم عليها واخدمها واسألها أن تدعو لك• فجاءت زينب فقبل رأسها ثم قال لي: أي عمر سلم عليها واخدمها واسألها أن تدعو لك ولذريتك ففعلت ذلك ثم قلت في نفسي: الأولى إنه كان يأمرني بالخدمة والتعظيم لرابعة فإنها أكبر سناً، فالتفت إلى السيد أحمد - قدس الله سره العزيز - وقال لي: أي عمر، إن الله وعدني أن يحيي بها الآثار ويعمر بها الديار• فقالت زينب: أي سيدي تعيش أنت ويعيش السيد صالح ويجعلني الله فداءك ويحيي الله بك الآثار• فقال: بل فيك• فقالت: يا سيدي أأنا أقعد وأحدث الناس وأجلس معهم في المجالس؟ فقال لها: يا زينب، لا ولكن ذريتك يبقون إلى يوم القيامة• إلا أن صاحب الشفاء أورد هذه الحكاية في كتابه بغير هذا النسق• قالت مريم بنت الشيخ يعقوب: قد قالت لي زينب: نتعب قليلاً ونستريح طويلاً، السفر بعيد، والطريق طويل، والجسد ضعيف، والزاد قليل، وليس لنا بد من هذا السفر لو ندركه قبل أن يدركنا ونستقبله قبل أن يستقبلنا لكان خيراً لنا• قال الزبرجدي: حفظت القرآن وتفقهت وسمعت الحديث من خالها الشيخ أبي البدر الأنصاري الواسطي وأخذ عنها أولادها الأئمة الأعلام، وسمع منه الشيخ الكبير عمر أبو الفرج الفاروثي الكازروني، وكانت عظيمة القدر رفيعة المنزلة أقبل على زروع أهل واسط، وأم عبيدة جيش الجراد فالتجأ الناس إليها فتقنعت وصعدت السطح وقالت: إلهي عبيدك ساقهم حسن الظن إلي، وأنت الذي ألقيت ذلك في قلوبهم وإني أقل من أن أسألك لذنوبي وسواد وجهي وأنت أكرم من أن ترد المنكسرين يا أرحم الراحمين• فزم الجراد زمة واحدة وكأنه إبل ساقها رعاتها حتى لم يبق منه جرادة واحدة• توفيت سنة ثلاث وستمائة (ستمائة وثلاثون) بأم عبيدة ودفنت بالمشهد الأحمدي المبارك رضي الله عنها• زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي أكبر أولاده ولدت ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثون سنة وماتت سنة ثمان للهجرة في حياة أبيها وأمها خديجة بنت خويلد بن أسد• وقد قيل: إنها لم تكن أكبر بناته وليس بشيء إنما الاختلاف بين القاسم وزينب أيهما ولد قبل الآخر فقال بعض العلماء بالنسب: أول ولد ولد له القاسم، ثم زينب• وهاجرت بعد وقعة بدر، وقد تزوجت لقيطاً الملقب بأبي العاص بن الربيع، وولدت منه غلاماً اسمه علي فتوفي وقد ناهز الاحتلام، وكان رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وولدت له أيضاً بنتاً اسمها أمامة وأسلم أبو العاص وكان الإسلام قد فرق بين زينب وبين أبي العاص إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقدر أن يفرق بينهما بمكة لعدم قوة الإسلام بها حينئذ• وقيل: إن أبا العاص لما أسلم رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب فقيل: بالنكاح الأول• وقيل: ردها بنكاح جديد• وتوفيت زينب بالمدينة في السنة الثامنة (للهجرة) ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبرها وهو مهموم محزون، فلما خرج سرّي عنه، وقال: "كنت ذكرت ضعفها" فسألت الله تعالى أن يخفف عليها ضمة ففعل وهون عليها• ثم توفي بعدها زوجها أبو العاص• وقال آخرون: إن زينب ولدت في سنة ثلاثين من مولده صلى الله عليه وسلم وأدركت الإسلام وأسلمت وهاجرت وكان أبوها يحبها وتزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع ففرق بينهما الإسلام، ثم لما أسلم زوجها جمع صلى الله عليه وسلم بينهما• قال بعضهم: ولم يفرق بينهما من أول البعثة لأن تحريم نكاح المشرك للمسلمة إنما كان بعد الهجرة• وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان الإسلام فرق بين زينب وبين أبي العاص إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يقدر أن يفرق بينهما لأنه كان مغلوباً بمكة وولدت زينب لأبي العاص علياً وأمامة فأما علي فمات مراهقاً، وأما أمامة فتزوجها علي بن أبي طالب بعد خالتها فاطمة بوصية من فاطمة وتزوجها بعد موت علي المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بوصية من علي وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أمامة وهي التي كان يحملها في الصلاة على عاتقه فإذا ركع وضعها وإذا رفع رأسه من السجود أعادها• ولما أسر أبو العاص في وقعة بدر وكان مع الكفار أرسلت زينب في فدائه الربيع بمال دفعته إليه من ذلك قلادة لها كان أمها خديجة قد أدخلتها بها على أبي العاص فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها فافعلوا"• فقالوا: نعم، وكان أبو العاص مصاحباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم مصافياً، وكان قد أبى أن يطلق زينب لما أمره المشركون أن يطلقها فشكر له صنيعه• ولما أطلقه النبي صلى الله عليه وسلم من الأسر شرط عليه أن يرسل زينب إلى المدينة فعاد إلى مكة وأرسلها إلى المدينة فلهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حدثني فصدقني ووعدني فوفى"• ولم تزل زينب بالمدينة وأبو العاص بمكة على شركه، فلما كان قبيل الفتح خرج بتجارة إلى الشام ومعه أموال من أموال قريش ومعه جماعة منهم• فلما عاد لقيته سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم أميرهم زيد بن حارثة، فأخذ المسلمون ما في تلك العير من الأموال، وأسروا أناساً وهرب أبو العاص بن الربيع، ثم أتى المدينة ليلاً فدخل على زينب فاستجار بها فأجارته• فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح صاحت زينب: يا أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل على الناس وقال: "هل سمعتم ما سمعت؟" قالوا: "نعم• قال: "والذي نفسي بيده ما علمت بذلك حتى سمعتم"• وقال: "يجير على المسلمين أدناهم" ثم دخل على ابنته فقال: "أكرمي مثواه ولا يخلص إليك فإنك لا تحلين له" قالت: إنه جاء في طلب ماله• فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك السرية• وقال: "إن هذا الرجل منا حيث علمتم وقد أصبتم له مالاً وهو مما أفاء الله عليكم وأنا أحب أن تحسنوا وتردوا عليه الذي له فإن أبيتم فأنتم أحق"• فقالوا: بل نرده عليه، فردوا عليه ماله أجمع فعاد إلى مكة وأدى إلى الناس أموالهم، ثم أسلم وحسن إسلامه• ثم قدم إلى المدينة ورد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته ولم تزل معه حتى توفيت سنة ثمان من الهجرة• زينب ابنة جزيمة زينب ابنة جزيمة بن حارثة بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية زوج النبي صلى الله عليه وسلم يقال لها: أم المساكين لكثرة إطعامها وصدقتها عليهم، وكانت تحت عبد الله بن جحش فقتل عنها يوم أحد فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل: كانت عند الطفيل بن الحرث بن عبد المطلب بن عبد مناف، ثم خلف عليها أخوه عبيد بن الحارث كانت أخت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم لأمها، وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد حفصة، ولم تلبث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يسيراً - شهرين أو ثلاثة - حتى توفيت وكانت وفاتها في حياته صلى الله عليه وسلم لا خلاف فيه• وقال ابن منده: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أسرعكن لحوقاً بي أطولكن يداً" فكان نساء النبي يتذارعن أيتهن أطول يداً، فلما توفيت زينب علمن أنها كانت أطولهن يداً في الخير، وهذا وهم فإنه صلى الله عليه وسلم قال: "أسرعكن لحوقاً" وهذه سبقته إنما أراد أول نسائه تموت بعد وفاته، وقد تقدم في زينب بنت حجش وهو لها أشبه لأنها كانت كثيرة الصدقة من عمل يدها، وهي أول نسائه، توفيت بعده والله أعلم• زينب بنت العوام أخت الزبير وهي أم عبد الله بن حكيم بن حزام أسلمت وبقيت إلى أن قتل ابنها يوم الجمل فقالت ترثيه وترثي الزبير أخاها: أعينيّ جودا بالدموع بأشرعا=على رجل طلق اليدين كريم زبير وعبد الله يدعي لحادث=وذي خلة منا وحمل يتيم قتلتم حواريّ النبي وصهره=وصاحبه فاستبشروا بجحيم وقد هدني قتل ابن عفان قبله=وجادت عليه عبرتي بسجوم وأيقنت أن الدين أصبح مدبراً=فماذا تصلي بعده وتصومي وكيف بنا أم كيف بالدين بعدما=أصيب ابن أروى وابن أم حكيم كانت شاعرة أديبة جريئة على القول والفعل ذات شهامة زائدة الجد، وكان لها ميل كلي إلى عثمان وأحزابه وطالما هيجت العبر على حرب علي وقد حضرت وقعة الجمل ولها فيها مشاركة، وتوفيت بعدها بقليل• السيدة زينب بنت الإمام علي كرم الله وجهه السيدة زينب بنت الإمام علي - كرم الله وجهه - بن أبي طالب وأمها فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي شقيقة الحسن والحسين عليهما السلام• تزوجها ابن عمها عبد الله بن جعفر الطيار ذو الجناحين ابن أبي طالب وولدت له علياً وعوناً ويدعى بالأكبر وعباساً، ومحمداً وأم كلثوم• وحضرت مع أخيها الحسين بكربلاء• ذكر ابن الأنباري: أنها لما قتل أخوها الحسين أخرجت رأسها من الخباء وأنشدت رافعة صوتها: ماذا تقولون إن قال النبي لكم=ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم بعترتي وبأهلي بعد فرقتكم=منهم أسارى ومنهم خضبوا بدم ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم=أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي لكن في "كامل ابن الأثير": أن هذه الأبيات لابنة عقيل بن أبي طالب• وفي "نور الأبصار" عن خزيمة الأسدي قال: دخلنا الكوفة سنة إحدى وستين فصادفت منصرف علي بن الحسين -عليهما السلام- بالدربة من كربلاء إلى ابن زياد بالكوفة ورأيت نساء الكوفة يومئذ قياما يندبن متهتكات الجيوب، وسمعت علي بن الحسين يقول: يا أهل الكوفة، إنكم تبكون علينا فمن قتلنا ورأيت زينب بنت علي فلم أر والله خفرة أنطق منها كأنما تنزع عن لسان أمير المؤمنين فأومأت إلى الناس أن اسكتوا فسكتت الأنفاس، وهدأت الأجراس فقالت: "الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين. أما بعد، يا أهل كوفة الختل والخذل أتبكون فلا سكنت العبرة ولا هدأت الرنة، إنما مثلكم مثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم، ألا وإن فيكم الصلف والضعف وداء الصدر الشنف، وملق الأمة، وحجز الأعداء كمرعي على دمنة، أو كفضة على ملحودة أل ساء ما تزرون أي والله تدحضون قتل سلسل خاتم النبوة ومعدن الرسالة ومدار حجتكم، ومنار محجتكم، وسيد شباب أهل الجنة ويلكم يا أهل الكوفة ألا ساء ما سولت لكم أنفسكم أ، سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون، أتدرون أي كبد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فريتم، وأي دم له سفكتم، وأي كريمة له أبرزتم لقد جئتم شيئا إذا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا، ولقد أتيتم بها خرقاء شوهاء طلاع الأرض. أفعجبتم إن أمرطت السماء دما فلعذاب الآخرة أخزى، وأنتم لا تنصرون. فلا يستخفنكم المهل، فلا يحقره البدار، ولا يخفا عليه فوت الثأر، كلا إن ربي وربكم لبالمرصاد". ثم سارت، قال: فرأيت الناس حيارى واضعي أيديهم على أفواهمم ورأيت شيخا قد دنا منها وهو يبكي حتى اخضلت لحيته، ثم قال: بأبي أنتم وأمي كهولهم خير الكهول وشبابكم خير الشباب ونسلكم لا يبور ولا يخزى أبدا. وفي "كامل ابن الأثير" أنها سمعت الحسين وهو في كربلاء قبل مشهده يقول: يا دهـر أف لــك مـــن خـــلـــيل كم لـك بـالــشـــريف والأصـــيل من صـاحـب أو طـالــب قـــتـــيل والـدهـر لا يقـنـع بــالـــبـــديل وإنما الأمر إلى الجليل وكل هالك سالك السبيل فأعادها مرتين أو ثلاثا، فلما سمعته لم تملك نفسها أن وثبت تجر في ثوبها حتى انتهت إليه ونادت: "وا ثكلاه، ليت الموت أعدمني الحياة اليوم ماتت فاطمة أمي وعلي أبي، والحسين أخي يا خليفة الماضي وثمال الباقي" فذهب فنظر إليها وقال: أخية لا يذهبن حلمك الشيطان! قالت: لو ترك القطا لنام فلطمت وجهها وقالت: "وا ويلتاه أفتغصبك نفسك اغتصابا فذلك أقرح لقلبي واشد على نفسي". ثم لطمت وجهها وشقت جيبها وخرت مغشيا عليها فقام إليها الحسين فصب الماء على وجهها وقال: اتقي الله وتعزي بعزاء الله واعلمي أن أخل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون وإن كل شيء هالك إلا وجه الله أبي خير مني، وأمي خير مني، وأخي خير مني ولي ولهم ولكل مسلك برسول الله أسوة حسنة فعزاها بهذا ونحوه. ولما حملوا السبايا إلى الكوفة اجتازوا بهن على الحسين وأصحابه صرعى فلطمن خدودهن وصاحت زينب أخته: "يا محمداه، صلى عليك ملائكة السماء. هذا الحسين بالعراء، مزمل بالدماء، مقطع الأعضاء وبناتك سبايا، وذريتك مقتلة تسقى عليها الصبا". فأبكت كل عدو وصديق. فلما أدخلوهم على ابن زياد لبست أرذل ثيابها وتنكرت وحفت بها إماؤها فقال عبيد الله: من هذه الجالسة؟ فلم تكلمه فقال ذلك ثلاثا وهي لا تكلمه فقال بعض إمائها: هذه زينب ابنة فاطمة. فقال لها ابن زياد -لعنه الله-: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم. فقالت: "الحمد الله الذي أكرمنا بمحمد وطهرنا تطهيرا لا كما تقول إنما يفتضح الفاسق، ويكذب العاجز". فقال: كيف رأيت صنع الله بأهل بيتك؟ قالت: "كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتختصمون عنده". فغضب ابن زياد وقال: قد شفي غيظي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك فبكت وقالت: "لعمري لقد قتلت كهلي، وأبرزت أهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي فإن يشفك هذا فقد اشتفيت". فقال لها: هذه شجاعة لعمري لقد كان أبوك شجاعا. فقالت: "ما للمرأة والشجاعة". فلما نظر ابن زياد إلى علي بن الحسين قال: ما اسمك؟ قال: علي بن الحسين. قال: أولم يقتل علي بن الحسين؟ فسكت. فقال: ما لك لا تتكلم؟ فقال: كان لي أخ يقال له أيضا علي فقتله الناس. فقال اللعين ابن زياد: إن الله قتله. فسكت علي، فقال: مالك لا تتكلم؟ فقال: الله يتوفى الأنفس حين موتها (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله) (آل عمران: 145) فقال: أنت والله منهم، ثم قال لرجل: ويحك، انظر هذا هل أدرك أني لأحسبه رجلا فكشف عنه مري بن معاذ الأحمر فقال: نعم، قد أدرك قال: اقتله. فقال علي: من يتوكل بهذه النسوة؟ وتعلقت به زينب فقالت: "يا ابن زياد حسبك منا أما رويت من دمائنا وهل أبقيت منا أحدا" واعتنقته، وقالت: "أسألك بالله إن كنت مؤمنا إن قتلته أن تقتلني معه". وقال علي: يا ابن زياد إن كان بينك وبينهن قرابة فابعث معهم رجلا تقيا يصحبهن بصحبة الإسلام فنظر إليها ساعة ثم قال: عجبا للرحم والله إني لأظنها ودت لو أني قتلته أن أقتلها معه دعوا الغلام ينطلق مع نسائه، ولما دخلن الشام على يزيد بن معاوية والرأس بين يديه جعلت فاطمة وسكينة ابنتا الحسين تتطاولان لتنظرا إلى الرأس وجعل يزيد يتطاول ليستر عنهما الرأس فلما رأين الرأس صحن فصاحت نساء يزيد وولولت بنات معاوية فقالت فاطمة وكانت أكبر من سكينة بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا يزيد؟ فقال: يا ابنة أخي أنا لهذا كنت كارها. قالت: والله ما ترك لنا خرص. فقال: ما أتي إليكن أعظم مما أخذ منكن. فقام رجل من أهل الشام فقال: هب لي هذه -يعني فاطمة بنت الحسين- فأخذت فاطمة ثياب زينب وصرخت فقالت زينب: "كذبت ولؤمت ما ذلك لك ولا له" فغضب يزيد وقال: والله إن ذلك لي ولو شئت أن أفعله لفعلته قالت: "كلا والله ما جعل الله لم إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا". فغضب يزيد واستطار ثم قال: إياي تستقبلين بهذا إنما خرج من الدين أبوك وأخوك. قالت زينب: "بدين الله ودين أبي وأخي وجدي اهتديت أنت وأبوك وجدك". قال: كذبت يا عدوة الله قاتل: "أنت أمير تشتم ظلما وتقهر بسلطانك". فاستحى وسكت. وعلى اختلاف الروايات أن للسيدة زينب -رضي الله عنها- مقامين أحدهما: بدمشق وهو مقصود من كل الجهات خصوصا من أهل الشيعة. والثاني: بمصر وهو أشهر من الأول. ولها أوقاف وإيراد عموم الأوقاف المصرية، ولها مسجد في مصر لم يوجد مثله قد ذكر أوصافه الأمير علي باشا مبارك في خططه المسماة بالخطط التوقيفية. ولكون أوصافه جاءت مسهبة اقتصرنا عنها منوهين على محل وجودها. زينب ابنة الطثرية هي زينب بنت سلمة بن مرة من بين عامر بن صعصعة. والطثرية أمها قتل أخوها يزيد بن الطثرية الشاعر المشهور في خلافة بني العباس سنة 126 هجرية الموافقة لسنة 744 ميلادية قتله بنو حنيفة فقالت أخته ترثيه: أرى الأثـل مـن وادي الـعـقـــيق مـــجـــاوري مقـيمـا وقـــد غـــالـــت يزيد غـــوائلـــه فتـى قـد قـد الـــســـيف لا مـــتـــضـــائل ولا رهــل لـــبـــاتـــه وأبـــاجـــلـــه فتى لا ترى قد القميص بخصره ولكنه يوهي القميص مواهله فتى ليس لابن العم كالذئب إن رأى بصـاحـبـه يومـا دمــا فـــهـــو آكـــلـــه يسـرك مـظـلـومـا ويرضــيك ظـــالـــمـــا وكـل الـذي حـمـلـتـه فـهـو حـــامـــلـــه إذا نـــزل الأضـــياف كــــان عـــــــزورا علـى الـحـي حـتـى تـسـتـقـل مـراجــلـــه مضـى وورثـنـا مـنـه درعــا مـــفـــاضـــه وأبـيض هـنـــديا طـــويلا حـــمـــائلـــه وقـد كـان يرمـى الـمـشـرفــي بـــكـــفـــه ويبـلـغ أقـصـى حـجـرة الـحـــي نـــائلـــه كريم إذا لاقـــيتـــه مـــبـــتـــســـمـــا وإمـا تـولـى أشـعـث الــرأس جـــافـــلـــه إذا الـقـوم أمـوا بـيتــه فـــهـــو عـــامـــد لأحـسـن مـا ظـنـوا بـه فـهـو فــاعـــلـــه ترى جــــاذرية يرعـــــــدان ونـــــــاره علـيهـا عـدا مـيل الـهـشـيم وحـــامـــلـــه يجـران ثـنـيا خــيرهـــا عـــظـــم جـــاره بصـيرا بـهـا لـم تـعـد عـنـهـا مـشـاغــلـــه وكانت زينب ذات جمال وأدب وكمال، شاعرة مشهورة مطبوعة على الشعر والفضل والأدب، متجملة بالفصاحة التي هي حلية العرب، ولها مراث كثيرة في أخيها لم نعثر عليها الآن. زينب ابنة أبي القاسم الشهيرة بأم المؤيد عبد الرحمن وهو ابن الحسن بن أحمد بن سهل بن أحمد بن عبدوس الجرماني الأصل النيسابوري الدار، كانت فاضلة عالمة أدركت جماعة من أعيان العلماء، وأخذت عنهم رواية وإجازة، فمن أخذت عنهم أبو محمد إسماعيل بن أبي القاسم النيسابوري القاري، وأبو المظفر عبد المنعم وهو ابن عبد الكريم بن هوزان القشيري صاحب "الرسالة القشيري"، وممن أجازها الحافظ أبو الحسن عبد الغافر بن إسمايعل الفارسي، والعلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري مؤلف "الكشاف"، وممن أجازتهم من أكابر العلماء العلامة المؤرخ شهاب الدين قاضي القضاة بان خلكان صاحب "التاريخ المشهور" وهي في القرن السابع من الهجرة. الأميرة زينب هانم أفندي هي أصغر كريمات المرحوم محمد علي باشا والي مصر أول مؤسس للحكومة الخديوية. ولدت في حدود سنة 1244 هجرية في مصر القاهرة ووالدتها شمع نور قادين أفندي من محاظي المرحوم محمد علي باشا وهي جركسية الأصل. وفي سنة 1264 ه تأهلت بالمرحوم يوسف كامل باشا، وأقيمت لها الأفراح في مصر إلى الدرجة التي لم يسبق لها مثال وكان زفافها في سراي الأزبكية. ولما توفي محمد علي وتولى عباس باشا حكومة مصر واشتدت البغضاء بينه وبين الأمراء "المورهليين": باقي بك، وسامي باشا، وكامل باشا، وسائر العائلة الخديوية، واضطروا للهجرة من مصر. هاجرت المترجمة المرحومة مع زوجها كما هاجرت أختها الأميرة نازلي هانم أفندي إلى الأستانة وذلك في حدود 1268ه، فأكرمت الدولة العلية مثوى الجميع وتقلب كامل باشا في مناصب الدولة حتى صار صدرا أعظم في مدة المرحوم السلطان عبد العزيز ثم توفي في حدود التسعين. وبقيت المترجمة في الأستانة في منزلها الكائن في يمدان السلطان بايزيد ومنزله الساحلي في بيتك الشهير داخل الخليج القسطنطيني. وتوفيت في ربيع سنة 1302 ه ودفنت في مدفنها الخصوصي خارج "إسكدار" في الموقع المعروف بقره جه أحمد سلطان وكان لوفاتها وجنازتها شأن عظيم في عموم الأستانة. وخلفت من الأموال والجواهر والأراضي والعقارات شيئا قد لا يقل عن ثلاثة ملايين جنيه ولم تعقب ذرية لا هي ولا زوجها، وورث جميع ذلك أخوها المرحوم البرنس عبدالحليم باشا بن محمد علي باشا فمما تركت من العقارات الشهيرة سراي بيك وسراي ميدان السلطان بايزيد، ومن ذلك اسهم الشركة الخيرية، وهي شركة "وابورات البوغاز" في الأستانة ولا تقل عن أربعين "وابورا"، وسراي الأزبكية في مصر وسراي شبري الصغيرة. وكانت -رحمها الله- كثيرة الخيرات والمبرات، سخية اليد، علايةالنفس، محبة لإعانة الفقراء وإغاثتهم، كانت تصرف على كثير من البيوت حتى بلغ من كان يعيش بإحسانها في انفس الأستانة فقط أكثر من أربعمائة عائلة. ولها أوقاف عظيمة أوقفتها على نفسها وزوجها وذريتها،ثم جعلت ربع تلك الأوقاف لجملة محلات مباركة كالمسجد الحسيني في مصر ومساجد السيد نفيسة والسيدة زينب وغيرهما نحو 14 مسجدا وعدة تكايا منها المولوية والنقشبندية والكاشنية وعلى ليلة المعراج وليلة القدر في قراءة القرآن بمسجد والدها في قلعة مصر. وجعلت من ذلك الربع قدرا لمدرسي الفقه الحنفي في الجامع الأزهر ومدرسي الفقه الشافعي والمالكي والحنبلي وخصصت لكل تخصيصات. ثم إنها خصصت ربعا من ذلك أيضا لكل من قرأ القرآن في سراياتها ولكل من خدمها أو لازمها إلى حين الوفاة من الرجال والنساء وجعلت لمن يبلغ زمن ملازمته لها أو قيامه بخدمتها عشر سنين فأكثر ضعف من كان زمنه أقل من ذلك وكذلك لعتقائها وعتقاء أمها وفقراء معتوقي والدها ومن خيراتها مساهمتها بالاشتراك مع زوجها في بناء مستشفى في مدينة "إسكدار" من دار الخلافة وسبيل في قصبة قرطال بقرب "إسكدار". وأوقفت عليها الأوقاف الكافية، كما أوقفت على قبرها وقبر زوجها وعلى بعض التكايا والزوايا في الأستانة ويغرها. وكانت المترجمة متوسعة في دائرتها مطموعا فيها لمالها وسخائها، ومحترمة جدا في جميع دوائر الدولة حتى إنها كانت معتبرة جدا في السراي السلطاني ولدى جلالة الخلفاء العظام عموما وجلالة سيدنا أمير المؤمنين خصوصا، وكان لها وقع سياسي في الأحوال المصرية في شأن العصبة العرابية. قيل: إنها صرفت من أربعين إلى خمسين ألف جنيه لمساعدة أخيها البرنس حليم باشا، حتى إن الحكومة قبضت على وكيل دائرتها في مصر عثمان باشا لتداخله بأمرها مع عصبة الأشقياء لتستميلهم إلى أخيها. وكان أخوها قد قل ماله وكانت تعينه كما تعين غيره من العائلة، ولما دنت وفاتها أوصت له بكثير من أموالها وعقاراتها. قال أهل الاطلاع على حقيقة حالها: إنها أصيبت بشيء من اختلال الشعور قبل موتها بمدة. وفي تلك المدة اهتم البرنس حليم باشا بتحوير الوقفيات وحصر قسمها الأعظم فيه وفي أولاده، واستغل الفائدة من ذلك الوقت على أن توفي في سنة 1312. وحينئذ قام بعض الناس وحرك أصحاب الحقوق بالمطالبة، ولا يزال النزاع فيها إلى الآن. حرف السين سارة زوجة إبراهيم الخليل عليه السلام كانت أحسن نساء زمانها جمالا وأوفرهن عقلا وكمالا، تزوجت بإبراهيم الخليل -عليه السلام- وكان يحبها محبة عظيمة وكانت لم تعصه في شيء وبذلك أكرمها الله تعالى. وكان قدم بها إبراهيم إلى مصر وبها فرعون من الفراعنة الأولى، وقد وصف له حسنها وجمالها، فأرسل إلى إبراهيم -عليه السلام- فجاءه فقال له: ما هذه المرأة منك؟ فقال: هي أختي وتخوف أن قال هي امرأتي أن يقتله. فقال له: زينها وأرسلها لي حتى أنظر إليها فرجع إبراهيم إلى سارة وقال لها: إن هذا الجبار قد سألني عنك فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني عنده فإنك أختي في كتاب الله -عز وجل- ثم أقبلت سارة على الجبار وقام إبراهيم عليه السلام يصلي. فلما دخلت عليه ورآها أهوى غليها يتناولها بيده فيبست يده إلى صدره، فلما رأى ذلك عظم أمرها وقال لها: سلي ربك أن يطلق يدي فوالله لا آذيتك. فقالت سارة: اللهم إن كان صادقا فأطلق له يده، فأطلق الله تعالى يده. وقيل: إنه فعل ذلك ثلاث مرات بقصد أن يتناولها فتيبس يده فلما رأى ذلك ردها إلى إبراهيم ووهب لها هاجر وهي جارية قبطية فأقبلت إلى إبراهيم ومعها هاجر وهي تحمد الله تعالى على عصمتها من فرعون. وكانت سارة قد منعت الولد حتى أسنت، فوهبت هاجر إلى إبراهيم بقولها: إني أراها امرأة وضيئة فخذها لعل الله تعالى يرزقك منها بولد، فوقع إبراهيم على هاجر فولدت له إسماعيل -عليه السلام- وكانت سارة بنت تسعين سنة و إبراهيم ابن مائة وعشرين سنة وبشر إبراهيم بأنه سيرزفه الله بولد من سارة وقد كان وحملت سارة بإسحاق. وقيل: كان حملت هاجر بإسماعيل فوضعتا معا وشب الغلامان، فبينما هما يتناضلان ذات يوم وكان إبراهيم -عليه السلام- سابق بينهما فسبق إسماعيل فأخذه فأجلسه في حجره وأجلس إسحاق إلى جانبه وسارة تنظر إليه فغضبت. وقالت: عمدت إلى ابن الأمة فأجلسته في حجرك وعمدت إلى ابني فأجلسته إلى جانبك وقد كان أخذها ما يأخذ النساء من الغيرة فحلفت لتقطعن بضعة منها ولتغيرن خلقتها، ثم ثاب إليها عقلها فبقيت في ذلك. فقال إبراهيم -عليه السلام-: اخفضيها واثقبي أذنها ففعلت ذلك فصارت سنة في النساء. ثم إن إسماعيل وإسحاق -عليهما السلام- اقتتلا ذات يوم كما تفعل الصبيان فغضبت سارة على هاجر وقالت: لا تساكنني في بلد وأمرت إبراهيم -عليه السلام- أن يعزلها عنها فأوحى الله إليه أن يأتي بهما إلى مكة فذهب بهما. وتوفيت سارة ولها من العمر مائة واثنتان وعشرون سنة. وقيل: مائة وسبع وعشرين بالشام بقرية الجبابرة بأرض كنعان في جيرون في مزرعة اشتراها إبراهيم -عليه السلام- ودفنت بها. سارة القرظية الإسرائيلية كانت من يهود يثرب من بني قريظة. قيل: إن أبا جبلة أحد ملوك اليمن قصد المدينة في الجاهلية وكان أهلها يهود وبلغه عن ملكهم أمور فاحشة فأوقع في اليهود بذي حرض وهو واد بالمدينة عند أحد فقالت سارة القرظية وهي منهم تذكر ذلك وترثي من قتل من ومها: بأهلي رمت أم لم تغن شـيئا بذي حرض تعفيها الرياح كهول من قريظة أتلفتـهـم سيوف الخزرجية والرماح ولو أذنوا بأمرهم لحـالـت هنالك دونهم حرب رداح رزئنا والرزية ذات نـغـل يمر لأجلها الماء القـراح سبيعة ابنة عبد اشمس بن عبد مناف هي زوجة مسعود بن مالك يتصل نسبه إلى ثقيف كان مكرمة عند زوجها وقومها مسموعة الكلمة لما لها من المكان والفضل، حتى إنه لما كان يوم الفجار الرابع في الجاهلية -وهو يوم عكاظ- ودارت الدائرة على بني قيس وانتصر زوجها وحرب بن أمية على أعدائهم فرآها تبكي حيت تداعى الناس فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: لما يصاب غدا قومي. فقال لها - وكان مسعود قد ضرب على امرأته سبيعة خباء-: من دخل خباءك من قريش فهو آمن، فجعلت توصل به قطعا ليتسع فقال لها: لا تتجاوزي في خبائك فإني لا أمضي إلى من أحاط به الخباء، فأحفظها. فقالت: أما والله إني لأظن أنك تود أن لو زدت في توسعته فلما انهزمت قيس دخلوا خباءها مستجيرين بها فأجار لها حرب بن أمية وقال لها: يا عمة، من تمسك بأطناب خبائك أو دار حوله فهو آمن. فنادت بذلك فاستدارت قيس بخبائها حتى كثروا جدا فلم يبق أحد لا نجاة عنده إلا دار بخبائها. فقيل لذلك الموضع: مدار قيس، وكان يضرب به المثل، وكان زوجها مسعود بن معتب قد خرج معه يومئذ بنوه من سبيعة وهم عروة ولوحة ونويرة والأسود فكانوا يدورون وهم غلمان في قيس يأخذون بأيديهم إلى خباء أمهم ليجيروهم كما أمرتهم أمهم أن يفعلوا فخرج وهب بن معتب حتى وقف عليها. وقال لها: لا يبقى طنب من أطناب هذا البيت على ربطت به رجلا من بني كنانة فنادت بأعلى صوتها أن وهبا يحلف أن لا يبقى طنب من أطناب هذا البيت إلا ربط به رجلا من بني كنانة فالجد الجد، فلما هزمت لجأوا إلى خبائها فأجارهم حرب بن أمية. ست الوزراء لقب حفيدة العلامة وجيه الدين الحنبلي. ولدت سنة 624 هجرية. وتوفيت سنة 717 ه وهي محدثة مشهورة أخذت صحيح البخاري ومسند الإمام الشافعي عن أبي عبد الله الزبيدي وقرأت على أبيها بعض الحديث وكانت كما رواه صلاح الدين الصفدي محدثة عصرها واستقدمت إلى مصر فأخذ عنها الحديث الامير سيف الدين أرغون والقاضي كريم الدين، ودرست البخاري مرارا متوالية. وروى عنها كثير من مشاهير العلماء. ست الكرام بنت السيد سيف الدين عثمان الرفاعي أخت السيد علي مهذب الدولة والسيد عبد الرحيم ممهد الدولة والسيد عبد السلام أبناء عثمان -رضي الله عنهم- كانت وارثة محمدية ووليد علوية ذات أخلاق هاشمية وطباع مصطفوية، وأطوار فاطمية عدها خالها السيد الكبير سلطان الأولياء مولانا السيد أحمد الرافعي -رضي الله عنه- في طبقات ذكرها الإمام أحمد بن جلال- قدس -سره - في "جلاء الصدا". قال عند ذكرها: الست السعيدة الحميدة الشهيرة ذات السيرة الحميدة، والأوصاف السديدة، صاحبة الدرجات العاليات، والمقامات الثابتات، والمكاشفات الصادقة. ولية الله الملك القدير بنت السيد عثمان من أخت السيد أحمد الكبير بست الكرام. نور الله مضجعها وعطر بفضله مهجعها، كانت من أكثر الناس حياء وإيمانا وإيقانا ذات أسرار مخفية وأحوال مرضية تنفق على الفقراء كل ما تجد من الأموال قنعت من الدنيا بالدون وما وجد لها عن خدمة الله سكون، تنفق ما كان لها من الطعام وتبيت طاوية، وكانت بقاء الله تعالى وقدره راضية. كانت ذات شوق وحنين وحزن وأنين وأرق، ولباسها الصوف الخشن القصير. تطحن حتى يعلو غبار الدقيق على وجهها، وكان خالها يقربها ويدنيها منه وبغرائب الأمور والأسرار يسرها. كانت حافظة للعهود وبذلك كان يصفها ويعرفها لإخوتها ويقول: الحق يميل غليها ويرضى لرضاها ويقول لها: أي كرم وصل الله جناحك به كرمك. نقل أنها في صغرها كانت تصعد أمام خالها كل مرة فرأى ذلك أخوها السيد عبد السلام فنقم عليها فقال له: أما ترضون أم يكون منكم نساء لهن مقام الرجال كانت -قدس الله سرها- تقول علامة القبول والتوفيق المواظبة على الخيرات والمداومة عليها ما دام رمق من الحياة وإن أهل القبول جعلوا الصدق مطيتهم والتضرع إلى الله تعالى ديدنهم ووصلوا بهذه الصفات إلى واهب العطيات. قال الزبير: توفيت سنة 560 ه، ودفنت بمشهد أم عبيدة ببغداد رضي الله عنها. ست الملك بنت العزيز بالله ت الملك بنت العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله معد بن المنصور إسماعيل بن القائم بأمر الله محمد بن عبيد الله الفاطمي العلوي. كانت من أحسن نساء زمانها جمالا، وأوفرهن عقلا، وأثبتهن جنانا، وأعلاهن رايان وأشدهن حزما. شاركت أخاها الحاكم بأمر الله في الملك حتى إنه صار يقطع الامور عنم رأيها، وكلما خالفها في أمر تقوم عليه الرعية وينبذون طاعته، وهو يحسب ذلك من أخته ست الملك حتى إنه تغير عليها وأراد قتلها فصار يترقب الفرس وهي توجس منه خيفة إلى أن كثر ظلمه وزاد عسفه فكرهه الناس من سوء فعله ومن شدة كراهتهم له كانوا يكتبون إليه الرقاع فيها سبه وسب أسلافه والدعاء عليه حتى أنهم عملوا من قراطيس صورة امرأة وبيدها رقعة. فلما رآها ظن أنها تشتكي، فأمر بأخذ الرقة منها وفيها كل لعن وشتيمة قبيحة وذكر حرمه بما يكره فأمر بطلب المرأة فقيل له: إنا من قراطيس فأمر بإحراق مصر ونهبها، ففعلوا ذلك، وقاتل أهلها أشد قتال مدة يومين. وفي اليوم الثالث انضاف إليهم الأتراك والمشارقة فقويت شوكتهم وأرسلوا إلى الحاكم يسألونه الصفح ويعتذرون إليه فلم يقبل فعادوا إلى التهديد. فلما رأى قوتهم أمر بالكف عنهم وقد أحرق بعض مصر ونهب بعضها وتتبع المصريون من أخذ نساءهم وأولادهم فابتاعوهم منه، وقد فضحت نساؤهم فازداد غيظهم وحقنفم عليه فظن أن ذلك من أخته ست الملك لأنه بلغه أن الرجال يدخلون عليها، فأرسل يتهددها بالقتل، ولما رأت سوء تصرفه وأنه ربما يطيع هواه فيقتلها أرسلت على قائد كبير من قواد الحاكم يقال له ابن داوس-وكان يخاف الحاكم- فقالت له إني أريد أنألقاك، ثم حضرت عنده وقالت له أنت تعلم ما يعتقده أخي فيك وإنه متى تمكن منك لا يبقي عليك، وأنا كذلك وقد انضاف إلى هذا ما تظاهر به مما يكره المسلمون ولا يصبرون عليه، وأخاف أن يثوروا به، فيهلك هو ونحن معه، وتنقلع هذه الدولة فأجابها إلى ما تريد فقالت إنه يصعد إلى هذا الجبل غدا وليس معه غلام إلا الركاب وصبي وينفرد بنفسه فتقيم رجلين تثق بهما يقتلانه ويقتلان الصبي ونقيم ولده بعده وتكون أنت مدير الدولة وأزيد في إقطاعك مائة ألف دينار، ثم أعطته ألف دينار للرجلين، وانصرفت. فاختار اثنين من ثقاته وأخبرهما بالقصة فمضيا إلى الجبل. فلما انفرد الحاكم هجما عليه وقتلاه وأخفياه وكان عمره ستا وثلاثين سنة وسبعة أشهر, فملا أيقنت النسا بقتله اجتمعوا إلى أخته ست الملك فأجلست على كرسي الولاية علي بن الحاكم وهو صبي لم يناهز الحلم وبايع له الناس ولقب بالظاهر لإعزاز دين الله، وأنفذت الكتب إلى البلاد بأن البيعة له وفي الغد ضر ابن داوس بأمر من ست الملك ومعه قواده، فأمرت خادما لها أن يضربه بالسيف فقتله وهو ينادي يا لثأر الحاكم فلم يختلف فيه اثنان وقامت ست الملك تدبر الدولة مدة أربع سنوات وهي تعدل بين الرغبة وتنصف المظلومين حتى أحبها جميع الأهالي وتنموا أن مدتها تدوم وتوفيت سنة 415 هجرية وقد حزن عليها جميع أهل مصر وتمنوا بقاءها تدبر المملكة حتى يكبر ابن أخيها ولكن لله في حكمه إرادة. سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان التميمية كانت من النساء العاقلات الحكيمات ذوات الفصاحة والبلاغة وأصالة الرأي حتى إنها قادت أكابر قومها إلى رأيها وتحت طاعتها وركبت على العرب في عساكر جرارة، ولما أقبلت من الجزيرة قاصدة المدينة لمحاربة أبي بكر وادعت النبوة كانت هي ورهطها في أخوالها من تغلب أفناء ربيعة، وجاء معها الهذيل بن عمران من بين تغلب وكان نصرانيا فترك دينه وتبعها وعقبه بن هلال في النمر، وزياد بن بلال في أياد، والسليل بن قيس في شيبان فأتاهم أمر أعظم منا هم فيه لاختلافهم. وكانت سجاح تريد غزو أبي بكر فأرسلت إلى ملك بن نويرة تطلب الموادعة فأجابها، وردها عن غزوها، وحملها على أحياء من بين تميم فأجابته وقالت: أنما امرأة من بني يربوع فإن كان ملكا فهو لكم وهرب منها عطارد بن حاجب وساده من بني مالك وحنظلة إلى بني العنبر وكرهوا ما صنع وكيع، وكان قد أودعها وهرب منها أشباههم من بين يربوع وكرهوا ما صنع مالك بن نويرة واجتمع مالك ووكيع وسجاح فسجعت لهم سجاح وقالت: أعدوا الركاب، واستعدوا للنهاب، ثم أغيروا على الرباب، فليس دونهم حجاب. فساروا إليهم فلقيهم ضبة وعبد مناة فقتل بينهم قتلى كثيرة وأسر بعضهم من بعض ثم تصالحوا وقال قيس بن عاصم شعرا أظهر فيه ندمه على تخلفه عن أبي بكر بصدقته، ثم سارت سجاح في جنود الجزيرة حتى بلغت النباج، فأغار عليهم أوس ابن خزيمة الجهمي في بني عمرو فأسر الهذيل وعقبة، ثم اتفقوا على أن يطلق أسرى سجاح ولا يطأ أرض أوس ومن معه. ثم خرجت سجاح في الجنود وقصدت اليمامة وقالت: عليكم باليمامة وزقوا زفيف الحمامة فإنها غزوة صرامة، لا يلحقكم بعدها ملامة. فقصدت بني حنيفة فبلغ ذلك مسيلمة فخاف إن هو شغل بها تغلب ثمامة وشرحبيل بن حسنة والقبائل التي حولهم على هجر وهي اليمامة فأهدى لها، ثم أرسل إليها يستأمنها على نفسه حتى يأتيها فأمنته فجاءها في أربعين من بني حنيفة فقال مسيلمة: لنا نصف الأرض ولقريش نصفها لو عدلت، وقد رد الله عليك النصف الذي ردت قريش، وكان مما شرع لهم أن من أصاب ولدا واحدا ذكرا لا يأتي النساء حتى يموت ذلك الولد فيطلب الواحد حتى يصيب ابنا، ثم يمسك. وقيل: بل تحصن منها فقالت له: انزل، فقال لها: أبعدي أصحابك، ففعلت. وقد ضرب لها قبة وجمرها لتزكو بطيب الريح واجتمع بها. فقالت له: ما أوحى إليك ربك؟ فقال: ألم تري إلى ربك كيف فعل بالحبلى أخرج منها نسمة تسعى بين صفاق وحشا. قالت: أشهد أنك نبي! قال: هل لك أن أتزوجك وآكل بقومي وقومك العرب. فتزوجها بجوابها وأقامت عنده ثلاثا ثم انصرفت إلى قومها فقالوا لها: ما عندك؟ قالت كان على حق فتبعته وتزوجته قالوا: هل أصدقك شيئا؟ قالت: لا. قالوا: فارجعي فاطلبي الصداق فرجعت. فلما رآها أغلق باب الحصن، وقال: ما لك؟ قالت: أصدقني. قال: من مؤذنك؟ قالت: شبيب بن ربعي الرياحي فدعاه وقال له: ناد في أصحابك إن مسيلمة رسول الله قد وضع عنكم صلاتين مما جاءكم به محمد صلاة الفجر وصلاة العشاء الآخرة فانصرفت ومعها أصحابها منهم عطارد بن حاجب وعمرو بن الأيهم وغيلان بن خرشة وشبيب بن ربعي فقال عطارد بن حاجب: أمست نبيتنا أنثى نطوف بهـا وأصبحت أنبياء الناس ذكرانا وصالحها مسيلمة على غلات اليمامة سنة تأخذ النصف وتترك عنده من يأخذ النصف فأخذت النصف وانصرفت إلى الجزيرة وخلفت هذيلا وعقبة وزيادا لأخذ النصف الباقي فلم يفاجئهم إلا دنو خالد إليهم فارفضوا، فما زالت سجاح في تغلب حتى نقلهم معاوية عام المجاعة وجاءت معهم وحسن إسلامهم وإسلامها وانتقلت إلى البصرة وماتت بها، وصلى عليها سمرة بن جندب وهو على البصرة لمعاوية قبل قدوم عبيد الله بن زياد من خراسان وولايته البصرة. وقيل: إنها لما قتل مسيلمة سارت إلى أخوالها تغلب بالجزيرة فماتت عندهم ولم يسمع لها بذكر. سرى خانم شاعرة تركية مشهورة ولدت في ديار بكر سنة 1814 ميلادية و1230 هجرية أتت بغداد وزارت مدافن الأولياء ورجعت إلى ديار بكر ثم شخصت إلى الأستانة وتوفيت فيها. ولها أشعار شائقة ومنظومات رائقة جميعها باللغة التركية والفارسية أعراضنا عن إيراد شيء منها لأنه ليس من موضوع هذا الكتاب. سعدى معشوقة مالك بن عقيل العذري. كانت ذات فصاحة وأدب وجمال وكانت مع هذا الفتى على أعظم رتبة الحب من شدة تعلق كل منهما بصاحبه وكان في الحي رجل يحبها وهي لا تحبه فغار منهما فوشى به إلى أهلها فحجبوها عنه فتراسلا بالمحبة وبلغه، فأرسل زوجته عن لسانها إلى مالك بشتم وقطيعة، ولم يعرف أنها زوجة ذلك الرجل ولم تدر الزوجة تفصيل الأمر، وكان عند مالك أنفة، فخرج إلى مكة ناقضا للعهد. فلما بلغ زوجة الرجل وجه الحيلة وما أخفاه زوجها أخبرت سعدى بما تم فخرجت على وجهها إلى مكة حتى اجتمعت به. قال كعب بن مسعدة الغفاري: خرجت أنا ومالك نمشي في القمر إذا بنسوة تقول إحداهن: أي والله هو، ثم قربن منا. فقالت إحداهن: قل لصاحبك: ليست لياليك في حج بعـائدة كما عهدت ولا أيام ذي سلم فقلت قد سمعت فأجب قال قد انقطعت فأجب أنت فقلت ولم يحضرني غيره. فقلت لها يا عز كل مـصـيبة إذا وطنت يوما لها النفس ذلت وانصرفنا فما استقرينا إلا وجارية تقول: أجب المرأة التي كلمتك، فلما جئت إليها قالت: أنت المجيب. قلت: نعم، قالت: فما أقصر جوابك؟ قلت: لم يحضرني غيره. فقالت: لم يخلق الله أحب إلي من الذي معك. فقلت: علي أن أحضره إليك. فقالت: هيهات. فضمنته الليلة القابلة ورجعت فرأيته في منزلي فأخبرني بالقصة كالمكاشف فقلت له: قد ضمنت لها حضورك الليلة القابلة. فلما كان الوقت مضينا فإذا بالمجلس قد طيب وفرش فجلسا فتعاتبا، فأنشدته أبيات عبد الله بن الدمينة: وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني وأشملت بي من كان فيك يلوم وأبرزتني للناس ثم تركتـنـي لها غرضا أرمى وأنت سليم فلو كان قولا يكلم الجسم قد بدا بجسمي من قول الوشاة كلوم فأجابها: غدرت ولم أغدر وخنت ولم أخن وفي بعض هذا للحب عـزاء جزيتك ضعف الود ثم حرمتنـي فحبك في قلـبـي إلـي إذاء فالتفتت إلي وقالت: ألا تسمع؟ فغمزته فكف ثم أنشدت: تجاهلت وصلي حين لاحت عمايتي فهلا صرمت الحبل إذ أنا أبصر ولي من قوى الحبل الذي قد قطعته نصيب ولا أرى وعقل مـوقـر ولكنما آذنت بـالـصـرم بـغـتة ولست على مثل الذي جئت أقدر فأجابها: لقد كنت أنهى النفس عنك لعلها إذا وعدت بالنأي عنك تطيب ثم قبلها وأنشد: دمعي عليك من الجفون سكوب والقلب منك مروع مكروب لا شيء في الدنيا ألذ من الهوى إن لم يخن عهدا لحبيب حبيب فأجابته: خلوتم بأنواع السـرور وهـاكـم وأقربتموني للصبابة والـحـزن و عذبتموني بالـصـدود وإنـنـي لراض بما ترضونه لي من الغبن ولما أنشد (لقد كنت أنهى النفس) - البيت- قالت له: وكنت تفعل ما فيك خير بعدها وافترقا. فقالت لكعب: ما قلت لك إنك لا تفي بضمانك ولكن إذا كان السحر فاتني. قال كعب: فجئت فإذا بالصياح فسألت جارية عن الخبر فقالت: حين خرجتما جعلت في عنقها أنشوطة وخنقت نفسها، فلحقناها فخلصناها، فجلست ساعة تحادثنا وتفتكر فتقول: إنه لقاسي القلب، ثم شهقت فماتت وبلغ الشاب فلزم قبرها فجاءته في النوم فقالت: هلا كان هذا من قبل، فمات من وقته. سعدى الأسدية كانت مهذبة شاعرة فصيحة. علقها فتى من قومها فمنعه أبوه أن يتزوج إلا بأرفع منها وأبى الغلام إلا هي. فلما أيس أبوها زوجها من رجل آخر فاشتد وجد الغلام بها ولقيها يوما، فأنشد: لعمري يا سعدى لطال تأيمـي وبغضي شيخاي فيك كلاهما وتركي للحيين لم أبغ منهـمـا سواك ولم يربع هواي عليهما فأجابته سعدى تقول: حبيبي لا تعجل لتـفـهـم حـجـتـي كفاني ما بي من بلاء ومن جـهـد ومن عبرات تـعـتـرينـي وزفـرة تكاد لها نفسي تسيل مـن الـوجـد غلبت على نفسي جهارا ولـم أطـق خلافا على أهلي بـهـزل ولا جـد ولم يمنعوني أن أموت بـزعـمـهـم غدا خوف هذا العار في جدث وحدي فلا نفس أن تأتي هناك فتـلـتـمـس مكاني فتشكو ما تحملت من جـهـد فقد أوضحت له أنها هالكة من الغد بعشقه فلما كان الغد جاء فوجدها ميتة فاحتملها إلى شعب بذرى جبل -يقال له: عرفات - ملتزما لها فمات واختفى أمرهما حولا حتى مر شخص من العرب فسمع شخصا على الجبل يقول: إنا الكريمان ذوا التصافـي الذاهبان بالوفاء الصافـي والله ما لقيت في تطوافـي أبعد من غدر ومن إخلاف =من ميتين في ذرى أعراف فصعد الناس فوجدوهما على تلك الحالة فواروهما. سفانة ابنة حاتم الطائي كانت من أجود نساء العرب وأفصحهن مقالا وهي التي كانت سببا لنجاة قومها من الأسر من أيدي المسلمين أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أن عدي بن حاتم كان يعادي النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث عليا إلى طيء فهرب عدي بأهله وولده ولحق بالشام وخلف أخته سفانة فأسرتها خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما أتى بها النبي صلى الله عليه وسلم قالت: هلك الوالد وغاب الوافد فإن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي أحياء العرب فإن أبي كان سيد قومه يفك العاني ويقتل الجاني، ويحفظ، الجار، ويحمي الذمار، ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ويحمل الكل، ويعين على نوائب الدهر وما أتاه أحد في حاجة فرده خائبا أنا بنت حاتم الطائي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا جارية، هذه صفات المؤمنين حقا لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق). وقال فيها: (ارحموا عزيزا ذل وغنيا افتقر وعالما ضاع بين جهال) فأطلقها ومن عليها بقومها، فاستأذنته في الدعاء له فأذن لها، قال لأصحابه: (اسمعوا وعوا) فقالت: أصاب الله ببرك مواقعه ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلا وجعلك سببا في ردها عليه، فلما أطلقها رجعت إلى قومها فأتت أخاها عديا وهو بدومة الجندل فقالت له: يا أخي ائت هذا الرجل قبل أن تعلقك حبائله فإني قد رأيت هديا ورأيا سيغلب أهل الغلبة، رأيت خصالا تعجبني، رأيته يحب الفقير، ويفك الأسير، ويرحم الصغير، ويعرف قدر الكبير، وما رأيت أجود ولا أكرم منه وإني أرى أن تلحق به فإنه بك نبيا فللسابق فضله وإن بك ملكا فلن تزل في عز اليمن. فقد عدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم وأسلمت أخته سفانة وكانت على جانب عظيم من الكرم وكان أبوها يعطيها الضريبة من إبله فتهبها وتعطيها الناس فقال لها أبوها: يا بنية، الكريمان إذا اجتمعا في المال أتلفاه فإما أن أعطي وتمسكي وإما أن أمسك وتعطي فإنه لا يبقى على هذا شيء. فقالت له: منك تعلمت مكارم الأخلاق. سكينة ابنة الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه كانت سيدة نساء عصرها ومن أجمل النساء وأظرفهن وأحسنهن أخلاقا، تزوجها مصعب بن الزبير فهلك عنها، ثم تزوجها عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام فولدت له قريبا ومات عنها، ثم تزوجها الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان وفارقها قبلا لدخول، ثم تزوجها زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان فأمره سليمان ابن عبد الملك بطلاقها ففعل. وقيل: في ترتيب أزواجها غير ذلك والطرة السكينية منسوبة إليها. ولها نوادر وحكايات ظريفة مع الشعراء وغيرهم من ذلك أنها وقفت على عروة بن أذينة وكان من أعيان العلماء وكبار الصالحين وله أشعار رائقة فقالت له: أنت القائل: قالت وأبثثتها سـري وبـحـت بـه قد كنت عندي تحب الستر فاستتـر ألست تبصر من حولي فقلت لـهـا غطى هواك وما ألقي على بصري قال: نعم، قالت: لم يخرج هذا من قلب سليم وفي كتاب (الأغاني) كان اسم سكينة أميمة. وقيل: أمينة، ولقبتها أمها الرباب بسكينة وفيها وفي أمها يقول الحسين بن علي: لعمرك إنني لأحـب دارا تكون بها سكينة والرباب أحبهما وأبذل جل مـالـي وليس لعاتب عندي عتاب وكانت سكينة تحب الهزل واللهو والطرب وهي من الحذق على جانب عظيم. حكي أنها حضرت مأتما فيه بنت عثمان بن عفان فقالت بنت عثمان: أنا بنت الشهيد فسكتت سكينة حتى إذا أذن المؤذن وقال: أشهد أن محمدا رسولا لله، قالت لها سكينة: هذا أبي أم أبوك فقالت بنت عثمان: لا أفخر عليكم أبدا وكانت تجيء يوم الجمعة إلى المسجد فتقوم بإزاء ابن مطير فإذا شتم عليا شتمته هي وجواريها، فكان يأمر الحارث أن يضرب جواريها. وكانت سكينة عفيفة تجالس الأجلة من قريش وتجمع إليها الشعراء، وكانت ظريفة مزاحة، وكانت من أحسن الناس شعرا، وكانت تصفف جمتها تصفيها لم ير أحسن منه. وحكي أنها أرسلت مرة إلى صاحب الشرط، إن دخل علينا شامي فابعث إلينا بالشرط، فركب وأتى، وأمرت بفتح الباب وخرجت جارية من جواريها وبيدها برغوث وقالت: هذا الشامي الذي شكوناه، فلما رأى الشرطي ذلك حصل هل الخجل وذهب هو ورجاله يخجله، وكانت قد اتخذت أشعب الطماع مسامرا لها ليمازحها وكانت تدر عليه العطايا وتنشرح لأخباره المضحكة. وقيل: إنها خرجت لها سعلة في أسفل عينها حتى كبرت ثم أخذت وجهها وعظم ما بها وكان دراقيس الطبيب منقطعا إليها وفي خدمتها فقالت له: إلا ترى ما وقعت فيه؟ فقال: أتصبرين على ما يمسك من اللم حتى أعالجك؟ قالت: نعم، فأضجعها وشق جلد وجهها وسلخ اللحم من تحته حتى ظهرت العروق وكان منها شيء تحت الحدقة فرفع الحدقة عنها حتى جعلها ناحية ثم سل عروق السلعة من تحتها وأخرجها ورد العين إلى موضعها وسكينة مضجعة لا تتحرك ولا تئن حتى فرغ وبرئت بعد ذلك وبقي أثر تلك الحزازة في مؤخر عينها. وقيل: إنه اجتمع في ضيافة سكينة يوما جرير والفرزدق، وكثير عزة، وجميل صاحب بثينة، ونصيب فمكثوا أياما، ثم أذ1نت لهم فدخلوا فقعدت بحيث تراهم ولا يرونها وتسمع كلامهم، ثم خرجت جارية لها وضيئة قد روت الأشعار والأحاديث فقالت: أيكم الفرزدق؟ فقال لها: ها أنا ذا قالت: أنت القائل: هما دلتاني مـن ثـمـانـي قـامة كما انحط باز أقتم الريش كاسـرة فلما استوت رجلاي بالأرض قالتـا أحي نرجي أم قتـيل نـحـاذره فقلت ارفعوا الأمراس لا يشعروا بنا وأقبلت في أعجاز لـيل أبـادره قال: نعم، قالت: فما دعاك إلى إفشاء السر؟ خذ هذه الألف دينار والحق بأهلك، ثم دخلت على مولاتها وخرجت فقالت: أيكم جرير؟ قال: ها أنا ذا، فقالت: أنت القائل: طرقتك صائدة القلوب وليس ذا حين الزيارة فارجعي بسلام تجري السواك على أغر كأنه برد تحدر من متون غـمـام لو كان عهدك كالذي حدثتـنـا لوصلت ذاك وكان غير ذمام إني أواصل من أردت وصاله بحبال لا صلـف ولا لـوام قال: نعم، قالت: أولا أخذت بيدها وقلت لها ما يقال لمثلها؟ أنت عفيف وفيك ضعف خذ هذه الألف والحق بأهلك. ثم دخلت على مولاتها وخرجت وقالت: أيكم كثير؟ قال: أنا: قالت: أنت القائل: وأعجبني يا عز مـنـك خـلائق كرام إذا عد الخـلائق أربـع دنوك حتى يدفع الجاهل الصبـا ودفعك أسباب المنى حين يطمع وإنك لا تدرين صبا مطـلـتـه أيشتد إن لاقـاك أو يتـضـرع وإنك إن واصلت عملت بـالـذي لديك فلم يوجد لك الدهر مطمع قال: نعم، قالت: قد ملحت وشكلت خذ هذه الألف دينار واذهب لأهلك، ثم دخلت وخرجت وقالت: أيكم نصيب؟ قال: أنا، قالت: أنت القائل: ولولا أن يقال صبا نصـيب لقلت بنفسي النشأ الصغار بنفسي كل مهضوم حشاهـا إذا ظلمت فليس لها انتصار قال: نعم، قالت: ربيتنا صغارا ومدحتنا كبارا خذ هذه الألف دينا والحق بأهلك. ثم دخلت وخرجت فقالت لجميل: مولاتي تقرئك السلام وتقول لك: مازلت مشتاقة لرؤيتك منذ سمعت قولك: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بوادي القرى إني إذا لسعيد لكل حديث بينهن بـشـاشة وكل قتيل عندهن شـهـيد فجعلت حديثنا بشاشة وقتلانا شهداء خذ هذه الألف دينا والحق بأهلك. ورويت، وكان عمرو بن عثمان لما تزوج نحو هذه ظهرت بها حذاقتها وانتقادها على أفحل الشعراء، وكان عمرو بن عثمان لما تزوج بها عتب عليها يوما وخرج إلى مال له فقالت لأشعب: إن ابن عثمان خرج عاتبا علي فاعلم لي حاله. فقال لها: لا أستطيع أن أذهب الساعة فقالت: أنا أعطيك ثلاثين دينارا قال أشعب: فأتيته ليلا فدخلت الدار، فقال: انظروا من في الدار، فأتوه فقالوا: أشعب، فنزل عن فرشه إلى الأرض. فقال: أشيعب؟ قلت: نعم، قال: ما جاء بك؟ قلت: أرسلتني سكينة لأعلم خبرك أتذكرت منها ما تذكرت منك، وأنا أعلم أنك قد فعلت حين نزلت عن فرشك إلى الأرض. قال دعني من هذا وغنني: عوجا به فاستنطقاه فقـد ذكرني ما كنت لم أذكر قال: فغنيته، فلم يطرب ثم قال: ويحك غير هذا فإن أصبت ما في نفسي فلك حلتي هذه وقد اشتريتها آنفا بثلثمائة دينار فغنيته: علق القلب بعض ما قد شـجـاه من حبيب أمسى هوانـا هـواه ما ضراري نفسي بهجران من لي س مسـيئا ولا بـعـيدا نـواه واجتنابي بيت الحبيب وما الخـل د بأشهـى إلـي مـن أن أراه قال: ما عدوت ما في نفسي، خذا الحلة، قال: فأخذتها ورجعت إلى سكينة فقصيت عليها القصة فقالت: وأين الحلة؟ قلت: معي. فقالت: وأنت الآن تريد أن تلبسها؟ لا والله ولا كرامة، فقلت: قد أعطانيها فأي شيء تريدين مني؟ فقالت: أن أشتريها منك فبعتها إياها بثلثمائة دينار. وقال بعضهم: كان ابن سريج قد أصابته الريح الخبيثة وآلى يمينا أن لا يغني ونسك ولزم المسجد الحرام حتى عوفي، ثم خرج فأتى المدينة ونزل على بعض إخوانه من أهل النسك والقراءة فأقام في المدينة حولا ثم أراد الشخوص إلى مكة، وبلغ ذلك سكينة فاغتمت لذلك غما شديدا وضاق به ذرعها وكان أشعب يخدمها، وكانت تأنس بمضاحكته ونوادره. فقات لأشعب: ويلك إن ابن سريج شاخص وقد دخل المدينة منذ حول ولم أسمع من غنائه قليلا ولا كثيرا ويعز علي ذلك فكيف الحيلة في الاستماع منه ولو صوتا واحدا؟ فقال لها أشعب: جعلت فداك وأنى لك بذلك، والرجل اليوم زاهد ولا حيلة فيه فارفعي طمعك وامسحي بوزك تنفعك حلاوة فمك، فأمرت بعض جواريها فوطئن بطنه حتى كادت أن تخرج أمعاؤه وخنقته حتى كادت نفسه أن تتلف ثم أمرت به فسحب على وجهه حتى أخرج من الدار إخراجا عنيفا، فخرج على أسوأ الحالات واغتم أشعب غما شديدا، وندم على ممازحتها في وقت لا ينبغي له ذلك، فأتى منزل ابن سريج ليلا فرقه. فقيل: من هذا؟ فقال: أشعب، ففتحوا له، فرأى على وجهه ولحيته التراب والدم سائلا من أنفه وجبهته على لحيته وثيابه ممزقة وبطنه وصدره وحلقه قد عصرها الدوس والخنق، ومات الدم فيها، فنظر ابن سريج إلى منظر فظيع هاله وراعه فقال له: ما هذا، ويحك؟ فقص القصة عليه. فقال ابن سريج: إنا لله وإنا إليه راجعون ماذا نزل بك والحمد لله الذي سلم نفسك لا تعودن إلى هذه أبدا. قال أشعب: فديتك هي مولاتي ولابد لي منها، ولكن هل لك حيلة في أن تسير إليها وتغنيها فيكون ذلك سببا لرضاها عني؟ قال ابن سريج: كلا والله لا يكون ذلك أبدا بعد أن تركته. قال أشعب: قد قطعت أملي ورفعت رزقي وتركتني حيران بالمدينة لا يقبلني أحد، وهي ساخطة علي، فالله الله في وأنا أنشدك الله ألا تحملت هذا الإثم في. فأبى عليه. فلما رأى أشعب أن عزم ابن سريج قد تم على الامتناع قال في نفسه: لا حيلة لي وهذا خارج وإن خرج هلكت، فصرخ صرخة، فتحت آذان أهل المدينة لها ونبه الجيران من رقادهم وأقام النسا من فرشهم، ثم سكت فلم يدر الناس ما القصة عند خفوت الصوت بعد أن راعهم. فقال له ابن سريج: ويلط ما هذا؟ قال: لئن لم تسر معي إليه الأصرخن صرخة أخرى لا يبقى أحد بالمدينة إلا صار بالباب، ثم لأفتحنه ولرينهم ما بي ولأعلمنهم انك أردت أن تفعل كذا وكذا بفلان - يعني غلاما كان ابن سريج مشهورا به - فمنعتك وخلصت الغلام من يدك حتى فتح الباب ومضى ففعلت بي هذا غيظا وتأسفا وأنك إنما أظهرت النسك والقراءة لتظفر بحاجتك منه وكان أهل مكة والمدينة يعلمون حاله معه فقال ابن سريج: أعزب - أخزاك الله. قال أشعب: والله الذي لا إله إلا هو وإلا فما أملك صدقة وامرأتي طالق ثلاثا، وهو يخير في مقام إبراهيم والكعبة وبيت النار والقبر قبر أبي رغال إن أنت لم تنهض معي في ليلتي هذه لأفعلن ما قلت لك. فما أرى ابن سريج الجد منه قال لصاحبه: ويحك، أما ترى ما وقعنا فيه! وكان صاحبه الذي نزل عنده ناسكا. فقال: لا أدري ما أقول فيما نزل بنا من هذا الخبيث؟ وتذمم ابن سريج من الرجل صاحب المنزل فقال لأشعب: اخرج من منزل الرجل. فقال: رجلي على رجلك فخرجا. فلما صار في بعض الطريق قال ابن سريج لأشعب: امض عني. قال: والله لئن لم تفعل ما قلت لأصيحن الساعة حتى يجتمع الناس ولأقولن إنك أخذت مني سوارا من ذهب لسكينة على أن تجيئها لتغنيها سرا وإنك كابرتني عليه وجحدتني وفعلت بي هذا الفعل، فوقع ابن سريج فيما لا حيلة له فيه فقال: امض لا بارك الله فيك، فمضى معه، فلما صار إلى باب سكينة قرع الباب فقيل: من هذا؟ فقال: أشعب قد جاء بابن سريج ففتح الباب لهما ودخل إلى حجرة خارجة عن دار سكينة فجلسا ساعة، ثم أذن لهما فدخلا إلى سكينة فقالت: يا عبيد، ما هذا الجفاء، قال: قد علمت بأبي أنت ما كان مني قالت: أجل، فتحدثا ساعة وقص عليها ما صنع به أشعب فضحكت وقالت: لقد أذهب ما كان في قلبي عليه وأمرت لأشعب بعشرين دينارا وكسوة، ثم قال لها ابن سريج: أتأذنين بأبي أنت؟ قالت: وأين، قال: إلى المنزل. قالت: برئت من جدي إن برحت من داري ثلاثا، وبرئت من جدي إن أنت لم تغن إن خرجت من داري شهرا، وبرئت من جدي إن أقمت في داري شهرا إن لم أضربك لكل يوم تقيم فيه عشرا، وبرئت من جدي إن حنثت في يميني أو شفعت فيك أحدا. فقال عبيد: واسخنة عيناه، واذهاب ديناه وافضيحتاه، ثم اندفع يغني: أسعتين الذي بكفيه نفـعـي ورجائي على التي قتلتنـي ولقد كنت قد عرفت وأبصر ت أمورا لو أنها نفعتنـي قلت إن أهوى شفا ما ألاقي في خطوب تتابعت فدحتني فقال سكينة: فهل عندك يا عبيد من صبر، ثم أخرجت دملجا من ذهب كان في عضدها وزنه أربعون مثقالا فرت به إليه ثم قالت: أقسمت عليك إلا ما أدخلته في يدك ففعل ذلك ثم قالت لأشعب: اذهب إلى عزة الميلاء فأقرئها مني السلام وأعلمها أن عبيدا عندنا فلتأتنا متفضلة بالزيارة، فأتاها أشعب فأعلمها فأسرعت المجيء فتحدثوا باقي ليلتهم، ثم أمرت عبيدا وأشعب فخرجا فناما في حجرة مواليها، فلما أصبحت هيئ لهم غداؤهم وأذنت لابن سريج فدخل فتغدى قريبا منها مع أشعب ومواليها وقعدت هي مع عزة وخاصة جواريها فلما فرغوا من الغداء قالت: يا عزان رأيت أن تغنينا فافعلي فقالت: أي وعيشك فتغنت لحنها في شعر عنترة العبسي: حيي من طلل تقادم عـهـده أقوى وأقفر بعد أم الهيثـم إن كنت أزمعت الفراق فإنما زمت ركابكم بليل مظلـم فقال ابن سريج: أحسنت والله يا عزة وأخرجت سكينة الدملج الآخر من يدها فرمته لها وقالت: صيري هذا في يدك ففعلت. ثم قالت لعبيد: هات غننا. فقال: حسبك ما سمعت البارجة. فقالت: لابد أن تغنينا في كل يوم لحنا، فلما رأى ابن سريج أنه لا يقدر على الامتناع مما تسأله غنى: قالت من أنت ذكر فقلت لـهـا أنا الذي ساقه للحين مـقـدار قدحان منك فلا تبعد بك الـدار بين وفي البين للمبتول إضرار ثم قالت لعزة في اليوم الثاني غني فغنت لحنها في شعر الحارث بن خالد: وقرت بها عيني وقد كنت قبلهـا كثير البكاء مشفقا من صدودها وبشرة خود مثل تمـثـال بـيعة تظل النصارى حوله يوم عيدها قال ابن سريج: والله ما سمعت مثل هذا قط حسنا ولا طيبا ثم قالت لابن سريج: هات، فاندفع يغني: أرقت فلم أنم طـربـا وربت مسهدا نصبـا لطيف أحب خلق اللـه إنسانا وإن غضـبـا فلم أردد مقالـتـهـا ولم أك عاتبا عتـبـا ولكن صرمت حبلـي فأمسى الحبل منقضبا فقالت سكينة: قد علمت ما أردت بهذا وقد شفعناك ولم نردك وإنما كانت يميني على ثلاثة أيام فاذهب في حفظ الله وكلاءته، ثم قالت لعزة: إن شئت أقمت أو انصرفت ودعت لها بحلة، ولابن سريج بمثلها، وانصرفت وأقام عبيد حتى انقضت ليلته وانصرف فمضى من وجهه إلى مكة راجعا. واجتمع يوما نسوة عند سكينة بنت الحسين - عليهما السلام- وهن بالمدينة فذكرن عمر بن أبي ربيعة وشعره وظرفه وحسن مجلسه وحديثه وتشوقن إليه وتمنينه فقالت سكينة: أتا آتي لكن به فبعثت إليه رسولا وهو يومئذ بمكة ووعدته أن يأتيها في الصورين في ليلة سمتها له فوافاها على رواحله ومعه الغريض فحدثهن حتى وافى الفجر وحان انصرافهن فقال لهن: إني والله مشتاق إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم والصلاة في مسجده ولكن لا أخلط بزيارتكن شيئا، ثم انصرف إلى مكة وقال: ألمم بزينب إن الـبـين قـد أفـدا قل الثواء لئن كان الرحيل غـدا قد خلفت ليلة الصورين جـاهـدة وما على الحر إلا الصبر مجتهدا لعمرك ما أراني إن نوى برحـت وهكذا الحب إلا ميتـا كـمـدا قال: وانصرف عمر والغريض معه فلما كان بمكة قال عمر: يا غريض، إني أريد أن أخبرك بشيء يتعجل لك نفعه لك ذكره، فهل لك فيه؟ قال: افعل من ذلك ما شئت، وما أنت أهله. قال: إني قد قلت في هذه الليلة التي كنا فيها شعرا فامض به إلى النسوة فأنشدهن ذلك وأخبرهن أني وجهت بك فيه قاصدا. قال: نعم، فحمل الغريض الشعر ورجع إلى المدينة فقصد سكينة وقال لها: جعلت فداك يا سيدتي ومولاتي إن أبا خطاب - أبقاه الله - وجهني إليك قاصدا قالت: أوليس في خير وسور تركته. قال: نعم، قالت: وفيم وجهك أبو الخطاب - حفظه الله - ؟ قال: جعلت فداك إن ابن أبي ربيعة حملني شعرا وأمرني أن أنشدك إياه. قالت: فهاته فأنشدها الشعر بتمامه قالت: فيا ويحه فما كان عليه أن لا يرجل في عدة فوجهت إلى النسوة فجمعتهن وأنشدتهن الشعر وقالت للغريض: هل عملت فيه شيئا. قال: قد غنيته ابن أبي ربيعة قالت: فهاته فغناه الغريض فقالت سكينة: أحسنت والله وأحسن ابن أبي ربيعة لولا أنك سبقت فغنيته عمر قبلنا لأحسنا جائزتك يا بنانة أعطه بكل بيت ألف درهم فأخرجت إليه بنانة أربعة آلاف فدفعتها إليه. وقالت له سكينة: لو زادنا عمر لزدتك، وكانت وفاة السيدة سكينة بمكة في ربيع الأول سنة 126 هجري. وقيل: سنة 117 هجري بالمدينة وهو الأرجح. سلمى الملقبة ب"قرة العين" كانت فتية بارعة الجمال، متوقدة الجنان، فاضلة عالمة. أبوها أحد المجتهدين في العجم، وكانت متزوجة بمجتهد آخر طلقت نفسها من زوجها على خلاف حكم شريعة الإسلام وأمت بالسيد علي محمد تلميذ الشيخ أحمد زين الدين الأحسائي الذي مزج التصوف والفلسفة بالشريعة، وتسمى السيد علي - المذكور - بالبابي وطريقته تسمت به وكانت فرة العين تكاتبه ويكاتبها فكان يخاطبها في مكاتباته ب(قرة العين) فلقبت بذلك وكانت تناظر العلماء والفضلاء مكشوفة الوجه بدون حجاب. ثم لما وقعت المحاربة بين البابين وعساكر الدولة في مازندران جيشت جيشا وقادته مكشوفة الوجه وسارت أمامه إعانتهم، وفي أثناء الطريق قامت في الناس خطيبة وقالت: "أين أحكام الشريعة الأولى - أعني المحمدية - قد نسخت وإن أحكام الشريعة الثانية لم تصل إليها فنحن الآن في زمن لا تكليف فيه بشيء". فوقع الهرج والمرج، وفعل كل من الناس ما كان يشتهيه من القبائح، ثم قبض عليها ولبست البرقع جبرا، وحكم عليها بأن تحرق حية، ولكن الجلاد خنقها قبل أن تشتعل النار بالحطب الذي أعد لإحراقها. سلمى امرأة عروة بن الورد هي امرأة من بني كنانة، وتكنى أم وهب، وكان عروة بن الورد قد أغار عليهم فأصابها منهم وكانت بكرا فأعتقها واتخذها لنفسه، فمكثت عنده بضعة عشرة سنة، وولدت له ولدا وهو لا يشك في أنها أرغب الناس فيه وهي تقول له: لو حججت بي أمر على أهلي وأراهم، فحج بها فأتى إلى مكة ثم أتى إلى المدينة وكان يخالط من أهل يثرب بني النضير وكان قومها يخالطون بني النصير فأتوهم وهو عندهم فقالت لهم سلمى: إنه خارج بي قبل أن يخرج الشهر الحرام فتعالوا إليه وأخبروه أنكم لا تحبون أن تكون امرأة منكم معروفة النسب مسبية، وافتدوني منه فإنه لا يرى أني أفارقه ولا أختار عليه أحد. فأتوه فسقوه الشراب، فلما ثمل قالوا له: فادنا بصاحبتنا فإنها وسيطة النسب فينا معروفة وإنه عار علينا أن تكون مسبية فإذا صارت إلينا وأردت معاودتها فاخطبها إلينا فإننا ننكحك. فقال لهم: ذلك لكم، ولكن لي الشرط فيها أن تخيروها فإن اختارتني انطلقت معي إلى ولدها، وإن اختارتكم انطلقتم بها قالوا: ذلك لك. قال: دعوني ألهو بها الليلة وأفاديها غدا. فلما كان الغد جاءوه فامتنع من فدائها. فقالوا له: قد فاديتنا بها منذ البارحة وشهد عليه بذلك جماعة ممن حضر فلم يقدر على الامتناع وفاداها. فلما فادوه بها خيروها فاختارت قومها، ثم أقبلت عليه فقالت: يا عروة، إما إني أقول فيك وإن فارقتك الحق والله ما أعلم امرأة من العرب ألقت سترها على بعل خير منك وأغض طرفا وأقل فحشا، وأجود يدا وأحمى لحقيقة، والله إنك ما علمت لضحوك وقور، كسوب مدبر، خفيف على متن الفراش، ثقيل على ظهر العدو، طويل العماد، كثير الرماد، راضي الأهل والأجانب، وما مر علي يوم منذ كنت عندك إلا والموت فيه أحب إلي من الحياة بين قومك لأني لم أكن أشأ أن أسمع امرأة من قومك تقول: قالت أمة عروة كذا وكذا إلا سمعته، ووالله لا أنظر في وجه غطفانية أبدا فأرجع راشدا إلى ولدك وأحسن إليهم. ثم فارقته، فقال عروة في ذلك: أرقت وصحبتي بمضيق عيق لبرق من تهامة مستطـير سقى سلمى وأين ديار سلمى إذا كانت مجاورة السـدير إذا حلت بأرض بني عـلـي وأهلي بين زامرة وكـير ذكرت منازلا من أم وهـب محل الحي أسفل من نقير وأحدث معهدا من أم وهـب معرسنا بدار بني النضـير وقالوا ما تشاء فقلت ألـهـو إلى الصباح أثرة ذي أثـير بآنسة الحديث رضاب فيهـا بعيد النوم كالعنب العصير فتزوجها رجل من بني عمها فقال لها يوما من الأيام: يا سلمى، اثني علي كما أثنيت على عروة وكان قولها فيه اشتهر فقالت له: لا تكلفني ذلك. فإن قلت الحق أغضبتك وإلا واللات والعزى لا أكذب فقال: عزمت عليك لتأتين في مجلس قومي فلتثنين علي بما تعلمين. وخرج فجلس في ندي القوم وأقبلت فرماها القوم بأبصارهم فوقفت عليهم وقالت: انعموا صباحا إن هذا عزم علي أن أثني عليه بما أعلم، ثم أقبلت عليه فقالت: والله إن شملتك لالتحاف، وإن شربك لاشتفاف، وإنك لتنام ليلة تخاف، وتشبع ليلة تضاف، وما ترضي الأهل ولا الجار، ثم انصرفت عنه فلامه قومه وقالوا: ما كان أغناك عن هذا القول منها. سلامة القس هي جارية كانت لسهل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري فاشتراها يزيد بن عبد الملك بثلاثة آلاف دينار فأعجب بها وغلبت على أمره. وسبب ما قيل لها: سلامة القس أن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمارة أحد بني جشم بن معاوية بن بكر كان فقيها عابدا مجتهدا في العبادة، وكان يسمى القس لعبادته، مر يوما بمنزل مولاها فسمع غناءها فوقف يسمعه فرآه مولاها، فقال له: هل لك أن تنظر وتسمع؟ فأبى، فقال له: أنا أقعدك بمكان لا تراها وتسمع غناءها، فدخل معه فغنته فأعجبه غناؤها، ثم أخرجها مولاها إليه فشغف بها وأحبها هي أيضا، وكان شابا جميلا وكثر تردده على منزل مولاها. فقالت له يوما على خلوة أنا والله أحبك قال: وأنا والله أحبك. قالت: أحب أن أقبلك قال وأنا والله كذلك. قالت: أحب أن أضع بطني على بطن. قال: وأنا والله. قالت: فما يمنعك؟ قال: قوله تعالى: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) (الزخرف: 67) وأنا أكره أن تؤل خلتنا إلى عداوة، ثم قام وانصرف عنها وعاد إلى عبادته وله فيها أشعار منها: ألم ترها لا يبـعـد الـلـه دارهـا إذا طربت في صوتها كيف تصنع تمد نـظـام الـقـول ثـم تـرده إلى صلصل من صوتها يترجـع وله فيها:ألا قل لهذا القلب هل أنت مبصر=وهل أنت يوما عن سلامة مقصر ألا ليت أني حيث سارت بها النوى جليس لسلمى كلما عج مزهـر إذا أخذت في الصوت كاد جليسها يطير إليها قلبه حـين ينـظـر فلذلك قيل لها سلامة القس. وكانت أخذت الغناء عن معبد وتعلمت منه جملة أصوات وكان يريدها ويقدمها على غيرها من مولدات المدينة، ولذلك لما مات عظم موته عندها فجاءت في مشهده، وصارت تفرق الناس حتى قربت من النعش وقد أضرب الناس عنه ينظرون إليها وقد أخذت بعمود السرير وهي تبكي وتقول: قد لعمري بت لـيلـى كأخي الداء الوجـيع ونجي الـهـم مـنـي بات أدنى من ضجيعي كلـمـا أبـصـرت ربـعـــا خالـيا فـاضـت دمـوعــي قد خـلا مــن ســـيد كـــا ن لـنـا غـير مــضـــيع لا تلمنا إن خشينا أو هممنا بخشوع وكان يزيد أمر معبدا أن يعلمها هذا الصوت فعلمها إياه فندبته به يومئذ وكانت لها مناظرات ومحاورات ومجالس أنس مع حبابة، ويزيد لم يسبق لأمثالهم من الخلفاء والملوك ولم يصل أحد إلى ما وصلوا إليه. سميراميس ملكة أشور كانت أجمل أقرانها وأشجع أهل زمانها. وليت العرش بعد زوجها فينوس فكان من همها تحسين مدينة بابل، فشادت بها الهياكل العظيمة، وأنشأت القصور المزخرفة، وغرست الرياض والبساتين، واحتفرت الترع والخلجان، ومدت عليها المعابر والقناطر، وبنت في ساحة المدينة هيكل بور إله الأشوريين، وأقامت فيه تمثالا ذهبيا طوله 40 قدما، وكان هذا الهيكل أعظم بناء قام به البشر بلغ ارتفاعه 660 قدما أعلى من الهرم المصري الأكبر، قال عنه هيرودوتوس المؤرخ: إنه مربع الشكل مساحته 400 ذراع في وسطه برج يرتفع نحو 600 قدم ويعلوه سبعة أبراج علو كل منها 75 قدما، وفي البرج الخير مسجد فيه تمثال من ذهب وبقربه مائدة ومنصة ذهبيتان ثمنهما نحو 255 مليونا، وفي فناء هذا المسجد مذبحان أحدهما ذهبي يوقد عليه في كل عيد 3000 أقة بخور. وبالجملة فإن هذه الملكة هي التي أحيت لبابل رونقها المذكور، وبهاءها المأثور، وهي التي أولتها تلك العظمة والشهرة بيد أنها لم تكتف بما اكسبها سعيها هذا من الفخر، بل جمحت نفسها إلى الغارة فأثارتها شعواء على مصر، فالحبشة، ففلسطين، فالهند، فانتصرت في جميع غزواتها إلا الهند فإن أفيالها قد ألقت الرعب في قلوب العسكر ولم تطل حياتها. ولما بلغها خبر أفيل ملك الهند ارتابت وخافت من انتصار الهنود عليها وإذ لم يكن عندها قوة تضاهيها اجتهدت أن تدفع عنها هذه البلية بطريقة احتيالية فأمرت قواد العسكر بذبح ثلاثة آلاف بقرة من ذوات اللون الأسمر، وأن يسلخوها ويفصلوا جلودها على هيئة الأفيال، ويلبسوها للجمال، فامتثلوا ما أمرت وفعلوا ما ذكرت وعلى هذه الصورة أنزلتها إلى ميدان الحرب لتلقي الرعب في قلوب الأعداء بإظهارها لهم استعداداتها الحربية، وشوكتها القوية. فلما انتشب القتال بين الفريقين انعطف ملك الهند الحقيقية على عساكر الأشوريين، وتقدمت الملكة سميراميس بجمالها وفرسانها وجلود ثيرانها، ولما اقترن العسكران والتقى الجيشان انكشفت للهنود تلك الحيلة وتحقق عندهم انه لا يوجد عند العداء أفيال كافيا لهم، وإن ما يرى إنما هي حيلة وخداع فتشجعوا وهجموا على صفوف الأشوريين هجمة هائلة فالتقتهم الملكة سميراميس برجالها وأبطالها فاشتد القتال وعظمت الأهوال، ودخلت أفيال الهنود بين صفوف الأشوريين فكانت تخطف الرجال عن خيولها وتدوسها، فما لبثت الجمال المصطنعة أن ولت الأدبار وطلبت النجاة والفرار، ولم تكن إلا برهة يسيرة حتى انكسر جيش الأشوريين وانتصرت الهنود انتصارا عظيما وكسبت غنائم جسيمة. وكانت الملكة سميراميس قد انجرحت جرحا بليغا، ولكنها فازت بالهزيمة بسبب خفة فرسها ورجعت إلى بلادها مدحورة صاغرة. ومن ذلك الحين زهدت في متاع الدنيا ومالت إلى الخمول فقتلها بعد يسير ابنها تيناس وذلك سنة 2000 قبل الميلاد فأنزلها الأشوريين منزلة الإله، وأقاموا لها صورا منقوشة بهيئة حمامة زعما منهم أنها نقلت عقب موتها بجسم حمامة وهي في كل حال فخر نساء العصر القديم ونور مشكاته. سمية أم عمار بن ياسر هي سمية بنت خباط كانت أمة لأبي حذيفة بن المغيرة المخزومي وكان ياسر حليفا لأبي حذيفة فزوجه سمية فولدت له عمار، فأعتقه أبو حذيفة. وكانت من السابقين إلى الإسلام. قيل: كانت سابع سبعة في الإسلام وكانت ممن يعذب في الله - عز وجل - أشد العذاب. قال احد رجال آل عمار بن ياسر عن سمية أم عمار عذبها هذا الحي من بني المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم على الإسلام وهي تأبى غيره حتى قتلوها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بعمار وأمه وأبيه وهم يعذبون بالأبطح في رمضاء مكة فيقول: "صبرا آل ياسر موعدكم الجنة". وروي أن أبا جهل ضربها في قلبها بحربة في يده فقتلها فهي أول شهيد في الإسلام. قال مجاهد: أول من اظهر الإسلام بمكة سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وبلال، وضباب، وصهيب، وعمار وسمية. فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر فمنعهما قومهما وأما الآخرون فألبسوا أدراع الحديد، ثم صهروا في الشمس وجاء أبو جهل إلى سمية فطعنها بحربة فقتلها. سودة بنت زمعة ابن قيس بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي القرشية العامرية، وأمها الشموس بنت يس بن زيد بن عمرو بن لبيد بن خراش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصارية. وسودة هي زوجة النبي صلى الله عليه وسلم. تزوجها صلى الله عليه وسلم بمكة بعد وفاة خديجة قبل عائشة، وكانت قبله تحت ابن عمها السكران بن عمرو أخي سهيل بن عمرو من بني عامر بن لؤي، وكان مسلما فتوفي عنها فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تصب منه ولدا إلى أن مات. وعن ابن عباس قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة ففعل فنزلت: (فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير) (النساء: 128) فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز. وروي عن سودة بنت زمعة قالت: جاء رجل إلى رسولا لله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع أن يحج. قال: (أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه فبل منك) قال: نعم، قال: (فالله أرحم حج عن أبيك). وتوفيت سودة آخر خلافة عمر. سودة ابنة عمار بن الأشتر الهمدانية كانت أديبة عاقلة شاعرة وفدت على معاوية بن أبي سفيان، فاستأذنت عليه، فأذن لها فلما دخلت عليه سلمت فقال لها: كيف أنت يا بنت الأشتر قالت: بخير يا أمير المؤمنين، قال لها: أنت القائلة لأخيك: شمر كفعل أبيك يا ابن عمارة يوم الطعان وملتقى الأقران وانصر عليا والحسين ورهطه واقصد لهند وابنها بهـوان إن الإمام أخ النبي محـمـد علم الهدى ومنارة الإيمـان فقد الجيوش وسر أمام لـوائه قدما بأبيض صارم وسنـان فقالت: يا أمير المؤمنين، مات الرأس وبتر الذنب فدع عنك تذكار ما قد نسي قال: هيهات ليس مثل مقام أخيك ينسى قالت: صدقت والله يا أمير المؤمنين ما كان أخي خفي المقام ذليل المكان ولكن كما قالت الخنساء: وإن صخرا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار وبالله أسأل أميرا لمؤمنين إعفائي مما استعفيته قال: قد فعلت. فقولي حاجتك قالت: إنك للناس سيد ولأمورهم مقلد، واله سائلك عما افترض عليك من حقنا ولا تزال تقدم علينا من ينهض بعزك ويبسط بسلطانك فيحصدنا حصاد السنبل، ويسومنا الخسف ويسألنا الجليلة هذا ابن أرطاة قدم بلادي وقتل رجالي وأخذ مالي ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة فإما عزلته فشكرناك وغما فعرفناك فقال معاوية: إياي تهددين بقومك والله لقد هممت أن أردك إليه على قتب أشرس فينفذ حكمه فيك فسكتت، ثم قالت: صلى الإله على روح تضمنه قبر فأصبح فيه العدل مدفونا قد حالف الحق لا يبغي به ثمنا فصار بالحق والإيمان مقرونا قال: ومن ذلك قالت: علي بن أبي طالب - رحمه الله تعالى - قال: ما أرى عليك منه أثر قالت: بلى أتيته يوما في رجل ولاه صدقاتنا فكان بيننا وبينه ما بين الغث والسمين فوجدته قائما يصلي فانفتل من الصلاة، ثم قال برأفة وتعطف: ألك حاجة؟ فأخبرته خبرا لرجل، فبكى ثم رفع يده إلى السماء فقال: اللهم إني لم آمرهم بظلم خلقك ولا ترك حقك، ثم أخرج من جيبه قطعة جلد من جراب فكتب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم: (قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا النسا أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين) (الأعراف: 85)،(وما أنا عليكم بحفيظ)(الأنعام: 104)، إذا أتاك كتابي فاحتفظ بما في يديك حتى ياتي من يقبضه منك والسلام فعزله، فقال معاوية: اكتبوا لا بالإنصاف لها والعدل عليها فقالت: لي خاصة أم لقومي عامة؟ قال وما أنت وغيرك قالت: هي والله الفحشاء واللؤم إن كان عدلا شاملا وإلا يسعني ما يسع قومي قال لها: جرأكم ابن أبي طالب وغركم قالوه: فلو كنت بوابا على باب جنة لقلت لهمدان ادخلي بسلام وقوله: ناديت همدان والأبواب مغلـقة ومثل همدان سني فتحة الباب كالهند وإن لم يلفل مضـاربـه وجه جميل وقلب غير وجاب اكتبوا لها بحاجتها فكتبوا لها وانصرفت. |
||||
|
| الأوسمة والجوائز لـ » المحارب |
| بينات الاتصال لـ » المحارب |
| اخر مواضيع » المحارب |
| إحصائية مشاركات » المحارب | |
| عدد المواضيـع : | 456 |
| عدد الـــــــردود : | 658 |
| المجمــــــــــوع : | 1,114 |
|
|
رقم المشاركة : ( 9 ) | ||||
|
نائب المدير العام للأنساب والمشجرات
|
سوسن زوجة بواكيم ملكة بني إسرائيل
من سبط يهوذا وقد ذكرت هذه القصة في التوراة بما في سفر دانيال - عليه السلام- إنه لما كان فيا لسنة الثالثة من ملك بواكيم قد بختنصر ملك بابل إلى أورشليم وسلمها الله سبحانه وتعالى. ثم نزل في بيت المقدس، ولما استقرت آراؤهم على الشريعة الناموسية الموسورية حكم شخصين قاضيين عرفا بالعبادة والزهد في بني إسرائي، فكانا يحكمان في الشعب ويأويان إلى بيت بواكيم الملك وكانت سوسن في أرفع رتبة من الجمال والحسن وبهجة المنظر والصلاح لأن والديها كان صديقين في بني إسرائيل. وكانت في كل يوم تنزل إلى بستانها للنزهة، فرآها القاضيان فوقعت منهما، فاشتغلا بها عن النظر في الحكومات وكتم كل عن الآخر حتى إذا كان منتصف النهار من يوم شديد الحر قال كل منهما لصاحبه: قد اشتد الحر فليذهب كل منا فيستريح وخرجا مضمري العود رجاء الظفر بالجارية. فلما التقيا فحص كل عن عود الآخر فأظهرا ما عندهما من حبها واتفقا عليها، وإنها دخلت مع جاريتين البستان فعزمت على الحموم وقد استخفيا، فأرسلت الجاريتين لتأتياها بما يلزم لها فظهر القاضيان وأغلقا الأبواب وقالا لها: لئن لم تجيبينا وإلا قلنا: إنا وجدنا معك شابا. ومن أجل ذلك أرسلت الجاريتين وأنت تعلمين مكانتنا من بين إسرائيل قالت سوسن: والله لا أغضب ربي أبدا وصرخت فصرخ القاضيان ومضى أحدهما، ففتح الباب، وجاء العبيد فأخبراهم بالقصة فبقوا مبهوتين لأنهم لا يعلمون عليها سوءا. ثم أتى بواكيم فأعلموه بالأمر وأنهما لم يقدرا على مسك الشاب فجمع الشعب وتقدم الشيخان فكشفا عن سوسن وقالا: نشهد على هذه أنها دخلت البستان ومعها جاريتان فأرسلتهما وأغلقت الأبواب، فجاء حدث من وراء شجرة، فضاجعها، فحين رأينا المعصية صحنا فانفلت الشاب فبكت سوسن ورفعت طرفها إلى السماء وقالت: يا الله يا دائم يا عالم الخفيات أنت تعلم أنهما كذبا علي. ثم أقاماها للقتل وكان دانيال عليه السلام شابا عمره ثلاث عشرة سنة فجاء وصاح عليهم أن قفوا فإنها بريئة بما رميت به، ثم أمر بالتفريق بينهما فقال لأحدهما: من أي شجرة جاء الحدث؟ فقال: من تحت شجرة بطم. فقال: كذبت وهذا ملاك الله شاهد عليك بالكذب، ثم أخره وقدم الآخر وقال له: من تحت أي شجرة جاء الحدث؟ فقال: من تحت شجرت زيت. فقال: كذبت، وأقامهما فنشرا ونزلت نار فأحرقتهما. تأمل. وحفظ الله الدم الزكي وعظم أمر دانيال عليه السلام. حرف الشين شجرة الدر هي الملكة عصمت الدين أم خليل شجرة الدر محظية السلطان الصالح نجم الدين أبي الفتوح أيوب وأم ولده السلطان خليل. كان امرأة عاقلة مهذبة خبيرة بالأمور، وكان يرجع إليها بالرأي الملك الصالح أيوب ويستشيرها في مهمات الأمور. ومن أمرها أنه لما مات الملك الصالح نجم الدين أيوب بناحية المنصورة في قتال الفرنج قامت بالأمر وكتمت موته واستدعت ابنه (توران شاه) من حصن (كيفا) وسلكت إليه مقاليد الأمور، وتسلطن بقلعة دمشق في رمضان سنة 647 هجرية وقدم إلى الصالحية وأعلن يومئذ بموت الصالح ولم يكن أحد قبل ذلك يتفوه بموته بل كانت الأمور على حالها والخدمة تعمل بالدهليز والسماط وشجرة الدر تدبر أمور الدولة وتوهم الكافة أن السلطان مريض ما لأحد إليه وصول. ثم أساء السلطان (توران شاه) تدبير نفسه فتقله البحرية بعد سبعين يوما من ولايته وبموته انقضت دولة بني أيوب من مصر، ثم اجتمع المماليك البحرية على أن يقيموا بعده في السلطنة محظية أستاذهم شجرة الدر فأقاموها وحلفوا لها في عاشر صفر ورتبوا عز الدين أيبك التركماني مقدم العسكر فسار إلى قلعة الجبل، وأنهى ذلك إلى شجرة الدر، فقامت بتدبير المملكة، وعملت على التوقيع بما مثاله والدة خليل، ونقش على السكة اسمها ومثاله المستعصمة الصالحية ملكة المسلمين والدة المنصور خليل خليفة أمير المؤمنين وخلعت على المماليك البحرية، وأنفقت فيهم الأموال ولم يوافق أهل الشام على سلطنتها وطلبوا الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب حلب، فسار إلى دمشق وملكها فانزعج العسكر بالقاهرة وتزوج الأمير عز الدين أيبك التركماني بشجرة الدر، ونزلت له عن السلطنة وكانت مدتها ثمانين يوما، ومن مآثرها الجامع الذي بنته بخط الخليفة بمصر بقرب مشهد السيدة سكينة بنت الحسين - رضي الله عنهما - ودفنت فيه حين موتها وهو مقام الشعائر لغاية الآن ولها جملة مآثر ومبان خيرية بمصر وخلافها من البلاد التي تملكت عليها. شعانين زوجة المتوكل الخليفة العباسي كانت ذات حسن وجمال، وبهاء وكمال، ولطف وظرف، واعتدال قد، واحورار طرف. مجيدة لضروب الغناء وفتونه، عالمة بأساليب الغرام وفتونه. قيل: إن سبب ائتلاف المتوكل بها أنه خرج يوما للنزهة في ضواحي الشام فبينما هو يتصفح الكنائس والرياض ويرى ما فيها من العجائب وحسن ثياب النصارى إذ أقبل راهب الكنيسة فجعل الخليفة يسأله عن كل من يمر حتى أقبلت جارية لم ير أحسن منها وبيدها مجمرة بخور فسأله عنها فقال: هي ابنتي. وما اسمها؟ قال: شعانين. فقال لها المتوكل: يا شعانين، اسقني ماء. فقالت: يا سيدي، ليس هنا إلا ماء الغدران، وأنا لا أستنظفه لك، ولو كانت حياتي ترويك لجدت لك بها، وأسرعت بكوز فضة. فأومأ إلى أحد ندمائه أن اشربه، فشربه، ثم قال لها: إن هويتك تساعديني؟ فقالت له: أنا الآن أمتك وأما إذا أصدق الحب في المحبة فما أخوفني من الطغيان أما سمعت قول الشاعر: كنت لي في أوائل الأمر حبا ثم لما ملكت صرت عدوا أين ذاك السرور عند التلاقي صار مني تجنبا ونـبـوا فطرب حتى كاد أن يشق ثوبه ثم قال لها: هبي لي اليوم نفسك فصعدت به إلى غرفة مشرفة على الكنائس وجاء الراهب بخمر من أحسن الموجود وعاف المتوكل طعامهم فاستحضر أطعمة من عنده، فلما (أخد) منه الشراب أحضر آلة وغنت: يا خاطبا مني المـودة مـرحـبـا روحي فداؤك لا عدمتك خاطبـا أنا عبدة لهواك فاشرب واسقـنـي واعدل بكأسك عن جليسك إذا أبى قد والذي رفع السماء ملكـتـنـي وتركت قلبي في هواك معـذبـا فأرغبها حينئذ فأسلمت وتزوجها فكانت من أحظى النساء عنده. شعوانة رضي الله عنها كانت لا تفتر عن البكاء فقيل لها في ذلك قالت: (والله لوددت أن أبكي حتى تنقطع دموعي، ثم أبكي دما حتى لا يبقى جارحة من جسمي فيها دم). وكانت تقول: (من لم يستطع البكاء فليرحم فإن الباكي إنما يبكي لمعرفته بنفسه وما جنى عليها وما هو صائر إليه)، وكانت تبكي وتقول: (إلهي إنك لتعلم أن العطشان من حبك لا يروى أبدا). وكانت التي تخدمها تقول من منذ ما وقع علي نظر شعوانة ما ملت قط إلى الدنيا ببركتها ولا استصغرت في عيني أحدا من المسلمين وكان الفضل بن العباس - رضي الله عنهما - يأتيها ويتردد إليها ويسألها الدعاء. الشلبية الأندلسية اسم غلب على المترجمة نسبة إلى بلدها بالندلس كانت أديبة فاضلة شاعرة ناثرة واشتهر صيتها بالأندلس ونواحيها حتى إنها كانت تجالس الملوك وتناظر الشعراء، ولها جملة قصائد ومقطعات ولم يجمع شعرها بديوان حتى يظهر للعيان. ومن شعرها ما كتبت به إلى السلطان يعقوب المنصور تتظلم من ولاة بلادها وصاحب خراجها، فقالت: قد آن أن تبكي العيون الآبـية ولقد أرى أن الحجارة باكـية يا قاصد المصر الذي يرجى به إن قدر الرحمن رفع كراهية ناد الأمير إذا وقفت بـبـابـه يا راعيا إن الرعية فـانـية أرسلتها هملا ولا مرعى لهـا وتركتها نهب السباع العـادية شلب كلا شلب وكانت جـنة فأعادها الطاغون نارا حامية عاثوا وما خافوا عقوبة ربهـم والله لا تخفى عليه خافـية شهدة ابنة أبي نصر أحمد بن أبي الفرج الإبري الدينورية البغدادية كانت من العلماء الأكابر المحدثات الصادقات بالرواية تعلمت الخط الجيد وأخذت العلم عن كثير من العلماء وأجازوها إجازة لم تسبق لغيرها وأخذ عنها كثيرون، وكان لها النفس العالي ألحقت فيه الأصاغر بالأكابر وممن سمعت عنهم أبو الخطاب الطبراني وفخر الإسلام الشاشاني وغيرهما من أفاضل العلماء وألفت جملة رسائل في الحديث والفقه والتوحيد ومآثرها كثيرة في أصناف العلوم وكانت وفاتها ببغداد سنة 574 هجرية. شوكار قاضن هي معتوقة المرحوم عثمان (كتخدا القازد غلي) وزوجة المرحوم إبراهيم (كتخدا القازد غلي) كانت تقية صالحة من بنات الجركس، المتأدبات المطيعات لأزواجهن الصادقات في خدمتهن ولها مآثر عظيمة وإدرارات جسيمة كريمة محسنة على الفقراء والمساكين، قاضية لحوائج المحتاجين. فمن مآثرها السبيل الذي بنته بقرافة مصر الصغرى إغاثة للناس وقت المواسم ووقفت له أوقافا يصرف من ريعها عليه وهو منقوش من أعلاه برقم سنة 1170 هجرية، وهذا السبيل عامر إلى الآن ويملأ سنويا من ماء النيل على طرف ديوان الأوقاف المصرية. وفي حجة وقفيته المؤرخة سنة 1185 هجرية أن الست (شوكار) - المذكورة - وقفت جميع المكان بخط الأزبكية بدرب شيخ الإسلام بن عبد الخالق السنباطي وجميع الجنينة فيما بين بولاق والقصر العيني المعروفة قديما بغيط البحر. وجميع الرزقة الكائنة بناحية ديرك بالمنوفية، وجميع الرزقة الكائنة بناحية طمويه بالجيزة، وجميع خمسمائة عثماني وأربع عثمانية مرتب علوفة، وجميع المكان الكائن بالكعكيين تجاه حمام الجبيلي. وجميع علو بعض طبقات من وكالة الملح، وجميع المكان بخط الكراسين بين الحيطان بالقرب من قنطرة الخرنوبي وجميع المكان الكائن بخط الشوائين بداخل عطفة الفاكهاني. وجميع المكان الكائن بالخط - المذكور - في العطفة المتوصل منها الباب جامع الفاكهاني الشرقي، ومطبخ السكر وجميع الحانوتين الكائنين تجاه جامع الفاكهاني، وجميع ست قراريط من الوكالة الكائنة بخط قنطرة الموسكي، وجميع الحانوتي الكائنين بالدرب الأحمر. وجميع الحانوت الكائن بالخط - المذكور - تجاه جامع الصالح وجميع الحصة التي قدرها ثلاثة وعشرون قيراطا في الوكالة الكائنة بخط البندقانيين. وجميع الحصة التي قدرها نصف قيراط وسدس قيراط في كامل أراضي ناحية الأرجنوس وتوابعها بالبهنساوية، وجميع ثلاثة حوانيت كائنة بخط باب الزهومة. وجميع مرتب العلوفة وهو ثلاثة وستون عثمانيا. وشرطت لنفسها نظر وقفها هذا ومن بعدها للأولاد والعتقاء وأن يصرف في ثمن ماء عذب يصب في السبيل إنشاء الواقفة في كل سنة أربعة آلاف وتسعمائة وخمسون نصفا فضة (النصف الفضة عبارة عن بارة وكل أربعين منها بدرهم فضة أعني قرش أو كل أربعة منها بمليم من العملة المصرية التي كل ألف منها بدينار مصري) وفي ثمن حبال وبخور وغيره مائتان وخمسون نصفا فضة، وللمزملاتي سنويا سبعمائة وعشرون نصفا، ولغفير السبيل سنويا ثلثمائة وستون نصفا فضة وأجرة ملئه أربعمائة نصف، وشرطت أيضا به ثلثمائة وستون نصفا وأجرة النزح وثمن القلل والبخور مائتان وأربعون نصفا وثمن زيت وقناديل بمقام الشيخ الخرنوبي مائة وثمانون نصفا وأن يصرف في ثمن ماء يصب في السبيل الذي بالشوائين يوميا اثنا عشر نصفا وفي ثمن ضحايا ليوم العيد تفرق على الفقراء ثلاثون ريال حجر أبو طاقة ولسبعة قراء يقرأون من أول رجب لليلة عيد الفطر سنويا أربعون دينارا ذهبا زر محبوب. ولناظر الوقف سنويا ثلاثون دينارا وللناظر الحسبي عشرة دنانير، وللمباشر مثله والجابي كذلك وأن يصرف في وجوه الخير على ترتبها في أيام الجمعة والعيدين سنويا شرة دنانير ذهبا. وللتربي عشرة ريالات حجر أبو طاقة، ولسبعة قراء بالحرم المكي عشرة ريالات أبو طاقة أيضا فلله در هذه الواقفة فإنها لم تدع بابا للخير إلا فتحته فرحمها الله رحمة واسعة وأكثر الله من أمثالها. شرفية ابنة سعيد قبودان ولدت في سنة 1260 هجرية وهي لغاية الآن على قيد الحياة، ولهذه المترجمة وقائع تشهد لها بالوفاء وتعتبر من العجائب المستغربة قد أخبرتني عنها إحدى السيدات الموثوق بقولهن، ولغرابة هذه الوقائع أحببت درجها في هذا التاريخ لكي تخلد لهذه المترجمة ذكرا مدى الأعصار، وهو أنه كان في مدينة (بولاق) مصر رجل (قبودان) يقال له: سعيد (قبودان)، وكان قد اقترن بفتاة اسمها السيدة مخدومة شقيقة رائف باشا - أحد رؤساء البحر في الحكومة المصرية - فرزق منها سعيد (قبودان) بنتا فسماها شرفية ولم تمكث في حجر والدها سوى ثمان سنوات حتى توفاه الله. وكان ذلك سنة 1268 هجرية وهو مجاهد في حرب القرم الأخيرة. وكانت هذه البنت غاية في الرقة واللطف، وقد ربيت على مبادئ حسنة، وقد علمتها والدتها القراءة والكتابة والأشغال اليدوية، وجميع ما تختص به النساء من تطريز وغيره حتى فاقت بنات عصرها، وهي مطيعة لوالدتها منقادة لكلامها وكانت تلك الوالدة تحني عليها ضلوع الرأفة والحنو إلى أن بلغت الثامنة عشرة من سنيها، وكانت في مدينة (إزمير) امرأة متوسطة المقام، وكان قد تركها زوجها منسحبا من بلده ولم تعلم أين ذهب وترك لها ولدا صغيرا، ولكنه يضاهي البدر جمالا والغصن اعتدالا، وما زالت منتظرة تربي ولدها إلى أن فرغ منها المال المدخر معها، ولم تجد ما تقتات به هي وولدها. وقد تواترت الأخبار عن وجود زوجها في مصر فأخذت ولدها - وكان في سن الثالثة عشرة من سنيه - وحضرت به إلى مصر لتبحث عن والده كما خلد في فكرها وقد نزلت بالأمر المقدور على السيدة مخدومة، فتلقتها على الرحب والسعة وفتحت لها في قلبها فضلا عن منزلها أعظم محل، وكلمت شقيقها رائف باشا في أمرها فبحث عن زوجها فلم يعلم له خبرا. ولما لم يجده أخذ الغلام وسلمه إلى إحدى المدارس الأميرية، وكان رائف باشا عديم الولد لأنه لم يتزوج أبدا إلى أن بلغ الثمانين من العمر وكانت شرفية في ذلك الوقت لم تتجاوز الثامنة عشرة وكان محمد كمال في سن الثالثة عشرة، وكانت شرفية ربعة القوام ممتلئة الروح، سوداء الشعر والعيون، تخلب لب من يراها. وأما محمد كمال فإنه طويل القوام نحيل الجسم، أبيض اللون، أشقر الشعر، أزرق العيون مستدير الوجه يميل دمه إلى الخفة مع أنه أقل من كان بهذا الشكل أن يستحصل على هذا الجاذب. ولما دخل إلى منزل سعيد (قبودان) صارت شرفية تعتني بأمره كل الاعتناء من ملبس ومأكل، وكل ما يلزم له وجميع سد احتياجاته، وكانت والدتها تنظر إليها بعين الاستغراب وتفكر في أمرها وانشغالها بأمر هذا الغلام، ولكنها تراجع نفسها عن الظنون في ابنتها لأنها في هذا السن، ولما دخل المدرسة وبعد عن شرفية كثرت عليها الأفكار وصارت تحب الخلوة بنفسها، ولكنها لم تضيع أوقاتها بدون أن تشغل بشيء يعود نفعه على الغلام مثل خياطة ملبوس وغيره مما يلزم له وكان لا يأتي إلا في كل ليلة جمعة على حسب أصول المدارس الداخلية في القطر المصري وكانت شرفية تنتظر ميعاد مجيئه كليا في الأعياد. وفي تلك الفترة تكاثرت عليهما الخطاب وكانت والدتها تحب أن تزوجها لأنها وحيدتها، وتفرح بها قبل وفاتها. وكلما جاءها خاطب تعرضه عليها والدتها وتحسنه في عيونها وهي لا تقبل منها ذلك ولا تجيبها إلا بالبكاء والنحيب حتى إنها صارت لا تقبل من يفاتحها بمثل هذا الكلام فكدر فعلها هذا والدتها، وظنت أن الذي يغريها على هذا الفعل هي أم الغلام، فكلمتها بهذا الخصوص وأغلظت لها القول حتى أخرجتها من منزلها. ولما خرجت زاد وجد شرفية وخافت أنها تحرم من رؤية حبيبها، فحزنت الحزن الشديد حتى حرمت النوم والطعام ومازالت في أكفار الدهشة والحيرة إلى أن كانت ليلة الجمعة فحضر محمد كمال على حسب العادة. ولما بلغه أن والدته خرجت من المنزل وتوجهت إلى منزل رائف باشا اغتم لذلك وكان الغلام أيضا قد أشرب حب البنت من حين طفوليته، وكلما نما سنه ينمو حبها معه، ولكنه كان ينظر إلة نفسه فيجدها حقيرة بالنسبة إلى شفرية، ولكنه صار يجتهد في الاستحصال على العلوم الكافية لأن تجعله أهلا لها، ولم يمض زمن يسير إلا وخرج من مدرسة المبتديان ودخل المدرسة الحربية بواسطة رائف باشا وبعد مضي مدة توفى الله والدتها السيدة مخدومة، وبقيت البنت في حجر خالها كأنها ابنته، وصارت تطلبها الخطاب منه فيعرض عليها ذلك فلم تقبل فاحتار في أمرها ولم يدر ما الذي يمنعها عن الاقتران. وكان كمال لم يزل في منزل رائف باشا مع والدته فإنها من حين ما خرجت من عند السيدة مخدومة دخلت إلى منزل الباشا المشار إليه ومكثت عنده إلى أن انضمت البنت إليه فصاروا كما كانوا جميعا في بيت واحد، وكان الباش لا يظن أن هذا التوقف من شرفية حاصل بسبب هذا الغلام لأنه يرى أن بينه وبينها بونا بعيدا من حيث الثروة والسن أيضا، وأما النسب فهو وإن كان لا يعلم نسبه إلا أنه كان يرى في خلال طباع الغلام ما يدل على صحة نسبه وأنه من نسل طيب، وأنه شريف النفس أبيها. ولما طال أمر شرفية بالامتناع عن الزواج خاف الباشا أن يتوفاه الله قبل أن يزوج هذه البنت اليتيمة، فشكا ذلك إلى بعض أصدقائه وقال له بأن يكلف قرينته لأنها كوالدتها أن تسألها في ذلك وتفهم ما سبب امتناعها عن الزواج. ففعل الباشا - المشار إليه - ما كلفه به صديقه وقد سألتها قرينته فأظهرت لها أنها لا تقدر على مخالفة الطبيعة حيث أن لها ميلا كليا إلى جهة محمد كمال، فاستنتجت منها تلك السيدة أنها يستحيل عليها الاقتران بغير هذا الغلام وأنها لا تقدر على مخالفة إحساساتها القلبية، فأخبرت زوجها بذلك وكان كمال في ذاك الوقت قد استحصل على رتبة ملازم وصار له جراءة على طلب شرفية فتقدم إلى الباشا - المشار إليه - والتمس منه أن يكلم رائف باشا في أمر شرفية، وأن ينعم عليه بها وأن يقبله عبدا له ما دام في هذه الدنيا لأنه على كل حال هو غرس نعمته فتقدم إليه صديقه بأمر الخطوبة وأخبره أنه اختبر أمر شرفية بلسان زوجته فوجدها تميل إلى الغلام. وهذا سبب امتناعها عن الاقتران بغيره ولما سمع رائف باشا هذا الخبر استعظمه وقال: هذا شيء لا يكون أبدا لأن الغلام لا يصلح لها، فكيف أزوجه بنت أختي وأنا مربيه بنوع الثواب وهو فقير ولا يقدر على أداء المهر ولا مصروف نفسه فضلا عن فتح المحل ومصاريفه مع كونه مجهول الأصل. فقال له: فأما كون فقيرا فسوف يتقدم شيئا فشيئا ويستحصل على الرتب حتى يصير بدرجتنا حيث إننا نحن كنا في ابتداء أمرنا على أرفع الرتب اللائقة بمثلنا، وها هو مجتهد أيضا. وأما من جهة كونه مجهول الأصل فنحن أيضا لا نعلم أصلنا لأن الواحد منا لا يعلم أصل نفسه ولا من هم أهله، فمن هو جركسي، ومن هو مرلي، ومن هو كريدلي، وقد أخرجنا من بلادنا ما نعلم ماذا يؤل أمرنا إليه، وها نحن والحمد لله قد صرنا من خواص رجال الحكومة المصرية ولم يزل به حتى أنعم له رائف باشا بعد امتناعه جملة سنين وعقد للغلام على شرفية وشرعوا في أمر الجهاز وما يلزم للفرح وكأن شرفية في ذاك الوقت قد أحيي ميت آمالها وأدهشها الفرح الشديد عن كل ما في الكون. ولكنها وا أسفاه لم يسمح لها الدهر بإتمام تلك الأفراح حتى هجم عليها بجيوشه الجبارة وصدمها صدمة تزول من هولها الجبال والراسيات ويذوب لها الحجر الجلمود. وذلك أنه لما بقي لإقامة الفرح أسبوع واحد حم الغلام ووقع رهين الفراش ولم يمكث بعد ذلك سوى أيام قلائل حتى توفاه الله وقصف غصن شبابه النضر، وانزوى جماله تحت أطباق الثرى. سبحان الحي الباقي الذي لا يموت. فلينظر الرائي إلى حال شرفية التي يعجز القلم عن وصف حالها وما صارت إليه من الحزن والكدر حتى أنها دخلت إلى غرفتها التي سمتها بيت الأحزان وأسلبت عليها الستور وصارت تندب حبيبها وتبكيه إلى الآن وتوفي بعد ذلك خالها رائف باشا ولم تزل إلى هذا الوقت مدفونة تحت أطباق الحزن تطلب الموت لعلها تجتمع بحبيبها في العالم الآخر فلم تجد لذلك من سبيل. ولها مسجونة في بيت حزنها ما يزيد على الثلاثين سنة وقل من يصبر على هذا المصاب. شرين زوجة أبروزير بن هرمز من ولد كسرى أنوشروان. ان يتيمة في حجر رجل من الأشراف، وكان (أبرويز) صغيرا يدخل منزل ذلك الرجل فيلاعب شرين وتلاعبه فأخذت من قلبه موضعا فنهاها عن ذلك الرجل فلم تنته فرآها. وقد أخذت في بعض الأيام من (أبروزير) خاتما فقال لبعض خواصه: اذهب بها إلى الدجلة فغرقها، فأخذها الرجل ومضى فقالت له: وما الذي ينفعك من تغريقي؟ فقال: قد حلفت لمولاي. فقالت: اقذفني في مكان رفيق فإن نجوت لم أظهر وبرئت من يمينك ففعل وتوارت في الماء حتى غاب وصعدت إلى دير فترهبت فيه وأحسن إليها الرهبان. فلما تقرر الملك لأبرويز بعد أبيه هرمز مر بذلك الدير رسل قيصر أبرويز فدفعت الخاتم إلى رئيسهم وقالت: ابعث به إلى أبرويز لتحظى عنده فأرسله وعرفه مكان شرين فسر سرورا عظيما، وأرسل إليها فأحضرها، وكانت من أجمل النساء وأظرفهن ففوض إليها أمره وهجر نساءه وجواريه وعاهدها أن لا تمكن منها أحدا بعده، وبنى لها القصر المعروف بقصر شرين بالعراق، فلما قتل (شيرويه) أباه (أبرويز) راودها عن نفسها فامتنعت، فضيق عليها واستأصلها ورماها بالزنا وتهددها بالقتل إن لم تفعل فقالت: افعل على ثلاث شرائط. قال: ما هي؟ قالت: تسلم إلي قتلة زوجي حتى أقتلهم، وتصعد المنبر وتبرئني مما قذفتني به وتفتح لي تاوس أبيك، فإن له عندي وديعة عاهدني إن تزوجت بعده رددتها إليه. فدفع إليها قتلة أبيه فقتلتهم وبرأها، وقيل: فتح لها تاوس أبيه وبعث الخادم معها فجاءت إلى (أبرويز) فعانقته ومصت فصا مسموما كان معها فممات من وقتها وأبطأت على الخدم فصاحوا فلم تكلمهم، فدخلوا فوجدوها معانقة لأبرويز ميتة فهذه ممن يفتخر لهن بالوفاء. حرف الصاد صفية ابنة عبد المطلب ابن هاشم بن عبد مناف الهاشمية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أم الزبير بن العوام وأمها هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة وهي شقيقة حمزة والعوام وحجل بني عبد المطلب لم يختلف في إسلامها من عمات النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت في الجاهلية قد تزوجها الحارث بن حرب بن أمية بن عبد شمس أخو أبي سفيان بن حرب فمات عنها فتزوجها العوام بن خويلد، فولدت له الزبير وعبد الكعبة وعاشت كثيرا وتوفيت بالبقيع ولما قتل أخوها حمزة وجدت عليه وجدا شديدا وصبرت صبرا عظيما، وقيل: إنها أقبلت لتنظر إلى حمزة بأحد، وكان أخاها لأمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير: (القها فأرجعها لا ترى ما بأخيها). فلقيها الزبير وقال: أي أمي، إن رسول الله يأمرك أن ترجعي. قالت: ولم، قد بلغني أنه مثل بأخي وذاك في الله فما أرضانا بما كان من ذلك لأصبرن ولأحتسبن إن شاء الله. فلما جاء الزبير إليه وأخبره بقول صفية فقال: (خل سبيلها) فأتته فنظرت واسترجعت واستغفرت له، ثم أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفن. وقيل: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت مع النساء والصبيان حيث خندق رسول الله. وقالت صفية: فمر بنا رجل يهودي فجعل يطيف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا ورسول الله والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم إن أتانا آت). قالت: (فقلت: يا حسان إن هذا اليهودي يطوف بالحصن كما ترى ولا آمنه أن يدل على عوراتنا من وراءنا من اليهود فانزل إليه فاقتله). فقال: يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا). قالت صفية: (فلما قال ذلك ولم أر عنده شيئا احتجزت وأخذت عمودا ونزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، ثم رجعت إلى الحصن فقلت: يا حسان انزل فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل. فقال: ما لي بسلبه حاجة يا ابنة عبد المطلب). وهي أول امرأة قتلت رجلا من المشركين. وكانت شاعرة فصيحة متقدمة عند جميع العرب بالقول والفعل والشرف، والحسب والنسب وكانت حين مات أبوها عبد المطلب جمعت أخواتها ونساء بني هاشم وصرن يرثينه بقصائد كل منهن بقدر طاقتها فكان ما قالته صفية من شعر ترثيه قولها: أرقت لصوت نائحة بـلـيل على رجل بقارعة الصعيد ففاضت عند ذلكم دمـوعـي على خدي كمنحدر الفـريد على رجل كريم غير وغـل له الفضل المبين على العبيد على الفياض شيبة ذي المعالـي أبيك الخير وارث كـل جـود صدوق في المواطن غير نكـس ولا شحب المقـام ولا سـنـيد طويل الباع أروع شـيظـمـي مطاع في عشيرتـه حـمـيد رفيع البيت أبلـج ذي فـضـول وغيث الناس في الزمن الجرود كريم الجد لـيس بـذي وضـوم يروق على المسود والحسـود عظيم الحلم مـن نـفـر كـرام خضـارمة مـلاوثة أســود فلو خلد امرؤ لـقـديم مـجـد ولكن لا سبيل إلى الـخـلـود لكان مخلدا أخـرى الـلـيالـي لفضل المجد والحسب التـلـيد ومن قولها ترثي النبي صلى الله عليه وسلم: ألا يا رسول الله كنت رجـاءنـا وكنت بنا برا ولم تك جـافـيا وكنت رحميا هاديا ومعـلـمـا لبيك عليك اليوم من كان باكـيا فدى لرسول الله أمي وخالـتـي وعمي وخالي ثم نفسي ومالـيا فلو أن رب الناس أبقى نـبـينـا سعدنا ولكن أمره كان ماضـيا عليك من الله الـسـلام تـحـية وأدخلت جنات من العدن راضيا ومن قولها أيضا في الحماس: ألا من مبلغ عنـي قـريشـا ففيم الأمر فينـا والأمـار لنا السلف المقدم قد علمـتـم ولم توقد لنا بالغـدر نـار وكل مناقب الأخـيار فـينـا وبعض الأمر منقصة وعار صفية ابنة الخرع كانت من النساء المتحمسات اللائي إذا قلن تقوم العرب لمقالهن. ولها أشعار منها: ما قالته رثاء في النعمان بن جساس بن مرة وكان سيد قومه فقتل يوم الكلاب وقتلوا به عبد يغوث وهو: نطاقه هند وغني وجبته=فضفاضة كامنات النهى موضونة لقد أخذنا شفاء النفس لو شفيت وما قتلنا به إلا امرأ دونـه صفية ابنة مسافر أبوها مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف كانت أديبة فاضلة، ذات جمال وكمال وفصاحة، عربية ما لها مثال، ولها حسب ينتهي إلى عبد مناف. وشعر رائق مبني على أساليب البلاغة. قد حضرت يوم بدر ورثت أهل القليب الذين أصيبوا به من قريش بقولها: يا من لعين قذاها عـائر الـرمـد حد النهار وقرن الشمس لم يعـد أخبرت أن سراة الأكرمين مـعـا قد أحرزتهم مناياهم إلـى أمـد وقر بالقوم أصحاب الركاب ولـم تعطف غداة إذن أم علـى ولـد قومي صفي ولا تنسي قرابتـهـم وإن بكيت فما تبكين من بـعـد كانوا سقوف سماء البيت فانقصفت فأصبح السمك منها غير ذي عمد وقالت أيضا: ألا يا من لـعـينـايا لتبكي دمعها قانـي كغربي دالج يسقـي خلال الغيث للداني وما ليث عـرين ذو أظافير وأسـنـان أبو شبـلـين وثـاب شديد البطش غرثان وبالكف حسام صـا رم أبيض ذكـران وأنت الطاعن النجلا ء منها مـزبـدان صفية بنت عمرو الباهلية كانت شاعرة قومها محبوبة عندهم، ذات مقام رفيع. وكان لها أخ من السراة المغاوير، وكانت تحبه ويحبها محبة شديدة ولا يرغبان الافتراق عن بعضها إلا للضرورة، وكان مرة غزا في قومه حيا من أحياء العرب فدارت عليهم الدائرة وقتل أخو صفية، ولما بلغها الخبر شقت عليه الجيوب ولطمت الخدود ونشرت الشعور، ورثته بمراث كثيرة منها قولها: كنا كغصنين في جرثومة سـمـيا حينا بأحسن ما يسمو له الشجـر حتى إذا قيل قد طالت فروعهـمـا وطاب فيؤهما واستنظر الثـمـر أخنى علي واجدي ريب الزمان وما يبقي الزمان على شـيء ولا يذر كنا كأنجم لـيل بـينـهـا قـمـر يجلو الدجى فهوى من بينها القمر صفية ابنة حيي بن أخطب ابن سعنة بن ثعلبة بن عبيد بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النضير بن النحام بن ناخوم، وهم من بني إسرائيل من سبط لاوي بن يعقوب، ثم من ولد هارون بن عمران أخي موسى، وأم صفية برة بنت سموأل، وكانت زوجة سلام بن مشكم اليهودي، ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق وهما شاعران، فقتل عنها كنانة يوم خبير. روى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما افتتح خبير وجمع السبي أتاه دحية بن خليفة فقال: أعطني جارية من السبي فقال: (اذهب فخذ جارية). فذهب فأخذ صفية، قيل: يا رسول الله، إنها سيدة قريظة والنضير ما تصلح إلا لك! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خذ جارية من السبي غيرها). وأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم واصطفاها وحجبها، وأعتقها وتزوجها، وقسم لها وكانت عاقلة من عقلاء النساء. وعن إسحاق بن يسار أنه قال: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم القموص حصن ابن أبي الحقيق أتى بصفية بنت حيي ومعها ابنة عم لها جاء بهما بلال فمر بهما على قتلى من قتلى اليهود، فلما رأتهم التي مع صفية صكت وجهها وصاحت وحثت التراب على رأسها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اعزبوا هذه الشيطانة عني) وأمر بصفية فحيزت خلفه وغطى عليها ثوبه فعرف الناس أنه قد اصطفاها لنفسه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال حين رأى من اليهودية ما رأى: (يا بلال أنزعت منك الرحمة حتى تمر بامرأتين على قتلاهما). وقد كانت صفية قبل ذلك رأت أن قمرا وقع في حجرها فذكرته لأبيها فضرب وجهها ضربة أثرت فيه وقال: إنك لتمدين عنقك إلى أن تكوني عند ملك العرب فلم يزل الأثر في وجهها حتى أتى بها رسول الله فسألها عنه، فأخبرته الخبر. وعن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وجعل عتقها صداقها. قالت صفية بنت حيي: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بلغني عن حفصة وعائشة كلام، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ألا قلت وكيف تكونان خيرا مني وزوجي محمد وأبي هارون وعمي موسى). وكان بلغها أنهما قالتا: نحن أكرم على رسول الله منها، نحن أزواج رسول الله، وبنات عمه. وعن صفية أن النبي صلى الله عليه وسلم حج بنسائه، فلما كان ببعض الطريق برك بصفية جملها فبكت وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبر بذلك فجعل يمسح دموعها بيده وجعلت تزداد بكاء وهو ينهاها، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، فلما كان عند الرواح قال لزينب بن جحش: (يا زينب أفقري أختك جملا) وكانت من أكثرهن ظهرا قالت: أنا أفقر يهوديتك؟ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع ذلك منها فلم يكلمها أيام منى حتى قدم مكة. وفي سفره حتى رجع إلى المدينة ومحرم وصفر فلم يأتها ولم يقسم لها، ويئست منه، فلما كان شهر ربيع الأول دخل عليها فلما رأت ظله قالت: هذا ظل رجل وما يدخل علي إلا رسول الله فدخل النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأته قالت: يا رسول الله، ما أصنع؟ قال: كانت لها جارية تخبؤها من النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: فلانة لك. قال: فمشى النبي صلى الله عليه وسلم إلى سريرها وكان قد رفع فوضعه بيده ورضي عن أهله. وروى عنها علي بن الحسين قالت: جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أتحدث عنده وكان معتكفا في المسجد فقام معي يبلغني بيتي فلقيه رجلان من الأنصار قالت: فلما رأيا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجعا فقال: (تعاليا فإنها صفية). فقالا: نعوذ بالله سبحان الله يا رسول الله ! فقال: (إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم). وتوفيت سنة ست وثلاثين. وقيل: سنة خمسين - رحمها الله تعالى. الملكة صفية والدة السلطان سليمان الثاني ابن السلطان إبراهيم كانت مولدة من بنات الجركس جاءت السراي الهمايونية وهي صغيرة وبعد مدة ظهرت نجابتها وبان رونقها وجمالها فاستحظى بها السلطان سليمان، وبقيت عنده مكرمة معززة حتى مات، وتولى الملك ولدها المشار إليه، فصارت أعز مما كانت عليه، وكثرت نفقاتها على فعل الخير والبر والإحسان. ومن مآثرها الجامع المنسوب إليها الكائن بمصر القاهرة. قال الأمير علي باشا مبارك في (خطط مصر التوفيقية) إن هذا المسجد بجهة الحبانية في حارة الداودية عن يسار الذاهب من شارع محمد علي إلى قلعة الجبل بمصر، وهو مرتفع الأرضية نحو أربعة أمتار وله بابان يصعد إلى كل منهما بعدة سلالم متسعة مستديرة، وله صحن متسع بدائرة، إيوان مسقف بقباب على أعمدة من الحجر والرخام وفي مقصورة الصلاة منبر خشب ودكة في دائرها شبابيك لها أبواب من الخشب عليها نقوش ومطهرته بمرافقها منفصلة عنه بالطريق، وشعائره مقامة بنظر ديوان الأوقاف المصرية، وهو من إنشاء عثمان أغاة بن عبد الله أغاة دار السعادة، ثم آل بطريق شرعي لسيدته الملكة صفية كما في كتاب وقفيته. وملخص ذلك أن الملكة علية الذات، صفية الصفات، والدة السلطان، قد وكلت عن نفسها، فخر الخواص والمقربين، وذخر أصحاب العز والتمكين عبد الرزاق أغا بن عبد الحليم أغاة دار السعادة وفي دعواه أن عثمان أغا - المذكور - هو عبدها ومملوكها إلى الآن، فحضر بالمحكمة الشرعية، وأشهد بوكالته شاهدين عدليين، وقرر دعواه بحضور فخر إلا ما جد داود أغا بن عبد الدائم المتولى على وقف الجامع الشريف بجهة الحبانية الذي بناه المرحوم عثمان أغا بن عبد الله فقال ذلك الوكيل في الدعوى أن عثمان - المذكور - هو عبد ومملوك موكلتي المشار إليها وأنه ليس مأذونا ببناء الجامع ولا بإيقاف بلده الملك له المعروفة بزاوية تميم من ولاية منوف المشتملة على أربعمائة فدان ولا بإيقاف المنزل المملوك له بطريق (بولاق) قرب قنطرة الدوادار المشتمل على أربعة مخازن وبيت وقهوة واثنين وثلاثين دكانا وخمس عشرة خزانة، وخمس طواحين وإصطبل وخمس آبار عذبة الماء ومدبغ بقر، ومدبغ غنم، ومسلخ بقر فذلك الإيقاف غير صحيح وأريد ضبطه لموكلتي الملكة - المشار إليها - وسائر أمواله حيث إنه مملوكها. وأبرز فتوى من شيخ الإسلام بان الإيقاف - المذكور - غير شرعي، وكانت صورتها تملك عمرو عبد هند أملاكا، وبنى جامعاً ووقف ذلك عليه. ثم توفي قبل عتقه فهل لهند أن لا تقبل وقف عبدها عمرو، وأن تتملك جميع موقوفاته، فأجيب بأن وقف عمرو غير صحيح وأن لسيدته ضبط جميع أملاكه كسائر أمواله. ثم سئل حضرة داود أغا المتولي - المذكور - فأجاب بأن المرحوم عثمان أغا معتوق قبل وفاته وأنه بنى الجامع ووقف البلد وغيرها بإذن معتقه الست صفية وحسن رضاها فأنكر عبد الرزاق الوكيل - المذكور - عتق المتوفى، وأنكر إذنها له في بناء الجامع، ووقف تلك الأوقاف فطلبت البينة من داود أغا، فعجز عن إقامتها وطلب تحليفها اليمين الشرعي، فأرسل القاضي عدلين إلى حضرة الملكة لتحليفها. ثم رجع المندوبان وأخبر القاضي بأنها حلفت اليمين الشرعية بحضور المتولي على طبق دعواها منه، فحكم القاضي بان الجامع والقرية وجميع الأصقاع هي ملك لها ووقفها باطل، ونبه على داود أغا برفع يده وتحرر في أواخر شوال سنة 1101 هجرية. وبعد أن دخلت هذه الموقوفات من القرى والضياع والأصقاع والمزارع والرباع في ملك الملكة وتصرفاتها جددت وقفها وقفا صحيحا شرعيا مؤدبا مخلدا بحدودها وجعلت النظر على تلك الأوقاف لفخر الخواص عبد الرزاق أغا بن عبد الحنان الأمير بدار السعادة، وأطلقت له التصرف في الموظفين بالعزل والتولية وجعلت له عشرين قطعة ومن بعده لا يخرج النظر عن أغوات دار السعادة، واشترطت أن الناظر هو الذي يعطي تقريرات الموظفين، وأن يرتب لضبط الريع وصرفه رجلا أمينا، دينا عفيفا، ماهرا في الكتابة والحساب يوميا عشرون قطعة، ولكاتب أمين طاهر يقيد كل جزئية بالدفتر كل يوم خمس قطع ولجاب متصف بتلك وله اقتدار على التحصيل، ولا يترك بذمة أحد شيئا من حقوق الوقف، ولا يحتال بحيلة في أخذ حبة من حقوق الوقف كل يوم خمس قطع، ولواعظ صالح عالم ورع، فقيه بمذهب النعمان، عارف بأحكام القرآن، يعظ الناس في الجمع والمواسم، ويختم الوعظ بالفاتحة لأرواح الأنبياء والمرسلين، والأولياء والصالحين، ولأرواح السلاطين الماضين مع الدعاء للسلطان بدوام دولة الخلافة ولحضرة الواقفة الجليلة بازدياد العمر ووفور الشوكة ولسائر المسلمين بحصول المرام كل يوم خمس قطع. واشترطت أن يكون الخطيب عالما مجودا زاهدا كريم الأخلاق حسن الفعال يخطب فيه على منوال الشرع الشريف في الجمع والأعياد خطبة تناسب الأيام والفصول، وتوافق الطباع، وليس له أن ينيب عنه أحدا بدون عذر شرعي، وله خمس قطع وأن يرتب إمامان عالمان عاملان بعلمهما لهما وقوف على التجويد ورسوم القراءات والروايات، وقدرة على آداب الإمامة يتناوبان الإمامة في أوقات الصلوات الخمس على طريق السنة والجماعة، ولا ينيبان أحدا بدون عذر شركي ولكل منهما خمس قطع وأن يرتب أربعة مؤذنون عارفون بعلم الميقات أصحاب عفة وديانة وأصوات حسنة وأخلاق مستحسنة يتناوبون الأذان على المنارة اثنين اثنين، ويجتمعون في أذان يوم الجمعة، ويقرأن التسبيح بعد صلاة الجمعة بالتهليل والتكبير، وفي الثلث الأخير من كل ليلة قرب الصبح يجتمعون على المنارة ويرفعون أصواتهم بالتسبيح والتحميد والدعاء، ولك منهم في اليوم ثلاث قطع، وأن يرتب موقت صالح أمين عارف بالميقات يحضر في كل وقت يعلم المؤذنين بدخول الوقت مع الاحتراس التام، وله في اليوم قطعتان. ويرتب عشرة من حملة القرآن يقرأ كل منهم عشرا في محفل الجماعة قبل صلاة الجمعة وأتقنهم للقراءة عليه البدء والختم، وله العزل فيهم والتولية بالامتحان على الوجه الحق، وله خاصة في اليوم قطعتان، ولك واحد من الآخرين قطعة واحدة وبعد ختم القراءة ينشد رجل حسن الصوت عارف بالموسيقى قصيدة نبوية، وله في اليوم قطعتان. ويرتب قارئ حسن الصوت يقرأ على الكرسي الذي في الجامع سورة (يس) بعد صلاة الصبح، وله في اليوم قطعتان. وآخر يقرأ سورة (عم) بعد صلاة العصر، وآخر يقرأ سورة (تبارك) بعد صلاة العشاء ولك منهما قطعة واحدة، ويترب رجلان لغلق أبواب الجامع وشبابيكه ليلا وفتحها صباحا مع الملاحظة والتعهد للجامع بالتنظيف ونحوه، ولكل منهما قطعتان. ويرتب رجل نظيف نزه لتبخير الجامع بلا تبذير ولا تقتير وله في اليوم قطعة واحدة، ولشراء البخور قطعتان، ورجل أمين لحفظ المصاحف الشريفة التي بالجامع وله في اليوم قطعة. ورجل زاهد يكون مراقبا وله في اليوم قطعة واحدة. ويرتب وقادان صالحان يحفظان الشموع والقناديل ويتعهدان بالنظافة للإيقاد والإطفاء بالأوقات المعلومة مع الاحتراس التام من تلويث الحصر والبسط، ولكل منهما قطعتان. ويترب رجلان قويان برسم الفرش والكنس والتنظيف في داخل الجامع، واثنان برسم تنظيف الميضأة والأخلية مع عدم التساهل ولكل واحد من الأربعة قطعة واحدة. ويتب رجلان عارفان بغرس الأشجار والرياحين وإصلاحها وسقيها برسم خدمة البستان الكائن أمام الجامع ولكل منهما في اليوم قطعتان. ويرتب رجلان قويان برسم سقي الأشجار ولكل منهما في اليوم ثلاث قطع. ويرتب رجل ماهر في التعمير والترميم يتولى إصلاح ما يحتاج إلى إصلاحه. ونصت الواقفة - المذكورة- على ترتيب شخص قارئ في مسجد المدينة المنورة يتلو كل صباح سورة (يس) ويدعو لها. وعلى ترتيب رجل صالح لخدمة قبر سيدنا بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بالشام من إيقاد القناديل وغلق الأبواب وفتحها ونحو ذلك. وأن ترسل إلى القبر - المذكور - شمعتان من الإسكندري خمسة أوقات، ومثل ذلك إلى حرم مكة المشرفة، ومثله إلى الروضة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحيات. حرف الضاد ضياء ابنة الوزير فرنان وزير جزيرة صقلية كانت ذات جمال بارع وعقل وأدب يفوق أهل زمانها وترجع على أقرانها بالظرف والرقة، وكان للملك المهرجان ملك تلك الجزيرة ابنا أخ يقال لأحدهما: (ألفونس) والآخر (دون لوزريق) فتوفي والدهما وتركهما تحت كفالة عمهما الملك المهرجان، فضم الأكبر إليه وعهد بالآخر - وهو ألفونس - إلى الوزير والد ضياء وكان للملك أخت يقال لها: (بوران) فتوفيت عن بنت يقال لها: (سلطانة)، فأخذ يعتنبي بتأديبها، وأقام لها الخدم الكثير والمؤدبين من رجال ونساء، وكان للوزير (فرنان) قصر في ضواحي (بلرمة) حاضرة الدولة فأخذ (ألفونس) إليه وأحسن تأديبه، وتوسم فيه من الذكاء والنبالة ما حمله على استمرار التحفظ به، وكانت ضياء أصغر من (ألفونس) بسنة. فلما نشأت ضياء معه وصارت هي في صباها وصار هو في صباه وقع بينهما حب كأشد ما يكون وعملا الجهد كله على أن لا يدعا الوزير يفطن لشيء من أمروهما حتى اتفق أن الوزير سافر بأمر الملك يجول في أنحاء المملكة ليتفقد أحوال الرعية ورد المظالم إلى أهلها، فاغتنم (ألفونس) فرصة غيابه، وأخذ في فتح باب في الجدار الذي كان قائما بين مقصورته ومقصورة ضياء وجاء بنجار ودفع له مالا كثيرا حتى يحسن عمله ويبقي السر مكتتماً في صدره، فاتخذه بين الرسوم التي كانت تغشي الجدار على إحكام لبس في الإمكان أصح مما كان، بحيث إذا أغلق لم يفطن الرائي أن في ذلك الجدار بابا لكثرة ما هناك من النقوش والتخاريم. فلما حقق (ألفونس) بغيته فيما أراد من وصوله إليها سرا أصبح يدخل عليها في أكثر الأيام ويبيت معها في حديث وتقبيل وملاعبة ليس غير لأنها شرطت عليه حين أذنت له بفتح الحائط أنه يدخل عليها لمبادلة الحديث بينهما فقط لا لشيء غير ذلك. فلما دخلي عليها في بعض الأيام رآها ضيقة الصدر حزينة النفس فانكمش لذلك وسأل قهرمانتها عن الأمر الذي أوجب كدرها وكآبتها فقالت: وصل إليها يا سيدي أن الملك عمك انطرح على فراش الموت فقدرت أنك إذا توسدت الملك وصار إليك أمر الأمة فقد أشغلك العز والنعيم وأسكرتك العظمة والقدرة عن التفطن لها والقيام بعهودك إليها فلم يدعها تختم كلامها حتى دخل على بنت الوزير وقال لها: يا سيدتي، كأني أرى الكدر مرسوما على وجهك الفتان، فبالله إلا صدقتيني. فلما رأته هيج الشوق بكاها، واغرورقت عيناها بالدموع، وكاد لا يأتيها الكلام، فسكتت قليلا، ثم قالت: لا شيء يوجب لي الكدر غير أني يا سيد وأمير الناس عمك المهرجان قد احتضرته الوفاة فإذا تبوأت الأريكة موضعه أشغلك أمر الأمة دوني، وصرفك اقتدارك عن النظر إلي لأني سمعت عن الأمراء أنهم إذا راموا حال ولاية عهدهم أشياء تطلبها أنفسهم ونالوها فإنهم يغضون عنها بعد جلوسهم على أريكة الملك وإني لو أمنت من وجهتك على وفائك بحق الوداد، فلم آمن من وجهة طالعي أن لا يخون سعادتي بك. فلما سمع كلامها كادت تنفطر مرارته رحمة عليها وقال لها: يا سيدة الملاح إن تمكن اليأس منك على غير موجب لمما يفتت قلبي شفقة عليك وإن تصورك الخيانة في بصرف قلبي عن حبك لمما يزيل ذل العشق ويجرح خاطري، ولكن رجائي إليك أن تصرفي هذا الحزن وتعلمي أن سعادتي وفخري لا يتمان إلا بك. فقالت: أيها الأمير لا يبعد أنك إذا علوت السرير طلب إليك الوزراء والأشراف أن تتأهل بأميرة من بنات الملوك لتزيد عظمتك افتخارا ومجدا، ربما خانني دهري بأن يجعلك مجيبا لمسائلهم، فانتفض عرق الحدة بين عينيه وقال: لم تجلبين الكدر والقنوط لنفسك يا حبيبتي على غير طائل، فإني أقسم بالله إني إذا وليت الملك تزوجت بك على محضر من الأمراء والملوك. فلما سمعت ضياء قسمه هدأ روعها واطمأنت نفسها وأخذا يتجاذبان أذيال المذاكرة عن مرض الملك المهرجان، وكان يظهر من كلام (ألفونس) أنه تكدر لوفاة عمه مع أن أميرا غيره كان يسر من وفاة ملك يورثه ملك الدولة، ولاسيما إذا كان عليه ثأر فباتت ضياء بعد قسم (ألفونس) بوفاء عهده إليها في راحة وأمن ودعة، وهي لم تعلم بالخطب الذي كان يحدق بها من جهة أخرى فإن وزير الدولة الثاني المعروف بالمركيس قد كان رآها في بعض الأيام ففتن جمالها عقله وخطبها من أبيها فوعده بأن يزوجها إليه، ثم اتفق أن الملك مرض فأخر الزفاف إلى أجل مسمى، وأمر الوزير (فرنان) جماعته أن لا يعلموا (ألفونس) ولا ابنته بشيء من ذلك الأمر. فلما كان (ألفونس) صباح يوم جاءه الوزير ومعه ابنته ضياء، وقال له بعد السلام: يا سيدي إن الخبر الذي حملته إليك يكدر صفو خاطرك، ولكن البشارة التي أتبعه بها تسر خاطرك، وترفع مقامك. فاعلم أيدك الله أن المهرجان عمك قد مات وأوصى إليك بالولاية بعده، فهنأته بالعطية وخفق لواء سعدك على أنحاء بلادك منصورا وأن الأشراف والأمراء والقواد قد اجتمعوا ببابك ليقدموا لجلالتك خالص التهنئة بما أعطاك الله، فلما سمع كلامه لم يخامر التعجب نفسه لأنه كان عالما بمرض عمه ودنو أجله من قبل ذلك بشهر وأيام وإنما صار صدره بعد سماع كلامه ميدانا تتسابق فيه الأفكار وتضطرب فيه الخواطر ففكر ساعة ثم قال: يا أبت، إني أتخذك وزيرا لي أعتمد في الأمر على حسن آرائك المباركة لأني رأيتها تحسم النوازل كأنها سكاكين في مفاصل الخطوب، ويكون لكلامك نفوذ كأبلغ مما كان لأيام عمي رحمه الله، ثم انحنى على مائدة هناك ووضع ختمه على قرطاس وسلمه إلى ضياء، وقال لها: يا سيدتي، خذي هذا القرطاس واكتبي فيه ما أردت فوق الختم وهو يدلك على أني راض بكل ما تشائين وأن عشقك قد بلغ مني مبلغا لا سبيل إلى التعبير عنه بالقلم ولا باللسان، فلما سمع (فرنان) كلامه أخذه العجب منه لغفلته عن إدراك عشقهما قبل ذلك، وسلمت ابنته القرطاس إليه وقد قالت للملك - وفي وجنتيها احمرار الخجل -: يا سيدي إني أقتبل النعمة التي يمطر جلالة الملك علي خبرها بشكر لا مزيد عليه ولكن لي أب لا أعزم على أمر إلا بمشيئته، فأنا أسلم الرقعة إليه وهو يكتب فيها ما يشاء بحكمته ودرايته فقال الوزير للملك: يا سيدي إني أكتب في هذه الرقعة ما تسومني شكرا عليه فيما بعد. فقال له: اكتب بها ما أردت أيها الحكيم الفاضل فإنك لطيف النظر، ولكن أسرع الآن إلى (بلرمة) وخذ مبايعة الجند والأمراء وبلغهم سلامي وقل لهم: إني أسير إليهم بعد وصولك بقليل فما كاد يتم كلامه أن انصرف الوزير وابنته وركبا العربة إلى (بلرمة)، وهي تبعد أميالا قليلة عن موضع القصر. وأما الملك (ألفونس) فإنه بعد انصراف الوزير بساعة ركب جواده وقصد مدينة (بلرمة) لينزل من قصر السلطنة وباله مشغول بالعش، فلما رآه الناس ارتفع فيهم الدعاء له وأصوات الفرح والسرور حتى دخل مجلسه في القصر، فرأى (سلطانة) بنت (بوران) عمته في ثياب السواد، فعزاها وعزته، ثم ارتفع على السرير وجلست هي على كرسي دونه وقد ظهر أنها تحبه في قلبها مع أن العداوة بين أمها وأبيه كانت من أشد ما يكون، ثم جلس الأمراء والقواد على كراسي ووسائد زينت لهم، وقام فيهم (فرنان) الوزير خطيبا، وتلا وصية المهرجان إليهم. يقول: في بعضها إنه لما لم يرزقني الله ولدا يلي الملك بعدي فإني أجعله أربا إلى (ألفونس) ابن أخي على شرط أن يقترن بسلطانة ابنة أختي فإن أبى ذلك فيصير الملك إلى أخيه (دون لزريف) على الشرط عينه وهذه وصيتي إلى الأمراء والقواد. فلما وعى (ألفونس) ما في وصية عمه كاد ينخلع قلبه من الغم والهم والكدر، وما لبث الوزير أن أتبع تلاوة الوصية بقوله للحضور: أيها الأمراء إنه لما بلغت جلالة الملك مرام عمه المهرجان من زف (سلطانة) إليه لم يتردد ساعة في قبول ذلك، فازداد غم (ألفونس) حتى بان الكدر في وجهه وقال للوزير: ولكن اذكر يا (بهرام) القرطاس الذي سلمته إلى ابنتك ضياء فأجابه الوزير - وقد رفعه على مشهد من الأمراء -: ما كتب في هذا القرطاس: هو وعدك بأن تقترن بابنة عمتك وتتم كل ما ذكر في وصية عمك، ثم فتحه وقرأه على مسمع من الأمراء والأعيان فسروا من حسن عواطف الملك، وارتفعت أصواتهم بالدعاء له وهم غافلون عما كان في نفسه حتى إذا تفرق جمعهم إلا قليلا وتباعدت (سلطانة) التي ما فتئت تبث إليه هيامها به، وهو لا يعقل من شدة اضطراب عقله قال للوزير (فرنان): أنت خنتني وحق السماء وإنما كان الواجب عليك أن تكتب في القرطاس ما كان من الاتفاق والعهود بيني وبين ابنتك. فقال له الوزير: يا سيدي تمعن في الأمر فإن أنت خالفت وصية عمك المهرجان فقد بخست نفسك حقها وأضعت الملك من بين يديك قال هذا وابتعد عنه حتى لا يسمع جوابه فغضب الملك غضبا شديدا وبات بين اعتمادين في نفسه. فإما أن يعتزل عن الملك، وإما أن يقترن بابنة عمته ففكر في ذلك برهة فوقع في ذهنه أن زفافه بابنة عمته لا يكون إلا ببراءة من لدن البابا تأتي بعد شهر أو شهرين وأنه في تلك المدة يولي المراتب العظيمة من يأمن خيانته من الأمراء والقواد حتى إذا نفذ الوصية لم يتفقوا على خلعه وبات أمر الأمة في يده. فلما وقع هذا الرأي في نفسه سكن روعه واطمأنت نفسه وحقق بغيته بما أراد من الاقتران بضياء حبيبته، ولم يطلع أحدا من الناس على ذلك، وكان يخابر (سلطانة) بالكلام اللطيف ويسبك كلام (بهرام) في أنه يحب الاقتران بها حتى لا تهب إعصار الفتنة قبل تداركه إياها بالحيلة. ولكن كان من نكد الحظ أنه بينما يحدث (سلطانة) ويعد باقترانها به إذ دخلت ضياء مع أبيها وقد وقع كلامه في أذنها فاصفر لونها واستحوذ عليها شيء شبيه بالغمائم قال لها أبوها بحضرة (سلطانة): يا بنية، قدمي احترامك إلى ملكتك وادعي الله أن يطيل عمرها ويجعل أيامها بالسعد مقبلة، فتأكدت من كلام أبيها ما سمعت من كلام الملك وأخذتها رجفة شديدة لم يكن لها حيلة في إخفائها. فأما (سلطانة) فظنت أن اضطرابها إنما هو ناشئ عن عزة الملك الذي لم تره قبل ذلك، وأما الملك فإنه عرف سبب ألمها وكدرها لما كان من وقوع وعده ابنة عمته في أذنها، وصار بنفسه الاضطراب مثل ما صار بها، وأحب لو مكنته الظروف من الاجتماع بها حتى يعلمها بأن وعده لسلطانة إنما هو حيلة منه لا خيانة بودها، ولكن لم يكن من سبيل إلى التحدث سرا معها إذ كانت عيون الأعيان متجهة إليه هذا ما كان من أمر الملك. وأما ضياء فإن أباها لما أنس جزعها وقنوطها، ورأى الملك منقبضا إلى اليأس صار بها على الفور إلى قصره وقد أعلمها بأنه سيزوجها إلى المركيس، فلما سمعت كلامه بلغ الحزن من نفسها ووقف الدم على قلبها، فوقعت بين يدي أبيها مغشيا عليها وقد ضعفت قواها وتغير لونها حتى كأنها الميت المدرج في كنفه فرق قلبه عليها وتداركها بماء الورد حتى أفاقت. فقالت: يا أبتاه الشفيق يخلجني أني أطلعتك على اشتغال قلبي بهوى الملك، ولكن الموت الذي يوافيني بعد قليل سيرفع عنك أكدارا جلبتها عليك ابنة منكودة الحظ فقال لها: لا تقنطي يا بنية، فما الوزير الذي أزوجك منه إلا أعظم رجل في الدولة، وأجله خطرا. فقالت: صدقت يا أبت وإني أقر بفضله وكرم أخلاقه وسجاياه غير أن الملك كان يؤلمني بأن أكون له عروسا. فقال لها: لقد علمت اليوم كل ما كان بينك وبينه، وأنا لا أعذبك على ذلك، ولكن من حيث قد قام بين الوعد وإنجازه مانع لا يقوى الملك على إزالته إلا بخسران الملك من يده فاعملي على صرف آمالك وكفكفي دموعك حتى لا يقال في دار الملك: إن حبه قد علق فؤادك، ولا تؤملي بأنه يتخذك زوجة له إذ أنه اشترى بك الملك والسلطنة. واعلمي بأني وعدت الوزير (المركيس) بأن أزوجه منك فانجزي وعدي إليه ولا تخيبي أبا يتقدم إليك بالضراعة والطلب قال هذا وانصرف إلى مجلسه وهو مؤمل بأنها إذا فكرت فيما نطق به إليها لبت طلبه ورضيت بأن تصير زوجة للمركيس الوزير. فلما خلا المكان لضياء أسبلت الدمع من عينها وغلب عليها اليأس وخامرها كمد لا يعبر عنه اللسان لما كان من تحققها خيانة الملك بدليل الكلام الذي سمعته من فمه، وما كان من إكراه أبيها لها على تزوجها من المركيس الذي لا تقدر أن تحبه، فظنت أن الموت لا يبعد أن يفاجئها بعد ذلك، ثم صاحت: (تبا لك أيتها الآمال التي عللت نفسي بها، ثم ألقتني في وهدة الألم والحسرات، وأنت أيها العاشق الخائن لم علقت امرأة غيري بعد تقدمك إلي بالقسم والعهد فلا هناك الله بهذا الملك الجديد، ولا بوركت بهذا الزمان الذي ثلمت فيه اليمين بعد توثيقها إلي ولتكن لحظات (سلطانة) إليك حنقا عليك، وليكن ريقها كسم قتال ينحدر إلى جوفك ليبدلك الله بنعمتك شقاء مثل الشقاء الذي أذوق مرارته. واعلم أيها الخائن من حيث إن ديني لا يحل لي قتل نفسي بيدي فإني سأنتقم من نفسي بأن أتزوج بالمركيس الذي لا أحبه حتى إذا كان عشقي باقيا في فؤادك أسفت وتحرقت لتسليم نفسي إلى رجل غيرك، وإن كان ذكري قد برح من خاطرك فأكون على الأقل قد انتقمت من نفسي لأجل أنها أشغلت قلبها بحب رجل خائن مثلك). قالت هذا الكلام والدمع يجري من عينها وهي في حالة من القنوط لم تنفك عنها النهار ولا الليل بطوله، فلما أصبحت دخل عليها أبوها وعلم منها أنها عازمة على الاقتران بالمركيس، فاغتنم هذه الفرصة أن جاء به وزوجها منه سرا في كنيسة القصر، فكانت حالتها في ذلك اليوم تستبكي الحجر رحمة عليها إذ لم يكفها مصابا بأنها فقدت الملك وجفاها حبيبها الرفيق، وتزوجت برجل لا تميل إليه حتى إنه وجب عليها أن تكتم حزنها في قلبها بحضرة هذا الزوج الذي هام بحسنها وجمالها، ومازال جاثيا على الأرض بين قدميها إلى آخر النهار، غير تارك لها فرصة تبكي فيها على انفراد ما حاق بها من البلاء. فلما أقبل الليل ودخلت عليها قهرمانتها وزينتها لدخوله عليها خامرها يأس عظيم لم يسعها كتمانه بحضوره، فتقرب منها بتذلل وسألها عن سبب كدرها فحاولت إخفاء الأمر عليه وقالت: إن نفسها منقبضة في تلك الليلة ليس غير، فزم عليها أن ترقد في السرير، فأبت إلا الجلوس مكانها على المقعد وأخذت تفيض من عينيها دموعا كثيرة فتعجب لذلك عجبا شديدا وأتاه أن من جفائها إياه لأمرا يخون عشقه لها ولا يليق بشرفه وعرضه فبات جزعا قلقا وأعمل على أن يبقى اضطرابه كامنا في صدره. فقال: يا سيدتي، قومي إلى مضجعك وخذي راحة لجسمك والرياضة لعقلك، وإن كنت ترومين آمر القهرمانات بالقيام بين يديك لخدمتك فعلت ذلك إكراما لخاطرك. فقالت - وقد اطمأنت نفسها وذهب خوفها ووجلها - : إني لا أرى لزوما لقيامهن بين يدي، ولكن أرقد في السرير حتى يغلبني النعاس ويروق ما بي من القلق. وكان المركيس في تلك الليلة متسهدا من شدة جزعه وهو يفكر في نفسه لما كان من ضياء بأن حبيبا قد هام قلبها بحبه، ولكن من هذا الحبيب أمن أمثاله، أو ممن هو أخفض من مراتب الدولة، فلم يعلم ذلك ولكنه رأى نفسه بهذا الزواج أشقى العالمين، ومازال يردد هذه الأفكار في نفسه إلى هدوّ الليل الآخر وإذا بقرقعة خفيفة قد طرقت أذنه وتلاها وطء أقدام خفيفة في المقصورة فظن بادئ الأمر أن ذلك يتراءى له بالوهم لعلمه بأنه كان قد غلق الباب وقفله بيده بعد انصراف القهرمانات، غير أنه أزاح ستار السرير ليرى بنفسه ما كان من هذا الأمر. فإذا بالمقصورة سودها الظلام لأن السرج الذي كان موقدا قد انطفأ فبقي في موضعه مكتئبا وإذا بصوت منخفض حنون ينادي: يا ضياء فوثب من فراشه مذعورا وبادر إلى سيفه وتقدم إلى جهة الموضع الذي منه سمع الصوت ليمزق صدر الحسود الذي أراد أن يفوز باللذة على مشهد منه فإذا بسيف صلت قد لطم سيفه، فوثب فشعر ما بين ظلام الليل برجل يهرب من وجهه، فلحقه من موضع فلم يقف له على أثر فتعجب ووقف مكانه صاغيا فلم يسمع حركة البتة، فتراجع وجحد موضعه فظن أن ذلك سحر مبين. ثم تقدم إلى جهة الباب فوجده مقفولا فزاد عجبه وظن أن غريمه يكون مختبئا في موضع من المقصورة ففتحه ووقف فيه لئلا يفر الغريم من وجهه وصاح بخدمه وغلمانه لملاقاته، فبادر جماعة منهم بالسرج والشموع في أيديهم، فتناول شمعة منورة وقلب المقصورة بالبحث والتفتيش وسيفه في يده صلت فلم ير أحدا، ولا رأى منفذا فيه للدخول ولا للخروج، فتحير تحيرا شديدا وكان يغيب عقله عن الصواب، فرام أن يسأل ضياء عن الأمر ففكر أنها وإن عرفت شيئا من ذلك فهي تخفي عليه أمره، فعزم على أن يفاوض أباها في هذا الشأن وسار إليه وقد صرف الغلمان إلى مواضعهم بقوله إنه سمع قرقعة على حين لا شيء من ذلك. فلما صار على مقربة من غرفة الوزير رآه مقبلا من الباب ليرى ما كان من أمر الضجة والصراخ فأخبره بالقضية فورا وهو لا يعقل لشدة اضطرابه، فلما سمع كلامه تعجب غاية العجب واستحوذ عليه كدر عظيم وعرف في نفسه الداخل إلى ابنته ليس هو إلا الملك بعينه، ولكن لم يطلع المركيس على ذلك وإنما عمل بعكس ذلك على تهدئة جأشه وتسكين روعه وإقناعه بأن ما سمعه ليس هو بأمر واقعي وإنما هو خيال يزور صاحب الغيرة من العشاق. فإذا رأوا غير شيء ظنوه شيئا، وأكد له بأن قلق ابنته لم ينشأ عن خوف وخجل خامر فؤادها بتزويجها من رجل لم يكن لها معرفة سابقة به فهي تبكي كمثل ما يبكي غيرها من بنات الخدور من الأشراف اللواتي لا تميل قلوبهن إلى رجالهن إلا بعد المؤالفة الطويلة، ثم إنه حض على حسن الظن بها وأن يرجع إليها وينفي ما أتاه من الأوهام والأفكار، فلم يجبه المركيس بشيء على ذلك لأحد سببين فإما أن يكون اقتنع بأن ما سمعه وشعر به لم يكن إلا وهما تراءى له على حين كان باله قلقا، وإما أن يكون أضرب عن الرد على (بهرم) على حين لا يحصل له من إقناعه بكلامه فائدة، فعاد إلى سريره طلبا لإراحة نفسه بالنوم بعد شدة ما قاساه. هذا ما كان من أمره. أما ضياء فلما سمعت وطء الأقدام في الغرفة ومناداة الزائر إياها عرفت أنه الملك نفسه فتعجبت منه غاية العجب لما كان من أمره أن يجتمع بها ويجلس إليها على حين وعد (سلطانة) بأن يتزوج بها ويجالسها ويلبسها تاج الملك، فداخل قلبها من مرامه هذا غيظ شديد لأنها حسبت دخوله عليها سرا في الليل إهانة أخرى تتهم شرفها إلى آخر ما فكرت في نفسها من سوء الظنون. وأما الملك بعد أن انصرفت ضياء من حضرته يوم جلوسه على الملك وهي تظن به أنه أعظم الناس خيانة هام قبله بحبها أكثر من الأيام السالفة ورام أن يجتمع بها ليفصح لها عما خبأه في ضميره وأخذ في الحيل السياسية لأجل التمكن من الاقتران بها، غير أن اشتغاله في تلك الأيام ووفود الأمراء عليه لتهنئته لم يترك له فرصة للمسير إلى قصرها قبل آخر الليل، فدخل البستان وفتح بابا سريا من القصر بمفتاح كان لا يزال في جيبه، ثم طلع إلى المقصورة التي ربي فيها ودخل مقصورة ضياء من الباب الذي فتحه في الحائط. فلما رأى عندها رجلا وقد لطم سيفه سيفه تعجب غاية العجب من ذلك كأنه لم يكن يعلم بتزويجها من المركيس، وكاد أن يعرفه نفسه في ذلك الوقت ويأمر لحينه بقتل الشقي الذي تطاول عليه برفع السيف لولا أن حبه لضياء منعه صونا لها، وأسف لوقوع هذا الأمر. وقد عزم على العودة من الغد ليرى ما كان من هذا الرجل من إهانة شرفه وعرض نفسه للتهلكة وذلل عشقه وغرامه، فلم ير لذلك أسهل من الحيلة بالخروج إلى الصيد، فلما طلع النهار أمر جنده وأتباعه بأن يجهزوا له مركبه لذلك فركب إلى غاية القصد وبدأ في مزاولة القنص باجتهاد حتى لا يبقى لجماعته مجال لأن يفطنوا لمقصده من الحيلة. فلما اشتغل كلهم بالصيد ولحقوا الكلاب التي تطارد الغزلان والمها ركب جواده وسار إلى موضع القصر وهو لم يضل في مسيره لأنه كان يعرف الطرق والمنافذ إليه ولم يسعه اصطباره إلا أنه يركض فرسه ملء مروجه، فلما قطع المسافة التي كانت بينه وبين موضوع عشقه وآماله وهو يفكر في الحيلة التي يمدها للاجتماع بها سرا رأى تحت شجرة على باب القصر امرأتين تتحدثان فخفقت أحشاؤه لعلمه بأنهما من نساء القصر ثم ما لبثنا أن التفتتا إليه لسماعهما طرق أرجل الفرس فتحققهما وإذا هما ضياء وقهرمانة لها أمينة قد صحبتها لتبث إليها شكواها وأحزانها، فترجل عن جواده وقابلها بالتحية والإكرام فإذا بها متقطعة من الحزن فرق قلبه عليها. وقال لها: يا سيدتي، كفكفي دمعك وأذهبي الحزن عنك فإن ظواهر أمري وإن لم تقم ببرائتي لديك ففي نفسي عزم على الاقتران بك لا أنفك عنه ولو خسرت النعمة التي أتقلب فيها، فلما سمعت كلامه خنقتها العبرة ولم يأتها الكلام فقال لها: لم تتمادين في الأحزان يا سيدتي ولا تعتنين بملك يبيع ملكه حتى ينعم بك؟ فغصبت نفسها على النطق وقالت: أيها الملك لقد قام دون اقترانك بي مانع لا تقوى عليه. فقال: يا سيدتي لا تسمعيني هذا الكلام الشديد الذي يمزق كبدي فأنا والله لأقلبن البلاد وأصبغها بالدم ولا أفقد نفسي سعادتها من الاقتران بك! فقالت: أيها الملك، إن اقتدارك وعظمتك لا ينفعانك في هذا الوقت، فما أنا اليوم إلا امرأة المركيس الوزير، فلما سمع كلامها غاب عن الصواب ومزق اليأس قلبه وأوقعه في غماء، ورجع الوراء بارتجاف وقد وهت قواه واصفر فألقى نفسه كالقتيل على شجرة كانت وراءه ولبث ينظر بعين آسفة إلى حبيبته ليظهر مبلغ اليأس من هذا الخطب الجسيم والبلاء، فكانت حالته وحالتها في ذلك الحين تستبكي الحمام رحمة بالعاشقين، ثم إنه وقع نفسه بقوة وشجاعة وقال - وهو يتنهد - : يا ضياء، كيف فعلت ذلك لقد أهلكتني وأهلكت نفسك بهذا الحزن. فلما سمعت كلامه تنغصت منه في نفسها لعلمها أن الخيانة كانت منه لها لا منها له. وقالت: أيها الملك كيف تخونني، ثم تلومني وتعذلني أما كفاك وعدت (سلطانة) ابنة عمتك بالاقتران بها حتى جئت تكذب ما نظرت عيناني وسمعت أذناي فقال: يا سيدتي، لقد قلت لك: إن ظواهر أمري تقضي علي بأني خائن، ولكن ما سمعته من وعدي ابنة عمتي ليس إلا سياسة كنت حمدتني عليها فيما بعد وحققت أن عشقي لك لا يكون في القلوب أعظم منه فقالت: أيها الملك، لقد علقت نفسي بآمال ظننت أنك تحققها لي، ولكن العظمة قد أبعدتك عني فرأيت أنه لا يليق بي أن أضع على رأسي تاج الملكات فأنت أيها الخائن لِمَ لم تنطق إلي بالحقيقة التي عاهدت نفسك على إجرائها يوم أنست قلقي واضطرابي فكنت يوم ذاك شوكت جور الدهر من خيانتك وظلمك وما كنت تزوجت بأحد غيرك. وأما الآن فإني أستأذن منك بالدخول إلى مخدعي حتى أخلص من هذه المذاكرة التي تهين مجدي وشرفي ولا يحل لي أن أكلمك فيها أو في غيرها بعد أن صرت زوجة للمركيس الوزير، قالت هذا وابتعدت عنه إلى باب البستان. فقال: بالله قفي وارحمي ملكا مغرما يروم أن ينتزع الملك من يده حرصا على ودادك. فقالت: لقد حال الجريض دون القريض وأنا اليوم لا أقلق لخراب الدولة إن خربتها، ولا اضطرب لزوجتك إن تزوجت بمن أردت. واعلم بأني وإن أشغلت قلبي بهواك لأعملن جهدي كله في أن أكون خالية منه وأريك أن زوجة المركيس ليست معشوقة الأمير (ألفونس) كما عهدتها، قالت هذا ودخلت البستان وتركت الملك في أشد حسرة لما كان من إعلامها إياها باقترانها بالمركيس فوجم ساعة يفتكر بمصابه وما كان من خيبة آماله حتى كادت الغيرة تقتله فانتفض عرق غضبه وعزم على أن يقتل (بهرام) والمركيس الوزير في ساعته لولا بقية صواب بقيت في عقله وتراءى له فيها أنه إذا جمعه ومحبوبته مجلس سري أزال يأسها وأحزانها وبرأ نفسه من تهمته بخيانتها فلم ير ذلك إلا ببعد المركيس عنها، فرجع إلى قصره وأمر رئيس الشرطة أن يقلي القبض عليه بقوله: أن له في بعض الفتن. أما المركيس فإنه لما قبض عليه رئيس الشرطة بإذن الملك وضجت المدينة لذلك رأى الوزير أن يذهب إلى البلاط ويتقدم إلى الملك بالشفاعة في صهره، وكان الملك قد عرف ذلك وأن الوزير لابد من أنه سيدخل عليه للشفاعة، فأمر حجابه بأن لا يأذنوا لأحد بالدخول عليه كائنا من كان حتى لا تكون له فرصة لمزار حبيبته قبل الإفراج عن زوجها، ولكن (فرنان) مع علمه بأمر الملك أبى إلا أن يدخل عليه بحيلة من الحيل حتى إذا مثل بين يديه قال له: أيها الملك الشفيق العادل، إن عبدك (فرنان) جاء يشتكي منك إليك فأي ذنب اقترف صهره حتى حل به سخطك ولزمه العار بما أمرت به رئيس شرطتك من القبض عليه؟ فقال: اعلم أيها الوزير الصادق أن لدي بينات تثبت بأن لصهرك يدا في فتن الدولة ولا أظنه إلا ميالا مع أخي (دون لزريف) يريد أن يبايعه ويخلعني فردد الوزير في نفسه له يد في فتن الدولة ويخلع ويبايع، ثم رفع رأسه وقال: لا وأيد الله جلالة الملك إن الخيانة لم يتعودها أحد من آلي، وكفى بأن يكون المركيس صهرا لي حتى تنتفي عنه هذه التهمة، ولكن أراك قد قبضت عليه لغاية سرية منك! فقال الملك: من حيث إنك تكلمني عن سري فإني أبيح به إليك فاعلم أن الطريق التي اتخذتها بحقي جلبت علي وبالا عظيما وحرمتني لذة ينعم بها أحقر الناس قدرا. واعلم بأني لا أتزوج بسلطانة بنت عمتي. فرجف الوزير من ذلك وقال: لا يصح أيها الملك أن لا تتزوج بها بعد أن واعدتها بذلك على محضر من الأمراء والقواد فقال: ليس الذنب في ذلك علي، وإنما هو واقع عليك لما كان من إكراهك إياي على وعدها بذلك على حين لا رغبة لي فيه ولا إمكان، وما كان من كتابتك القرطاس الذي سلمته إلى ابنتك باسم (سلطانة) لا باسمها وما كان من تزويجك إياها من المركيس بالرغم عنها حتى ولو فرضنا أن طاعتك منها واجبة فما كان أغناك أن تفيدني بوعد لا طاقة لي على إنجازه إلا تذكر أن (سلطانة) إنما هي ابنة (بوران) التي أهدرت دم أبي ظلما وعدوانا أترى في الإمكان أن أجتمع وإياها على فراش واحد لا والله ولكنك ترى صقلية رمادا وسكانها رمما ومتاعها نقارا ومعالمها دوارس من قبل أن أنجز (سلطانة) وعدي باقتراني بها، فلما سمع الوزير كلامه خاف العاقبة. وقال: أيها الملك العظيم، اخفض عليك غضبك ولا أظن أن حبك لرعيتك يدعك أن تفعل ما تقول وعشقك لابنتي يحملك على إعمال العشاق من العامة، وأنا إنما صاهرت المركيس لكي أجعله من عبيدك المقربين فقال الملك: إن مصاهرتك إياه كانت سببا لما أنا فيه من القلق والاضطراب فلم توكلت بأموري على حين لم تصن رعايتها ولا سياستها أفرأيت في جبنا حتى لا أقهر من ناوأني من الأمراء والجند إذا أثاروا الفتنة علي أم رأيت أم الملوك لا حق لهم بالتنعم بما يتنعم به عامة الناس فإن كان رأيك هذا وأني أكون عبدا فخذ هذا الملك الذي أردت أن تبقيه لي بما عملت من جلب الغم واليأس علي فقال الوزير: أنت تعلم أن الملك لم يصل إليك إلا باقترانك مع (سلطانة). فقال: بأي حق كتب عمي وصيته كذلك فهل اشترط عليه أخوه (كارلوس) بمثل هذه الشروط حين خلف له الملك ولكن لتعلم أن وصيته تفسيرها العدالة وأني لا أعزم على الاقتران بابنة عمتي حتى إذا أبدى أخي إشارة ثورة علوته بالسيف وأن فكرته وإلا فكان أحق بالملك مني. فلما سمع الوزير هذا الكلام لم يبق عليه إلا أن يقبل الأرض بين يدي سيده ويطلب منه العفو عن صهره فوعده بذلك وأمره بأن يسير إلى قصره وينتظر رجوع المركيس بعده بقليل حتى إلا خلا له المكان رجع إلى نفسه وعزم على إبقاء المركيس في السجن إلى غد اليوم ليزور زوجته خفية. وأما المركيس فإنه لما قبض عليه صاحب الشرطة وطلس به لم يخف عليه معرفة سبب ذلك وصار في نفسه كأنه مطمح للغيرة تتقلب به، وتقطع فؤاده حسرة وندما، وعزم على أن ينتقم لنفسه بعد الإفراج عنه، ولكن لما قدر أن الملك لابد أن يجتمع بزوجته في تلك الليلة رام أن يدهمهما بغتة فطلب من أمير الحبس أن يطلقه في تلك الليلة على الوعد بأن يعود في الصباح إلى محبسه فلباه لذلك لمودة كانت بينهما، ولعلمه بأن (فرنان) تشفع له عند الملك فوعده بالإفراج عنه. وزاد الأمير على ذلك أنه قدم إليه فرسا كريما ليذهب إلى قصر زوجته فلما وصل إلى البستان فتح بابا سريا بمفتاح كان في جيبه وطلع إلى القصر واختبأ في مقصورة بجانب مقصورة زوجته دون أن يراه أحد ووقف وراء الباب ليرى كل ما يكون حتى إذا سمع صوتا بادر إلى المقصورة بسيفه فما كان بعد قليل إلا أن مرت من هناك قهرمانة ضياء وصارت إلى مخدعها للرقاد - هذا ما رآه من وراء الباب في بادئ الأمر. وأما ضياء فإنها لما بلغها قبض رئيس الشرطة على زوجها علمت أن الملك أمر بذلك لكي يأتي إليها فلا يراه وقدرت أنه لا يفرج عنه في تلك الليلة مع كل ما أكد لها أبوها أن الملك وعده بان يفرج عنه بعد رجوعه بقليل، فباتت وهي تنتظر دخول الملك عليها لتلومه على حبس زوجها وتخوفه العواقب الوخيمة التي تنالها منه، وإذا به قد فتح الباب (وذلك بعد انصراف القهرمانة) وانطرح بين قدميها وقال لها: يا سيدتي، لا تقضي علي بالشر قبل أن تسمعي اعتذاري فإني لم أحجز على زوجك إلا لتكون لي فرصة للاجتماع بك وإظهار الحقيقة لك، فإذا فرجت عنه لم تبق لي وسيلة إلى ذلك. فأقوال من حيث إن حرمانك حبا لي وفقدانك من بين يدي قد أحدث بي ألما لا يعبر عنه اللسان فدعيني أخفف هذا الألم بتأكيدي لك أني لم أخن عهودي إليك في شيء من الأشياء، وإني إنما وعدت (سلطانة) بالاقتران بها سياسة أكرهني عليها أبوك سامحه الله لا رضا من نفسي وإلا فإن أعمالي في الليل والنهار كانت للتمكن من التزوج بك دونها، فكان من سوء الحظ ونكد الطالع أنك سلمت نفسك إلى هذا المركيس، وجعلت لي ولك حزنا لا ينفك آخر الدهر. قال هذا الكلام وقد ظهر على وجهه يأس فهمته منه ضياء وسرت منه في بادئ الأمر لتحققها عشق الملك لها. ثم فطنت لتزوجها بالمركيس وفقدانها هناء الوصال من الملك، فتقطعت حزنا وقالت: أيها الملك إن معرفتي بعد حكم الزمان بتفريق شملنا أنك لم تخني في عهودي لما يزيد فؤادي على علاته وصبا ولكن طالعي أبى إلا أن يكون نكدا فظننت أنك نسيتني بعد جلوسك على أريكة السلطنة حتى إذا أمرني أبي بأن أتقبل المركيس زوجا لم أخالفه بذلك فكان مثلي كالرجل الباحث على حتفه بظلفه والويل لي على ما كان مني مذ خنت اليمين بعد توكيدها إليك، فانتقم لنفسك مني بأن تهجرني وترفع ذكري من خاطرك. فقال بصوت: ليس بمقدرتي يا سيدتي أن أهجر هواك ولا تعذليني على ذلك فإن العذل يولعني ويزيدني جوى! فقالت وهي تتنهد: ولكني أرى من السداد أن تجهد نفسك بذلك فقال: وهل في استطاعتك أنت أن ترفعي ذكر عشقنا من خاطرك؟ فقالت: لا أظن ولكن أبذل الوسع فيه فقال: يا قاسية القلب، أتعرضين عن محب قتله هواك وعلقت بك محبته أيام الصبا بمجرد عزم تعزمين عليه؟ فقالت كأنها ترفع عنها المذلة: أتظن بأني أرضى بأن تكون لي اليوم عاشقا لا وحياتك فإن القدر إذا لم يقدر لي بأن أكون ملكة، فلذلك لم يقدر علي بأن أخون زوجي وهو من القدر والفخامة بمنزلة لا تقل عن منزلتك لأن أجدادك هم أجداده وقد دانت لهم الملوك أيضا كما دانت لك اليوم وإني أحلف عليك بالأيمان أن تنصرف عني ولا تذل عرضي وشرفي. فصاح الملك: يا للجفاء والقسوة! أما كفى بي حزنا أن تكوني زوجة المركيس حتى تعامليني بهذا الجفاء وتحرميني من رؤيتك التي لا سلوة لي غيرها؟ فبكت، وقالت: بذا قضت الأيام، فانصرف عني فإن رؤيتك تهيجني شوقا إليك وتحدث خفقانا في قلبي لتذكري أيام الصبا، كما أن أحشائي تضطرب اضطرابا، وقل أن يكون في العاشقين مثله عند اجتماعهم بأحبابهم فاذهب وخلص شرفي من المحاربات التي تخالج فؤادي فقالت هذا الكلام وأخذت في نفسها حتى إنها قلبت شمعة منورة كانت وراءها على مائدة من غير أن تفطن لذلك فتناولتها بيدها وسارت إلى مقصورة القهرمانة لتشعلها، فلما عادت ألح عليها الملك بأن لا تعرض عن حبه ليبقى الحب بينهما متبادلا، فلما سمع المركيس كلامه اتقدت به نار الغيرة ووثب إلة المقصورة غضبا في ذات الوقت الذي عادت فيه زوجته. وقال الملك - والسيف في يده صلت-: أيها الظالم الغاشم لا تظن أيها الخائن أنك تتمكن من تتميم مرغوبك على أسهل طريقة كما حسبت. قال هذا وتواثبا كلاهما على بعض ووقع بينها صراع لم يطل كثيرا لشدة حدتهما فيه لأن المركيس قد تخوف من أن يبادر (فرنان) وأعوانه لشدة صراخ زوجته فينفذ الملك من بين يديه، فرام أن ينتقم منه على عجل واحتد حتى غاب عن الصواب فوثب وثبة شديدة بادره الملك فيها بطعنة فصرعه على الأرض يختبط بدمه. فلما رأته زوجته على تلك الحال غلب عليها الحلم والرأفة وبادرت لملاقاة جراحه، ولكن عوض أن يشكرها لذلك حنق عليها حنقا شديدا وفكر بأنه إذا مات حملها الملك إلى قصره وبات معها في هناء ونعيم فاشتدت عليه الغيرة حتى جمع قواه ورفع السيف الذي كان بيده وطعنها به وهو يقول: موتي أيتها الزوجة الخائنة التي لم تحفظي عهودا أقسمت بالله في بيعته المقدسة على توكيدها إلي وأنت أيها الملك لا تفرح بموتي ومصابي لأنك لا تهنأ بالملك بعدي قال هذا وسلم روحه على حين لم تزل سمات الانتقام مرسومة على وجهه وقد وقعت عليه زوجته وامتزج دمها بدمه. وأما الملك فإنه لما طعن المركيس زوجته ولم يكن له وقت لمداركة الأمر أظلمت الدنيا في وجهه وكاد يقع على الأرض من عظم الحزن والأمل فبادر إليها لملاقاتها بمثل ما تلافت هي زوجها على حين ما أساء مجازاتها بالقتل فقالت له بصوت ضعيف: أيها الملك الحبيب إن تدراكك أمري الآن لا يحصل منه بعد تمزيق صدري بالسيف ثمرة فليكن ملكك معظما مباركا بعدي وليكن السعد خادما لك ثم إن أباها كان قد سمع صراخها فدخل المقصورة ورأى تلك المشاهدة أمامه فوجم حزينا لا يبدي حركة غير أنها لم تفطن بما هي فيه لقدومه فأكملت كلامها إلى الملك وقالت: إني أودعك أيها الملك وأستودعك الله وأرجو أن تردد ذكري في خاطرك لأن ودادي لك وما لحقه من البلاء ليجرانك على ذلك وأملي منك أنك لا تحنق على أبي بل تكافئه على أمانته لك وتحفظه لك وتعزيه بي على قتلي وتعرفه طهارتي وعزة نفسي وهو الأمر الذي أوصيك به. قالت هذا وسلمت روحها فوجم الملك ساعة لا يبدي حركة ولا يتكلم بحرف لشدة نزنه، ثم رفع طرفه إلى وزيره وقال له: انظر أيها الوزير ما قدمت يداك، وما دبرت من الحيلة لثبات الملك لي كيف ساءت الحيلة مصيراً فلم يجبه الشيخ بكلمة، لعظم وقوع البلية عليه. وأنا لا أتعرض الآن لذكر الشعائر التي لا يعبر عنها اللسان وأكتفي من ذلك بالقول: إنه لما رجع الملك ووزيره إلى عقلهما بكيا وأعولاً عيولاً كثيراً حتى كانت حالتهما تفتت الأكباد وتذيب الجماد وبقي الحزن في قلب الملك سنين طويلة وقد حفظ ذكر محبوبته في قلبه سائر أيام حياته ولم يبق له طاقة على الاقتران بسلطانة، فتزوجها أخوه (دون لزريف) وأثار معها فتنة في البلاد لما حدثت نفسه له من وصول الملك إليه إتباعاً لوصية عمه المهرجان غير أن الدائرة دارت عليه ودانت البلاد لأخيه (ألفونس) وخضع له القواد والأمراء أما (فرنان) فإن الحزن والأسف المتسبب من تلك الخطوب غلب عليه حتى ألجأه إلى مبارحة أوطانه فسبحان مغير الأحوال. ضباعة بنت الحارث الأنصارية كانت من نساء الأنصار التقيات النقيات العابدات اللاتي لهن صحبة حسنة مع النبي صلى الله عليه وسلم وروت عنه الحديث، وأخذ عنها جملة من التابعين، وكانت فصيحة اللسان حلوة العبارة إذا حدثت وعت لها القلوب وتفتحت إليه الآذان. وكان مقربة بين الأنصار محبوبة عند الجميع لتقواها وعفافها وصيانتها مع جمالها الفائق وقد هويها زفر بن الحارث الكلابي وتعلق بها وهي لم تلتفت إليه وقد قال فيها شعرا أوله: قفي قبل التفرق يا ضباعـا فلا يك موقف منك الوداعا وهي طويلة لم نعثر على باقيها، وتوفيت بين أهلها الأنصار، وهي في عز وإقبال. ضباعة بنت الزبير ابن عبد المطلب بن هاشم القرشية ابنة عم النبي صلى الله وسلم. كانت زوجة المقداد بن عمرو الكندي فولدت له عبد الله وكريمة قتل يوم الجمل مع عائشة. روى عن ضباعة بن عباس وجابر وأنس وعائشة وعروة والأعرج وقيل: إن ضباعة بنت الزبير أتت النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله، إني أريد الحج أفأشترط؟ قال: (نعم). قالت: كيف أقول؟ قال: (قولي لبيك اللهم لبيك لبيك محلي من الأرضي حيث تحسبني) ففعلت كما أمرها وحدثت بهذا الحديث وخلافه. وروى عنها جملة من التابعين أيضا. ضباعة بنت عامر بن قرظ العامرية كانت أسلمت بمكة وقد نصرت النبي صلى الله عليه وسلم في جملة مواطن بلسانها وفعلها، وقد أبلت بلاء حسنا أمامه، فمن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم على بني عامر - وهم بعكاظ - ودعاهم إلى نصرته ومنعه فأجابوه فبينما هم كذلك إذ جاء ثجرة بن فراس القشيري فغمز (شاكلة) ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمصت به فألقته وعندهم يومئذ ضباعة بنت قرظ، كانت ممن أسلمن بمكة جاءت زائرة إلى بني عمها فقالت: يا آل عامر، ولا عامر لي أيصنع هذا برسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم ولا يمنعه أحد منكم؟ فقام ثلاثة من بني عمها إلى ثجرة، فأخذ كل رجل منهم رجلا فجلد به الأرض ثم جلس على صدره، ثم علوا وجهه لطما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الله بارك هؤلاء) فأسلموا وقتلوا شهداء. ولها نصرات كثيرة مثل هذه - رحمها الله تعالى. حرف الطاء طغاي زوجة الملك الناصر قلاوون هي الخوندة الكبرى زوجة الملك الناصر محمد بن قلاوون، وأم ابنه الأمير (أنوك) كانت من جملة إمائه فأعتقها وتزوجها. ويقال: إنها أخت الأمير (آقبغا) عبد الواحد، وكانت بديعة الحسن رأت من السعادة ما لم يره غيرها من نساء ملوك الترك بمصر ولم يدم السلطان على محبة امرأة سواها سوى طولباي الناصرية، وحج بها القاضي كريم الدين الكبير واحتفل بأمرها وحمل لها البقول في محائر طين على ظهور الجمال وأخذ لها الأبقار الحالبة فسارت معها طول الطريق لأجل اللبن الطري وعمل الجبن. وكان يلقى لها الجبن في الغداء والعشاء وإذا كان البقل والجبن بهذه المثابة وهما أحسن ما يؤكل فما عساه يكون بعد ذلك. وكان القاضي وأمير المجلس وعدة من الأمراء يمشون رجالا بين يدي محفتها ويقبلون الأرض لها، ثم حج بها الأمير (بشتاك) سنة 739 هجري. واستمرت عظمتها بعد موت السلطان إلى أن ماتت سنة 749 هجري، أيام الوباء عن ألف جارية وثمانين خادما خصيا وأموال كثيرا جدا، وكانت عفيفة طاهرة كثيرة الخير والصدقات والمعروف جهزت سائر جواريها وجعلت على قبر ابنها بقبة المدرسة الناصرية بين القصرين قراء ووقفت على ذلك وجعلت من جملته خبزا يفرق على الفقراء، ودفنت بهذه الخانقاه - وهي من أعمر الأماكن إلى يومنا هذا. طولباي الناصرية طولباي هذه هي من ذرية (جنكزخان) تزوجها الملك الناصر محمد بن قلاوون، ولما جاءت من بلادها إلى الإسكندرية في شهر ربيع الأول سنة 720 هجري وطلعت من المركب حملت في محفة من الذهب على العجل وجرها المماليك إلى دار السلطنة بالإسكندرية، وبعث السلطان إلى خدمتها عدة من الحجاب وثماني عشرة من الحرم ونزلت في الحراقة، فوصلت إلى القلعة يوم الاثنين الخامس والعشرين من شهر بيع الأول - المذكور - وفرش لها بالمناظر في الميدان دهليز أطلس معدني ومد لها سماط ثم عقد عليها يوم الاثنين 6 ربيع الآخر على ثلاثين ألف دينار. وبقيت عنده مسموعة الكلمة محظية لديه حتى إنه مال إليها بكلياته وجزيئاته، وسلمها أمور داره، واعتمد بذلك على حسبها ونسبها، وهي وفت له بما ائتمنها عليه. وكانت مشهورة بفعل الخير واجتناب الشر، ولها مآثر غريبة من مدارس ومصانع ومساجد وغير ذلك. طيطغلي خاتون زوجة السلطان أوزبك الكبرى قال ابن بطوطة في (رحلته) إن (طيطغلي)، (بفتح الطاء المهملة الأولى وإسكان الياء آخر الحروف وضم الطاء الثانية وإسكان الغين المعجمة وكسر اللام وياء مد)، هي أحظى نساء هذا السلطان عنده وعندها يبيت أكثر لياليه ويعظمها الناس بسبب تعظيمه لها كما أخبر بعض العارفين بأخبار هذه الملكة أن السلطان يحبها لموافقتها لطباعه. وقيل: إنها من سلالة المرأة التي يذكر أن الملك زال عن سليمان عليه السلام بسببها ولما عاد إليه ملكه أمر أن توضع بصحراء لا عمارة فيها فوضعت بصحراء (قفجق)، وتزوجت هناك وتناسلت. ومن ذريتها هذه (الخاتون). قال: (وفي غد اجتماعي بالسلطان دخلت إلى هذه الخاتون وهي قاعدة فيما بين عشرة من النساء القواعد كأنهن خادمات لها وبين يديها نحو خمسين جارية صغارا يسمون البنات، وبين أيديهن طيافير الذهب والفضة مملوءة بحب الملوك وهن ينقينه، وبين يدي الخاتون صينية ذهب مملوءة منه وهي تنقيه، فسلمنا عليها وكان في جملة أصحابي قارئ القرآن على طريقة المصريين بطريقة حسنة وصوت طيب فقرأ ثم أمرت أن يؤتى بالقمز فأتي به في أقداح خشب لطاف خفاف فأخذت القدح بيدها وناولتني إياه وتلك نهاية الكرامة عندهم، ولم أكن شربت القمز قبلها، ولكن لم يمكنني إلا قبولها وذقته ولا خير فيه ودفعته لأحد أصحابي وسألتني عن كثير من حال سفرنا فأجبناها، ثم انصرفنا. وكان ابتداؤنا بها لأجل عظمتها عند الملك، وإن هذه الملكة من النساء العاقلات اللاتي يسلبن ألباب الرجال بحسن آدابهن وتدابيرهن وقد ملكت عقل ذلك الملك حتى صار لا يقطع رأيا ولا يبت أمرا إلا بمشورتها. وهي من النساء المعدودات الموصوفات بفعل الخيرات والمبرات، ولها جملة مآثر في بلادها مثل مساجد ومدارس ومارستانات وغير ذلك من فعل الخيرات وتوفيت قبل زوجها فأسف عليها وكانت جنازتها أشهر ما يكون من الجنائز). حرف الظاء ظبية ابنة البراء ابن معرور امرأة أبي قتادة الأنصارية، كانت من المحدثات المتقدمات الصحابيات اللاتي لهن التقدم في الرواية وصحة الخبر أخذت من أجلة وروت جملة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروى عنها جملة من الصحابة والتابعين. ومن أحاديثها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم قائلة: هل علينا معشر النساء جمعة أو جهاد؟ فقال لها: (ليس عليكن جمعة أو جهاد). فقالت: علمني يا رسول الله تسبيح الجهاد فقال: (قولي سبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد) فجعلت تقول ذلك كلما حضرت جهادا مع قومها. ظريفة ابنة صفوان بن وائلة العذري كانت جميلة المنظر لطيفة المخبر حسنة المعشر عذبة المنطق سلسة الألفاظ خرجت يوما مع نسوة يغترفن الماء وقد انفردت تمشط شعرها على جانب الغدير وقد أسبلته كأنه الليل المظلم ووجهها من خلاله كأنه البدر في تمه وقد مر بهن زرعة بن خالد العذري يريد الصيد، فلما ورد الغدير وجد النساء على تلك الصورة وظريفة على الحالة التي ذكرناها، فحين أبصرها سقط مغشيا عليه فقامت إليه فرشت عليه الماء، فلما أفاق وأبصرها قال: وهل مقتول يداويه قاتله؟ قالت: كيف ما تشكو وحادثته فثابت نفسه إليه وقد داخلها ما داخله من الحب، ثم رجع وهو يقول: خرجنا لنصيد فاصطدنا، ثم أنشد: خرجت أصيد الوحش فصادفت قناصا من الريم صادتني سريعا حبـائلـه فلما رماني بالنـبـال مـسـارعـا رقاني وهل ميت يداويه قـاتـلـه ألا في سبيل الحب صب قد انقضـى سريعا ولم يبلغ مـرادا يحـاولـه ولزم الوساد وقطع الزاد، فلما أعيته الحيلة أخبر والدته بحاله فمضت إليها وأعلمتها بالقصة وقبلت رجليها على أن تزوره فعسى أن يشفى ولدها فقالت: إن الوشاة كثيرون ولكن خذي هذا الشعر إليه فإن أمسكه فإنه يشفى وجزت لها شيئاً من شعرها. فلما ذهبت إليه به جعل ينتشقه فتراجعت نفسه شيئا فشيئا حتى اشتهى ما يأكل فقدم إليه، فتناوله وقاك فكان يأتي قريبا من الأبيات فيسارها النظر وتخاله هي أيضا إلى أن فطن أهلها فعولوا على قتله فذهب إلى اليمن وكان كلما اشتد شوقه قبل الشعر وجعله على وجهه فيستريح فخرج يوما لبعض حاجاته فسقط منه الشعر، فلما أيس منه عزم على العود فضعف فقال: دعوني فإني أرجو أن أظفر أو أموت فنصحه غلام وأخذ يعلمه أبيات وهي هذه وقال له: إذا حاذيت موضع كذا، فأنشد: مريض بأفناء البيوت مـطـرح به ما به من لاعج الشوق يبرح وقالوا لأجل اليأس عودي لعلمـا تشكاه من آلام وجدك يمـسـح ولـيس دواء الـداء إلا بـحـيلة أضر بنا فيها غـرم مـبـرح إذا ما سألناهـا نـوالا تـنـيلـه فضم الصفا منها بذلك أسمـح ومضى الغلام حتى بلغ المكان ورفع صوته بالأبيات، فخرجت له ظريفة وأنشدت تقول: رعى الله من هام الفؤاد بحـبـه ومن كدت من شوقي إليه أطير لئن كثرت بالقلب أتراح لـوعة فإن الوشاة الحاضرين كـثـير فيمشون يشتدون غيظـا وشـرة وما منـهـم إلا أب وغـيور فإن لم أزر بالجسم خيفة معشـر فللقلب آت نحـوكـم فـيزور ثم رجع الصبي فأنشد أبياتها فغشي عليه ساعة، ثم أفاق وهو ينشد: أظن هوى الخود الغريرة قاتـلـي فيا ليت شعري ما بنو العم صنع أراهم وللرحمن در صنـيعـهـم تراكي دمي هدرا وخاب المضيع وقد زفت ظريفة إلى رجل منهم يقال له: ثعلب، فلما بلغه الخبر اضطرب سعة وغشي عليه فحرك فإذا هو ميت فلزمت ظريفة البكاء أياماً ولم تمكن الرجل من نفسها فلما كانت ذات ليلة خرجت من بعد نصف الليل فتبعها زوجها حتى انتهت إلى النهر فألقت نفسها فيه فأخرجها،و ليس بها حراك ثم حملها إلى الخيمة. فلما أصبح جاءت أمها فوجدت بها رمقاً ولكنها لم تفقه كلامها، فأشارت أن تسقى الماء فسقوها فقضت من وقتها ودفنت بجانب زرعة بن خالد بعدما نقلت إلى محل مدفنه. ظريفة كاهنة حمير كانت في زمن الملك عمرو بن عامر مزيقيا الحميري وهي التي تنبأت في سيل العرم، وكانوا يسمونها ظريفة الخير، وكان أول شيء وقع بمأرب بينما هي ذات يوم نائمة إذ رأت فيما يرى النائم أن سحابة غشيت أرضها وأرعدت وأبرقت، ثم أصعقت فأحرقت ما وقعت عليه ووقعت إلى الأرض فلم تقع على شيء إلا أحرقته، ففزعت لذلك وذعرت ذعرا شديدا، وانتبهت وهي تقول: ما رأيت مثل اليوم قد أذهب عني النوم رأيت غيما برق وأرعد، ثم أصعق فما وقع على شيء إلا أحرقه فما بعد هذا إلا الغرق، فلما رأوا ما داخلها من الرعب خفضوها وسكنوا من جأشها حتى سكنت، ثم إن الملك عمرو بن عامر دخل حديقة من حدائقه ومعه جاريتان له فبلغ ذلك ظريفة فأسرعت نحوه وأمرت وصيفا لها يقال له: سنان أن يتبعها. فلما برزت من باب بيتها عارضها ثلاث [مناجذ] منتصبات على أرجلهن واضعات أيديهن على أعينهن (وهي دواب يشبهن اليرابيع يكن بأرض اليمن). فلما رأتهن ظريفة وضعت يدها على عينها وقعدت وقالت لوصيفها: إذا ذهبت هذه [المناجذ] عنا فأعلمني، فلما ذهبت أعلمها فانطلقت مسرعة. فلما عارضها خليج الحديقة التي فيها عمرو وثبت من الماء سلحفاة فوقعت على الطريق على ظهرها وجعلت تريد الانقلاب فلا تستطيع فتستعين بذنبها وتحثو التراب على بطنها وجنبها وتقذف بالبول، فلما رأتها ظريفة جلست إلى الأرض. فلما عادت السلحفاة إلى الماء مضت إلى أن دخلت على الملك عمرو في الحديقة حين انتصف النهار في ساعة شديد حرها فإذا الشجر يتكفأ من غير ريح، فغدت حتى دخلت على عمرو ومعه جاريتان على الفراش. فلما رآها استحيا منها وأمر الجاريتين فنزلتا عن الفراش وقال: هلمي يا ظريفة إلى الفراش واجلسي إلى جانبي فتكهنت وقالت: والنور والظلماء، والأرض والسماء. إن الشجر لهالك وسيعود الماء كما كان في الدهر السالف. قال عمرو: من أخبرك بهذا؟ قالت: أخبرني [المناجذ] بسنين شدائد يقطع فيه الوالد الواحد. قال: ما تقولين؟ قالت: أقول قول الندمان لهفا، قد رأيت سلحفا تجرف التراب جرفا، وتقذف البول قذفا، فدخلت الحديقة فإذا الشجر يتكفأ. قال عمرو: متى ترين ذلك؟ قالت هي داهية كبيرة ومصائب عظيمة لأمور جسيمة. قال: وما هي؟ قالت: إن لي الويل، وما لك فيها من نيل، فلي ولك الويل مما يجيء به السيل. فألقى عمرو نفسه عن الفراش وقال: ما هذا يا ظريفة؟ قالت: هو خطب جليل، وحزن طويل، وخلف قليل والقليل خير من تركه، قال: وما علامة ذلك؟ قالت: تذهب إلى السد فإذا رأيت جرذا يكثر في السد الحفر ويقلب برجليه من الجبل الصخر فاعلم أن القريب حضر، وأنه قد وقع الأمر. قال: وما هذا الأمر الذي يقع؟ قالت: وعيد الله نزل، وباطل بطل، ونكال بنا نزل، فتعمده يا عمرو فليكن الثكل. فانطلق عمرو إلى السد يحرسه فإذا الجرذ يقلب برجليه صخرة ما يقلبها خمسون رجلا، فرجع إلى ظريفة فأخبرها الخبر وهو يقول: أبصرت أمرا عاد لي منه ألـم وهاج لي من هوله برح السقم من جرذ كفحل خـنـزير أجـم أو تيس حرم من أقاوين الغنـم يسحب صخرا من جلاميد العرم له مخالـيب وأنـياب فـطـم ما فاته سجلا من الصخر قصم كأنما يدعي حصيرا من سلـم فقالت له ظريفة: إن علامات ما ذكرت لك أن تجلس في مجلسك بين الخبتين، ثم تأمر بزجاجة فتوضع بيده يديك فإنها ستمتلئ بين يديك من تراب البطحاء من سهله الوادي ورمله، وقد علمت أن الجنان مظلة ما يدخلها شمس ولا ريح. فأمر عمرو بزجاجة فوضعت بين يديه فلم تمكث إلا قليلا حتى امتلأت من تراب البطحاء فذهب الملك إلى ظريفة فأخبرها بذلك وقال لها: متى ترين هلاك السد؟ قالت: فيما بينك وبين السبعين سنة قال: ففي أيها يكون؟ قالت لا يعلم ذلك إلا الله ولو علمه أحد لعلمته، ولا يأتي عليك ليلة فيما بينك وبين السبعين سنة (وأظنها من سني حياته) إلا ظننت هلاكك في غدها أو تلك الليلة فكان كما قالت. وحصل ما حصل في خبر طويل. حرف العين عائشة بنت أبي بكر الصديق ابن أبي قحافة القريشية تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وهي بنت ست سنين. وقيل سبع ودخل بها فيا لمدينة وهي بنت تسع. وقيل عشر وكان مولدها سنة أربع من النبوة وأمها أم رومان بنت عامر بن عويمر وكان صداقها أربعمائة درهم وكانت أحب نسائه إليه وكنيتها أم عبد الله كنيت بابن أختها أسماء، وروت عائشة ألفي حديث ومائتي حديث وعشرة أحاديث. ولها خطب ووقائع وكانت هي السبب في وقعة الجمل المشهورة في الإسلام وذلك أن عائشة خرجت إلى مكة وعثمان محصور، ثم رجعت من مكة تريد المدينة. فلما كانت برف لقيها رجل من أخوالها من ليث يقال له: عبيد بن أبي سلمة. فقالت له مهيم. قال: قتل عثمان وبقوا ثمانيا. قالت: ثم صنعوا ماذا؟ قال: اجتمعوا على بيعة علي. فقالت: هذه انطبقت على هذه إن تم المر لصاحبك ردوني، فانصرفت إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوما والله لأطلبن بدمه فقال لها: ولم إن أول من أمال حرفه لأنت ولقد كنت تقولين اقتلوا نعثلا فقد كفر. قالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه وقد قلت وقالوا وقولي الأخير خير من قولي الأول فقال لها ابن أبي سلمة: فمنك البداء ومـنـك الـغـير ومنك الرياح ومنك المطـر وأنت أمرت بـقـتـل الإمـام وقلت لنا إنـه قـد كـفـر فهبنا أطعنـاك فـي قـتـلـه وقاتله عنـدنـا مـن أمـر ولم يسقط السف من فـوقـنـا ولم ينكسف شمسنا والقـمـر وقد بايع النـاس ذاك اقـتـدار يزيل الشبا ويقيم الـصـغـر ويلبس للـحـرب أثـوابـهـا وما من وفى مثل من قد غدر فانصرفت إلى مكة فقصدت الحجر فنزلت فيه فاجتمع الناس حولها فقالت: أيها الناس، إن الغوغاء من أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة اجتمعوا على هذا الرجل المقتول ظلما بالأمس ونقموا عليه استعماله من حدثت سنه، وقد استعمل أمثالهم قبله مواضع من الحمى حماها لهم، فتابعهم ونزع لهم عنها، فلما لم يجدوا حجة ولا عذرا بادروا بالعدوان، فسفكوا الدم الحرام، واستحلوا البلد الحرام والشهر الحرام، وأخذوا المال الحرام، والله لأصبع من عثمان خير من طباق الأرض أمثالهم، ووالله لو أن الذي اعتدوا به عليه كان ذنبا لخلص منه كما يخلص الذهب من خبثه، أو الثوب من درنه أماصوه كما يماص الثوب بالماء (أي يغسل). فقال عبد الله بن عامر الحضرمي: وكان عامل عثمان على مكة ها أنا أول طالب فكان أول مجيب وتبعه بنو أمية على ذلك وبذا صارت الحرب بخبر طويل يخرجنا عن الموضوع وروده. ومما قالت عائشة عند دخولهم المربد واجتمع القوم وخرج أهل البصرة وعثمان بن حنيف وكان عاملا على البصرة فتكلمت وكانت جمهورية الصوت فحمدت الله وقالت: كان الناس يتجنون على عثمان ويزورون على عماله بالمدينة فيستشفعرننا فيما يخبرونا عنهم فننظر في ذلك فنجده بريا تقيا وفيا ونجدهم فجرة غدرة كذبة، وهم يحاولون غير ما يظهرون، فلما قووا كاثروه فتحوا عليه داره واستحل الدم الحرام والشهر الحارم والبلد الحارم بلا شره ولا غدر ألا إن مما ينبغي ولا ينبغي لكم غير أخذ قتلة عثمان وإقامة كتاب الله وقرأت (أم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب) [آل عمران: 23] الآية وكانت فصيحة الكلام صحيحة المنطق فهاجت السامعين. وقالت: أيضا يوم الجمل: أيها الناس، صه صه إن لي عليكم حق الأمومة وحرمة الموعظة لا يتهمني إلا من عصى ربه. مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري وأنا إحدى نسائه في الجنة له إدخرني ربي وسلمني من كل بضاعة وبي ميز بين منافقكم ومؤمنكم، وبي رخص الله لكم في صعيد الأبواء ثم أبى ثالث ثلاثة من المؤمنين وثاني اثنين الله ثالثهما. وأول من سمي صديقا مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم راضيا عنه وطوقه طوق الإمامة، ثم اضطرب حبل الدين فمسك أبي بطرفيه ورتق لكم فتق النفاق، وأغاض نبع الردة وأطفأ ما حش يهود وانتم يومئذ جحظ العيون تنظرون الغدرة وتسمعون الصيحة فرأب الثأى، وأوذم العطلة، وانتاش من المهواة، واحتجى دفين الداء حتى أعطن الوارد وأورد الصادر، وعل الناهل فقبضه الله واطئا على هامات النفاق مذكيا نار الحرب للمشركين، وانتظمت بضاعتكم بحبله، ثم ولي أمركم رجلا مرعيا إذا ركن إليه بعيد ما بين اللايتين عروكه للأذن بجنسه صفوحا عن أذاة الجاهلين يقظان الليل في نصرة الإسلام فسلك مسلك السابقة ففرق شمل الفتنة وجمع أعضادها جمع القران، وأنا نصب المسألة عن مسيري هذا الم ألتمس إثما ولم أدلس فتنة أوطئكموها أقول قولي هذا صدقا وعدلا وإعذاراً وإنذاراً، وأسأل الله أن يصلي على محمد وأن يخلفه فيكم بأفضل خلافة المرسلين. وقال القاسم بن محمد بن أبي بكر لما قتل أبي محمد بن أبي بكر بمصر جاء عمي عبد الرحمن بن أبي بكر فاحتملني أنا وأختا لي من مصر، فقدم بنا المدينة فبعث إلينا عائشة، فاحتملتنا من منزل عبد الرحمن إليها، فما رأيت والدة قط ولا والدا أبر منها، فلم نزل في حجرها ثم بعثت إلى عمي عبد الرحمن. فلما دخل عليهما تكلمت فحمدت الله عز وجل وأثنت عليه فما رأيت متكلما ولا متكلمة قبلها ولا بعدها أبلغ منها، ثم قالت: يا أخي، إني لأم أزل أراك معرضا عني منذ قبضت هذين البنيين منك ووالله ما قبضتهما تطاولا عليك ولا تهمة لك فيهما ولا شيء تكره ولكنك كنت رجلا ذا نساء وكانا صبيين لا يكفيان من أنفسهما شيئا فخشيت أن يرى نساؤك منهما ما يتقذرن به من قبيح أمر الصبيان، فكنت ألطف لذلك وأحق لولايته، فقد قويا على أنفسهما وشبا وعرفا ما يأتيان فها هما هذان، فضمهما إليك وكن لهما كحجية بن المضرب أخي كندة فإنه كان له أخ يقال له: معدان، فمات وترك صبية صغارا في حجر أخي، فكان أبر الناس بهم وأعطفهم عليهم، وكان يؤثرهم على صبيانه فمكث بذلك ما شاء الله. ثم إنه عرض له سفر لم يجد بدا من الخروج فيه فخرج وأوصى بهم امرأته وكانت إحدى بنات عمه وكان يقال لها: زينب، فقال اصنعي بيني أخي ما كنت أصنع بهم، ثم مضى لوجهه فغاب شهرا ثم رجع وقد ساءت حال الصبيان وتغيرت فقال: ويلك مالي أرى بني معدان مهازيل، وأرى بني سمانا؟ قالت: قد كنت أواسي بينهم، ولكنهم كانوا يعبثون ويلعبون فخلا بالصبيان، فقال: كيف كانت زينب تصنع بكم؟ قالوا: سيئة ما كانت تعطينا من القوت إلا ملء هذا القدح من لبن وأروه قدحا صغيرا، فغضب على امرأته غضبا شديدا وتركها حتى إذا راح راعيا إبله قال لهما: اذهبا فأنتما وإبلكما لبني معدان فغضبت من ذلك زينب وهجرته وضربت بينه وبينها حجابا فقال: والله لا تذوقين منها صبوحا ولا غبوقاً أبداً وقال في ذلك: لججنا ولجت هذه فـي الـتـغـضـب ولط الحجاب بينـنـا والـتـجـنـب وخطت بفردي إثمد جفـن عـينـهـا لتقتلـنـي وشـد مـا حـب زينـب تلوم على مال شـفـانـي مـكـانـه فلومي حياتي ما بدا لك واغضـبـي رحمت بني معدان إذ قـل مـا لـهـم وحق لهم مني ورب المـحـصـب وكان اليتامى لا يسـد اخـتـلالـهـم هدايا لهم مني في كل قعب مشعـب فقلت لـعـبـدينـا أريحـا عـلـيهـم سأجعل بيتي وبيت آخـر مـغـرب وقلت خذوها واعلمـوا أن عـمـكـم هو اليوم أولى منكم بـالـتـكـسـب عيالي أحـق أن ينـالـوا خـصـاصة وإن يشربوا رنقاً إلى حين مكـسـب أحابي بها من لو قـصـدت لـمـالـه حريباً لآساني علـى كـل مـوكـب أخـي والـذي إن أدعـه لـعـظـيمة يجبني وإن أغضب إلى السيف يغضب قالت عائشة: فلما بلغ زينب هذا الشعر خرجت حتى أتت المدينة فأسلمت، وذلك في ولاية عمر بن الخطاب، فقدم حجية المدينة، فطلب زينب أن ترد عليه وكان نصرانيا فنزل بالزبير بن العوام فأخبره بقصته فقال له: إياك وأن يبلغ هذا عنك عمر فتلقي منه أذى وانتشر خبر حجية بالمدينة وعلم فيم كان مقدمه فبلغ ذلك عمر فقال للزبير: قد بلغني قصة ضيفك ولقد هممت به لولا تحرمه بالنزول عليك فرجع الزبير إلى حجية فأعلمه قول عمر فمدحه بأبياته الآتي أولها: (إن الزبير بن عوام تداركني) ثم انصرف من عنده متوجها إلى بلده آيسا من زينب كئيبا حزينا، فقال في ذلك: تصابيت أم هاجت لك الشوق زينـب وكيف تصابي المرء والرأس أشيب إذا قربت زادتك شوقـا بـقـربـهـا وإن جانبت لم يغن عنها التجـنـب فلا اليأس إن ألممت يبدو فتـرعـوي ولا أنت مردود بما جئت تطـلـب وفي اليأس لو يبدو لك اليأس رحـمة وفي الأرض عمن لا يواسيك مذهب وأنا والله يا أخي خشيت عليك من مثل ذلك لئلا يصيبك مع نسائك ما أصاب حجية وزينب وأما الآن فقد كبرا وصارا يمكنهما أن يدفعا عن أنفسهما تعديات غيرهما فأخذهما عبد الرحمن إليه وهو يثني على عائشة. وكانت - رضي الله عنها - أفصح أهل زمانها وأحفظهم للحديث روت عنها الرواة من الرجال والنساء وكان مسروق إذا روى عنها يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق البريئة المبرأة وكان أكابر الصحابة يسألونها عن الفرائض. وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة من أفقه الناس وأحسن الناس رأيا في العامة. وقال عروة: ما رأيت أحد أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة، ولو لم يكن لعائشة من الفضائل إلا قصة الإفك لكفى بها فضلا وعلو مجد فإنها نزل فيها من القرآن ما يتلى إلى يوم القيامة، ولولا خوف التطويل لذكرنا القصة بتمامها، وهي أشهر من أن تذكر، وكان حسان بن ثابت عند عائشة يوما فقال يرثي ابنته: حصان رزان مـا تـزن بـرية وتصبح غرثي من لحوم الغوافل فقالت له عائشة لكن لست أنت كذلك. فقال لها مسروق: أيدخل عليك هذا وقد قال الله عز وجل: (والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم) [النور: 11] قالت: أما تراه في عذاب عظيم قد ذهب بصره وباقي الأبيات: فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتموا فلا رفعت سوطي إلي أناملـي وكيف وودي من قديم ونصرتـي لآل رسول الله زين المحـافـل فإن الذي قد قـيل لـيس بـلائط ولكنه قول امرئ بي مـا حـل وتوفيت عائشة سنة سبع وخمسين. وقيل: سنة ثمان وخمسين للهجرة ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، وأمرت أن تدفن بالبقيع ليلا، فدفنت وصلى عليها أبو هريرة ونزل قبرها خمسة عبد الله وعروة ابنا الزبير والقاسم وعبد الله ابنا محمد بن أبي بكر وعبد الله بن عبد الرحمن، ولما توفي النبي صلى الله عليه وسلم كان عمرها ثمان عشرة سنة. عائشة بنت طلحة عائشة بنت طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن معد بن تيم. وأمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، وخالتها عائشة أم المؤمنين. كانت عائشة بنت طلحة أشبه الناس بعائشة أم المؤمنين خالتها فزوجها بابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وكان ابن خال عائشة بنت طلحة، فلم تلد من أحد من أزواجها سواه. فولدت له عمران - وبه كانت تكنى- وعبد الرحمن وأبا بكر وطلحة ونفسية التي تزوجها الوليد بن عبد الملك ولكل من هؤلاء عقب وكان ابنها طلحة من أجود قريش، وتوفي بعد الله عنها ثم تزوجها بعده مصعب بن الزبير فأمهرها خمسمائة ألف درهم وأهدى لها مثل ذلك. وكانت عائشة بنت طلحة لا تستر وجهها من أحد فعاتبها مصعب في ذلك فقالت: إن الله تبارك وتعالى وسمني بميسم جمال أحببت أن يراه الناس ويعرفوا فضله عليهم فما كنت لأستره والله ما في وصمة يقدر أن يذكرني بها أحد وطالت مراجعة مصعب إياها في ذلك، وكانت شرسة الخلق، وكذلك نساء تميم هن أشرس خلق الله وأحظى عند أزواجهن وكانت عند الحسين بن علي أم إسحاق بنت طلحة فكان يقول: والله لربما حملت ووضعت وهي مصارمة لي لا تكلمني، ونالت عائشة من مصعب وقالت: لا تكلمني أبدا وقعدت في غرفة وهيأت فيها ما يصلحها فجهد مصعب أن تكلمه، فأبت، فبعث إليها ابن قيس الرقيات فسألها كلامه. فقالت: كيف يميني؟ فقال: ههنا الشعبي فقيه أهل العراق فاستفتيه، فدخل عليها فأخبرته فقال: ليس هذا بشيء. فقالت: أيحلني ويخرج خائبا فأمرت له بأربعة آلاف درهم وقال ابن قيس الرقيات لما رآها: إن الخليط قد أزمعوا تركي فوقفت في عرصاتهم أبكي خبيئة برزت لتقـتـلـنـي مطلية الأصداغ بالمسـك عجبا لمثلـك لا يكـون لـه خرج العراق ومنبر الملك وكانت عزة الميلاء من أظرف الناس وأعلمهم بأمور الناس، وكان يألفها الأشراف وأرباب المروءات وغيرهم فأتاها مصعب بن الزبير وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر أو سعيد بن العاص فقالوا: إن خطبنا فانظري لنا. فقالت لمصعب: ومن خطبت يا ابن أبي عبد الله؟ فقال: عائشة بنت طلحة. فقالت: فأنت يا ابن أبي أحيحة. قال: عائشة بنت عثمان. قالت: فأنت يا ابن الصديق. قال أم القاسم بنت زكريا بن طلحة. قالت: يا جارية، هاتي منقلي - تعني خفيها - فلبستهما وخرجت ومعها خادم لها ومضت فبدأت بعائشة بنت طلحة فقالت: فديتك كنا في مأدبة لقريش فتذاكروا جمال النساء وخلقهن وذكروك فلم أدر كيف أصفك فديتك فألقي ثيابك ففعلت وأقبلت وأدبرت فارتج كل شيء منها فقالت لها عزة: خذي ثوبك فديتك من كل سوء. فقالت عائشة: قد قضيت حاجتك وبقيت حاجتي. فقالت عزة: وما هي بنفسي أنت. قالت: تغنيني صوتاً. فاندفعت تغني: خليلي عوجا بالمحلة من جـمـل وأترابها بين الأصفير والخبـل نقف بمغان قد محا رسما البـلا تعاقبها الأيام بالريح والـوبـل فلو درج النمل الصغار بجلدهـا لأندب أعلى جلدها مدرج النمل وأحسن خلق الله جـيدا ومـقـلة تشبه في النسوان بالشادن الطفل فقامت عائشة فقبلت ما بين عينيها ودعت لها بعشرة أثواب وبطرائف من أنواع الفضة وغير ذلك ودفعته إلى جاريتها، فحملته وأتت النسوة على مثل ذلك تقول ذلك لهن حتى أتت القوم في السقيفة فقالوا: ما صنعت؟ فقالت: يا ابن أبي عبيد الله. أما عائشة فلا والله ما رأيت مثلها مقبلة ومدبرة محطوطة المتين عظيمة العجيزة، ممتلئة الترائب، نقية الثغر، وصفحة الوجه فرعاء الشعر، لفاء الفخذين، ممتلئة الصدر، خميصة البطن ذات عكن ضخمة السرة مسرولة الساقة يرتج ما بين أعلاها إلى قدميها، وفيها عيبان: أما أحدهما فيواريه الخمار وأما الآخر فيواريه الخف عظم القدم والأذن وكانت عائشة كذلك. ثم قالت عزة: وأما أنت يا ابن أبي أحيحة فإني والله ما رأيت مثل خلق عائشة بنت عثمان لامرأة قط ليس فيها عيب، والله لكأنما أفرغت إفراغا ولكن في الوجه ردة وإن استشرتني أشرت عليك بوجه تستأنس به. وأما أنت يا ابن الصديق فوالله ما رأيت مثل أم القاسم كأنها خوط بانة تنثني وكأنها خدل عنان، أو كأنها خشف ينثني وكأنها خدل عنان، أو كأنها خشف ينثني على رمل لو شئت أن تعقد أطرافها لفعلت ولكنها شحنة الصدر وأنت عريض الصدر فإذا كان ذلك قبيحا لا والله حتى يملأ كل شيء مثله فوصلها الرجال والنساء وتزوجوهن. وكان مصعب لا يقدر عليها إلا بتلاح ينالها منه، وبكل مشقة، فشكا ذلك إلى ابن فروة كاتبه فقال له: أنا أكفيك هذا إن أذنت لي. قال: نعم. افعل ما شئت فإنها أفضل شيء نلته من الدنيا فأتاها ليلا ومعه أسودان فاستأذن عليها فقالت له: أفي مثل هذه الساعة يا ابن أبي فروة قال: نعم. فأدخلته. فقال للأسودين: احفر ههنا بئرا. فقالت له جاريتها: وما تصنع بالبئر؟ قال: شؤم مولاتك، أمرني هذا الفاجر أن أدفنها حية وهو أسفك خلق الله لدم حرام. فقالت عائشة: فأنظرني أذهب إليه. قال: هيهات، لا سبيل إلى ذلك. وقال للأسودين: احفر ههنا بئرا. فقالت له جاريتها: وما تصنع بالبئر؟ قال: شؤم مولاتك، أمرني هذا الفاجر أن أدفنها حية وهو أسفك خلق الله لدم حرام. فقالت عائشة: فأنظرني أذهب إليه. قال: هيهات، لا سبيل إلى ذلك. وقال للأسودين: احفرا. فلما رأت الجد منه بكت. ثم قالت: يا ابن أبي فروة، إنك لقاتلي ما منه بد. قال: نعم، وإني لأعلم أن الله سيجزيه بعدك ولكنه قد غضب وهو كافر الغضب. قالت: وفي أي شيء غضبه؟ قال: في امتناعك عنه وقد ظن أنك تبغضينه وتتطلعين إلى غيره فقد جن. فقالت: أنشدك الله إلا عاودته. قال: إني أخاف أن يقتلني. فبكت وبكى جواريها فقال: قد رققت لك وحلف أنه يغرر بنفسه، ثم قال لها: فما أقول؟ قالت: تضمن عني أني لا أعود أبدا. قال: فما لي عندك؟ قالت: قيام بحقك ما عشت. قال: فأعطني المواثيق. فأعطته، فقال للأسودين: مكانكما، وأتى مصعبا فأخبره فقال له: استوثق منها بالأيمان ففعلت وصلحت بعد ذلك لمصعب. ودخل عليها مصعب يوما وهي نائمة متصبحة ومعه ثمان لؤلؤات قيمتها عشرون ألف دينار فأنبهها ونثر اللؤلؤ في حجرها. فقال له: نومتي كانت أحب إلي من هذا اللؤلؤ. قال: وصارمت مصعبا مرة فطالت مصارمتها له وشق ذلك عليها وعليه وكانت لمصعب حرب فخرج إليها ثم عاد وقد ظفر فشكت عائشة مصارمته إلى مولاة لها فقالت: الآن يصلح أن تخرجي إليه، فخرجت فهنأته بالفتح وجعلت تمسح التراب عن وجهه فقال لها مصعب إني أشفق عليك من رائحة الحديد. فقالت: لهو والله عندي أطيب من ريح المسك. وقال ابن يحيى: كان مصعب من أشد الناس، إعجابا بعائشة بنت طلحة ولم يكن لها شبيه في زمانها حسنا ودماثة وجمالا وهيئة ومتانة وعفة وإنها دعت يوما نسوة من قريش، فلما جئنها أجلستهن في مجلس قد نضد فيه الريحان والفواكه والطيب والمجمر وخلعت على كل امرأة منهن خلعة تامة من الوشي والخز ونحوهما ودعت عزة الميلاء، ففعلت بها مثل ذلك، وأضعفت ثم قالت لعزة هاتي يا عزة فغنينا فغنت: وثغر أغر شنيب البـنـات لذيذ المقبل والمبـتـسـم وما ذقته غـير ظـن بـه وبالظن يقضي عليك الحكم وكان مصعب قريبا منهن ومعه إخوان له، فقام فانتقل حتى دنا منهن والستور مسبلة فصاح: يا هذه إنا قد ذقناه فوجدناه على ما وصفت فبارك الله فيك يا عزة، ثم أرسل إلى عائشة أما أنت فلا سبيل لنا إليك مع من عندك، وأما عزة فتأذنين لها أن تغنينا هذا الصوت، ثم تعود إليك، ففعلت وغنته مرارا وكاد أن مصعب يذهب عقله فرحا وسرورا، وأمرها بالعود إلى مجلسها وقضوا يوما على أحسن حال. ولما قتل مصعب عن عائشة تزوجها عمر بن عبيد الله بن معمر التميمي فحمل إليها ألف ألف درهم وقال لمولاتها: لك علي ألف دينار إن دخلت بها الليلة، وأمر بالمال فحمل فألقي في الدار وغطي بالثياب، وخرجت عائشة. فقالت لمولاتها: أهذا فرش أم ثياب؟ قالت لها انظري إليه فنظرت فإذا هو مال فتبسمت فقالت لها مولاتها أجزاء من حمل هذا أن يبيت عزباً؟ قالت: لا والله ولكن لا يجوز دخوله إلا بعد أن أتزين له وأستعد قالت: فيم ذا فوجهك والله أحسن من كل زينة، وما تمدين يديك إلى طيب أو ثياب أو حلي أو فرش إلا وهو عندك وقد عزمت عليك أن تأذني له. قالت: افعلي فذهبت إليه. فقالت: قم بنا فقد قبلت فجاءهم عند العشاء الأخيرة، وقالت حين دخل بها: قد رأيناك فلم تحل لـنـا وبلوناك فلم نرض الخبر وكانت رملة بنت عبد الله بن خلف زوجة لعمر بن عبيد الله بن معمر، ولما تزوج عائشة قالت: فإني لمولاة لعائشة، أريني عائشة متجرة ولك ألف درهم، فأخبرت عائشة بذلك فأشرفت عليها مقبلة ومدبرة، فأعطت رملة مولاتها ألفي درهم وقالت: لوددت أني أعطيتك أربعة آلاف درهم ولم أرها. فمكثت عائشة عند عبيد الله بن معمر ثمان سنين ثم مات عنها سنة اثنتين وثمانين فتأيمت بعده فخطبها جماعة فردتهم ولم تتزوج بعده أبدا. وكانت عائشة من أشد الناس مغالظة لزواجها وكانت تكون لكل من يجيء يحدثها في رقيق الثياب فإذا قالوا قد جاء الأمير ضمت عليها مطرفها وقطبت وكانت كثيرا ما تصف لعمر بن عبيد الله مصعبا وجماله وتغيظه بذلك فيكاد أن يموت، وكان شديد الغيرة فدخل يوما على عائشة وقد ناله حر شديد وغبار فقال لها: انفضي التراب عني فأخذت منديلا تنفض عنه التراب، ثم قالت له: ما رأيت الغبار على وجه أحد قط أحسن منه على وجه مصعب قال: فكاد يموت غيظا. ودخلت عائشة على الوليد بن عبد الملك وهو بمكة فقالت: يا أمير المؤمنين، مر لي بأعوان، فضم إليها قوما يكونون معها فحجت ومعها ستون بغلا عليها الهوادج والرحائل، وكانت سكينة بنت الحسين - رضي الله عنهما - في تلك السنة فقال حادي عائشة: عائش يا ذات البغال الستـين لا زلت ما عشت كذا تحجين فشق ذلك على سكينة ونزل حاديها. فقال: عائش هذه ضرة تشكـوك لولا أبوها ما اهتدى أبوك فأمرت عائشة حاديها أن يكف فكف واستأذنت عاتكة بنت يزيد بن معاوية عبد الملك في الحج فأذن لها وقال: ارفعي حوائجك واستظهري فإن عائشة بنت طلحة تحج هذه السنة، ففعلت، فجاءت بهيئة جهدت فيها فلما كانت بين مكة والمدينة إذا بموكب قد جاء فضغطها وفرق جماعتها فقالت: أرى هذه عائشة بنت طلحة فسألت عنها فقالوا: هذه خازنتها، ثم جاء موكب آخر أعظم من ذلك الموكب فقالوا: عائشة عائشة فضغطهم. فسألت عنه فقالوا: هذه ماشطتها، ثم جاء مواكب على هذا المنوال، ثم أقبلت كوكبة فيها ثلثمائة راحلة عليها القباب والهوادج فقالت عاتكة: ما عند الله خير وأبقى. ووفدت عائشة بنت طلحة على هشام فقال لها: ما أوفدك؟ قالت: حبست السماء المطر ومنع السلطان الحق قال: إنس سأعرفه حقك، ثم بعثت إلى مشايخ بني أمية. فقال: إن عائشة عندي فأسمروا عند الليلة فحضروا فما تذاكروا شيئا من أخبار العرب وأشعارها وأيامها إلا أفاضت معهم فيه وما طلع نجم ولا غار إلا سمته فقال لها هشام: أما الأول فلا نكره، وأما النجوم فمن أين لك؟ قالت: أخذتها عن خالتي عائشة فأمر لها بمائة ألف درهم وردها إلى المدينة. ولما تأيمت عائشة كانت تقيم بمكة سنة وبالمدينة سنة وتخرج إلى ما لها بالطائف وقصر لها فتتنزه وتجلس بالعشيات فتتناضل بين الرماة، فمر بها النميري الشاعر فسألت عنه فنسب فقالت له لما أتوها به: أنشدني مما قلت في زينب فامتنع وقال: ابنة عمي وقد صارت عظاما بالية. قالت: أقسمت عليك، فأنشدها قوله: نزلن بفـخ ثـم رحـن عـشـية يلبين للرحمن مـعـتـمـرات يخبئن أطراف الكف من التـقـى ويخرجن شطرا لليل معتجزات ولما رأت ركب النميري أعرضت وكن من أن يلقـينـه حـذرات تضوع مسكا بطن نعمان أن مشت به زينب في نسـوة خـفـرات فقالت: والله ما قلت إلا جميلا ولا وصفت إلا كرما وطيبا وتقى ودينا، أعطوه ألف درهم. فلما كانت الجمعة الأخرى تعرض لها فقالت: علي به. فجاء، فقالت: أنشدني من شعرك في زينب. فقال: أو أنشدك من قول الحارث فيك؟ فوثب مواليها. فقالت: دعوه فإنه أراد أن يستفيد لابنة عمه هات، فانشدها: ظعن الأمير بأحسن الخـلـق وغدوا بلبك مطلع الشـرق وتنوء تثقلها عـجـيزتـهـا نهض الضعيف ينوء بالوسق ما صبحت زوجا بطلعتـهـا إلا غدا بكواكب الـطـلـق قرشية عبق العـبـير بـهـا عبق الدهان بجانب الحـق بيضاء من تيم كلفـت بـهـا هذا الجنون وليس بالعشـق فقالت: والله ما ذكر إلا جميلا ذكر أني إذا صبحت زوجا بوجهي غدا بكواكب الطلق، وأني غدوت مع أمير تزوجني إلى الشرق. أعطوه ألف درهم واكسوه حلتين ولا تعد لإتياننا يا نميري. وقال أبو هريرة لعائشة يوما: ما رأيت شيئا أحسن منك إلا معاوية أول يوم خطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: والله لنا أحسن من النار في الليلة القرة في عين المقرور. وكتب أبان بن سعيد إلى أخيه يحيى يخطب عليه عائشة بنت طلحة ففعل، فقالت: ليحيى: ما انزل أخاك أيلة قال: أراد العزلة. قالت: اكتب إلى أخيك. حللت محل الضب لا أنت ضائر عدوا ولا مستنقعا بك نـافـع وقال عبد الله بن عبد الرحمن - وقد قيل له طلقها: يقولون طلقها لأصـبـح ثـاويا مقيما علي الهم أحـلام نـائم وإن فراقي أهل بيت أحبـهـم لهم زلفة عندي لإحدى العظائم قال بعضهم: أذن المؤذن يوما وخرج الحارث بن خالد إلى الصلاة، فأرسلت إليه عائشة ابنة طلحة أنه بقي علي شيء من طوافي لم أتمه، فقعد وأمر المؤذنين، فكفوا عن الإقامة، وجعل الناس يصيحون حتى فرغت من طوافها، فبلغ ذلك عبد الملك بن مروان، فعزله وولى عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وكتب إلى الحارث: ويلك أتركت الصلاة لعائشة بنت طلحة فقال: والله لو لم تقض طوافها إلى الفجر لما كبرت. وقال في ذلك: لم أحب بأن سخطت ولكـنـه مرحباً إن رضيت عنا وأهلا إن وجهـاً رأيت لـيلة الـبـد ر عليه أثنى الجمال وحـلا وجهها الوجه لو يسيل به المز ن من الحسن والجمال استهلا إن عند الطواف حـين أتـتـه لجمالا فعماً وخلـقـاً رفـلا وكسين الجمال إن غبن عنهـا فإذا ما بدت لهن اضمـحـلا ولما قدمت عائشة إلى مكة أرسل إليها الحارث بن خالد - وهو أمير على مكة -: إني أريد السلام عليك، فإذا خف عليك أذنت وكان الرسول الغريض فقالت له: إنا حرم فإذا أحللنا أذناك، فلما حلت سرت على بغلاتها ولحقها الغريض بعسفان ومعه كتاب الحارث إليها وفيه قوله: ما ضركم لو قلتم سـددا إن المطايا عاجل غدها لها علينا نعمة سلـفـت لسنا على الأيام نجحدها لو تممت أسباب نعمتهـا تمت بذاك عندنا يدهـا فل ما قرأت الكتاب قالت ما يدع الحارث باطله، ثم قالت للغريض هل أحدثت شيئا؟ قال: نعم، فاسمعي، ثم اندفع في هذا الشعر. فقال عائشة: والله ما قلنا إلا سددا، ولا أردنا إلا أن نشتري لسانه، وأتى على الشعر كله فاستحسنه وأمرت له بخمسة آلاف درهم وأثواب. وقالت زدني فغناها في قول الحارث بن خالد أيضا: زعموا بأن البين بعد غـد فالقلب مما أحدثوا يجف والعين منذ أجد بـينـهـم مثل الجمان دموعها تكف ومقالها ودموعها سـجـم أقلل حنينك حين تنصرف تشكو ونشكو ما أشت بنـا كل بوشك البين معترف فقالت له عائشة: يا عريض بحقي عليك أهو أمرك أن تغنين في هذا الشعر؟ فقال: لا وحياتك يا سيدتي. فأمرت له بخمسة آلاف درهم ثم قالت له: غنني في شعر غيره، فغناها في قول ابن أبي ربيعة: أجمعت خلتي مع الضجر بينا جلل الله ذلك الوجه زينـا أجمعت بينها ولم تك منـهـا لذة العيش والشباب قضينـا فتلوت حمولها واستـقـلـت لم تنل طائلا ولم تقض دينا ولقد قلت يوم مـكة لـمـا أرسلت تقرأ السلام علينـا أنعم الله بالرسـول الـذي أر سل والمرسل الرسالة عينا فضحكت ثم قالت: وأنت يا غريض فأنعم الله بك عينا، وأنعم بابن أبي ربيعة عينا لقد تلطفت حتى أديت إلينا الرسالة وإن وفاءك له لما يزيدنا رغبة فيك وثقة بك، وقد كان عمر سأل من الغريض أن يغنيها هذا الصوت وقال له عمران: أبلغتها هذه في غناء، فلك خمسة آلاف درهم فوفى له بذلك وأمرت عائشة بخمسة آلاف درهم أخرى. قم انصرف الغريض من عندها فلقي عاتكة بنت يزيد بن معاوية زوجة عبد الملك بن مروان وكانت قد حجت في تلك السنة فقال لها جواريها: هذا الغريض. قالت لهن: علي به. فجيء به إليها. قال الغريض: فلما سلمت دخلت فردت علي وسألتني عن الخبر، فأقصصته عليها قالت: غنني به ففعلت فلم أرها تهش لذلك فغنيتها معترضا ولها مذكرا بنفسي في شعر مرة بن محكان السعدي يخاطب امرأته، وقد نزل به أضياف: أقول والضيف مخشي ذمـامـتـه على الكريم وحق الضيف قد وجبا يا ربة البيت قومي غير صاغـرة ضمي إليك رحال القوم والضربا في ليلة في جـمـادى ذات أنـدية لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا لا ينبح الكلب فيهـا غـير واحـدة حتى تلف على خيشومه الذنـبـا قال: فقالت وهي مبتسمة قد وجب حقك يا غريض فغنني فغنيتها: يا دهر قد أكثرت فجـعـتـنـا بسراتنا ووقرت في العـظـم وسلبتنا ما لسـت مـخـلـفـه يا دهر ما أنصفت في الحكـم لو كان لـي قـرن أنـاضـلـه ما طاش عند حفيظة سهـمـي لو كان يعطي النصف قلت لـه أحرزت سهمك فاله عن سهمي فقالت: نعطيك النصف ولا نضيع سهمك عندنا ونجزل لك قسمك وأمرت له بخمسة آلاف درهم، وثياب عدنية وغير ذلك من الألطاف قال: وأتيت الحارث بن خالد فأخبرته وقصصت عليه القصة فأمر لي بمثل ما أمرتا لي به جميعا، فأتيت ابن أبي ربيعة وأعلمته بما جرى فأمر لي بمثل ذلك، فما انصرف أحد من ذلك الموسم بمثل ما انصرفت بنظرة من عائشة ونظرة من عاتكة بنت يزيد وهما أجمل نساء عالمهما وبما أمرتا لي وبالمنزلة عند الحارث وهو أمير مكة وابن ربيعة وما أجازاني به جميعا من المال. وقد قدم قادم غلى المدينة من مكة، فدخل على عائشة بنت طلحة فقالت له: من أين أقبل الرجل؟ قال: من مكة. فقالت: فما فعل الأعرابي فلم يفهم ما أرادت، فلما عاد إلى مكة دخل على الحارث فقال له: من أين؟ قال: من المدينة. قال: فهل دخلت على عائشة بنت طلحة؟ قال: نعم، قال: ففي ماذا سألتك؟ قال: قالت لي: ما فعل الأعرابي قال له الحارث: فعد إليها ولك هذه الرحلة والحلة، ونفقتك لطريقك وادفع إليها هذه الرقعة وكتب إليها فيها: من كان يسأل عنا أين مـنـزلـنـا فالأقحوانة منا مـنـزل قـمـن إذ نلبس العيش صفوا مـا يكـدره طعن الوشاة ولا ينبو بنا الـزمـن ليت الهوى لم يقربنـي إلـيك ولـم أعرفك إذا كان حظي منكم الحزن ولقي عمر بن أبي ربيعة عائشة بمكة وعي تسير على بغلة لها فقال لها: قفي حتى أسمعك ما قلت فيك. قالت: أوقد قلت يا فاسق؟ قال: نعم، فوقفت، فأنشدها: يا ربة البغلة الشهباء هل لك فـي أن تشتري ميتا لا ترهبي حرجا قالت بدائك مت أو عش تعالجـه فما ترى لك فيما عندنا خرجـا قد كنت حملتنا غيظا نعـالـجـه فإن بعدنا فقد عنيتنا حـجـجـا حتى لو أستطيع مما قد فعلت بنـا أكلت لحمك من غي وما نضجا فقلت لا والذي حج الحجـيج لـه ما مج حبك من قلبي ولا نهجـا ولا رأى القلب من شيء يسر بـه مذ بان منزلكم منا ولا ثـلـجـا ضنت بنائلها عنه فقـد تـركـت في غير ذنب أبا الخطاب مختلجا فقالت: لا ورب الكعبة ما عنينا طرفة عين قط، ثم أطلقت عنان بغلتها وسارت ولم تزل تداريه وترفق به خوفا من أن يتعرض لها حتى قضت حجها وانصرفت إلى المدينة فقال في ذلك: إن من تهوى مع الفجر ظعن للهوى والقلب متباع الوطن بانت الشمس وكانت كلـمـا ذكرت للقلب عادوت الدرن يا أبا الحارث قلبـي طـائر فأتمر أمر رشيد مؤتـمـن نظرت عيني إليها نـظـرة تركت قلبي إليها مرتهـن ليس حب فوق ما أحببتـهـا غير أن أقتل نفسي أو أجن ومن أشعاره أيضاً فيها قصيدته التيأولها: من لقلب أمسى رهينا مـعـنـى مستكينا قد شـفـه مـا أجـنـا إثر شخص نفسي فدت ذاك شخصا نازج الدار بـالـمـدينة عـنـا ليت حظي كطرفة العين منـهـا وكثير منها القليل الـمـهـنـا ونقل صاحب الأغاني قال: بينما عمر بن أبي ربيعة يطوف بالبيت إذ رأى عائشة بنت طلحة وكانت أجمل أهل دهرها، وهي تريد الركن تستلمه، فهبت لها رآها ورأته، وعلمت أنها قد وقعت في نفسه. فبعثت إليه بجارية لها وقالت: قولي له اتق الله، ولا تقل هجرا فإن هذا مقام لا بد فيه مما رأيت. فقال للجاري: أقرئيها السلام وقولي لها: ابن عمك لا يقول إلا خيرا، وقال فيها: لعائشة ابنة التمـيمـي عـنـدي حمى في القلب ما يرعى حماها يذكرني ابنة الـتـيمـي ظـبـي يرود بروضة سهـل ربـاهـا فقلت لـه وكـاد يراع قـلـبـي فلم أرقط كاليوم اشـتـبـاهـا سوى خمش بساقك مـسـتـبـين وأن شواك لم يشبـه شـواهـا وأنك عـاطـل عـار ولـيسـت بعـارية ولا عـطـل يداهــا وأنك غير أقزع وهـي تـدنـي على المتنين أسحم قد كسـاهـا ولو قعدت ولـم تـكـلـف بـود سوى ما قد كلفت به كفـاهـا أظـل إذا أكـلـمـهـا كـأنـي أكلم حية غـلـبـت رقـاهـا تبيت إلي بعد الـنـوم تـسـري وقد أمسيت لا أخشى سـواهـا وقال فيها أشعارا كثيرة، فبلغ ذلك فتيان بني تيم أبلغهم إياه فتى منهم وقال لهم: يا بني تيم بن مرة ها والله ليقذفن بنو مخزوم بناتنا بالعظائم وتغفلون، فمشى ولد أبي بكر وولد طلحة بن عبيد الله إلى عمر بن أبي ربيعة، فأعلموه بذلك وأخبروه بما بلغهم فقال لهم: والله لا أذكرها في شعر أبدا، ثم قال بعد ذلك فيها وكنى عن اسمها قصيدته التي أولها: يا أم طلحة إن البـين قـد أفـدا قل الثواء لئن كان الرحيل غـدا أمسى العراقي لا يدري إذا برزت من ذا تطوف بالأركان أو سجدا ولم يزل عمر يتشبب بعائشة أيام الحج ويطوف حولها ويتعرض لها وهي تكره أن يرى وجهها حتى وافقها وهي ترمي الجمار سافرة فنظر إليها فقالت: أما والله لقد كنت لهذا منك كارهة يا فاسق. فقال: إني واوا ما كلـفـت بـذكـرهـا عجب وهل في الحي من متعجب نعت النساء فقلت لست بمبـصـر شبها لها أبـدا ولا بـمـقـرب فمكثن حينا ثم قلـن تـوجـهـت للحج موعدها لقـاء الأخـشـب أقبلت أنظر ما زعمن وقلـن لـي والقلب بين مصـدق ومـكـذب فلقيتها تمشي تهـادي مـوهـنـا ترمي الجمار عشية في موكـب غراء يغشي الناظرين بـياضـهـا حوراء في غلواء عيش معجـب إن التي من أرضها وسـمـائهـا جلبت لحينك ليتها لم تـجـلـب ولما حجت عائشة بنت طلحة جاءتها الثريا وأخواتها، ونساء أهل مكة القرشيات وغيرهن، وكان الغريض فيمن جاء فدخل النسوة عليها فأمرت لهن بكسوة وألطاف كانت قد أعدتها لمن يجيئها، فجعلت تخرج كل واحدة ومعها جاريتها ومعها ما أمرت به لها عائشة والغريض بالباب حتى خرج مولياته مع جواريهن الخلع والألطاف فقال الغريض: فأين نصيبي من عائشة؟ فقلن له: أغفلناك، وذهبت عن قلوبنا. فقال: ما أنا ببارح من بابها أو آخذ بحظي منها فإنها كريمة بنت كرام واندفع يغني بشعر جميل: تذكرت ليلى فالفؤاد عمـيد وشطت نواها فالمزار بعيد فقالت: ويلكم هذا مولى العيلات بالباب يذكر نفسه هاتوه، فدخل، فلما رأته ضحكت وقالت: لم أعلم مكانك ثم دعت له بأشياء أمرت له بها، ثم قالت له: إن أنت غنيتني صوتا في نفسي فلك كذا وكذا شيء سمته له فغناها في شعر كثير: وما زلت من ليلى دلن طر شاربي إلى اليوم أخفي حبهـا وأداجـن وأحمل في ليلى لقـوم ضـغـينة وتحمل في ليلى علي الضغـائن فقالت له: ما عدوت ما في نفسي ووصلته فأجزل. قال: إسحاق: فقلت لأبي عبد الله: وهل علمت حديث هذين البيتين ولم سألت الغريض ذلك؟ قال: نعم. نقل عن الشعبي أنه قال: دخلت مسجدا فإذا أنا بمصعب بن الزبير على السرير جالس، والناس عنده، فسلمت ثم ذهبت لأنصرف فقال لي ادن مني يا شعبي فدنوت حتى وضعت يدي على مرافقه، ثم قال: إذا قمت فاتبعني فجلس قليلا، ثم نهض فتوجه نحو دار موسى بن طلحة فتبعته، فلما دخل في الدار التفت إلي فقال: ادخل، فدخلت معه فإذا حجلة رأيتها لبعض الأمراء فقمت ودخل الحجلة فسمعت حركة، فكرهت الجلوس ولم يأمرني بالانصراف فإذا بجارية قد خرجت، فقالت: يا شعبي، إن الأمير يأمرك أن تجلس، فجلست على وسادة ورفع سجف الحجلة فإذا أنا بمصعب بن الزبير ورفع السجف الآخر فإذا أنا بعائشة بنت طلحة قال: فلم أر زوجا قط كان أجمل منهما مصعب وعائشة فقال مصعب: يا شعبي، هلت عرف هذه؟ فقلت: نعم، أصلح الله الأمير. قال: ومن هي؟ قلت: سيدة نساء المسلمين عائشة بنت طلحة قال: لا، ولكن هذه ليلى التي يقول فيه الشاعر: (وما زلت من ليلى لدن طر شاربي) - البيتين المتقدم ذكرهما -ثم قال: إذا شئت فقم، فقمت. فلما كان العشي رحت وإذا هو جالس على سريره في المسجد، فسلمت، فلما رآني قال لي ادن مني فدنوت حتى وضعت يدي على مرافقه فأصغى إلي فقال: هل رأيت مثل ذلك الإنسان قط قلت: لا والله قال: أفتدري لم أدخلناك قلت: لا، قال: لتحدث بما رأيت. فيظهر من هذه الرواية أن طباعهم في ذاك العصر كانت كطباع الغربيين في عصرنا هذا من قبل النساء لا كرجالنا الذين يخافون أن يظهروا للنساء أدنى شيء من الفضل غيرة عليهن ويزعموا أن هذا العز الكبر. رجعنا إلى بقية الحديث، قال: ثم التفت إلى عبيد الله بن أبي فروة فقال: أعطه عشرة آلاف درهم وثلاثين ثوبا قال: فما انصرف يومئذ أحد بمثل ما انصرف به بعشرة آلاف درهم وبمثل كارة القصار ثياباً وبنظرة من عائشة بنت طلحة. عائشة النبوية ابنة جعفر الصادق عائشة النبوية ابنة جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين وأخت موسى الكاظم. قال المناوي: كانت من العابدات الجاهدات، وكانت تقول - رضي الله عنها - وعزتك وجلالك لئن أدخلتني النار لآخذن توحيدي وأطوف به على أهل النار وأقول وحدته فعذبني. ماتت رضي الله عنها سنة هجري ودفنت فيا لمسجد المعروف باسمها الآن بناحية قراميدان بمصر وقبرها يزار وأهل مصر يعتقدون بها ويتبركون بزيارتها ومسجدها مقام الشعائر، وكان أبوها جعفر الصادق -رضي الله عنه - إماما نبيلا أخذ الحديث عن أبيه وجده لأمه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه وعروة وعطاء ونافع والزهري وهو إمام مذهب الشيعة الإمامية. عائشة بنت أحمد القرطبية قال ابن حبان: لم يكن في زمانها من حرائر الأندلس من يعادلها علما وفهما، وأدبا وفصاحة وشعرا وكانت تمدح ملوك الأندلس وتخاطبهم بما يعرض لها من حاجة، وكانت حسنة الخط تكتب المصاحف وماتت عذراء لم تتزوج، وكانت وفاتها سنة 400 هجرية. وقال صاحب المقرب: إنها من عجائب زمانها وغرائب أوانها وأبو عبد الله الطبيب عمها ولو قيل: إنها أشعر منه لجاز ودخلت يوما على المظفر بن المنصور بن أبي عامر وبين يديه ولد فارتجلت: أراك الله فـيه مـا تـريد ولا برحت معاليه تـزيد فقد دلت مخايله على مـا تؤمله وطالعه سـعـيد تشوقت الجياد له وهز ال حسام له وأشرقت البنود وكيف يخيب شبل قد نمته إلى العليا ضراغمة أسود فسوف نراه بدار في سماء من العليا كواكبه الجنود فأنتم آل عامـر خـير آل زكا الأبناء منكم والجدود وليدكم لدى رأي كـشـيخ وشيخكم لدى حرب وليد وخطبها بعض الشعراء ممن لم ترضه فكتبت إليه: إنا لبوة لكـنـنـي لا أرتـضـي نفسي مناخا طول دهري من أحد ولو أنني أختار ذلـك لـم أجـب كلباً ولا أغلقت سمعي عن أسـد عائشة بنت علي بن محمد بن عبد الغني بن المنصور الدمشقية كانت عالمة عاملة كاملة، تعلمت النحو، والصرف، والبيان، والعروض، والحديث، وفتحت حلقة للتدريس سمعت عن زوجها الحافظ نجم الدين الحسني، وعن الإمام ابن الخباز والمرداوي. ومن بعدهما حدثت وانتفع الناس بمعارفها وعلومها حتى أنها فاقت أهل زمانها علما وأدبا ومعاشرة وعفة. |
||||
|
| الأوسمة والجوائز لـ » المحارب |
| بينات الاتصال لـ » المحارب |
| اخر مواضيع » المحارب |
| إحصائية مشاركات » المحارب | |
| عدد المواضيـع : | 456 |
| عدد الـــــــردود : | 658 |
| المجمــــــــــوع : | 1,114 |
|
|
رقم المشاركة : ( 10 ) | ||||
|
نائب المدير العام للأنساب والمشجرات
|
عائشة بنت محمد بن عبد الهادي
عائشة بنت محمد بن عبد الهادي بن عبد المجيد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي. الصالحية الحنبلية سيدة المحدثين بدمشق، سمعت صحيح البخاري على حافظ العصر المعروف بالحجار. وروى عنها الحافظ ابن حجر وقرأ عليها كتبا عديدة، وانفردت في آخر عمرها بعلم الحديث، وكانت سهلة في تعليم العلوم، لينة الجانب للتعليم، ومن العجائب أن ست الوزراء كانت آخر من حدث عن الزبيدي بالسماع، ثم كانت عائشة آخر من حدث عن صاحبه ابن الحجار بالسماع أيضا وبين وفاتهما مائة سنة، وتوفيت عائشة هذه بدمشق سنة 816 هجرية ودفنت بالصالحية رحمة الله عليها. عائشة بنت يوسف بن أحمد بن نصر الباعوني كانت شاعرة مطبوعة، فاضلة أديبة، لبيبة عاقلة، وكان على وجهها من الجمال لمحة جملها الدب وحلتها بلاغة العرب، فجعلتها بغية ومنية الراغبين، والذي أجمع عليه العارفون أن عائشة هذه بين المولدين تزيد عن الخنساء بين الجاهلين، وقد وصفها عبد الغني النابلسي بأنها فاضلة الزمان، وحليفة الأدب في كل مكان، ووصفها غيره من العلماء والأعلام بأنها ربة الفضل والأدب، وصاحبة الشرف والنسب، وقد حضرت الفقه والنحو والعروض على جملة من مشايخ عصرها مثل جمال الحق والدين إسماعيل الحوراني والعلامة محيي الدين الأموري، وقد أخذ عنها جملة من العلماء والأعلام، وقد انتفع بها خلق كثير من الطالبين ولها ديوان شعر بديع في المدائح النبوية كله لطائف، ومن تآليفها: (مولد جليل للنبي صلى الله عليه وسلم) اشتمل على فرائد النظم والنثر، ومن شعرها قولها في جسر الشريعة لما بناه الملك الظاهر برقوق بيتان هدما كثيرا مما شيده فحول الشعراء من البيوت وهما: بنى سلطاننا برقوق جـسـرا بأمر والأنام لـه مـطـيعة مجازا في الحقيقة لـلـبـرايا وأمرا بالمرور على الشريعة وبالحقيقة أن من رأى سحر بلاغتها فكأنما رأى هاروت وماروت، ومن شعرها البديع في الغزل قولها: كأنما الخال القرط فـي عـنـق بدا لنا من محيا مـن خـلـقـا نجم غدا بعمود الصبح مستـتـرا خلف الثريا قبيل الشمس فاحترقا ومن نظمها قصيدتها البديعية التي سارت بذكرها الركبان، وفاقت بمعانيها على الصفي وابن حجة وسائر أهل البديع وذوي العرفان، ولها عليها شرح بديع سمته بالفتح المبين في مدح الأمين نظمتها على منوال بديعية تقي الدين بن حجة مع عدم تسمية النوع تمسكا بطلاقة الألفاظ، وانسجام الكلمات، وشرحتها بشرح مختصر أسفرت فيه عن لسان البيان بقدر الطاقة والإمكان، ونحن نورد مقدمة هذا الشرح بحروفها لما فيها من حسن المعاني البديعة وتأتي على إيراد القصيدة بأكملها بدون شرح وذلك إظهارا لفضل المترجمة وعلو همتها. قالت رحمها الله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم) الحمد لله محلي جياد الأفهام بعقود مدح الشفيع، ومجلي سلامة الأذواق بمكرر ذكره الرفيع ومرصع تيجان البيان بجواهر سيرته الحسنا، ومزين سماء البلاغة بزواهر معجزه الأسنى، ومعجز العقول عن إدراك كنه صفاته، ومؤيس الأفكار من إحصاء خصائصه وآياته، وباعث الرسل مقررين لعظيم قدره، ومنزل الكتب مبنية لرفيع ذكره، ومعطر أرجاء الوجود بالثناء على خلقه العظيم، ومشرع ألوية التخصيص له بكرائم التسجيل وجلائل التكريم، ومطلق ألسنة الأطناب في شرفه المطلق المفرد ومفرده بكمال الاصطفاء فما لكماله مثل ولأحد حمدا يجمع لي بين الأماني والأمان، ويقتضي المزيد من المبرات الشهود والعيان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة شافعة باتصال المدد، كافلة بالخلود في جنات العرفان إلى الأبد. وأشهد أن سيد أعيان الكونين، وعين حياة الدارين محمد عبده ورسوله، وحبيبه وخليله صلى الله عليه وسلم صلاة تصلني وذريتي وأحبائي في كل نفس بنفائس صلاته، وتقتضي دوام البسط بتوالي إمداداته، وتشفع لنا بمراحم القبول، وتسعفنا بكرائم الوصول صلاة لا ينقطع لها مدد، ولا ينقضي لها أمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى آل كل وصحب كل وسائر الصالحين وسلك تسليما وكرم تكريما. وبعد، فهذه قصيدة صادرة عن ذات قناع، شاهدة بسلامة الطباع، ومنقحة بحسن البيان، مبنية على أساس تقوى من الله ورضوان، سافرة عن وجوه البديع، سامية بمدح الحبيب الشفيع، مطلقة من قيود تسمية الأنواع، مشرقة الطوالع في أفق الإبداع، موسومة بين القصائد النبويات بمقتضى الإلهام الذي هو عمدة أهل الإشارات بالفتح المبين في مدح الأمين، استخرت الله تعالى بعد تمام نظمها وثبوت اسمها في شيء يروق الطالب موارده، وتعظم عند المستفيد فوائده، وهو أن أذكر بعد كل بيت حد النوع الذي بنيت عليه وافر شاهده فإن ذلك مما يفتقر إليه وأنحو في ذلك سبيل الاختصار ولا أخل بواجب، وأنبه على ما لا بد منه قصد النفع الطالب، والمسؤول من الفتاح بتأسيسها على قواعد أذن الله أن ترفع ومن مثبت رفعها بوجاهة مدح الوجيه المشفع أن يصلي ويسلم عليه، ويجعلها خاصة لوجهه الكريم ووسيلة لي ولوالدي ولذريتي ولأحبائي ولمن والاني خيرا وفور الحظ من فضله العظيم، وأن ينيلنا بوجاهة الممدوح لديه وبحقه عليه نهاية الآمال، وشمول العفو والرضوان إنه جواد كريم رؤوف رحيم، ومن الله أستمد وعليه أعتمد وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب. براعة المطلع في حسن مطلع أقمار بذي سـلـم أصبحت في زمرة العشاق كالعلم الـجـنـاس الـمـذيل والـتـام أقول والدمع جار جارح مقلي والجار جار بعذل فيه مـتـهـم الجناس المحرف يا للهوى في الهوى روح سمحت بها ولم أجد روح بشرى منهم بـهـم الجناس المشوش وفي بكائي لحال حال مـن عـدم لفقت صبرا فلم يجدي لمنع دمي الجناس المركب يا سعد إن أبصرت عيناك كاظمة وجئت سلعا فسل عن أهلها القدم الجناس المصحف والمطلق فثم أقمار تم طالعين علـى طويلع حيهم وأنزل بحيهم الجناس المخالف أحبة لم يزالوا منتهـى أمـلـي وإن هممو بالتنائي أوجبوا ألمي الجناس اللاحق علوا كمالا جلوا حسنا سبوا أمـمـا زادوا دلالا فنى صبري فيا سقمي الجناس اللفظي أحسنت ظني وإن هم حاولوا تلفي وثم سر وضنى فيه من شيمـي الجناس المعنوي أليحمدي وأبو تمام كـل شـج عانى الغرام إلى قلبي لأجلهم المناقضة قيل اسلهم قلت إن هبت صبا شجرا وأشرق البدر تما سلخ شهرهم الرجوع ما لي رجوع عن الأشجان في ولهي بل عن سلوى رجوعي صار من لزمي الاستدراك رجوتهم يعطفوا فضلا وقد عطفوا لكن على تلفي من فرط عشقهم المطابقة هان السهاد غراما فيه أقلقنـي شوقا وعز الكرى وجدا فلم أنم التمثيل وعاذل رام سلواني فـقـلـت لـه من المحال وجود الصيد في الأجم الإبهام عذلتني وادعيت النصح فيه فلا برحت أسعى بلا حد إلى النعم الاستعارة كيف السلو ونار الحب مـوقـدة وسط الحشا وعيون الدمع كالديم الأرداف ولي جفون بغير السهد ما اكتحلت ولي رسوم بغير السقم لم تسـم الافتتان تهابني الأسد في إجامها وظبا تلك الظبا قد أذلتني لعزهم مراعاة النظير أزروا بشمس الضحى والبدر حين بدوا وأومض البرق من تلقاء مبتسم عتاب المرء نفسه يا نفس ماذا الوني جدي فإن يصلوا فالقصد أو لا فموتي موت محتشم المغايرة لذكرهم صار سمع العذل يطربني من اللواحي ويلجيني أشكرهـم سلامة الاختراع بلغت من العشق مرمى ليس يدركه إلا خليع صبا مثلي إلى الـعـدم التوشيع كتمت حالي ويأبى كتمه شجنـي بحكمي الفاضحين الدمع والسقم المراجعة قالوا ارعوي قلت قلبي ما يطاوعني قالوا انثني قلت عهدي غير منفصم القول بالموجب قالوا سلوت فقلت الصبر في كلفي قالوا يئست فقلت البرء في سقمي التهكم يا عاذلي أنت معذور فسوف تـرى إذا بدا الصبح ما غطى غشا الظلم المواربة أبرمت عذلا ويخشى أن تجـربـه إلى السلو وما السلوان من شيمي ضرب المثل أجر الأمور على أذلالها فعـسـى ترى بعينك وجه النصح في كلمي النزاهة عن ذم مثلك تبياني أنـزهـه إذ أنت عندي معدود من النعم تجاهل العارف الجهل أغواك أم في الطرف منك عمى أغاب رشدك أو ضرب من اللمم الهزل الذي يراد به الجد أتعبت نفسك في عذلي ومعـذرة مني إليك فسمعي عنك في صمم البسط اعذل وعنف وقل ما اسطعت لا ترني إلا كما شاء وجدي حافظا ذمـمـي التورية تسومني الصبر عمن لي حلابهم جميع ما مر من حالات عشقهم التصدير لم يا عذولي وشاهد حسنهم فإذا شاهدته واستطعت اللوم بعد لم ما لا يستحيل بالانعكاس أني أنا عرفن فرع لنا نبـأ من الملام وحشيه بوصفهم تألف اللفظ والمعنى وامزج ملامك بالذكرى فإن بها تعللا لعليل الشوق مـن ألـم التفويف كرر أعد أطرب ابسط ثن غن أجب قل سل جد ترنـم بـر مـن أدم الإدماج أعد حديث أحبائي فهـم عـرب قد أعرب الدمع فيهم كل منعجم الاستخدام واستوطنوا السر مني فهو منزلهم ولم أفوه به يوما لـغـيرهـم المقابلة بدا الصدود ببعدي عن جوارهم فعاد وصل بقربي من محلهم تآلف اللفظ والوزن أحبة ما لقلبي غيرهـم أرب وحبهم لم يزل يربو من القدم تآلف المعنى والوزن لزمت صدق ولاهم والتزمت به فسلت أسلوه إلا عن سلوهـم الإبداع حلوا بقلبي وحلى جود مـنـتـهـم جيدي وشكر الأيادي مسمعي وفمي التفريع ما بهجة الشمس في الآفاق مشرقة يوما بأبهج من لألأء حسـنـهـم القسم وجوابه لا مكنتني المعالي من سيادتهـا إن لم أكن لهم من جملة الخدم حسن البيان بفضلهم غمروني من فواضلهـم بما عجزت به عن حق شكرهم التوشيح وألبسونـي مـذ آنـسـت نـارهـم من طور حضرتهم نورا جلا ظلمي المجاز وألبسوني ثياب الوصل معـلـمة بقربهم وأقروا في القرى علمي الاستطراد وخولوني ملكا فيه فزت بـهـم فوز العفاة بوافي فيض فضلهم التهذيب والتأديب لهم شمائل بالإحسان قد شملت وعلمت كرم الخلاق والشيم الانسجام ولي عوائد منهم بالجميل لها بمنهم اتصال غير منحسم التشريع قالوا فقد راق عيش المستهام بهم فلا جفا بعد ما جادوا بوصلهـم الالتفات حلوا بقلبي فيا قلبي تهن بـهـم وافرح ولا تلتفت عنهم لغيرهم الاحتراس قد طال شوقي وقلبي منزل لهم إلى الطلول التي تسموا باسمهم تأليف اللفظ باللفظ فليت شعري هل حالي بمنتظم قبل الوفاة وهل شملي بملتئم التكرار نعم نعم حدثتني وهي صادقة ظنون سري حديثا غير متهم المناسبة عن جودهم عن نداهم عن فواضلهم عن منهم عن وفاهم نيل برهـم حسن النسق سادوا فجودهم جم وبـذلـهـم حتم وموردهم غنم لكل ظمي الإيجاز يا سعد إن ساعد الأسعاد واجتمعت لك الأماني وجئت الحي عن ألم التتميم عرج على قاعة الوعساء منعطـفـا على العقيق على الجرعاء من أضم التجريد واقصد مصلى به باب السلام وقف لدى المقام وقبل موطئ الـقـدم التمكين فلي فؤاد بذاك الحي مرتهن سلا السلو وعانى وجده بهم الحذف ناشدته الله والنوار مـشـرقة تعلو المعالم من سكانها القدم الاقتباس ائت الكريم وهذا طور حضرتهم أقبل ولا تخف الواشين بالكلـم النوادر وشاهد الحسن والإحسان جزؤهم ولا تدع منك جزأ غير مقتسم الكناية ولا يصدك عن بذل الوجوه لـهـم نصح اللواحي وما صاغوا بنطقهم المخلص هم المفاليس ما ذاقوا الغرام ولا أموا حمى خير خلق الله كلهم الإطراء محمد المصطفى ابن للذبيح أبو ال زهراء جد أميري فتية الكـرم التكرار الوافر العظم ابن الوافر العظم اب ن الوافر العظم ابن الوافر العظم التكميل المرتضى المجتبى المخصوص أحمد من اختاره الله قبل اللوح والقـلـم الترتيب خير النبيين والبرهان متضـح عقلا ونقلا فلم نرتب ولم نهم التمسيك أسناهم نسبا أزكاهم حسـبـا أعلاهم قربا من بارئ النسم السهولة طه المنادى بألقاب العلا شرفا وغيره بالأسامي ضمن كتبهم المماثلة عزت جلالته جلت مكانته عمت هدايته للخلق بالنعم الاعتراض أعظم به من نبي مرسل نزلـت في مدحه محكم الآيات من حكم الإيداع ينبي مفصلها عن عـز مـرتـبة من قاب قوسين لم تدرك ولم ترم الإشارة تبارك الله من أوحى إلـيه بـمـا أوحى وخصصه بالمنتهى العظم التفسير برتبة ألقاب بالأدنى بحظوته برؤية الله بالإيناس بالكلم التوشيح دنا ونـال فـلا ثـان يشـاركـه فيما حواه من التخصيص والكرم العنوان أتى وكان نبيا عند خالقـه قدما وآدم طينا بعد لم يقم التسهيم ذو الجاه حيث يضم الخلق محشرهم ولا يرى غيره في الكشف للغمم حصر الجزئي وإلحاقه بالكلي ذو المجد حيث أهيل المجد قاطبة تسير تحت لواه يوم حشرهـم الاكتفاء ذو المعجزات التي منها الكتاب فيا بشرى لمقتبس منه بكـل جـم التوليد يتلى ويحلو ولا يبلى وليس له مبدل وهو حبل الله فاعتصم التفصيل قل للذي ينتهـي هـمـا يحـاولـه من حصر معجز طه الطاهر الشيم الموارد كم أعقبت راحة باللمس راحته وكم محا محنة ريق له بفـم التقسيم والنيران أطاعاه فتـلـك بـدت بعد الأفول وهذا شق في الظلم الجمع مع التقسيم والماء من إصبعيه فاض فيض ندى كيفه مردود هذا معـدم الـعـدم الجمع فريد حسن تسامى عن ممـاثـلـه في الخلق والخلق والإحكام والحكم القلب بدر الكمال البدر مكتسب=من نوره وضياء الشمس فاعتلم تنسيق الصفات أعظم به من نبي سيد سـنـد هاد سراج منير صفوة القدم التشطير بالحق مشتغل في الخلق مكتمل بالبر معتصم بالبر ملـتـزم السجع للبذل مغتنم بالبشر متسـم يسمو بمبتسم كالدر منتظم الترصيع ممجد الذكر في الفرقان بالحكـم محمد الأمر في التبيان من حكم اللف والنشر جمال صورته عنوان سيرته هذا بديع وهذي آية المـم الإغراق ولو غدا البحر حبرا والفضا ورقـا في حصر أوصافه ضاقا ببعضهم الغلو وذكره كاد لولا سنة سبقت إذا تكرر يحي بالي الرمم المبالغة علا من المثل فالتشبيه ممتـنـع في وصفه وقصور العقل كالعلم الاتساع إذ كل حسن مفاض من محاسنه وكل حسنى فمن إحسانه العمم الاتفاق محمد اسمه نعـت لـجـمـلة مـا في الذكر من مدحه في نون والقلم الجمع مع التفريق علاه كالشمس لا يخفى على بصر والوجه كالبدر يجلو حالك الظلم التشبيه لو كان ثم منيل قلت طلـعـتـه كالبدر حاشا تعالى كامل العظم التفريق قالوا في الغيث قلت الغيث آونة يهمي وغيث نداه لا زال همي صحة الإقسام يعطى العفاة أمانيهم فلست ترى في حبه غير ممنوح ومغتنـم الإشراك في النور لاح علاه لا نظير لـه نور القرآن وقرآنا من لدن حكم التلمح حاز الجمال في حسن متصف بشطره بعض ما في سيد المم المذهب الكلامي هو الحبيب من الرحمـن للعالمين بإيجاد من العدم الالتزام غوث الورى كعبة الآمال متلزمي في حبه بالتفاني صار من لزمي التوجيه جردت حجي له من كل مفسـدة ولم تزل بالصفا تسعى له قدمي الترديد بحر الوفاء دعاني بالوفاء إلى نيل الوفاء ورواني من النعم التجزئة بلغت ما رمته منهم فـلـم أرم عمن جلا غممي بالعزم والهمم الإيضاح وإفرده بالمدح واستثني بمدحك مـن حازوا علا الفضل من فازوا بسبقهم الاستتباع الباذلو النفس بذل المال مـن يدهـم والحافظو الجار حفظ العهد والذمم السلب والإيجاب لا يسلبون بفضل الله ما وهبـوا ويسلبوا ضرر الإملاق بالكرم التدبيج سود الوقائع حمر البيض في حرب خضر المرابع بيض الفعل والشيم تشبيه شيئين بشيئين كأنهم في عجاج النقع حين بدوا بدور تم بدت في حندس الظلم التنكيت للجمع فلـوا ومـا فـلـت عـزائهـم وهي المواضي على استئصال كل عم المساواة هم النجوم فما أسنى مطالعهم في أفق ملته البيضا يهديهم نفى الشيء بإيجابه لا يمزج الشك منهم صفو معتقد ولا يشين النقي باللم واللـمـم جمع المؤتلف والمختلف بالسبق فازوا بتخصيص تقدهم فيه خليفته الصديق و القدم المدح في معرض الذم لا عيب فيهم سوى أن لا يضام لهم وفد ولا يبخلوا بالرفد في العـدم الازدواج طه الذي إن اخف ذنبي ولذت به أمنت خوفي ونجاني من النقم التصريع ولا طمحت إلى شيء من الكرم إلا وبلغني فـوق الـذي أرم الفرائد ما هبت الريح إلا شمت برق وفا لي فيه وبل غطا من ديمة النعم براعة المطلب يا أكرم الرسل سؤلي فيك غير خف وأنت أكرم مدعو إلـى الـكـرم العقد حسبي بحبك أن المرء يحشر مع أحبابه فهنائي غير منحـسـم حسن الختام مدحت مجدك والإخلاص ملتزمي فيه وحسن امتداحي فيك مختتمي إن ختام هذه القصيدة لم يأت في قصيدة غيرها من حسن الذوق السليم. ومن كثرة ما لها من العلم والفهم والإطلاع وسرعة الجواب فيه بدون روية سألها سائل نظما عن وطء النائمة، فقال: ما قولك يا ستنا العـالـمة في رجل دت على نـائمة تفتحت تحسبه بـعـلـهـا وهي بما لذ لـهـا رائمة فاستيقظت فأبصرت غـيره عضت على إصبعها نادمة فهل لها من فتوة عنـدكـم مأجورة من ذاك أم آثـمة فأجابته على البديهة قائلة: قالت لكم ستكم الـعـالـمة أنا لأهل العلم كالـخـادمة أنقل ما قالوا وما أخـبـروا عن التي قد نكحت نـائمة الشافعي قال لهـا أجـرهـا ما لم تكن في نكحها عالمة والمالكي قال أنا فـتـوتـي مأجورة في ذاك لا آثـمة والحنفي قال أتى رزقـهـا في ظلمة الليل وهي حالمة والحنبلي قال أنا فـتـوتـي في هذه النكحة كـالآثـمة لو لم يكن لذ لها طـعـمـه لانتهضت من تحته قـائمة وقد توفيت في القرن العاشر من الهجرة رحمها الله رحمة واسعة. عائشة بنت السيد عبد الرحيم الرفاعي كانت والهة في الله خاشعة، تتكلم على الخواطر، وكانت عد من أعظم أهل الحال، وقفت مرة فوق سطح الدار والفقراء يتواجدون في الرواق فقالت للنساء اللواتي حولها: أعطاني الله حالا إن أردت منعت عن هؤلاء ما هم فيه. فقالت النساء لها: بالله يا سيدتنا إلا ما فعلت، فرمقت حلقة الفقراء، فسكن القوم كأن لم يكن هناك ذكر ولا وجد، وفضحك أخوها السيد شمس الدين محمد. وقال لولده: اذهب فقبل رأس عمتك وقل لها: فلتنفض على الناس مما أفاض الله لها. ففعل، فرمقت القوم مرة ثانية، فرجعوا لوجدهم وما كانوا عليه. توفيت بأم عبيدة في بغداد سنة 635 هجرية ودفنت بمشهدها المبارك - رضي الله عنها. عائشة عصمت بنت إسماعيل باشا تيمور بن محمد كاشف تيمور أديبة فاضلة، حكيمة عاقلة، بارعة باهرة، شاعرة ناثرة، رضعت أفاويق الأدب وهي في مهد الطفولية وتحلت بحلى لغات العرب قبل تضلعها باللغات التركية، وفاقت على أقرانها فصاحة عند بلوغها سن الرشاد، وصارت ندرة زمانها بين أهل الإنشاء والإنشاد، ولم تدع لولادة مقالا، ولم تترك للأخيلية مجالا، وقد أخنست الخنساء وأنستها صخر، وسارت في مضمار أدباء هذا العصر. تعلمت العلم والدب في مصر القاهر على أساتذة أفاضل بين أبويها، وكان أكثر ميلها إلى علم النحو والعروض حتى بلغت في الشعر حدا لم يبلغه غيرها من نساء عصرها. ولدت سنة 1256 هجري بمدينة القاهرة والدتها جركسية الأصل معتوقة والدها إسماعيل باشا تيمور، ولما انطوى بساط مهدها، وفرقت بين أبيها وجدها بادرت والدتها إلى تعليمها فن التطريز واستحضرت لها آلات التعليم، وكانت أفكارها غير متجهة لتلك بل جل مرغوبها تعلم القراءة والكتابة، وقد علم منها هذا الميل من ائتلافها مع كتاب والدها، وكلما كانت والدتها تمنعها عن الحضور مع الكتاب وتجبرها على تعلم التطريز تزداد هي نفورا من طلب والدتها. ولما رأى والدها تلك المحاورات تفرس فيها النجابة وقال لوالتدها: دعيها فإن ميلها إلى القراءة أقر. وأحضر لها اثنين من الأساتذة: أحدهما: يدعى إبراهيم أفندي مؤنس كان يعلمها القرآن والخط والفقه. والثاني: يدعى خليل أفندي كان يعلمها علم الصرف واللغة الفارسية. وبعدما تعلمت القرآن الشريف تاقت نفسها إلى مطالعة الكتب الأدبية - وأخصها الدواوين الشعرية - حتى تربت عندها ملكة التصورات لمعاني التشبيهات الغزلية وخلافها، ولما صارت قريحتها تجود بمعان مبتكرة لم يسبقها عليها غيرها رأى والدها أن يستحضر لها أساتذة عروضيين من النساء الأديبات، وقبل إتمام ذلك صار زواجها من السيد الشريف محمود بك الإسلامبولي ابن السيد عبد الله أفندي الإسلامكبولي كاتب ديوان همايوني بالأستانة سابقا، وذلك كان في سنة 1271 هجرية. وهنالك اقتصرت عن المطالعة وإنشاد الأشعار والتفت إلى تدبير المنزل وما يلزم له وخصوصا حينما رزقت بالأولاد والبنات، وبقيت على ذلك حتى كبرت لها بنت كان اسمها توحيدة فألفت إليها زمام منزلها، وكان في تلك الفترة توفي والدها في سنة 1289 هجرية، وزوجها في سنة 1292 هجرية، وصارت حاكمة نفسها، فأحضرت لها اثنتين لهما إلمام بالنحو والعروض: إحداهما: تدعى فاطمة الأزهرية. والثانية: ستيتة الطبلاوية - وصارت تأخذ عليهما النحو والعروض حتى برعت وأتقنت بحوره وأحسنت الشعر، وصارت تنشد القصائد المطولة والأزجل المتنوعة، والموشحات البديعة التي لم يسبقها أحد على معانيها ومن ذلك قد جمعت ثلاثة دواوين بالثلاث لغات: العربية، والتركية، والفارسية. وقبل أن تشرع في طبعها توفيت كريمتها توحيدة وهي في سن الثامنة عشرة من عمرها فاستولى على الترجمة الحزن والأسف الشديد حيث أنها كانت مدبرة منزلها، ولم تحوجها لأحد سواها، وهناك تركت الشعر والعروض والعلوم وجعلت ديدنها الرثاء والعديد والنوح مدة سبع سنوات حتى أصابها رمد العيون، وهنالك كثرت لواحيها وعواذلها من أولادها وصويحباتها ونهوها لتقلع عما هي فيه، وأخيرا سمعت قول الناصحين وقللت شيئا فشيئا من البكاء والنوح حتى شفاها الله من مرض العيون فجمعت ما وجدته من أشعارها فوجدت بعضه والباقي تفرق مدة حزنها، فجاء منه ديوان بالتركي سمته (شكوفة) وهو تحت الطبع الآن بالأستانة العلية، وديوان عربي سمته (حلية الطراز) وقد طبع ونشر وكان له وقع عظيم في النفوس وقبول زائد عند أهل الدب، وبعد ذلك رأت نفسها أنها قادرة على التأليف فألفت كتابا سمته (نتائج الأحوال) فجاء غريبا في بابه وقد طبع ونشرا أيضا، ولما انتشرت مؤلفاتها - المذكورة - سارت في حديثها الركبان إلى أقصى العمران، وطار صيتها في الآفاق، ووردت إليها التقاريظ من كل جهبذ أديب، ولوذعي أريب. وجميع ما ورد لها من التقاريظ مكتوب في مؤلفاتها - المذكورة - التي منها هذا التقريظ الآتي من السيدة وردة اليازجي الذي أبدعت فيه لرقة معانيه على ديوان حلية الطراز وهذا نصه: (سيدتي ومولاتي، إنني قد تشرفت باطلاعي على حلية طرازكم التي تحلى بها جيد العصر، وأخجلت بسبك معانيها خنساء صخر، ألا وهي الدرة اليتيمة التي لم تأت فحول الشعراء بأحسن منها، وقصر نظم الدر عنها، وشنفت بحسن ألفاظها مسامعنا حتى غدا يحسدها السمع والبصر، وسارت في آفاقنا مسير الشمس والقمر، ولقد تطفلت مع اعترافي بالعجز والتقصير بتقريظ لها وجيز حقير، فكنت كمن يشهد للشمس بالضياء، أو بالسمو للقبة الزرقاء، راجية من لدنكم قبوله بالإغضاء، ولا زلتم للفضل منارا يسطع، وبين الأدباء في المقام الأرفع بمن الله وكرمه: حبذا حلية الطراز أتـت مـن مصر تزهو باللؤلؤ المنظـوم حلية لعقـول لا حـلـية الـو شي وكنز المنطوق والمفهوم أنشأته كـريمة مـن ذوات ال مجد والفخر فرع أصل كريم شمس علم تأتي القصائد منهـا سائرات في الأفق سير النجوم كل بيت بكل مـعـنـى بـديع ما على السكر فيه من تحريم قد أعاد الـزمـان عـائشة ف يها فعاشت آثار علـم قـديم هام قلبي على السماع وأمسـى ذكرها لذتي وفيها نعـيمـي هام قلبي على السماع وأمسـى ذكرها لذتي وفيها نعـيمـي هي فخر النساء بل وردة فـي جيد ذا العصر زينب بالعلوم فأدام المولى لـهـا كـل عـز ما بدا الصبح بعد ليل بـهـيم ومن تقاريظ كتاب (نتائج الأحوال) التقريظ الآتي ذكره من السيدة وردة اليازجي أيضا وهو (سيدتي ومولاتي، أعرض أنني بينما أنا ألهج بذكر ألطافكم السنية، وأتنسم شذا أنفاسكم العبقرية، وأترقب لقاء أثر من لدنكم يتعلل به الخاطر، ويكتحل بإثمد مداده الناظر، وصلتني مشرفتكم الكريمة، وفريدة عقد وردكم اليتيمة، فجلت عن العين أقذاءها، وردت إلى النفس صفاءها، فتناولها بالقلب لا بالبنان، وتصفحت ما في طيها من سحر البيان. فقلت: هذا الكتاب الذي هام الفؤاد به يا ليتني قلم في كف كاتبـه لعمري إنه كتاب حوى بدائع المنثور والمنظوم، وتحلى من درر الفصاحة فأخجلت لديه دراري النجوم، وقد تطفلت على مقامكم العالي بهذا الجواب ناطقا بتقصيري، وضمنته من مدح سجاياكم الغراء وما يشفع لدى مكارمكم في قبول معاذيري، لا زلتم للفضل معدنا وذخرا وللأدب كنزا وفخرا: أتت فشفت بطيب الوصل قلبي فتاة تيمت قلبي الـمـحـب بديعة منظر سلـبـت فـؤادي ومن لي أن أطالبها بسلـبـي جلت وجها كبدر التـم لـكـن يلوح من الغدائر تحت حجب لها وشم كخط السحـر وافـى لديه الخال بالتنقـيط يسـبـي فصيحة منطق ناغت بـلـفـظ كسلسال من الصهباء عـذب أتت تروي لنا عن لطـف ذات غدت باللطف تسبي كل لـب وقد أهدت تحيات تـحـاكـي شذا النسمات عاطرة المهـب رسول للـولاء دعـت فـؤادي فبادر عند دعوتـهـا يلـبـي ولاء كريمة مـن خـير قـوم سموا شرفا على عجم وعرب سراة شاع ذكرهم فـأمـسـى مناط المدح فيشرق وغـرب لقد ورثوا المعالي مـن قـديم وصانوها بشفرة كل غضـب هم النجب الأولى كرموا وطابوا ولم يلدوا كذلك غير نـجـب وحسبك منهـم خـود تـبـدت بهذا العصر تخجل كل نـدب فتاة زينب جيد الـمـعـالـي بدر من حلي الآداب رطـب أهيم بها علـى بـعـد ومـاذا على الأقدار إن سمحت بقرب على مصر السلام وساكنـيهـا وما في مصر من ماء وترب على ربع به قلـبـي مـقـيم ومن لي أن أقيم مكان قلبـي ألا يا من سمت فيكل فـضـل ونالت كل خلق مسـتـحـب ومن فاضت مكارمها فأحـيت لدي من القريحة كل جـدب لقد أوليتنـي كـرمـا وجـودا بمدح من صفاتك جاء ينبـي ثاء لسـت مـنـه غـير أنـي به فاخرت أترابي وصحبـي ورب مؤلف كالروض أجـرت عليه سما البلاغة أي سحـب تهادت فيه أبكار المـعـانـي تجر من الفصاحة ذيل عجب لقد طابت فكاهـتـه وأهـدى لأسقام القرائح خـير طـب جلا الحكم التي كانت مـنـارا لكل بصيرة في كل خطـب رأيت نـتـائج الأحـوال فـيه ممثلة تلوح بـغـير نـقـب لتميورية العصر المـحـلـى بما نسجت يداها كل حـقـب أديبة معشـر شـرفـت أصـولا وسارت بـين أقـلام وكـتـب حوت قصب السباق بـكـل فـن وراضت في المعاني كل صعب ودونـك غـادة عـذراء وافـت بمهجة شيق لـلـقـاك صـب وأني لو قدرت جعـلـت ذاتـي بها سطرا ينادي الركب سربـي تقر بعجز من نظمـت حـلاهـا وتلتمس القبول وذاك حسـبـي) ومن إنشاء المترجمة نثرا ما قالته مرة، ونشر في جريدة الآداب يوم السبت الموافق 9 جمادى الثانية سنة 1306 هجرية تحت عنوان (صعر المعارف) وهي: لا تصلح العائلات إلا بتربية البنات (إني وإن كنت لست أهلا لمجال المقال في هذا المضمار ومعترفة بقصر اليد عن قبض زمام المنال لاعتكافي بخيمة الإزار، لكني أرى من خلال أطرافه أن مناهج التربية ظرف الكنوز وبحدود مسالك التأديب مفاتيح كل جوهر مكنوز، فالواجب على كل ذي نفس كريمة أن يميل كل الميل إلى تلك السبل الفخيمة ويحث كل عزيز له أن يرتع في مراتعها القويمة ليحظى بتلك الجواهر اليتيمة مع أني أرى الهيئة الشرقية لا تنظر إلا ما هو أمامها من الصالح فتحض به نفسها، ولو التفت إلى ما بعد يومها وتفقدته لعضت أنامل الندم على ما فرطت ووجدت بالالتفات إلى حكم بارئ النسمات، وموجد المخلوقات، وهي المصانع البديعة الربانية، والمباني الأصيلة الطبيعية صيرورة مدار عمران هذا العالم على الزوجين ولو أمكن الانفراد لخص عالم الأسرار أحدهما دون الآخر وهو الأفضل ولم يفقره إلى ما هو دونه، فكان التأمل في هيولى هذا الكون موجبا على الهيئة الرجولية العناية بتأديب البنات وتهذيب العائلات، لأن ثمرة الؤدد راجعة إليها، فلربما إنه قعد أمر الرجل فأدهشه، فلمته الزوجة بأطراف بناتها الرقيقة وأخمدت جذوة ولوعه بتدابيرها الدقيقة، وهو مع ذلك يجتهد في أن يكتم فضلها بين أفراد الهيئة ويحذر من إعلانه خشية أن يقال: هي ذات معلومية، فيكدر عيشه الصافي وهذا بخلاف الدولة الغربية فالأسف ثم الأسف على هيئة لم تمض فحصها في هذا النسق البديع ولم تجهد نفسها في البحث على هذا الشرف الرفيع، والعجب ثم العجب على مدينة تشغف بتزيين فتياتها بحلي مستعار، وتستعين على إظهار جمالهن بزخرف المعادن والأحجار، وتتخيل أنها زادتهن بسطة في الحسن والدلال، والحال أنها ألقت تلك الأحداث في أخدود الوبال، لأنه لم يعد عليهن من تلك المستعارات إلا العجب والغرور المؤدي بهن إلى ساحة المباهاة والفجور، وذلك لكف بصيرتهن عن الإدراك وعدم علمهن بنتائج الأحوال، وعواقب الأمور. قد زينت بالدر غـرة جـبـهة وتوشحت بخمار جـل أسـود وتطوقت بالعقد تبهـج جـيدهـا والجهل يطمس كل فضل أمجد فلو اجتهدت الهيئة الرجلية في حسن سلوكهن بالتربية، وجذبتهن بشواهد المدينة إلى طرف الإطلاع لتتوجت تلك الغانيات من تلقائها بيواقيت المعلومية، وتقلدت بلآلئ التفقه، وكلما شبت ألفت خطواتها في طرق الإدراك، وأدركت مزية حليها الأصيل فزادته جلاء، وفطنت بغلاء قيمته فأوقرته بهاء وسناء، واستغنت بلمعة شرفه عن أرفع جوهر قماش، ولو كان ملبسها ثوبا من الشاش: إن العلوم لأصل الفخر جوهـرة يسمو بها قدر الوضيع ويشرف فوجودها في درج مهجة فاضل من حازها بين الآنام مشـرف فأستوهبكم العفو يا أربا العقول عما سأقول: نحن معاشر المخدرات أدرى منكم بنشأة الأطفال من بنين وبنات، إذ من المعلوم أن الطفل حيثما صار على كف القابلة بادر أولا بالبكاء، ثم هجع برهة لفتوره مما لاقاه من التعب لاسيما إطلاق صوته في الصياح الذي لم يكن سبق له، ثم ينتبه محركا جيده يمينا وشمالا فاتحا فاه لطلب الغذاء، فترضعه أمه، فينام على أثر الشبع، فترى منه بسيمات خفيفة في أثناء نومه، وهذا دليل على أن دنيانا دار هم، ومحل أحزان وغم كثيرة الجفاء قليلة الصفاء، فإذا أخذ الطفل في النمو وبلغ خمسة أشهر كانت أول فطنته معرفة أمه ثم أبيه، وتناول الشيء حيث هو منها لإيصاله إلى فيه، فلكم التأمل في مبنى هذه الإشارة الخفيفة والعبارة اللطيفة، ثم كلما اشتدت أعصابه وقويت أعضاؤه علا صياحه فتبادره الوالدة بألحان معدة إليه فيصغي لسماع تلك الألحان. وإذا ضاق صدره من ألم عالجته بكل حنان، وحملته ودارت به من مكان إلى مكان فيفرج كربه ويتلطف ألمه، وهو يظن ذلك التلطف والتسكين بقدرتها وتبيت في قلق وضنك من الشفقة عليه فإذا عوفي أتى إليه الوالد بما يبهجه وتقر به عينه حسب قدرته، فإذا كبر وترعرع وطمحت نفسه للشراسة الطفلية اخترعت له أمه ما يليه عن ذلك وخوفته بمخترعات الأسماء منها ما يتخيل به إرهابا، وإذا صاح ذكرته به، وإذا تشيطن نادت به إليه فيسكت الطفل وتارة تذكر له أباه وتوجس به منه شرا فتوقع في قلبه من جهته الرعب فيستعظم قدرته ويكبره في عينه، ويجعل هيبته إنسان قلبه ومركز ذاته. فيا ليت شعري ماذا يكون من أمر هذه الفقيرة إلى العلوم وهي خاوية الوفاض عما تستحقه إن في ذلك لحكما: إن المصابيح إن أفعمتها دسما، أهدت لوامعها في كل مقتبس وإن خلا زيتها جفت فتائلـهـا أين الضياء لخيط غير منغمس وكيف تحسن الشفقة الوالدية بإساءة المشفق عليه، فلو عنيت رجالنا معاشر الشرقيين بتربية بناتهم وأجمعت على تلقين العلوم لهن بمقدار شفقتهم لنالت أرفع مجد، وأهنأ جد، ولعوضت تلك الفتيات عن ذلك القلق براحة العرفان، وأوسعت بسواعد معلوميتهن مضيق السلوك إلى ساحة الإذعان، وقامت بواجبات التدبير وهمت بوقاية أساس حليتها من التدمير لأن تخرب الدور بعد انقطاع أهلها طبيعي والطبيعي ليس بضار إنما هدم سقف الشرف بصرصر الجهل مع وجود الديار هو العار بل النار ومن المستغربات أن يفرط الغارس في تمهيد الأصل، ويأسف على اعوجاج الفرع، هو المؤدي به، فلو أروت الرجال غرائسها من قرارة المعرفة والعرفان لا تكأت في ثقل الأحمال على قويم تلك الأفنان، وصعدت بمساعدتهن أعلى الدرج، وتمسكت بأقوى الحجج. ولكن تعالت هيئتنا هذه في التنمق عن التهذيب بحجة أوهى من بيت العنكبوت وهي أنهن إذا تعلمن الكتابة يعلقن بالهوى ومغازلة السوى بالجوى، وبادرن بالمراسلات ألم يطرق مسامعهم روايات الأميين، وأحاديث الجاهليين. فيا رجال أوطاننا وملاك زمام شأننا لم تركتموهن سدى، وذهلتم عن مزايا التأمل في (ما تفعل اليوم ستلقاه غدا) فمن أكم بخلتم عن أن تمدوهن بزينة الإنسانية الحقيقية، ورضيتم بتجردهن عن حليتها البهية، وهن بين أنامل سطوتكم أطوع من قلم، وخضوعهن لسلطتكم أشهر من نار على علم، فعلام ترفعون أكف الحيرة عند الحاجة كالضال المعنى، وقد سخرتم بأمرهن وازدريتم باشتراكهن معكم في الأعمال واستحسنتم انفرادكم في كل معنى فانظروا عائد اللوم على من يعود. وإني أروم إظهار مقالي هذا ولكني لم أر ساعدا يكون لي مساعدا حتى منحنى المراد مفتاح درج ما كنه الفؤاد، وهي رسالة إحدى السيدات التي ترى تربية البنات من الوجبات، فيا لها من سيدة جلت بلوامع انتباهها في الليلة الليلاء سرجا، ورقت بقوة إدراكها في هذا السبق درجا، وانشقت أذهان السامعين من زهر فطنتها أرجا، وكحلت بإثمد نصحها عيون الناظرين فأحيت بصيره، وأدارت أسنة اللوم عنهن لأنها بقدرهن خبيرة فحق لي أن أهنئ المخدرات بفضل تلك المشارة التي شنفت مسامع الأيقاظ بهذه الإشارة هذا وإني أرى أنجم مصابيحها الغراء تنور بين أيدي الفضلاء، وتهدي أن يميل كل دان بالالتفات إلى ذلك الثناء المشهود، وتشغف كل مبصر منه يوصله إلى سبيل المقصود، والسلام على من اتبع الهدى). ومن مراسلاتها إلى السيدة وردة - كريمة الشيخ ناصيف اليازجي - ردا على خطاب ورد للمترجمة منها وهو: (بسم الله أقول، وعزة مآثر البراعة، وعذوبة مذاق مزايا البلاغة، إني لأغبط كتابي لدى لقاء من أؤدي إليه جوابي فلو تطاوعني الإرادة لقرنت عين الإنسان بكل عين من حروفه، وصيرت نفس مرآة العيان قرطي مظروفه، أو قبل الشمل هديا لجعلت قربانه أبعد، أو رام أعظم رشوة وهبت إليه وجدا لم أجد له حد، وذلك عندما أقبل كتابكم من سماء المعاني بعبقري الخطاب، ونقشت رقة أرقام زبدة معانيه على صحاف الصدر، فنطق الجنان قبل اللسان بالترحاب، فلله در كتاب ما نطقت ولادة إلا بحروف هجايته، وما تغزل قيس إلا بألفاظ كادت تداني براعة بدايته، قد أسس بشير يراعه بخلاصة تأثير مآله حديقة الحق بالود وسقى عطير مداده غرائس صدق تفتر عن كل غرام ووجد، وقد عن لي أن أتتوج بتلك الحلية التي توسطت في فتح باب يانعة الوداد وأنالتني نشيق تفاحات وردت هي لانتعاش الروح عين المراد فأملي أن لا تبخلي علي بتلك العاطرة ما هب الصبا، كما انك لا تبرحين من بالي ما لاح كوكب، لا زال سنا عرفانك لائحاً بتيجان الربا وذكاء بهائك يبدي سلام من حملها حبكم وصبا). ومن مراسلاتها للسيدة وردة المذكورة أيضا: (استهل براعة سلام حمل الشوق رسالته وتقلد الشفق ما نشقت ناشقة عرف الوداد كفالته، ولو رضيت المجال في صدق المقال لنطق بخالص الوفاء مداد حروفه، وأقام بأداء التحية العاطرة قبل فض ختام مظروفه ولعمري قد توجته أزاهر الثناء بلآلئ غراء، وكالمنه زواهر الوفاء من خالص الوداد إلى حضرة من لا تزال تستروح الأسماع بنسيم أنبائها صباحا ومساء، وتشوق الأرواح إلى استطلاع بدر إنسانها الكامل أطرافا وإناء، ومما زادني شوقا إلى شوق حتى لقد شب فيه طفل الشفق عن الطوق اجتلائي حديقة الورد القدسية ونافجة الدب المسكية، فيا لها من حديقة رمقتها أحداق الأذهان فاقتبست نورا ونوار، وانتشقتها مسام الآذان فثلمت طربا وسرورا. ومنذ سرحت في أرجاء تلك اليانعة إنسان العيون، وشرحت بأفكار البصيرة أسرار ذلك الدر المصون لم أزل بين طرب أتوشح بوشاحه، وأدب أتعجب من حسن اختتامه وافتتاحه وجعلت أغازل من نرجس تلك الروضة عيونا ملكت مني الحواس وأهصر من غصون ألفاتها كل ممشوق أهيف مياس، وأتأدب في حضرة وردها خوفا من شوكة سلطانه، وإن حياتي بجميل الالتفات ضاحكة عن نفيس جمانه، وإذا بالياسمين الغض قد ألقى نفسه على الثرى ونادى بلسان الإفصاح هل لهذه النضرة نظيرة يا ترى، فأشار المنثور بكفة الخضيب أن لا نظير لتلك الغادة، ونطق الزنبق بلسان البيان لا تكتموا الشهادة، فعند ذلك صفق الطير بأكف الأجنحة وبشر وجرى الماء لإذاعة نبأ السرور، فعثر بذيل النسيم وتكسر، وتمايلت أغصانها المورقة، لسماع هذا الحديث، وأخذت نسماتها العاطرة في السير الحثيث إذاعة لتلك البشائر في العشائر ونشرا لهذا الفضائل التي سارت مسير المثل السائر، فقلت بلسان الصادق الأمين بعد تحقق هذا النبأ اليقين هكذا هكذا تكون الحديقة وإلا وكذلك لتكتب الفضائل وتملي: وحدثتني يا سعد عنهم فزدتـنـي غراما فزدني من حديثك يا سعد فتحمل عني أيها الصديق تحية إلى ربة هاتيك الحديقة واشرح لديها حديث شغفي بفضلها الباهر على الحقيقة، واعتذر عن كتابي هذا فقد جاء يمشي على استحياء، وكلما حرضه الشوق على القدوم يبطئه الحياء وكيف وقد حل في منبع الفضائل والمقام الذي لم يدع مقالا لقائل، كأني إنما أهدى الثمر إلى هجر وأمنح البحر الخضم بالمطر أدام الله معالي تلك الحضرة وزادها في كل حال بهجة ونضرة ما لاح جبين هلال وبلغ غاية الكمال). ومن شعرها البديع قولها: بيد العفاف أصون عز حجـابـي وبعصمتي أسمو على أتـرابـي وبـفـكـرة وقـادة وقــريحة نقـادة قـد كـمـلـت آدابـي ولقد نظمت الشعر سيمة معشـر قبلي ذوات الخدر والأحـسـاب ما قتلـه إلا فـكـاهة نـاطـق يهوي بلاغة منطـق وكـتـاب فبنية المهدي ولـيلـى قـدوتـي وبفطنتي أعطيت فصل خطابي لله در كواعب نـسـبـوا لـهـا نسج العلا لعوانـس وكـعـاب وخصصن بالدر الثمين وهامت ال خنساء في صخر وجوب صعاب فجعلت مرآتي جـبـين دفـاتـر وجعلت من نقش المداد خضابي كم زخرفت وجنات طرسي أنملـي بعذار خط أواهـب شـبـابـي ولكم أضا شمع الذكا وتضـوعـت بعبير قولـي روضة الأحـبـاب منطقت ربات البها بـمـنـاطـق يغبطنها في حضرتي وغـيابـي وحللت في نادي الشعـور ذوائبـا عرفت شعائرها ذوو الأنـسـاب عوذت من فكري فنون بلاغـتـي بتميمة غـرا وحـرز حـجـاب ما ضرني أدبي وحسن تعـلـمـي إلا بـكـونـي زهـرة الأبـاب ما سائني خدري وعقد عصابـتـي وطراز ثوبي واعتزاز رحـابـي ما عاقني خجلي عن الـعـلـيا ولا سدل الخمار بلمتـي ونـقـابـي عن طي مضمار الرهان إذا اشتكت صعب السباق مطامح الـركـاب بل صولتي في راحتي وتفـرسـي في حسن ما أسعى لخـير مـآب ناهيك من سر مصـون كـنـهـه شاعت غرابته لـدى ا؟لأغـراب كالمسك مختـوم بـدرج خـزائن ويصوغ طيب طيبـه بـمـلاب أو كالبحار حوت جواهـر لـؤلـؤ عن مسها شلـت يد الـطـلاب در لشوق نوالـهـا ومـنـالـهـا كم كابد الغواص فـعـل عـذاب والعنبر المشهور وافق صونـهـا وشؤنه تتـلـى بـكـل كـتـاب فأنرت مصباح البارعة وهي لـي منح الإله مـواهـب الـوهـاب وقولها وقد توسلت بالمقام النبوي صلى الله عليه وسلم: أعن وميض سري في حندس الظلـم أم نسمة هاجت الأشواق من أضـم فجدد إلى عهد بـالـغـرام مـضـى وشاقني نحو أحبابـي بـذي سـلـم دعا فؤادي من بعـد الـسـلـو إلـى من كنت أعهد في قلبي من الـقـدم وهاجني لحبيب عشـق مـنـظـره يمحو ويثبت ما يهواه من عـدمـي يمحو سلوي كما يمـحـو إسـاءتـه حبي له فعذابي فـيه كـالـنـعـم رام الوشاة سلوي عـن مـحـبـتـه ولـم أوف لـهـم عـذلا ولـم أرم كيف استنار الجوى يا من تملكـنـي وشاهد العشق في العشاق كالعـلـم فيا له معرضا عني ومـعـتـرضـا بين الفراغ وقلبي فهو متـهـمـي حسبي من الحب ما أفضى إلى تلفـي وما لقـيت مـن الآلام والـسـقـم إني رددت عنانـي عـن غـوايتـه وقلت يا نفس خلي باعـث الـنـدم ولذت بالمصطفى رب الشـفـاعة إذ يدعو المنادي فتحيا الناس من رمـم طه الذي قد كسى إشراق بعـثـتـه وجه الوجود سناء الرشد والـكـرم طه الذي كلـلـت أنـوار سـنـتـه تيجان أمته فضـلا عـلـى الأمـم نعم الحبيب الذي من الـرقـيب بـه وهو القريب لراجي المجد والنعـم روحي الفداء ومن لي أن أكـون لـه هذا الفداء وموجودي كـمـنـعـدم وما هي الروح حتى أفتديتـه بـهـا وهي البقاء بقاء الظلم والـظـلـم والعمر أوفت ثقال الوزر لمـحـتـه وبددته صروف الدهر بـالـتـهـم أين الرشاد الـذي أعـددتـه لـغـد غويت عنه فزلت بالهوى قـدمـي من لي بأطلال بان عز منـظـرهـا تسقي بطل من الآماق منـسـجـم تحط أثقـال وزر لا تـقـوم بـهـا شم الرواسي من راس ومـنـهـدم كم بنبع زلـل قـد فـاض مـن يده أروى الأوام وأسقى منه كـل ظـم والجذع أن له من بـعـده جـزعـا لما نأى عنه مولى العرب والعجـم لانت له الصخرة الصـمـاء طـائعة مذ مسها سيد الـكـونـين الـقـدم فيا لها معجـزات مـا لـهـا عـدد أقلها ما بـدا نـار عـلـى عـلـم ولا يحيط به مدحي ولـو جـعـلـت جوارحي ألسنا ينطقن بـالـحـكـم وإنما أرتجي من مـدحـه قـبـسـا يهذي الصراط ويشفي الروح من ألم وكيف لي باتعاظ النـفـس آمـرتـي بالسوء ناهيتي عن مورد الـنـعـم فما التماسي عـن خـير يقـربـنـي إلى النعيم ولا نسقي بمـنـتـظـم لكن لي أسوة أشفي بـهـا وصـبـي حسن ارتباطي بحبل غير منفـصـم ومـنة الـلـه دين وصـفـه قــيم لحجني أن أخف يوم لـلـقـا يقـم وما سوى فوز كوني بعـض أمـتـه ذخرا أفوز به مـن زلة الـوصـم إلا التماسي عفواف بالشـفـاعة لـي من خاتم الرسل خير الخلق كلـهـم مددت كف الرجا أرجو مـراحـمـه وقد حللت به في شهـره الـحـرم محمد المصطفى مشكاة رحمـتـنـا مصباح حجتنا فـي بـعـثة الأمـم يا من به أفـتـدي يوم الـزحـام إذا أبديت ناصية مفـجـومة الـوسـم أقول حين أوافي الحشر في خجل إن الكبائر أنست ذكرة الـلـمـم يا خير من أرتجي إن لك تكن مددي وأزلتي يوم وضع القسط والدمي فأشفع بحب الذي أنت الحبيب لـه لولاك ما أبرز الدنيا من الـعـدم عليك أزكى صلاة الله ما افتتحـت أدوار دهر وما ولت بمختـتـم. وقولها غزلا: منثور حسنك في الحشا سطرته ورقيم خطك طالما كررتـه سطر العذار تلوته فوجـدتـه يومي لسفك دمي وقد سلمته وقولها في الخمريات: لاح الصبوح وبـهـجة الأوقـات فاشرب وعاطي الصب بالكاسات واجلب براحك للقلـوب تـروحـا فالراح تبدع نـشـأة الـلـذات وانهض فديتك فالزمان مراقـبـي فالحظ لي فـي كـل يوم آتـي ودع الوشاة وما تقول عـواذلـي فالعين عيني والصفات صفاتـي ودعني ومالي في الفؤاد بحبـهـا لما صبا بشقـائق الـوجـنـات لا غرو أن كان الرشـيق يديرهـا في معهد الغزلان والـبـانـات فانا الأسير بظل روض كرومهـا ولو أن في عتقي هني حـياتـي وأنا الشهيد بحب ذوق عصيرهـا إن كان في حب الكؤوس مماتي جهل العواذل ما تريد بشـربـهـا نفسي وما تلقى من السـكـرات تسليني عن جـفـوة أم صـبـوة لفؤادي المضنى من الحسـرات شتان بين ظنونـهـم وسـرائري والله يعلم منـتـهـى غـاياتـي كما باتت الأحداق يسقى طلـهـا روض الجوى وحدائق اللوعات يا عاذلي كف المـلام فـإنـنـي صلب بدت بين الـورى آياتـي قل ما تشاء فإن قولك مطـربـي وحديث من أهوى دوا عـلاتـي إن شئت لمني أو فهـدد وانـتـه فأليم لومك في الهوى لـذاتـي لعبت بي الأشجان حتـى إنـنـي لم أدر من أهوى ومن هو ذاتي ورسا بي الشوق الخؤن لمعـهـد أهو العلى أم غرفة الـجـنـات وقلوها تهنئة بمولود: تجلى النور في أفق المعالـي وحل البدر في أوج الكمـال وأزهرت الكواكب مسفـرات عن البشرى كإشراق الليالي وأبدى الدهر مـولـودا زكـيا تلوح علـيه آيات الـجـلال عطاره بلائحة الـتـهـانـي أتى الأعتاب والإقبال عالـي فألبسنا مـن الأفـراح تـاجـا وكللـه بـأنـواع الـلآلـي فطب صدرا وقر به عـيونـا ودم فرحا بهاتيك الـخـلال فمشكاة السعود لديك تـنـمـو وعباس علي النضر غالـي مخايله الشريفة مـعـلـنـات بأن سيكون في أبهى الخصال ويقفوا الشبل في وصف أبـاه كما يقفوا الرشا أثر الغـزال وقال مشطرة لهذين البيتين: وليلى ما كفاها الهجـر حـتـى أطالت في دجى ليلـي أنـينـي وكل تجلدي بالـصـبـر لـمـا أباحت في الهوى عرضي وديني فقلت لها ارحمي الأمي قـالـت كذا خط اليراع على الجـبـين فدع قلق الصغار وكن صـبـورا وهل في الحب يا أمي ارحمـي وقالت في تشطيرهما أيضا: وليلى ما كفاها الهجـر حـتـى أذاعت بعد كتمان شـجـونـي وحـين تـبـينـت آيات وجـدي أباحت في الهوى عرضي وديني فقلت لها ارحمي الأمي قـالـت جننت وفي الهوى بعض الجنون وهبني كنت أمك كـيف أحـنـو وهل في الحب يا أمي ارحميني وقالت مخمسة للبيتين المذكورين: إليك معنـقـي يكـفـيك إفـتـا جهلت صبابتي أم هل عرفـتـا فلا أقوى علـيك وأنـت أنـتـا وليلى ما كفاها الهجر حـتـى أباحت في الهوى عرضي ودين بروض جمالها أمت وقالت وإن عثر المتـيم مـا أقـالـت وكم صدت في هجري أطـالـت فقلت لها ارحمي الأمي قالـت وهل في الحب يا أمي ارحميني وقالت تهنئ الخديوي السابق: كللت تاج البدر قربا بـالـشـرف مذ حل في مصر ركابك وانعطف طربت بمقدمك السني وعـطـفـه مصر السعيدة والسرور بها هتف لما عزمت عزمت يصحبك الثـنـا والعود جدد بالهنا ما قد سـلـف وتزينت بكر الحبور وأصـبـحـت مجلوة بين الرفـاهة والـتـرف وتجملت مصر بما جـاء الـهـنـا ورخيم مطربها على عود عكـف وبك الأماني قد تبسـم ثـغـرهـا والصفو مال بقده حسن الـهـيف وتراقصت مهج النفوس لبشرهـا كبلابل غردن في روض أنـف أضحى يقول بسعد بابك نيلـهـا أقل سرت الدنيا ومن فيها شغف رقمت جمال بها قدومك عصـمة بمداد تحرير سناه شفي وشـف وبمعجم في معرب قـد أرخـت كللمت تاج البدر قربا بالشرف وقالت ترثي ابنتها: إن سـال مـن غـرب الـــعـــيون بـــحـــور فالـــدر بـــاغ والـــزمـــان غـــــدور فلـكـل عـــين حـــق مـــدرار الـــدمـــا ولـكــل قـــلـــب لـــوعة وبـــثـــور ستـر الـسـنـا وتـحـجـبـت شـمـس الـضـحـى وتـنـقـبـت بـعـــد الـــشـــريف بـــدور ومـضـى الـذي أهـوى وجـرعـنـــي الأســـى وغـدت بـقـلـبـــي جـــذوة وســـعـــير يا لـيتـه لـمـا نــوى عـــهـــد الـــنـــوى وافـى الـعـيون مـــن الـــظـــلام نـــذير ناهـيك مـا فـعـلـت بـمـاء حـشــاشـــتـــي نار لـهـا بـين بـين الــضـــلـــوع زفـــير لوثـب حـزنـي فـي الـورى لـم يلــتـــفـــت لمـصـاب قـيس والـمــصـــاب كـــثـــير طافـت بـشـهـر الـصـوم كـاســـات الـــردى سحـــرا وأكـــواب الـــدمـــوع تــــدور فتـنـاولـت مـنـهـا ابـنـتـي فــتـــغـــيرت جنـات خـد شـانـــهـــا الـــتـــغـــيير فذوت أزاهـير الـــحـــياة بـــروضـــهـــا والـقـد مـنــهـــا مـــائس ونـــضـــير لبـسـت ثـياب الـسـقـم فـي حــفـــر وقـــد ذاقـت شـراب الـــمـــوت وهـــو مـــرير جاء الـطـبـيب ضـحـى وبـشـر بـالـشـــفـــا إن الـطـبـيب بـطـبـــعـــه مـــغـــرور وصـف الـتــجـــرع وهـــو يزعـــم أنـــه بالـبـرء مـن كـل الـســقـــام بـــشـــير فتـنـفـسـت لـــلـــحـــزن قـــائلة لـــه عجـل بـبــرئي حـــيث أنـــت خـــبـــير وارحـم شـبــابـــي إن والـــدتـــي عـــدت ثكـلـى يشـير لـهـا الـجـــوى وتـــشـــير وارأف بـهـا قـد حـرمـت طــيب الـــكـــرى تشـكـو الـسـهـاد وفـي الـجـوف فـــتـــور لمـا رأت يأس الـــطـــبـــيب وعـــجـــزه قالـت ودمـع الـمـقـــلـــتـــين غـــزير أمـاه قـد كـل الـطـبـــيب وفـــاتـــنـــي ممـا أؤمـل فــي الـــحـــياة نـــصـــير لو جـاء عـراف الــيمـــامة يبـــتـــغـــي برئي لـرد الـطـــرف وهـــو حـــســـير يا روع روحـي حـلـهـا نـزع الـــضـــنـــى عمـا قـلـيل ورقـــهـــا ســـتـــطـــير أمـاه قــد عـــز الـــقـــاء وفـــي غـــد ستـرين نـعـشـي كــالـــعـــروس يســـير وسـينـتـهـي الـمـسـعـى إلـى الـلـحـد الــذي هو مـنـزلـي ولـه الـجـمـــوع تـــصـــير قولـي لـرب الـلـحـد رفـقـا بـابــنـــتـــي جاءت عـروسـا سـاقـهـــا الـــتـــقـــدير وتـجـلـــدي بـــإزاء لـــحـــدي بـــرهة فتـراك روح راعـــهـــا الـــمـــقـــدور أمـاه قـد سـلـفـــت لـــنـــا أمـــنـــية يا حـسـنـهـا لـو سـافـهـا الـــتـــيســـير كانـت كـأحـلام مـضـت وتــخـــلـــفـــت مذ بـان يوم الـــبـــين وهـــو عـــســـير عودي إلـــى ربـــع خـــلا ومـــآثـــــر قد خـلـفـت عـنــي لـــهـــا تـــأثـــير صونـي جـهـاز الـعـرس تـذكــارا فـــلـــي قد كـان مـنـه إلــى الـــزفـــاف ســـرور جرت مـصـائب فـرقـتـي لـــك بـــعـــد إذ لبـس الـسـواد ونـفـذ الــمـــســـطـــور والـقـبـر صـار بـغـــصـــن قـــدي روضة ريحـانـهـا عـنـــد الـــمـــزار زهـــور أمـاه لا تـنـسـي بــحـــق بـــنـــوتـــي قبـري لـئلا يحـــزن الـــمـــقـــبـــور ورجــاء عـــفـــو أو تـــلاوة مـــنـــزل فسـواك مـن لـي بـــالـــحـــنـــين يزور فلـعـلـمـا أحـظـى بــرحـــمة خـــالـــق هو راحـــم بـــر بـــنـــا وغـــفـــور فجـبـتـهـا والـدمـع يحـبـس مـنـطـــقـــي والـدهـر مـن بـعــد الـــجـــوار يجـــور بنـتـاه يا كـبـدي ولـوعة مـــهـــجـــتـــي قد زال صـفـو شــأنـــه الـــتـــكـــدير لا تـوصـي ثـكـلــى قـــد أذاب فـــؤادهـــا حزن عـــلـــيك وحـــشـــرة وزفــــير قسـمـا بـغـض نـواظـر وتــلـــهـــفـــي مذ غـــاب إنـــســـان وفـــارق نــــور وقـبـلـتـي ثـغـرا تـقـضـي نـــحـــبـــه فحـرمـت طـيب شــذاه وهـــو هـــطـــير والـلـه لا أسـلــو الـــتـــلاوة والـــدعـــا ما غـردت فـوق الـــغـــصـــون طـــيور كلا ولا أنـسـى زغــير تـــوجـــعـــنـــي والـقـد مـنـك لـدى الـثـــرى مـــدثـــور إنـي ألـفـت الـحـزن حـــتـــى إنـــنـــي لو غـاب عـنـي سـاءنــي الـــتـــأخـــير قد كـنـت لا أرضـى الـتــبـــاعـــد بـــرهة كيف الـتـصـبـر والـــبـــعـــاد دهـــور أبـكـيك حـتـى نـلـتـــقـــي فـــي جـــنة برياض خـلـد زينـــتـــهـــا الـــحـــور إن قـيل عـائشة أقـــول لـــقـــد فـــنـــي عيشـي وصـــبـــري والإلـــه خـــبـــير ولهي على توحيدة الحسن التي قد غاب بدر جمالها المستور قلبي وجفني واللسان وخالقي راض وبـــاك شـــاكـــر وغـــفــــور متـعـت بـالـرضـوان فـي خـلـد الـــرضـــا ما زينـــت لـــك غـــرفة وقـــصــــور وسـمـعـت قـول الـحـق لـلـقـوم ادخـــلـــوا دار الـسـلام فـسـعـيكــم مـــشـــكـــور هذا الـنـعـيم بـه الأحــبة نـــلـــتـــقـــي لا عـيش إلا عـــيشـــه الـــمـــبـــرور ولـك الـهـنـاء فـصــدق تـــاريخـــي بـــدا توحـيدة زفـت ومــعـــهـــا الـــحـــور وقولها غزلا: ملك الفؤاد وقد هـجـر بدر المحاسن مذ ظهر عذب الرضاب مهفهـف يسبي المتيم بالـحـور ما حيلتـي فـي حـبـه ألا الخضوع لما أمـر من منجدي وجـفـونـه منها المحب على خطر وا حيرتي فـي حـبـه وا طول شجوي بالخفر أشكو الغرام ويشتـكـي جفن تعذب بالسـهـر يا قلب حسبك ما جـرى أحرقت جسمي بالشرر رام الحبيب لك الضنـى لم ذا وأنت له مـقـر لكن تعـذيب الـهـوى ما للشجي منه مـفـر قابـلـتـه مـتـثـنـيا ناهيك من غصن خطر واتيتـه مـتـبـسـمـا كالبدر لما أن سـفـر يا بدر حكمك الـهـوى فاحكم ونفذ مـا أمـر ألق الوشاح وخـلـنـي أصلى سعيرا في سقر وعن العذار فلا تـسـل ولنت أولى من عـذر ودع الظلام على الضـيا واستر بطرتك اغـرر سامت بها الثغـر الـذي يفتر عن غالي الـدرر واصدع بحسنك وافتخـر تيها بجيدك والـطـرر فالشمس تخجل عنـدمـا تبدو ويستحي القـمـر وقولها غزلا أيضا: ملك الفؤاد وقد رشـى بدر تكنى بـالـرشـا عذب الرضاب مهفهف يسبي الشجي إذا مشى ما حيلتي فـي حـبـه إلا سعير في الحشـا وقالت مخمسة: وعذري الهوى العذري وهـو يمـين به مقسم الـتـبـريح لـيس يمـين لأفتكمن ضرب الـصـفـاح تـبـين عيون عن السحر المـبـين تـبـين يسالمها المشتـاق وهـي تـخـون عجبت لها تنسى وقلبي حافظ وإنسانها ينسى النهى وهـو واعـظ وأعجب من ذا الفتك وهي لـواحـظ مراض صحاح ناعـسـات يواقـظ لها عند تحريك الجفـون سـكـون فآهالها مرضي على شدة القوى وهاروت عن أجفانها السحر قد روى ولا ذنب للولهان في لـوعة الـجـوى إذا إبصرت قلبا خليا مـن الـهـوى وأومت بلطف حـل فـيه فـتـون يقاد لها طوعا أسريرا وطالما أضاعت بوادي التيه صبا ومغـرمـا وكم فوقت سهما وكم سفـكـت دمـا وما جردت من مرهفـات وإنـمـا تقول له كن مـغـرمـا فـيكـون وقولها في صدر جواب: سلام قد حوى منـظـوم در سلوا عنه الرسالة حين عنت ولو رامت تعبر عن ضمـير وما لاقى بكم قلبي لغنـت وقالت استغاثة: أين الطريق لأبواب الفـتـوحـات أين السبيل إلى نيل الـعـنـايات أين الدليل الذي أرجو الرشـاد بـه إلى سبيل المعالـي والـهـدايات أين السلوك الذي أسرار لمـحـتـه مصباح نور لمشكاة المـنـاجـاة أين الخلوص الذي آثاره سـبـقـت يوم الرحيل إلى دار السـعـادات كيف الخلاص وأحداث الشقا وطني وقد رمتني بها أيدي الشـقـاوات كيف المسير إلى أرض المنى وأنـا بطاعة النفس في قيد الضـلالات كيف العدول بقصد السبل عن عوج أمضي بسعي إلى دار الندامـات كيف الرحـيل بـلا زاد وراحـلة تحث سير لأرض الاستقـامـات ولي حقـائب بـالأوزار مـثـقـلة وعيس كدحي كلت عن مراداتـي فيا أولي الحزم حلوا عقد مشكلتـي وكيف أبلغ أقطار الـسـلامـات عتبت نفس على ما ضاع من عمري في ملهـيات وغـفـلات وزلات فخالفت مقصدي جهلا وما اتعظـت ولمحة العمر ولت في الخسارات فلو بكت مقلتي للحشر ما غسـلـت ذنوب يوم تقضي في الجـهـالات ولو تبدد قلـبـي حـسـرة وأسـى على الذي مر من تفريط أوقاتـي لم يجد لي غير دق الكف مـن نـدم على عظيم إساءاتي وغفـلاتـي إن طال خوفي فقد أحيا الرجا أملي في غافر الذنب خلاق السمـوات فاز المخفون واستن التـقـاة إلـى دار السلام وفردوس الكـرامـات وكان شغلي خضوعي زلتي أسفـي ووضع خدي على أرض المذلات وطوع أمارتي بالـسـوء قـيدنـي عن الوصول لغايات الكـمـالات فلم يسعني بأثقال الـذنـوب سـوى ساحات غفران علام الخـفـيات وقولها: مرارة الصبر خصت بـالـحـلاوات وجدت في مرها حلوى السـلامـات صيانتي في كهوف الصبر أنفـع لـي من حصن كسرى ومن أعماق أغمات كم بات دهري يريني نهج تـربـيتـي فينئني بقـبـولـي وامـتـثـالاتـي وما احتجابي عـن عـيب أتـيت بـه وإنما الصون من شأنـي وغـاياتـي وكلما شب دهري في مـعـانـدتـي لم يلق منـي لـه إلا الإطـاعـات وكلما آدنـي ظـلـمـا بـمـثـقـلة عدلت سيري كما يرضى بمرضاتـي كم قابلتنـي لـيال ريحـهـا سـعـر بطيئة السير ترمي بـالـشـرارات لاقيتها بجميل الصبـر مـن جـلـدي وبت أسقي الثرى من غيث عبراتـي كم أقعدتـنـي أيام بـصـدمـتـهـا وقمت بالعزم مشهور الـعـنـايات وكم حليفة سـعـد إذ تـعـنـفـنـي تقول سعيك مـذمـوم الـنـهـايات فأخفض الطرف من حـزن أكـابـده وأهمل الدمع من تلك الـمـقـالات وكم شكرت بأرض الظلم نـاصـيتـي فقمت من سجدتي أتلـو تـحـياتـي وما منحت بيوم قـد أتـى غـلـطـا بالأنس إلا وقامـت فـيه غـاراتـي ومذ أتت عذلى تبغـي مـصـادرتـي ظلما منحتهم أسنـى الـكـرامـات وكلما عـددوا ذنـبـا رمـيت لـبـه بسطت للعفو راحات اعتـرافـاتـي وكلما حرروا منشور مظـلـمـتـي وأثبتوا في الورى ظلما جـنـاياتـي أظهرت شكري لهم بالرغم عن أسفـي وكان ما كان من فرط التهـابـاتـي ولم أفه لـذوي ود لـمـعـرفـتـي أن الحبيب حبيب في الـمـسـرات أقوم والضـيم تـطـوينـي نـوائبـه طي السجل ولم أسمـعـه أنـاتـي أخفي الأسى إن حسود جاء يسألـنـي لأين يسعى وأومى لابتـهـاجـاتـي إن ضل سعي فهادي الصبر يرشدنـي إلى طريق رشادي واستقـامـاتـي ولم أزل أشتكي بنى ومظـلـمـتـي لعالم الجهر مـنـي والـخـفـيات علت ولاة الصفا أشهى نـجـائبـهـا لتقضي الفوز من وادي الـمـودات وبت باليأس في بطحاء مـتـربـتـي وكان شغلي بضحى دق راحـاتـي أقول للصبر لا عتـب عـلـى زمـن أعطى لأبنائه أسمـى الـعـطـيات فقال مهلا ولا تغررك شـوكـتـهـم فالصحو يعقبه سود الـغـمـامـات فليس كـل مـلـوم دام مـكـتـئبـا وما السعيد سـعـيد لـلـمـلاقـاة فدهرهم غرهم جهلا وما عـلـمـوا أن الزمان قـريب الالـتـفـاتـات فما توارت بغاة الغـم مـن أسـفـي حتى أناخوا بأجـبـال الـنـكـايات تذكر الدهر عـادات لـه سـلـفـت وقد نسوها بحانـات الـخـلاعـات ورد دهري سهام الـحـقـد صـائبة إليهم فـغـدوا فـي شـر حـالات فما استطابوا أمانيهـم ولا قـنـصـوا حتى استوينا بكهف الاعتـكـافـات قال الدهاة سهام الدهر قـد وقـعـت من ذلك الجمع في كـشـح ولـيات فقلت أنعم بـه مـن حـاذق فـطـن وإنـه لـحـقـيق بـالـعــدالات ظنوا الزمان أباح السعد طـالـعـهـم وأنه اختص نجمي بالـنـحـوسـات والصبر أشهدني ما كنت أغبـطـهـم عليه عاد اعتبـارا فـي الـبـرات فلا يهولنـك حـرمـان بـلـيت بـه ولا يغـرك إقـبـال غـدا آتــي كلاهما والذي أنـشـأك مـن عـلـق يفنى ويعدم في بعض اللـمـيحـات أين الملوك الألي كانـت أوامـرهـم محدودة كـسـيوف مـشـرفـيات تمحى وتثبت ما رامت وما رفـضـت بين الأنـام بـأقـوال سـمـــيات قد أحكم الدهر مر ما هم فما لبـثـوا حتى انطووا في الثرى طي السجلات فكم مضى عزمهم في عز سطـوتـم فولا وفعلا بـتـسـديد الـرياسـات وكم سرى في الورى منشور سلطتهـم شرقا وغربا بأنـواع الـسـياسـات يؤب بالـعـجـز أقـواهـم إذا ألـم به ألـم ويبـدي شـر حـســرات يلوذ ضعفا بـأذيال الـطـبـيب ومـا يغني الطبيب لدى فتك الـمـنـيات وكم لفقد عزيز مـنـهـم سـكـبـت مدامع بالـنـعـمـا مـصـونـات وطالما أحرقت حسـراتـهـم كـبـدا تضعضعت منه أركان الشهـامـات فلا تقل لـي مـتـاع وهـو عـارية واليأس عندي راحات استراحـاتـي وقد بسطـت أكـف الـذل ضـارعة لخالق الخلق جـبـار الـسـمـوات وبت أدعـو عـلـيم الـسـر قـائلة يا غافر الذنب جد لي باستجابـاتـي يا كاشف الضر عن أيوب مـرحـمة حين استغاثك من مس المـضـرات وصاحب الحوت قد أنجيتـه كـرمـا لما دعا بابتهال في الـضـراعـات أنقذته يا إله الـعـرش مـن ظـلـم لظلمه النفس لاقـتـه بـاعـنـات وابيضت العين من يعقوب وانسكـبـت حزنا على يوسف في فيض عبـرات ومذ شكا البث للـرحـمـن عـاد لـه نور العيون قرينـا بـالـمـسـرات ويوسف السيد الصـديق حـين دعـا في ظلمة السجن من أسنى العنايات ومذ علمت بإخلاص الخلـيل غـدا والنار من حوله في روض جناتي عادت سلاما وبردا بعدما اشتعـلـت ولم يفه من يقين بـالـشـكـايات وقد رفـعـت يمـين الـذل داعـية إليك يا رب أرجو غفـر زلاتـي ربي إلهي معبودي ومـلـتـجـئي إليك أرفع بثـي وابـتـهـالاتـي قد ضرني طعن حسادي وأنت تـرى ظلمي وعلمك يغني عن سؤالاتـي فامنن علي بألطاف لتـخـرجـنـي من الضلال إلى سبل الـهـدايات أنت الخبير بحالي والبـصـير بـه فافتح لهذا الدعابـات الإجـابـات فكيف أشكو لمخلوق وقـد لـجـأت لك الخلائق فـي يسـر وشـدات فيا لها من جراح كلما اتـسـعـت أعيت طبيبي رغما عن مداواتـي أنت الشهيد علـى قـول أفـوه بـه ما دمت عائشة فالحمـد غـاياتـي عائدة المدينة أم ولد حبيبي بن الوليد المرواني. كانت جارية حالكة اللون تروي عن الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة وغيره من علماء المدينة المنورة وهبها محمد بن يزيد بن مسلمة بن عبد الملك بن مروان الحبيب بن الوليد المرواني فقدم بها إلى الأندلس وقد أعجب بعلمها وفهمها وفرط ذكائها واتخذها لفراشه، وبقيت عنده معززة مكرمة إلى أن توفاها الله تعالى. عاتكة بنت عبد المطلب الهاشمية كانت من أوفر النساء القرشيات عقلا، وأحلاهن منطقا، وأحسنهن تصورا وتبصرا، ومما يروى عنها أنها قد رأت قبل قدوم ضمضم بثلاثة أيها رؤيا أفزعتها فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت: يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفزعتني وتخوفت أن يدخل على قومك شر أو مصيبة فاكتم علي ما أحدثك. قال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته أن: انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، وأرى الناس قد اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بأعلى صوته: انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس، فصرخ بمثلها ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت أسفل الجبل ارفضت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا دخلتها منها فلقة. قال العباس: إن هذه لرؤيا وأنت فاكتميها ولا تذكريها لأحد، ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة وكان له صديقا، فذكرها له واستكتمه إياها فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش. قال العباس: فغدوت أطوف بالبيت وأبو جهل، هشام ورهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال لي: يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا، فلما فرغت أقبلت إليه حتى جلست معهم، فقال لي أبو جهل: يا بني عبد مناف متى حدثت فيكم هذه البينة؟ قال: قلت: وما ذاك؟ قال: الرؤيا التي رأتها عاتكة. قلت: وما رأت؟ قال: يا بني عبد المطلب، أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم قد زعمت عاتكة في رؤياها أنها قالت: انفروا في ثلاث فنتربص بكم هذه الثلاث فإن يكن ما قالت حقا فسيكون وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكبت كتابا عليكم أنكم أكذب أهل بيت في العرب. قال العباس: فوالله ما كان إليه مني كبيرا إلا أن حجدت ذلك وأنكرت أن تكون رات شيئا قال: ثم تفرقنا، فلما أمسينا لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع برجالكم ويتناول النساء وأنت تسمع ولم يكن عندك غيرة بشيء مما سمعت. قلت: قد والله فعلت ما كان مني إليه من كبير، وأيم الله لأتعرضن له فإن عاد لأكفينكموه. قال: فغدوت في اليوم الثالث من الرؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب أرى قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه قال: فدخلت المسجد فرأيته والله إني لأمشي نحوه العرضنة ليعود لبعض ما كان فأوقع به. وكان رجلا خفيفا حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر إذ خرج نحو باب المسجد يشتد قال: قلت في نفسي: ما له لعنه الله أكل هذا فرقا أن أشاتمه، فإذا هو قد سمع ما لم أسمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاري وهو يصرخ ببطن الوادي: يا معشر قريش، اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان بن حرب قد عرض لها محمد في أصحابه ل أرى أن تدركوها الغوث الغوث قال: فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر. قال: فتجهز الناس سرعا وقالوا: لا يظن محمد وأصحابه أن يكون كعير ابن الحضرمي كلا والله ليعلمن غير ذلك فكانوا بين رجلين إما خارج وإما باعث مكانه رجلا وأرغب قريش فلم يتخلف من أشرافها أحد إلا أبو لهب بن عبد المطلب تخلف فبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة، وكان ذلك في وقعة بدر وخبرها مشهور ومن شعرها قولها ترثي أباها مع إخوتها في حال حياته حين طلب منها ذلك. أعينـي جـودا ولا تـبـخـلا بدمعكما بعـد نـوم الـنـيام أعيني واستعبروا واسـكـبـا وشوبا بكاء كما بـالـمـدام أعيني واستخركا واسـجـمـا على رجل غير نكس كهـام على الجحفل في الـنـائبـات كريم المساعي وفي الذمـام على شيبة الحمد وأرى الزنـاد وذي مصدق بعد ثبت المقـام وسيف لدى الحرب صمصامة ومردي المخاصم عند الخصام وسهل الخليقة طـلـق الـيدين وف عد ملي صميم اللـهـام تبـنـك فـي بـاذخ بـيتــه رفيع الذؤابة صعب المـرام وقولها في الحماسة: سائل بنا فـي قـومـنـا وليكف من شر سماعـه قيسا وما جمـعـوا لـنـا في مجمع باق شنـاعـه فيه السـنـور والـقـنـا والكبش ملتمع قنـاعـه بعكاظ يعـشـى الـنـاظ رين إذا هم لمحوا شعاعه فيه قـتـلـنـا مـالـكـا قصرا وأسلمه رعاعـه ومـجـد لأعـادرنـــه بالقاع تنهسـه ربـاعـه ولها أشعار كثيرة غير هذه لم نقف عليها لعدم ورودها في كتب التاريخ. عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل كانت من الفصاحة على جانب عظيم، وقد أعطيت شطر الحسن فعشقها عبد الله بن أبي بكر الصديق وكلف بها حتى كاد أن يطير عقله، فلما تزوج بها أقام سنة لم يشتغل بسواها، فلما كان يوم الجمعة وهو معها إذ فاتته الصلاة وهو لا يدري وجاء أبوه فوجده عندها فقال له: أجمعت؟ فقال: وهل صلى الناس؟ فقال: قد ألهتك عن الصلاة طلقها فطلقها، واعتزلت ناحية فلما كان الليل قلق قلقا شديدا فأنشد: أعاتك لا أنساك مـا ذر شـارق وما ناح قمري الحمام المطوق لها منطق جزل ورأى ومنصب وخلق سوي في حياء ومصدق فلم أر مثلي طلق اليوم مثلـهـا ولا مثلها في غير شيء يطلق وكان أبو بكر على سطح يصلي فسمعه فرق له فقال له: راجعها، ثم ضمها إليه وأعطاها حديقة على أن لا تتزوج بعده وأنشد: أعاتك قد طلقت من غـير ريبة وروجعت للأمر الذي هو كائن كذلك أمـر الـلـه غـاد ورائح على الناس فيه ألفة وتـبـاين ومازال قلبي للتـفـرق طـائرا وقلبي لما قد قدر الله سـاكـن ليهنك أني لا أرى فيك سخـطة وأنك قد تمت عليك المحاسـن فإنك ممن زين الـلـه وجـهـه وليس لوجه زائنه اللـه شـائن فلما قتل بالطائف رثته فقالت: رزئت بخير الناس بـعـد نـبـيهـم وبعد أبي بكر وما كـان قـصـرا ف لله عينا من رأى مثـلـه فـتـى أكر وأحمى في الهياج وأصـبـرا إذا شرعت فيه أوسـنة خـاضـهـا إلى الموت حتى يترك الموت أحمرا فآليت لا تنـفـك عـينـي سـخـينة عليك ولا ينفك جـلـدي أغـبـرا مدى الدهر ما غنـت حـمـامة أيكة وما طرد الليل الصباح المـنـورا وتزوجها عمر بعد أن استفتى عليا في ذلك فأفتى بنها ترد الحديقة إلى أهله وتتزوج ففعلت فذكرها علي بقولها: فآليت لا تنك البيت، ثم قال: (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) (الصف: 3) ثم تزوجها بعده الزبير وبعده الحسين بن علي - عليه السلام - حتى قال عمر: من أراد الشهادة فليتزوج عاتكة، وخطبها علي فقالت: إن لأضن بك عن القتل، وخطبها مروان بعد الحسين فقالت: ما كنت متخذة حما بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقالت عاتكة ترثي عمر بن الخطاب: عين جودي بعبرة ونحـيب لا تملي على الإمام النحيب فجعتني المنون بالفارس المـع لم يوم الهياج والـتـلـبـيب عصمة الناس والمعني على الده ر غياث المنتاب والحـروب قل لأهل الضراء والبؤس موتوا قد سقته المنون كأس شعوب ولها فيه أيضا: وفجعـتـنـي فـيروز لا در دره بأبيض تال للكـتـاب نـجـيب رؤئف على الداني غليظ على العدا أخي ثقة في النائبـات مـنـيب متى ما يقل لا يكذب القول فعلـه يريع إلى الخيرات غير قطـوب وقالت ترثيه أيضا: من لنفس عادها أحزانـهـا ولعين شفها طول السهـد جسد لفف فـي أكـفـانـه رحمة الله على ذاك الجسد فيه تفجيع لمولـى غـارم لم يدعه الله يمشي بسبـد فيه تفجيع لمولـى غـارم لم يدعه الله يمشي بسبـد وقالت ترثي الزبير، وتخاطب عمرو بن جرموز الذي قتله غدرا عند رجوعه من حرب الجمل: غدر ابن جرموز بفارس بهـمة يوم اللقاء وكان غير مـعـرد يا عمرو لو نبهتـه لـوجـدتـه لا طائشا رعش الجنان ولا اليد شلت يمينك إن قتلت مسـلـمـا حلت عليك عقوبة المتـعـمـد عن الزبير لـذو بـلاء صـادق سمح سجيته كريم المـشـهـد كم غمرة قد خاضها لـم يثـنـه عنها طرادك يا ابن فقع القردد فاذهب فما ظفرت يداك بمثـلـه فيمن مضى ممن يروح ويغتدي وقالت ترثي الحسين عليه السلام: وحسينا ولا نسـيت حـسـينـا أقصـدتـه أسـنة الـعـداء غادروه بكـربـلاء صـريعـا جادت المزن في ذرى كربلاء عاتكة ابنة معاوية بن أبي سفيان الأموي كانت في الحسن أعجوبة زمانها، وفي الأدب نادرة أقرانها، تعلمت الغناء وضروبه ولها في بعض ألحان وكان يختلف إليها بعض مغنيات مكة والمدينة فتحسن صلتهن وتجيزهن وتطلب منهن أن لا يقطعن عنها. وفي بعض السنين لم يأتها أحد من مكة والمدينة فاستأذنت من أبيها أن يسمح لها بالحج، فسمح لها، فتجهزت بجهاز عظيم لم ير مثله، وسارت على البر تحملها وركبها المطايا، فلما وصلت لمكة نزلت بذي طوى، فمر بها وهب الجمحي - المعروف بأبي دهبل - وكان شاعرا جليلا، غيسانيا جميلا. فجعل النظر وجمرات الوجد تتأجج بفؤاده قاذفة بالشرر، وكان الوقت هجيرا والجواري رافعات عنها الأستار، ففطنت له، فذعرته وشتمته كثيرا، ثم أمرت بالسجوف فحجب بظلامها شمس النهار فقال: إني دعاني الحين فاقتادنـي حتى رأيت الظبي بالبـاب يا حسنة إذ سبنـي مـدبـرا مستترا عني بجـلـبـاب سبحان من أوقفها حـسـرة صبت على القلب بأوصاب يذود عنها أن تطـلـبـهـا أب لها لـيس بـوهـاب أحلها قصرا منـيع الـذرى يحمى بأبواب وحـجـاب فشاعت أبياته في مكة واشتهرت وغنى بها حتى سمعتها عاتكة إنشادا وغناء فطربت لها وسرت وبعثت إليه تهديه فتراسلا وتحابا، ولما صدرت عن مكة خرج في ركبها إلى الشام، فكانت تتعاهده باللطف والإحسان حتى إذا وردت دمشق ورد معها فانقطعت عن لقائه فمرض حتى عز شفاء دائه فقال: طال ليلي وبت كالـمـجـنـون ومللت الثـواء فـي جـيرون وأطلت المقام بالـشـام حـتـى ظن أهلي مرجحات الظنـون فبكت خشية التـفـرق جـمـل كبكاء القرين إثـر الـقـرين وهي زهراء مثل لؤلؤة الغواص ميزت من جوهر مـكـنـون وإذا ما نسبتهـا لـم تـجـدهـا في سناء من الـمـكـارم دون ثم خاصرتها إلى القبة الـخـض راء تمشي في مرمر مسنـون قبة من مراجـل ضـربـوهـا عند برد الشتاء في قـيطـون عن يساري إذا دخلت من الـبـا ب وإن كنت خارجا عن يميني ولقد قلت إن تطاول سـقـمـي وتقلبت ليلتـي فـي فـنـون ليت شعري أمن هوى طار نومي أم براني الباري قصير الجفون ففشا هذا الشعر حتى بلغ معاوية فصبر حتى إذا كان يوم الجمعة دخل عليه الناس يسلمون وينصرفون، وكان فيهم وهب، فلما أزمع الرجوع ناداه معاوية حتى إذا خلا لهما الجو قال: ما كنت أحسب أن في قريش أشعر منك تقول: ليت شعري أمن هوى طار نومي أم براني الباري قصير الجفون غير أنك قلت: وإنا ما نسبتها لم تجـدهـا في سناء من المكارم دون والله إن فتاة أبوها معاوية وجدها أبو سفيان وجدتها هند بنت عتبة لكما ذكرت وأي شيء زدت في قدرها ولقد أسأت بقولك، ثم خاصرتها فقال: والله لم أقل هذا، وإنما قيل عن لساني فقال معاوية: أما مني فليهدأ روعك لني عليم بعفاف فتاتي، وإنه مغتفر لفتيان الشعراء التشبيب بمن أرادوا، ولكني أكره لك جوار أخيها يزيد فإن له سورة الشباب وأنفة الملوك، فحذر وهب ورحل إلى مكة، فبينما معاوية في مجلسه يوما ذا بخصي يقول له: لقد سقط يا أمير المؤمنين إلى عاتكة اليوم كتاب أبكتها تلاوته بما أصارها حتى الساعة حزينة فقال: علي به، يألطف حيلة، فلما أوتيه قرأ فيه: أعاتك هلا إذ بخـلـت فـلا تـرى لذي صبوة زلفى لديك ولا يرقـى رددت فؤادا قد تولى بـه الـهـوى وسكنت عينا لا تمـل ولا تـرفـا ولكن خلعت القلب بالوعد والمـنـى ولم أر يوما منك جودا ولا صدقـا أتنسين أيامي بـربـعـك مـدنـفـا صريعا بأرض الشأم ذا سقم ملقى وليس صديق يرتـضـي لـوصـية وأدعو لدائي باشراب فما أسـقـى وأكبر همي أن أرى لك مـرسـلا فطول نهاري جالسا أرقب الطرقا فوا كبدي إذ ليس لي منك مجـلـس فأشكو الذي بي من هواك وما ألقى رأيتك تزدادين للـصـب غـلـظة ويزداد قلبي كل يوم لكم عشـقـا فبعث إلى يزيد فلما جاء وجده مطرقا كئيبا فاستجلاه الأمر فقال: هو نبأ يقلق فيمرض فيحير إن هذا الفاسق القرشي كتب إلى أختك بهذه الأبيات، فلم تزل باكية حتى الساعة. قال يزيد الخطب دون ما تتوهم بعد لنا يرصده ويقتله فقال معاوية: يا يزيد، والله إن تقتل قرشيا هذا حاله صدق الناس مقاله. قال: يا أمير المؤمنين، إنه نظم أبياتا غير هذه وتناشدها المكيون، فسارت حتى بلغتني فأوجعتني وحملتني على ما أشرت. فقال: وما هي؟ فأنشد: ألا لا تقل مهلا فقد ذهب المهـل وما كان من يلحى محبا له عقل حمى الملك الجبار عني لقـاءهـا فمن دونها تخشى المتألف والقتل فلا خير في حب يخاف وبـالـه ولا في حبيب لا يكون له وصل فوا كبدي إني اشتهرت بحـبـهـا ولم يك فيما بيننـا سـاعة بـذل ويا عجبا أني أكـاتـم حـبـهـا وقد شاع حتى قطعت دون السبل فقال معاوية: قد والله فهمت المعنى لأني أراه يشكو الحرمان فالخطب فيه يسير، ثم حج عامئذ للسبب عينه ولما انقضت المناسك دعا بإشراف قريش وشعرائهم وأجزل لهم الصلاة. فلما أزمع وهب الانصراف قال: إيه يا وهب ما لي أرى يزيد ساخطا عليك في قواريض تأتيه عنك وشعر تنطق به فبدأ أبو دهبل يطيل الاعتذار ويحلف أنه مكذوب عليه فقال معاوية: لا بأس عليك وما يضرك ذلك فأي بنات عمك أحب إليك، قال: فلانة، فقال: قد زوجتك بها وأمهرتها بألفي دينار ووهبتك ألف دينار. فلما استوفاها قال: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفو عما مضى فإن نطقت ببيت في معنى ما سبق فقد أبحت به دمي وأما ابنة عمي فهي طالق بتاتا فسر معاوية ووعده بإدرار الصلة كل عام وهو لم يقل فيها شعرا ووفى بوعده وبقيت عاتكة مغرمة به إلى أن ماتت. عاتكة بنت يزيد بن معاوية وأمها أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر بن كريز، تزوجها عبد الملك بن مروان فهي أم يزيد بن عبد الملك بن مروان وكان يحبها بعبد الملك حبا مفرطا فغضبت عليه مرة وكان بينهما باب محجبة، فأغلقت ذلك الباب فشق غضبها على عبد الملك، وشكا إلى رجل من خاصته يقال له: عمر بن بلال الأسدي فقال: ما لي عندك إن رضيت؟ قال: حكمك فأتى عمر إلى بابها وجعل يتباكى وأرسل إليها السلام، فخرجت إليه حاضنتها ومواليها فقلن: ما لك؟ قال: نزعت إلى عاتكة ورجوتها وقد علمت مكاني من أمير المؤمنين معاوية ومن أبيها بعده قلن: وما لك؟ قال: ابناي لم يكن لي غيرهما قتل أحدهما صاحبه. فقال أمير المؤمنين: أنا قاتل الآخر به. فقلت: أنا الولي وقد عفوت قال: لا أعود الناس على هذه العادة، فرجوت أن ينجي الله ابني هذا على يدها، فدخلن عليها فذكرن ذلك لها فقالت: وكيف أصنع مع غضبي عليه وما أظهرت له قلن: إذا والله يقتل فلم يزلن بها حتى دعت بثيابها فلبستها، ثم خرجت نحو الباب، فأقبل حديج الخصي قال: يا أمير المؤمنين، هذه عاتكة قد أقبلت. قال: ويلك، ما تقول قال:قد والله طلعت فأقبلت وسلمت، فلم يرد عليها السلام فقالت: أما والله لولا عمر ما جئت إن أحد بينه تعدى على الآخر فتله فأردت قتل الآخر وهو الولي وقد عفا قال: إن أكره أن أعود الناس على هذه العادة قالت: أنشدك الله يا أميرا لمؤمنين فقد عرفت مكانه من أمير المؤمنين معاوية وقد طرق بابي فلم تزل به حتى أخذت برجله فقبلتها فقال: هو لك ولم يبرحا حتى اصطلحا، ثم راح عمر بن بلال إلى بعد الملك فقال: كيف رأيت قال: رأينا أثرك، فهات حاجتك. قال: مزرعة بعدتها وما فيها، وألف دينا، وفرائض لولدي وأهلي. قال: ذلك لك، ثم اندفع عبد الملك يتمثل بشعر كثير (وإني لأرعى قومها من جلالها). ولعاتكة هذه حكاية مع الشعراء وذلك ما حكاه نصيب قال: إنه خرج هو وكثير والأحوص غب يوم أمطرت فيه السماء فقال: هل لكم في أن نركب جميعا فنسير حتى نأتي العقيق؟ قالوا: نعم، فركبوا أفضل ما عندهم من الدواب ولبسوا أحسن ما يقدرون عليه من الثياب، وتنكروا ثم ساروا حتى أتوا العقيق، فجعلوا يتصفحون الأماكن حتى رفع لهم سواد عظيم، فأموه حتى أتوه فإذا وصائف وخدم ونساء بارزات فسألنهم أن ينزلوا فنزلوا ودخلت امرأة من النساء فاستأذنت لهم فلم تلبث أن جاءت المرأة فقالت: ادخلوا فدخلوا على امرأة جميلة برزة على فرش لها فرحبت وحيت وإذا كراسي موضوعة فجلسوا جميعا في صف واحد كل إنسان على كرسي. فقالت: إن أحببتم أن تدعو بصبي لنا فنعرك أذنه ونصيحة فعلنا وإن شئتم بالغداء فقالوا: بل تدعين بالصبي ولن يفوتنا الغداء فأومأت بيدها إلى بعض الخدم فلم يكن إلا كلمح البصر حتى جاءت جارية جميلة عليها مطرف قد سترت نفسها به فكشفوه عنها وإذا جارية ذات جمال قريبة من جمال مولاتها فرحبت بهم وحيتهم فقالت لها مولاتها: خذي ويحك من قول نصيب عافى الله نصيبا. ألا هل من البين المفرق من بد وهل مثل أيام بمنقطع السعـد تمنيت أيامي أولئك والـمـنـى على عهد عاد ما تعيد ولا تبدي فغنته، فجاءت به كأحسن ما سمع بأحلى لفظ وأشجى صوت، ثم قالت لها: خذي أيضا من قول نصيب عافاه الله: أرق المحب وعاده سهـده لطوارق الهم التي ترده وذكرت من رقت له كبدي وأبى فليس ترق لي كبده لا قومه قومي ولا بلـدي فنكون حينا جيرة بلـده ووجدت وجدا لم يكن أحد من اجله بصبابة يجـده إلا ابن عجلان الذي تبلت هند ففات بنفسه كمـده قال: فجاءت به أحسن من الأول فكدت أطير سرورا، ثم قالت: ويحك خذي أيضا قوله: فيا لك من ليل تمتعـت طـولـه وهل طائف من نائم متـمـتـع نعم إن ذا شجو متى يلق شـجـوه ولو نائما مستعـتـب أو مـودع له حاجة قد طالما قـد أسـرهـا من الناس في صدر بها يتصـدع تحملها طول الزمان لـعـلـهـا يكون لها يوما من الدهر منـزع وقد قرعت في أم عمرو لي العصا قديما كما كانت لذي الحلم تقـرع قال نصيب: فجاءني والله شيء حيرني وأذهلني طربا لحسن الغناء وسرورا باختيارها لشعري وما سمعت فيه من حسن الصنعة وجودتها وإحكامها، ثم قالت: خذي من قوله أيضا: يا أيها الركب إني غير تابعـكـم حتى تلموا وأنتم بي ملمـونـا فما أرى مثلكم ركبا كشكلـكـم يدعوهم ذو هوى أن لا يعوجونا أم خبروني عن داء بعلـمـكـم وأعمل الناس بالداء الأطبونـا قال نصيب: فوالله لقد زهوت بما سمعت زهوا خيل لي أني من قريش، وأن الخلافة لي ثم قالت: حسبك يا بنية هات الطعام يا غلام فوثب الأحوص وكثير وقالا: والله لا نطعم لك طعاما ولا نجلس لك في مجلس فقد أسأت عشرتنا واستخففت بنا وقدمت شعر هذا على شعرنا، وأسمعت الغناء فيه وإن في أشعارنا لم يفضل شعره وفيها من الغناء ما هو أحسن من هذا فقالت علة معرفة كل ما كان مني فأي شعر كما أفضل من شعره أقولك يا أحوص؟ يقر بعيني ما يقر بـعـينـهـا وأحسن شيء ما به العين قرت أو قولك يا كثير في عزة: وما حسبـت ضـمـرية جـدورية سوى التيس ذي القرنين أن لها بعلا أو قولك فيها: إذا ضمرية عطست فنكهـا فإن عطاسها طرف السفاد فخرجا مغضبين، وبقي نصيب فتغدى عندها وأمرت له بثلثمائة دينار وحلتين وطيب، ثم دفعت له مائتي دينار وقالت: ادفعها إلى صاحبيك فإن قبلاها وإلا فهي لك، قال نصيب: فذهبت بالبدرة حتى أتيت رفيقي، فعرضت عليهما نصيبهما فأبيا أن يأخذاه، فأخذته لنفسي وبلغها الخبر فقالت: حسنا والله فعلت، وبقي كثير والأحوص يترقبان لها الفرص حتى يهجواها بشيء فلم يقدرا عليها خوفا من بأسها وسطوتها ومداراة لها، وأما هي فبقيت مكرمة عند عبد الملك، وفي خلافة ولدها أيضا حتى ماتت في آخر خلافة ولدها ودفنت بما يليق بها من الرفعة والإكرام. عاصية البولانية بنت عبد العزى الطائي كانت شاعرة مجيدة وشعرها قليل، قيل: إن بني محارب غزت طيئاً وفتكت فيهم لغياب سراتهم ورجعت غانمة فقالت عاصية تندب قومها وتهجو محاربا بقولها: أعاصي جودي بالدموع السواكب وبكى لك الويلات قتلى محارب فلو أن قومي قتلتهـم عـمـارة كرام سراة من رؤوس الذوائب صبرنا لما يأتي به الدهر عامـدا ولكنما آثارنا فـي مـحـارب قبيل لئام إن ظهرنـا عـلـيهـم وإن يغلبونا يوجدوا شر غالـب عبدة محبوبة بشار بن برد كانت ذات عقل وأدب، وفصاحة وكياسة، وصوت حسن، ومنطق عذب وكان سبب عشق بشار لها أنه كان له مجلس يجلس فيه يقال له: البردان، فبينما هو في مجلسه ذات يوم وكان النساء يحضرنه إذ سمع كلام امرأة أشجاه نغمها وحسن ألفاظها فدعا بغلامه فقال: إني قد علقت امرأة فإذا تكلمت فانظر من هي واعرفها فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وأعلمها أني لها محب وأنشدها هذه الأبيات. وعرفها أني قلتها فيها. قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم الأذن كالعين توفى القلب ما كانا ما كنت أول مشغوف بـجـارية يلقى بلقيانها روحا وريحـانـا يا قوم أذني لبعض الحي عاشـقة والأذن تعشق قبل العين أحيانـا فأبلغها الغلام الأبيات فهشت لها وكانت تزوره مع نسوة يصحبنها فيأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن يحدثها وينشدها ولا تطعمه في نفسها ومما قال فيها: قالت عقيل بن كعب إذ تعلـقـهـا قلبي فأضحى به من حبهـا أثـر أني ولم ترها تهذي فقلـت لـهـم إن الفؤاد يرى ما لم ير البصـر أصبحت كالحائم الحران مجتنـبـا لم يقض وردا ولا يرجى له صدر وقال فيها أيضا وهو أجود ما قال فيها: يزهدني في حب عبدة مـعـشـر قلوبهم فيها مخـالـفة قـلـبـي فقلت دعوا قلبي وما اختار وارتضى فبالقلب لا بالعين يبصر ذو الحـب فما تبصر العينان في موضع الهوى ولا تسمع الأذنان إلا من القـلـب وما الحسن إلا كل حسن دعا الصبـا وألف بين العشق والعاشق الصب وجاءته يوما مع خمسة نسوة قد مات لإحداهن قريب يسألنه أن يقول شعرا ينحن عليه به فوافينه في مجلسه المسمى بالبردان وكان له مجلس يجلس فيه بالغداة يسميه البردان، وآخر يجلس فيه عشية يسميه الرقيق فاستأذن بالدخول عليه فأذن لهن، فلما دخلن نظرن إلى النبيذ مصفى في قنانيه. فقالت إحداهن: هو خمر وقالت الأخرى: هو زبيب وعسل. وقالت الثالثة: هو نقيع زبيب. فقال: لست بقائل لكن حرفا أو تطعمن من طعامي وتشربن من شرابي فأمسكن ساعة، ثم قالت إحداهن: ما عليكن من ذلك فأقمن يومهن وأكلن من طعامه وشربن من شرابه وأخذن من شعره، وبلغ ذلك الحسن البصري فعابه فبلغ بشاراً كلامه، وكان بشار يلقب الحسن البصري بالقس فقال: لما طلعن مـن الـرقـي ق علي بالبردان خمسـا وكـأنـهــن أهـــلة تحت الثياب رفقن شمسا باكـرن طـيب لـطـيمة وغمسن في الجادي غمسا فسألنني من فـي الـبـيو ت فقلت ما يحوين انسـا ليت العـيون الـنـاظـرا ت طمس عنا اليوم طمسا فأصبن من طرف الحـدي ث لذاذة وخرجن ملسـا لولا تـعـرضـهـن لـي يا قس كنت كأنت قـسـا العبادية جارية المعتضد بن عباد والد المعتمد أهداها إليه مجاهد العامري وكانت أديبة كاتبة ذاكرة لكثير من اللغة فصيحة العبارة لطيفة الإشارة حاضرة الرواية قريبة النادرة لها إلمام تام بضروب الغناء، وكان يميل إليها المعتضد ميلا شديدا ويشغف بها شغفا زائدا حتى أنها ألهته عن بعض أموره، وكانت من توقد قريحتها وحضور بديهتها ترتجل الشعر والأمثال ومن ذلك أنها كانت نائمة ذات يوم وكان المعتضد سهران فدخل عليها وهي نائمة فقال: تنام ومدنفهـا يسـهـر وتصبر عنه ولا يصبر فأجابته بديهة بقولها: لئن دام هذا وهـذا لـه سيهلك وجدا ولا يشعر ولها غير ذلك من الأشعار والنوادر. عبيدة الطنبورية بنت صباح مولى أبي السمراء كانت عبيدة من المحسنات المتقدمات في الصنعة والآداب يشهد لها بذلك إسحاق وحسبها بشهادته وكان أبو حشيشة يعظمها ويعترف لها بالرياسة والأستاذية وكانت من أحسن الناس وجها وأطيبهم صوتا، وكانت لا تخلو من عشق ولم يعرف امرأة في الدنيا أعطر منها، وكانت صنعة عجيبة، فمنها في الرمل: كن لي شفيعا اليكـا إن خف ذاك عليكا وأعفني من سؤالي سواك ما في يديكا يا من أعز وأهـوى ما لي أهون عليكا وروي عن علي بن الهيثم اليزدي أنه قال: كان إسحاق بن إبراهيم الموصلي يألفني ويدعوني ويعاشرني فجاء يوما إلى أبي الحسن فلم يصادفه فرجع ومر بي وأنا مشرف من جناح لي فوقف وسلم علي وأخبرني بقصته وقال: هل تنشط اليوم للمسير إلي فقلت له ما علي الأرض شيء أحب إلي من ذلك ولكني أخبرك بقصتي ولا أكتمك فقال: هاتها. فقلت: عندي اليوم محمد بن عمرو بن مسعدة وهارون بن أحمد بن هشام وقد دعونا عبيدة الطنبورية وهي حاضرة والساعة يجيء الرجلان فامض في حفظ الله فإني جالس معهم حتى تنتظم أمورهم وأروح إليك فقال لي: فهلا عرضت علي المقام عندك فقلت له لو علمت أن ذلك مما تنشط له والله لرغبت إليك فيه فغن تفضلت بذلك كان أعظم لمنتك فقال: أفعل فإني قد كنت أشتهي أن أسمع عبيدة ولكن لي عليك شريطة قلت: هاتها قال: إنها إن عرفتني وسألتموني أن أغني بحضرتها لم يخف عليها أمري وانقطعت فلم تصنع شيئا فدعوها على جبلتها فقلت: أفعل ما أمرت به فنزل ورد دابته وعرفت صاحبي ما جرى فكتماها أمره وأكلنا ما حضر وقدم الشراب فغنت لحنا لها تقول: قريب غير مقتـرب ومؤتلف كمجتنـب له ودي ولي مـنـه دواعي الهم والكرب أواصله على سـبـب ويهجرني بلا سبب ويظلمني علـى ثـقة بأن إليه منقلـبـي فطرب إسحاق وشرب نصفا، ثم غنت وشرب، ولم يزل كذلك حتى والى بين عشرة أنصاف وشربنا معه، وقام ليصلي فقال هارون بن أحمد: ويحك يا عبيدة، ما تبالين والله متى مت قالت: ولم ذلك؟ قال: أتدرين من هو المستحسن غناءك والشارب عليه ما شرب قالت: لا والله. قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي فلا تعرفينه أنك قد عرفته، فلما جاء إسحاق ابتدأت تغني فلحقتها هيبة واختلاط فنقصت نقصانا بينا فقال: أعرفتموها من أنا؟ فقلنا: نعم عرفها إياك هارون. فقال إسحاق: نقوم إذا فننصرف إنه لا خير في عشرتكم الليلة ولا فائدة لي ولا لكم، ثم انصرف وكان إذا اجتمع الطنبوريون عند أبي العباس بن الرشيد يوما وفيهم المسدود وعبيدة وقيل له: عن تقول: لا والله لا تقدمت عبيدة وهي الأستاذة فما غنى بحضرتها حتى تقدمت هي وكانت تكتب على طنبورها: كل شيء سوى الخيا نة في الحب يحتمل وكانت بنت رجل يقال له: صباح مولى أبي السمراء الغساني نديم عبد الله بن ظاهر أبو السمراء أحد العدة الذين وصلهم ابن طاهر في يوم واحد لكل رجل منهم مائة ألف دينار، وكان الزبيدي الطنبوري يختلف إلى أبي السمراء، وكان صباح صاحب أبي السمراء، فكان الزبيدي إذا سار إلى أبي السمراء فلم يصادفه أقام عند صباح والد عبيدة وبات وغنى وأنس. وكان لعبيدة صوت حسن وطبع جيد فسمعت غناء الزبيدي فوقع في قلبها واشتهت الغناء وسمع الزبيدي صوتها وعرف طبعها فعلمها وواظب عليها ومات أبوها ورقت حالها، وقد حذقت الغناء على الطنبور فخرجت تغني وتقنع باليسير، وكانت مليحة مقبولة خفيفة الروح فلم يزل أمرها يزيد حتى تقدمت وكبر حظها فتزوجها علي بن الفرج الرجحي أخو عمرو، وكان حسن الوجه كثير المال، فولدت له بنتا فحجبها ثم ماتت بنتها من علي بن الفرج وصادف ذلك نكبتهم واختلاط حال علي فطلقها فخرجت. وماتت عبيدة من نزف أصابها حتى أتلفها وفي عبيدة يقول إسحاق النديم: أمست عبيدة في الإحسـان واحـدة فالله جار لها من كل مـحـذور من أحسن الناس وجها حين تبصرها وأحذق الناس إن غنت بطنـبـور عتبة جارية الخيزران زوجة المهدي وأم الرشيد وكانت قبلها لريطة ابنة أبي العباس السفاح، وكانت رقيقة ظريفة أديبة بارعة في الجمال والكمال، وكان يعشقها أبو العتاهية، وله فيها أشعار رقيقة ونوادر ظريفة منها أن ريطة بنت السفاح وجهت إلى عبد الله بن مالك الخزاعي في شراء رقيق للعتق وأمرت جاريتها عتبة أن تحضر ذلك فإنها جالسة إذا جاء أبو العتاهية في زي متنسك فقال: جعلني الله فداك شيخ ضعيف كبير لا يقوى على الخدمة فإن رأيت أعزك الله شرائي وعتقي فعلت مأجورة فأقبلت على عبد الله فقالت له: إني لأرى هيئة جميلة وضعفا ظاهرا ولسانا فصيحا، ورجلا أديبا فاشتره وأعتقه، فقال أبو العتاهية: أتأذنين لي أصلحك الله في تقبيل يدك، فأذنت له فقبل يدها وانصرف، فضحك عبد الله بن مالك وقال: أتدرين من هذا قالت: لا، قال: هذا أبو العتاهية وإنما احتال عليك حتى يقبل يدك. ولما كثر تشبيب أبي العتاهية بها شكت إلى مولاتها الخيزران ما يلحقها من الشناعة، ودخل المهدي وهي تبكي بين يدي سيدتها الخيزران، فسألها عن خبرها فأخبرته فأمر بإحضار أبي العتاهية فأدخل إليه فلما وقف بين يديه قال: أنت القائل في عتبة: الله بيني وبـين مـولاتـي أبدت لي الصد والملامات ومتى وصلتك حتى تشكو صدها عنك قال: يا أمير المؤمنين فأنا الذي أقول: يا ناق حثي بنا ولا تهـنـي نفسك فيما ترين راحاتـي حتى تجيئي بنا إلى مـلـك توجه الله بالـمـهـابـات يقول للريح كلما عصـفـت هل لك يا ريح في مباراتي عليه تاجان فوق مفـرقـه تاج جمال وتاج إخـبـات قال: فنكس رأسه، ونكت بالقضيب، ثم رفع رأسه فقال: أنت القائل: ألا ما لسـيدتـي مـالـهـا أدلت بأجـمـل إدلالـهـا وجارية من جواري الملـو ك قد أسكن الحسن سربالها ثم سأله عن أشياء فأفحم أبو العتاهية، فأمر المهدي بجلده نحوا من حد وأخرج مجلودا فلقيته عتبة وهو على تلك الحالة فقال: بخ بخ عتبة من مثلـكـم قد قتل المهدي فيكم قتيل فتغرغرت عيناها وفاض دمعها وصادفت المدهي عند الخيزران فقال: ما لعتبة تبكي؟ قالوا له: رأت أبا العتاهية مجلودا وقال لها: كيت كيت، فأمر له بخمسين ألف درهم ففرقها أبو العتاهية على من بالباب فكتب صاحب الخبر بذلك فوجه إليه: ما حملك علي إن أكرمتك بكرامة فقسمتها؟ فقال: ما كنت لآكل ثمن من أحببت، فوجه إليه بخمسين ألفا أخرى وحلف عليه أن لا يفرقها فأخذها وانصرف. قال المبرد: أهدى أبو العتاهية إلى المهدي في يوم نوروز برنية صينية فيها ثوب ممسك وعليه سطران مكتوبان بالغالية: نفسي بشيء من الدنيا معلقة الله والقائم المهدي يكفيهـا إني لأيأس منها ثم يطمعنـي فيها احتقارك للدنيا وما فيها فهم أن يدفع إليه عتبة فقالت لك: يا أمير المؤمنين، أمع حرمتي وخدمتي تدفعني إلى بائع جرار يكتسب بالشعر فبعث إليه أما عتبة فلا سبيل لك إليها وقد أمرنا لك بملء البرنية مالا فخرجت عتبة وهو يناظر الكتاب ويقول: إنما أمر لي بدنانير وهو يقولون بدراهم فقالت: أما لو كنت عائقا لعتبة لما اشتغلت بتمييز العين من الورق، وكان أبو العتاهية بائع جرار وكان أقدر الناس على وزن الكلام، وكان حلو الألفاظ، ومن مختار شعره في عتبة: بالله يا حلوة العـينـين زورينـي قبل الممات وإلا فاستـزيرينـي هذان أمران فاختاري أحبـهـمـا إليك أولا فداعي الموت يدعوني إن شئت موتا فأنت الدهر مالـكة روحي وإن شئت أن أحيا فأحييني إني لأعجب من حب يقـربـنـي ممن يباعدني عنه ويقـصـينـي يا أهل ودي إني قد لطفت بـكـم في الحب جهدي ولكن لا تبالوني الحمد لله قد كـنـا نـظـنـكـم من ارحم الناس طرا بالمساكـين أما الكثير فلا أرجوه منـك ولـو أطمعني في قليل منك يكفـينـي ومن مختار شعره فيها قوله: ألا يا عتب يا قمر الـرصـافة ويا ذات الملاحة والنـظـافة رزقت مودتي ورزقت عطفي ولم أرزق فديتك منـك رأفة وصرت من الهوى دنفا سقيمـا صريعا كالصريع من السلافة أظل إذا رأيتك مسـتـكـينـا كأنك قد خلقـت عـلـي آفة ومات أبو العتاهية ولم ينل من عتبة أربا مع كونها كانت مغرمة به والذي يمنعها عن الاقتران به سفالة حسبه. العجفاء المغنية كانت ذات صوت غرد ولا تغريد البلابل جبت إليها الأسماع، ومالت إليه القلوب، وتحدثت بحسن صناعتها الركبان في كل مكان، وبلغت في زمن صباها ما لم ينله غيرها من القيان، وفي آخر مدتها رماها الزمان بكلكله وافتقرت وأقامت تعلم جواري الأمراء صنعة الغناء وأخيرا انقطعت في دار مسلم بن يحيى مولى بني زهرة وبقيت عنده إلى أن اشتراها الأمير عبد الرحمن بن معاوية الأموي فبقيت عنده إلى أن ماتت. ومن النوادر ما قاله الأرقمي عن هذه الجارية قال: قال لي أبو السائب: هل لك في أحسن الناس غناء؟ قلت: وأنى لي ذلك قال اتبعني فتبعته إلى أن جئنا دار مسلم بن يحيى فأذن لنا فدخلنا ثم طلعت علينا جارية عجفاء كلفاء عليها ثوب أصفر وكأن وركيها في خيط من ضعفها فقلت لأبي السائب: بأبي أنت ما هذه؟ فقال: اسكت فتناولت عودا فغنت: بيد الذي شغف الفؤاد بـكـم تفريج ما ألقى من الـهـم فاستبقني أن قد كلفت بـكـم ثم افعلي ما شئت عن علم قد كان صرم في الممات لنا فعجلت قبل الموت بالصرم قال: فتحسنت في عيني وبدا ما أذهب الكلف عنها وزحف أبو السائب وزحفت منه ثم تغنت: برح الخفاء فأيما بك تكـتـم ولسوف يظهر ما تسر فيعلم مما تضمن من غدير قبـلـه يا قلب إنك بالحسان لمغرم يا ليت أنك يا حسام بأرضنـا تلقى المراسي طائعا وتخيم فتذوق لذة عيشنا ونـعـيمـه ونكون إخوانا فماذا تنـقـم قال: فزحفت مع أبي السائب حتى فارقنا النمر قتين وربت العجفاء في عيني ما يربو السويق بماء مزنة، ثم غنت: يا طول ليلي أعالج السقمـا إذ حل كل الأحبة الحرما ما كنت أخشى فراقكم أبـدا فاليوم أمسى فراقكم عزما فألقيت طيلساني وأخذت وسادة فوضعتها على رأسي وصحت كما يصاح على اللوبيا في المدينة، وقام أبو السائب فتناول ربعة في البيت فيه القوارير ودهن فوضعها على رأسه وصاح صاحب الجارية، وكان - ألثغا- قوانيني (يعني قواريري) فاصطكت القوارير وتكسرت وسال الدهن على رأس أبي السائب وصدره وقال للعجفاء: لقد هجت لي داء قديما، ثم وضع الربعة على رأسه وعوضنا ثمن القوارير إلى صاحب الجارية وذهبنا وكنا نختلف إلى العجفاء حتى اشتراها عبد الرحمن بن معاوية صاحب الأندلس فانقطع عنا خبرها. العروضية مولاة أبي المطرف عبد الرحمن بن غلبون الكاتب سكنت بلنسية، وكانت قد أخذت عن مولاها النحو واللغة ولكنها فاقته في ذلك وبرعت في العروض، وكانت تحفظ الكامل للمبرد والنوادر للقالي وتشرحها وقد قرأ عليها أبو داود سليمان - الكتابين المذكورين - وأخذ عنها العروض. توفيت بدانية بعد سيدها في عدد الخمسين والأربعمائة وقد تركت لها ذكرا جميلا وفخرا طويلا تتحدث به الأجيال من بعدها - رحمها الله تعالى. عريب كانت مغنية محسنة وشاعرة صالحة الشعر، وكانت مليحة الخط والمذهب في الكلام ونهاية في الحسن والجمال والظرف وحسن الصورة، وجودة الضرب، وإتقان الصنعة والمعرفة بالنغم والأوتار، والرواية للشعر والدب. ولم يتعلق بها أحد من نظرائها ولا رؤي في النساء بعد القيان الحجازيات القديمات مثل جميلة وعزة الميلاء وسلامة الزرقاء ومن جرى مجراهن على قلة عددهن نظير لها. وكانت فيها من الفضائل التي وصفناها ما ليس لهن مما يكون لمثلها من جواري الخلفاء ومن نشأ في قصور الخلافة، وغذي برقيق العيش الذي لا يدانيه عيش الحجاز والنشء بين العامة والعرب الجفاة، ومن غلظ طبعه وقد شهد لها بذلك من لا يحتاج مع شهادته إلى غيره. وكانت عريب لعبد الله بن إسماعيل صاحب مراكب الرشيد وهو الذي رباها وأدبها وعلمها الغناء ونقل صاحب الأغاني من حديث إسماعيل بن الحسين خال المعتصم أنها ابنة جعفر بن يحيى البرمكي وأن البرامكة لما انتهبوا سرقت وهي صغيرة. وقيل: إن أم عريب كانت تسمى فاطمة وكانت قيمة لام عبد الله بن يحيى بن خالد، وكانت صبية نظيفة فرآها جعفر بن يحيى فهويها، وسأل أم عبد الله أن تزوجه بها ففعلت وبلغ الخبر يحيى بن خالد، فأنكره وقال له: أتتزوج من لا يعرف لها أم ولا أب اشتر مكانها مائة جارية وأخرجها إلى دار في ناحية باب الأنبار سرا من أبيه ووكل بها من يحفظها وكان يتردد إليها فولدت عربيها في سنة إحدى وثمانين ومائة فكانت سنوها إلى أن ماتت ستا وتسعين سنة. وقيل: إن أم عريب ماتت في حياة جعفر فدفعها إلى امرأة نصرانية وجعلها داية لها، فلما حدثت الحادثة بالبرامكة باعتها من سنبس فباعها من المراكبي، وقيل: إن الفضل بن مروان كان يقول: كنت إذا نظرت إلى قدمي عريب شبهتهما بقدمي جعفر بن يحيى قال: وسمعت من يحكي أن بلاغتها في كتبها لبعض الكتاب فقال: فما يمنعها من ذلك وهي بنت جعفر بن يحيى. وروى أبو الفرج الأصبهاني عن محمد بن خلف أنه قال: قال لي أبي: ما رأيت امرأة أضرب من عريب ولا أحسن صنعة، ولا أحسن وجها، ولا أخف روحا، ولا أحسن خطابا، ولا أسرع جوابا، ولا ألعب بالشطرنج والنرد، ولا أجمع لخصلة حسنة لم أر مثلها في امرأة غيرها. قال حماد: فذكرت ذلك ليحيى بن أكثم في حياة أبي فقال: صدق أبو محمد كذلك قلت: أفسمعتها. قال: نعم، هناك - يعني في دار - المأمون - قلت: أفكانت كما ذكر أبو محمد في الحذق؟ فقال يحيى: هذه مسألة الجواب فيها على أبيك فهو أعلم مني بها فأخبرت بذلك أبي فضحك، ثم قال: أما استحيت من قاضي القضاة أن تسأله عن مثل هذا. وأخبر علي بن يحيى أنه كان لإسحاق صناجة وكان معجبا بها واشتهاها المعتصم في خلافة المأمون فبينما هو ذات يوم في منزله إذ أتاه إنسان يدق الباب دقاً شديداً قال: فقلت: انظروا انظروا من هذا فقالوا: رسول أمير المؤمنين فقلت: ذهبت صناجتي تجده ذكرها له ذاكر فبعث إني فيها. فلما مضى بي الرسول انتهيت إلى الباب وأنا مسخن فدخلت فسلمت فرد علي السلام ونظر إلى تغير وجهي فقال لي: اسكن، فسكنت فقال لي عن صوت. قوال: أتدري لمن هو؟ فقلت: أسمعه، ثم أخبر أمير المؤمنين إن شاء الله بذلك، فأمر جارية من وراء الستارة فغته وضربت، فإذا قد شبهته بالقديم فقلت: زدين معها عودا آخر فإنه أثبت لي. فزادني عودا آخر فقلت: هذا الصوت محدث لامرأة ضاربة قال: من أين؟ قلت: ذلك. قلت: لما سمعت لينه عرفته أنه محدث من غناء النساء ولما رأيت جودة مقاطعة علمت أن صاحبته قد حفظت مقاطعة وأجزاءه، ثم طلبت عودا آخر فلم أشك فقال: صدقت الغناء لعريب وقال يحيى بن علي: أمرني المعتمد على الله أن أجمع غناءها الذي صنعته فأخذت منها دفاترها وصحفها التي كانت قد جمعت فيها غناءها فتكتبه فكان ألف صوت، وسأل ابن خرداذيه عريب عن صنعتها فقالت: قد بلغت إلى هذا الوقت ألف صوت ونقل الأصبهاني عن محمد بن القاسم أنه جمع غناءها من ديواني ابن المعتز وأبي العبيس بن حمدون وما أخذه عن بدعة جاريتها فقابل بعضه ببعض فكان ألفا ومائة وخمسا وعشرين صوتا. ودخل بن هشام على المعتز وهو يشرب وعريب تغني فقال له: يا ابن هشام، عن فقال: يا ابن هشام، عن فقال: تبت عن الغناء، مذ قتل سيدي المتوكل فقالت له عريب: والله أحسن حيث تبت فإن غناءك كان قليل المعنى لا متقن ولا صحيح ولا طريب فأضحكت أهل المجلس جميعا منه فخجل فكان بعد ذلك يبسط لسانه فيها ويعيب صنعتها ويقول: هي ألف صوت في العدد وصوت واحد في المعنى وهي مثل قول أبي دلف في خالد بن يزيد حيث يقول: يا عين بكى خالـدا ألفا ويدعى واحدا قال الأصبهاني: وليس الأمر كما قال: إنها لصنعة شبهت فيها صنعة الأوائل وجودت وبرزت. منها: أأن سكنت نفسي وقل عويلها. ومنها: يقول همي يوم ودعتها. ومنها: إذا أردت انتصافا كان ناصركم وعدد لها جملة أصوات في الأغاني لا لزوم لذكرها هنا وقيل: إن مولى عريب خرج إلى البصرة وأدبها وخرجها وعلمها الخط والنحو والشعر والغناء فبرعت في ذلك كله وتزايدت حتى قالت الشعر، وكان لمولاها صديق يقال له حاتم بن عدي من قواد خراسان. وقيل: إنه كان يكتب لعجيف على ديوان الفرض فكان مولاها يدعوه كثيرا ويخالطه، ثم ركبه دين فاستتر عنده فمد عينه إلى عريب فكاتبها فأجابته وكانت المواصلة بينهما وعشقته عريب، فلم تزل تحتال حتى اتخذت سلما من عقب وقيل: من خيوط غلاظ وسترته حتى إذ همت بالهرب إليه بعد انتقاله عن منزل مولاها بمده وقد أعد لها موضعا لفت ثيابها وجعلتها في فراشها بالليل ودثرتها بدثارها، ثم تسورت من الحائط حتى هربت فمضت إليه فمكثت عنده زمانا. وقيل: إنها لما صارت عنده بعث إلى مولاها يستعير منه عودا تغنيه به فأعاره عودها وهو لا يعلم أنها عنده ولا يتهمه بشيء من أمرها فقال عيسى بن عبد الله بن إسماعيل المراكبي وهو عيسى بن زينب يهجو أباه ويعيره بها وكان كثيرا ما يهجوه: قاتل اللـه عـريبـا فعلت فعلا عجيبا ركبت واللـيل داج مركبا صعبا مهوبا فارتقت متصلا بالنج م أو منه قـريبـا صبرت حتى إذا ما أقصد النوم الرقيبا مثلت بين حـشـايا هالكي لا تستريبـا خلفا منهـا إذا نـو دي لم يلف مجيبـا ومضت يحملها الخو ف قضيبا وكثيبـا محة لو حركت خف ت عليها أن تذوبا فتدلـت لـمـحـب فتلقاها حـبـيبـا جذلا قد نال في الدن يا من الدنيا نصيبا أيها الظبي الذي تس حر عيناه القلوبـا والذي يأكل بعضـا بعضه حسنا وطيبا كنت نهبـا لـذئاب فلقد أطعمت ذيبـا 3 وكذا الشاة إذا لم=يك راعيها لبيبا لا يبالي وبأ والمـر عى إذا كان خصيبا فلقد أصبح عبد اللـه كشخـان حـريبـا قد لعمري لطم الوجه وقد شق الجـيوبـا وجرت منه دمـوع بلت الشعر الخضيبا وأخبر بعضهم أنها ملته بعد ذلك فهربت منه فكانت تغني عند أقوام عرفتهم ببغداد متسترة متخفية، فلما كان يوم من الأيام اجتاز ابن أخ للمراكبي ببستان كانت فيه مع قوم تغني تسمع غناءها فعرفه فبعث إلى عمه من وقته وأقام هو بمكانه فلم يبرح حتى جاء عمه فلببها وأخذها فضربها مائة مقرعة وهي تصيح يا هذا لست أصبر عليك امرأة حرة إن كنت مملوكة فبعني لست أصبر على الضيقة فلما كان من غد ندم على فعله وسار إليها فقبل رأسها ورجلها ووهب لها عشرة آلاف درهم ثم بلغ محمدا الأمين خبرها فأخذها منه قال وكان خبرها سقط إلى محمد في حياة أبيه فطلبها منه فلم يجبه إلى ما سأل وقبل ذلك كان طلب منه خادما عنده فاضطغن لذلك عليه فلما ولى الخلافة جاء المرابي ليقبل يده فأمر بمنعه ودفعه ففعل ذلك الشاكري فضربه المراكبي وقال له: أتمنعني من يد سيدي أن أقبلها فجاء الشاكري لما نزل محمد فشكاه فدعا محمدا بالمراكبي وأمر بضرب عنقه فسأل في أمره فأعفاه وحبسه وطالبه بخمسمائة ألف درهم مما اقتطعه من نفقات الكراع وبعث فأخذ عريب من منزله مع خدم كانوا له، فلما قتل محمد هربت إلى المراكبي فكانت عنده قال: وأنشدني بعض أصحابنا لحاتم بن عدي الذي كانت عنده لما هربت إليه، ثم ملته فهربت منه وهي أبيات هذان منها: ورشوا على وجهي من الماء واندبوا قتيل عريب لا قـتـيل حـروب فليتك إذ عجلتني فـقـتـلـتـنـي تكونين من بعد الممات نصـيبـي وقد ذكر بعضهم رواية تخالف هذه وهي أنها هربت من دار مولاها المراكبي إلى محمد بن حامد الخاقاني المعروف بالخشن أحدقوا خراسان قال: وكان أشقر أصهب الشعر أزرق وفيه تقول عريب ولها فيه هزج ورمل من روايتي الهشامي وأبي العباس: بأبـي كــل أزرق أصهب اللون أشقر جن قلبي بي ولـي س جنوني بمنكـر وقيل: إن ابن المدبر قال: خرجت مع المأمون إلى أرض الروم أطلب ما يطلبه الأحداث من الرزق فكنا نسير مع العسكر، فلما خرجنا من الرقة رأينا جماعة من الحرم في العماريات على الجمازات وكنا رفقة وكنا أترابا فقال لي أحدهم على بعض هذه الجمازات عريب فقلت: من يراهنني أمر في جنبات هذه العماريات وانشد أبيات عيسى بن زينب: قاتل الله عـريبـا فعلت فعلا عجيبا فراهنني بعضهم وعدل الرهنان وسرت إلى جانبها فأنشدت الأبيات رافعا صوتي بها حتى أتممتها فإذا أنا بامرأة قد أخرجت رأسها فقال: يا فتى أنسيت أجود الشعر وأطيبه أنسيت قوله: وعريب رطبة الشـف رين قد نيكت ضروبا اذهب فخذ ما بالغت فيه ثم ألقت السجف فعلمت أنها عريب وبادرت إلى أصحابي خوفا من مكروه يلحقني من الخدم. وقال عمر بن شبة كانت للمراكبي جارية يقال لها: مظلومة. جملية الوجه، بارعة الحسن، فكان يبعث بها مع عريب إلى الحمام أو إلى من تزوره من أهله ومعارفه فكانت ربما دخلت معها إلى ابن حامد الذي كانت تميل إليه، فقال فيها بعض الشعراء: لقد ظلموك يا مظلـوم لـمـا أقاموك الرقيب على عـريب ولو أولوك إنصـافـا وعـدلا لما أخلوك أنت من الرقـيب أتنهين المريب عن المعاصـي فكيف وأنت من شأن المرايب وكيف يجانب الجانـي ذنـوبـا لديك وأنت جالبة الـذنـوب فإن يسترقبوك علـى عـريب فما رقبوك أنت من القلـوب وأخبر بعضهم أنه لما نمى خبر عريب إلى محمد الأمين بعث في إحضارها وإحضار مولاها فأحضر وغنت بحضرة إبراهيم بن المهدي تقول: لكل أناس جوهر متـنـافـس وأنت طراز الآنسات الملائح فطرب محمد واستعاد الصوت مرارا وقال لإبراهيم: يا عم، كيف سمعت. قال: يا سيدي سمعت حسنا وإن تطاولت بها الأيام وسكن روعها ازداد غناؤها حسنا فقال للفضل بن الربيع: خذها إليك وساوم بها ففعل فاشتط مولاها في السوم، ثم أوجبها له بمائة ألف دينار وانتقض أمر محمد وشغل عنها فلم يأمر لمولاها حتى قتل بعد أن افتضها فرجعت إلى مولاها، ثم هربت منه إلى حاتم بن عدي. وقيل: إنها هربت من مولاها إلى ابن حامد فلم تزل عنده حتى قدم المأمون بغداد فتظلم إليه المراكبي من محمد بن حامد فأمر بإحضاره فسأله عنها، فأنكر. فقال له المأمون كذبت قد سقط إلي خبرك وأمر صاحب الشرطة أن يجرده في مجلس الشرطة ويضع عليه السياط حتى يردها فأخذه وبلغها الخبر فركبت حمار مكار وجاءت وقد جرد ليضرب وهي مكشوفة الوجه وهي تصيح أنا عريب إن كنت مملوكة فليبعني وإن كنت حرة فلا سبيل له علي فرفع خبرها إلى المأمون فأمر بتعديلها عنه قتيبة بن زياد القاضي فعدلت عنده وتقدم إليه المراكبي مطالبا بها فسأله البينة على ملكه إياها فعاد متظلما إلى المأمون. وقال: قد طولبت بما لم يطالب به أحد في رقيق ولا يوجد مثله في يد من ابتاع عبدا أو أمة وتظلمت إليه زبيدة، وقال: من أغلظ ما جرى علي بعد قتل محمد ابني هجوم المراكبي على داري وأخذه عريبا منها. فقال المراكبي إني أخذت ملكي لأنه لم ينقدني الثمن فأمر المأمون بدفعها إلى محمد بن عمر الواقدي وكان قد ولاه القضاء بالجانب الشرقي فأخذها من قتيبة بن زياد فأمر ببيعها ساذجة فاشتراها المأمون بخمسة آلاف درهم فذهبت به كل مذهب ميلا إليها ومحب لها، وقيل: إنه لما مات المأمون بيعتعت في ميراثه ولم يبع له عبد ولا أمة غيرها، فاشتراها المعتصم بمائة ألف درهم. ثم أعتقها فهي مولاته وذكر بعضهم أنها لما هربت من دار محمد لما قتل تدلت من قصر الخلد بحبل إلى الطريق وهربت إلى حاتم بن عدي. وقيل: إن المأمون اشتراها بخمسة آلاف دينار ودعا بعبد الله بن إسماعيل فدفعها إليه وقال: لولا أني حلفت أن لا أشتري مملوكاً بأكثر من هذا لزدتك ولكني سأوليك عملا تكسب فيه أضعافا لهذا الثمن مضاعفة ورمى إليه بخاتمين من ياقوت أحمر قيمتهما ألف دينار، وخلع عليه خلعة سنية فقال: يا سيدي إنما ينتفع الأحياء بمثل هذا، وأما أنا فإني ميت لا محالة لأن هذه الجارية كانت حياتي وخرج عن حضرته فاختلط وتغير عقله ومات بعد أربعين يوما. وقيل: إن إبراهيم بن رباح كان يتولى نفقات المأمون فوصف له إسحاق بن إبراهيم الموصلي عريب فأمره أن يشتريها فاشتراها بمائة ألف درهم قال: فأمرني المأمون بحملها وأن أحمل لإسحاق مائة ألف درهم أخرى ففعلت ذلك، ولم أدر كيف أثبتها فحكيت في الديوان أن المائة ألف خرجت في ثمن جوهرة، والمائة ألف الأخرى أخرجت لصائغها ودلالها فجاء الفضل بن مروان إلى المأمون وقد رأى ذلك فأنكره وسألني عنه فقلت: نعم هو ما رأيت، فسأل المأمون عن ذلك. وقال: أوجب لدلال وصائغ مائة ألف درهم وغلظ القصة فأنكرها المأمون فدعاني ودنوت إليه أخبرته المال الذي خرج فيثمن عريب وصلة إسحاق وقلت: أيما أصوب يا أمير المؤمنين ما فعلت، أو أثبت في الديوان أنها خرجت في صلة مغن وثمن مغنية فضحك المأمون وقال: الذي فعلت أصوب، ثم قال للفضل بن مروان: يا نبطي لا تعترض على كاتبي هذا في شيء،. وقيل: إن عريب لما صارت في دار المأمون احتالت حتى واصلت محمد بن حامد وكانت عشقته وكاتبته. ثم احتالت في الخروج إليه وكانت تلقاه في الوقت بعد الوقت حتى حلبت منه وولدت بنتا، وبلغ ذلك المأمون فزوجه إياها، وأخبر بعضهم أنه لما وقف المأمون على خبرها مع محمد بن حامد أمر بإلباسها جبة صوف وختم زيقها وحبسها في كنيف مظلم شهرا لا ترى الضوء يدخل إليها خبز وملح وماء من تحت الباب في كل يوم، ثم ذكرها فرق لها وأمر بإخراجها، فلما فتح الباب وأخرجت لم تتكلم بكلمة حتى اندفعت تغني: لو كان يقدر أن يبثـك مـا بـه لرأيت أحسن عاتب يتـعـتـب حجبوه عن بصري فمثل شخصه في القلب فهو محجب لا يحجب فبلغ ذلك المأمون فعجب منها وقال: لن تصلح هذه أبدا فزوجها إياه، وذكر صاحب الأغاني أن المأمون اصطحب يوما ومعه ندماؤه وفيهم محمد بن حامد وجماعة المغنين وعريب معه على مصلاه فأومأ محمد بن حامد إليها بقبلة فاندفعت تغني ابتداء: رمى ضرع ناب فاستمرت بطعنة كحاشية البرد اليماني المسهـم تريد بغنائها جواب محمد بن حامد بان تقول له طعنة فقال لها المأمون أمسكي، فأمسكت ثم أقبل على الندماء فقال: من فيكم أومأ إلى عريب بقبلة إليها والله لئن لم يصدقني لأضربن عنقه فقال محمد بن حامد فقال: أنا يا أمير المؤمنين أومأت إليها والعفو أقرب للتقوى. فقال: قد عفوت، فقال: كيف استدل أمير المؤمنين على ذلك. قال: ابتدأت صوتاً لوهي لا تغني ابتداء إلا لمعنى، فعلمت أنها لم تتبدئ بهذا الصوت إلا لشيء أومئ به إليها ولم يكن من شرط هذا الموضع إلا إيماء بقبلة فعلمت أنها أجابت بطعنة. ومن شعرها في محمد بن حامد: ويلي عليك ومـنـكـا أوقعت في الحق شكا زعمـت أنـي خـؤن جورا علي وإفـكـا فأبدل الـلـه مـا بـي من ذلة الحب نسكـا وأخبر بعضهم أنها كانت تتعشق أبا عيسى بن الرشيد. وروى غيره أنها ما عشقت أحدا من بني هاشم أصفته المحبة من الخلفاء وأولادهم سواه وكانت لا تضرب المثل إلا بحسن وجه أبي عيسى وحسن غنائه. وروى أن عريب كانت تتعشق صالحا المنذري الخادم وتزوجته سرا فوجه به المتوكل إلى مكان بعيد في حاجة له فقالت: أما الحبيب فقد مضـى بالرغم عني لا الرضا أخطأت في تركي لمن لم ألق منه معوضـا قال: فغنته يوما بين يدي المتوكل فاستعاده مرارا وشرب عليه يوما. ودخلت عليها إحدى جواري المتوكل فقالت لها: تعالي إلي، فجاءت. فقالت: قبلي هذا الموضع مني فإنك تجدين ريح الجنة. وأومأت إلى صدغها ففعلت، ثم سألتها عن السبب في ذلك قالت: قبلني صالح المنذري في هذا الموضع. وقال عبد الله بن حمدون: إن عريب زارت محمد بن حامد ذات يوم وجلسا جميعا للمنادمة فجعل يبث شوقه إليها ويعاتبها على بعض أشياء فعلتها ويقول لها: فعلت كذا وذكا، فالتفتت إليه وقالت: يا هذا، أرأيت مثل ما نحن فيه، ثم أقبلت عليه وقالت: يا عاجز دعنا الآن في انشراحنا وإذا كان الغد فاكتب لي بعتابك ودع الفضول فقد قال الشاعر: دعي عد الذنوب إذا التقينا تعالي لا أعد ولا تعدي وقال إسحاق بن كندا: حين كانت عريب تولع بي وأنا حديث السن فقالت لي يوما: يا إسحاق قد بلغني أن عندك دعوة فابعث إلي بنصيبي منها قال: فاستأنفت طعاما كثيرا وأرسلت إليها منه شيئا كثيرا فأقبل رسولي من عندها مسرعا فقال لي لما بلغت إلى بابها وعرفت خبري أمرت بالطعام فأنهب وقد وجهت إليك برسول معي وها هو في الباب، فلما سمعت ذلك تحيرت وظننت أنها قد استقصرت فعلي، فدخل الخادم ومعه شيء مشدود من منديل ورقعة فقرأت الرقعة فإذا فيها: بسم الله الرحمن الرحيم يا عجمي، يا غبي أظننت أني من الأتراك ووحشي الجند فبعثت إلي بخبز ولحم وحلواء. الله المستعان عليك يا فدتك نفسي قد وجهت إليك زلة من حضرتي فتعلم ذلك من الأخلاق ونحوها من الأفعال ولا تستعمل أخلاق العامة في الظرف فيزداد العيب والعتب عليك إن شاء الله فكشفت المنديل فإذا فيه طبق ومكبة من ذهب منسوج على عمل الخلافة وفيه زبدية فيها لفتان من رقاق وقد عصبت طرفيهما وفيهما قطعتان من صدر دجاج مشوي وبقل وطلع وملح، ثم انصرف رسولها. وعن علوية قال: أمرني الممون أنا وسائر المغنين في ليلة من الليالي أن نصير إليه بكرة ليصطبح فغدونا ولقيني المراكبي مولاة عريب في الطريق وهي - يومئذ عنده- فقال لي: يا أيها الرجل الظالم المعتدي، أما ترق وترحم وتستحي، عريب هائمة بك وتحب أن تراك. قال علوية: أم الخلافة زاينة إن تركت عريب بها، ومضيت معه، فحين دخلت قلت له: استوثق من الباب فإني أعرف خلق الله بفضول البوابين والحجاب فدخلت وإذا عريب جالسة على كرسي يطبخ بين يديها ثلاث قدور فجلسنا واحضر الطعام فأكلنا ودعونا بالنبيذ فجلسنا نشرب. ثم قالت: يا أبا الحسن صنعت البارحة صوتا في شعر لأبي العتاهية فقلت: وما هو؟ فقالت: عذيري من الإنسان لا إن جفوته صفا لي ولا إن كنت طوع يديه وإني لمشتاق إلى قرب صاحـب يروق ويصفو إن كدرت عليه وقالت لي قد بقي فيه شيء فلم نزل نكرره ونردده أنا وهي حتى استوى، ثم جاء حجاب المأمون فكسروا باب المراكبي واستخرجوني، فدخلت على المأمون، فلما رأيته أقبلت أمشي إليه برقص وتصفيق وأنا أغني الصوت فسمع هو ومن عنده ما لم يسمعوه واستظرفوه وطربوا منه جدا وسألني فأخبرته الخبر فقال لي: ادن مني وردده، فرددته سبع مرات فقال أبي في آخر مرة: يا علوية خذ الخلافة وأعطني هذا الصاحب. قال القاسم بن زرزور: حدثتني عريب قالت: كنت في أيام محمد ابنة أربع عشرة سنة وكنت أصوغ الغناء وأنا في ذلك السن. قال القاسم: وكانت عريب تكايد الواثق فيما يصوغه من الألحان وتصوغ في ذلك الشعر بعينه لحنا فيكون أجود من لحمه فمن ذلك: لم آت عامدة ذنبـا إلـيك بـلـى أقر بالذنب فاعف اليوم عن زللي فالصفح من سيد أولى لمعـتـذر وقاك ربك يوم الخوف والوجـل فكان لحنها فيه خفيف ثقيل ولحن الواثق رمل ولحنها أجود من لحنه. والثاني هو: أشكو إلى الله ما ألقى من الكمد حسبي بربي ولا أشكو إلى أحد أين الزمام الذي قد كنت ناعمة=في ظله بدنوني منك يا سندي وأسأل الله يوما منك يفرحنـي فقد كحلت جفون العين بالسهد فكان لحنها ولحن الواثق فيه من الثقيل الأول ولحنها أجود من لحنه: قال ابن المعتز: وكان سبب انحراف الواثق عنها كيادها إياه وسبب انحراف المعتصم عنها أنه وجد لها كتابا إلى العباس بن المأمون في بلاد الروم مضمونه اقتل أنت العلج حتى أقتل أنا العور الليلي ههنا - تعني الواثق - وكان يسهر الليل وكان المعتصم استخلفه ببغداد. وقال صالح بن علي بن الرشيد: تماري خالي أبو علي مع المأمون في صوت فقال المأمون: أين عريب؟ فجاءت وهي مجموعة فسألها عن الصوت فولت لتجيء بعود فقال لها غنيه بغير عود فاعتمدت على الحائط لعدم قوتها على مفعول الحمى وغنت فأقبلت عقرب فرأيتها قد لسعت يدها مرتين أو ثلاثا فما نحت يدها ولا سكتت حتى أفرغت الصوت، ثم سقت وقد غشي عليها فأقيمت من حضرة المأمون وهو لا يكاد أن يملك نفسه أسفا وفرقا عليها. وقيل: إن المأمون كان يحبها الحب المفرط حتى إنه كان يقبل قدميها ويمرغ عليها الخدود إذا رأى منها انحرافا عنه في شيء ما. وقال أبو العباس بن الفرات: قالت لي تحفة - جارية عريب - كانت عريب تجد في رأسها بردا فكانت تغلف شعرها مكان الغسلة بستين مثقالا مسكا وعنبرا وتغسله من الجمعة إلى الجمعة فإذا غسلته أعادته كما كان وتقسم الجواري غسالة رأسها بالقوارير وما تسرحه منه بالميزان. وروي عن علي بن يحيى أنه قال: دخلت يوما على عريب مسلما عليها فلما جلسنا هطلت المساء بالأمطار فقالت: أقم عندي اليوم حتى أغنيك أنا وجواري وابعث إلى من أحببت من إخوانك قال: فأمرت بدوابي فردت وجلسنا نتحدث فسألتني عن خبرنا بالأمس في مجلس الخليفة ومن كان يغنينا وأي شيء استحسنا من الغناء فأخبرتها أن صوت الخليفة كان لحنا صنعه بنان فقالت: وما هو فأخبرتها أنه في هذه الأبيات: تجافي ثم تنـطـبـق جفون حشوها الأرق وذي كلف بكى جزعا وسفر القوم منطلق به قلق يمـلـمـلـه وكان وما به قلـق جوانحه على خطـر بنار الشوق تحتـرق قال فوجهت رسولا إلى بنان فحضر من وقته وقد بلته المساء، فأمرت بخلع ملابسه وألبسته ملابس فاخرة وقدم له طعام فأكل وجلس يشرب معنا وسألته عن الصوت فغناه مرارا فأخذت دواة وقرطاسا وكتبت: اجاب الوابـل الـغـدق وصاح النرجس الغرق وقد غنى بـنـان لـنـا جفون حشوهـا الأرق فهات الكأس مـتـرعة كأن حبابـهـا حـدق قال علي بن يحيى فما شربنا بقية يومنا إلا على هذه الأبيات. وقال الفضل بن العباس بن المأمون: زارتني عريب يوما ومعها عدة من جواريها فوافتنا ونحن في شرابنا فتحادثنا ساعة وسألتها أن تقيم عندنا باقي يومها فأبت وقالت: قد دعاني جماعة من إخواني من أهل الأدب والظرف وهم مجتمعون في جزيرة المأيد فيهم إبراهيم بن المدبر وسعيد بن حميد ويحيى بن عيسى، وقد عزمت على المسير إليهم قال: فحلفت عليها بالإقامة عندنا فأقامت ودعت بدواة وقرطاس فكتبت بعد البسملة في سطر واحد ثلاثة أحرف متفرقة وهي: (أردت، لولا، لعلي). وأرسلتها فأخذها ابن المدبر وكتب تحت كل حرف هكذا: (ليت، ماذا، أرجو)، ووجه بالرقة، فلما رأتها صفقت وقالت: أأترك هؤلاء وأقعد عندكم لا والله إذا تركني الله من يديه ولكني أخلف عندكم بعض جواري يكفيكم وأقوم إليهم ففعلت وأخذت معها بعض جواريها وتركت بعضهن وانصرفت، وعتب المأمون يوما على عريب فهجرها أياما، ثم اعتلت فعادها فقال لها: كيف وجدت طعم الهجر؟ فقالت: يا أمير المؤمنين، لولا مرارة الهجر ما عرفت حلاوة الوصل ومن ذم بدء الغضب حمد عاقبة الرضا قال: فخرج المأمون إلى جلسائه فحدثهم بالقصة تماما، ثم قال: أترى لو كان هذا من كلام النظام ألم يكن كبيرا. وقال أحمد بن أبي داود: جرى بين عريب والمأمون فكلمها المأمون في شيء غضبت منه فهجرته أياماً قال أحمد بن أبي داود: فدخلت يوما. فقال: يا أحمد، اقض بيننا بالصلح، فلما كلمتها في ذلك قالت: لا حاجة لي في قضائه ودوله فيما بيننا وأنشأت تقول: ونخلط الهجر بالوصال ولا يدخل في الصلح بيننا أحد فلما سمع المأمون ذلك دخل إليها بالصلح واصطلحا قال حمدون: كنت حاضرا في مجلس المأمون ببلاد الروم بعد صلاة العشاء الأخيرة في ليلة ظلماء ذات رعود وبروق فقال لي: اركب الساعة فرس النوبة وسر إلى عسكر أبي إسحاق - يعني المعتصم - فأد إليه رسالتي قال: فركبت ومضيت وبينما أنا في الطريق إذ سمعت وقع حافر دابة فرهبت من ذلك وجعلت أتوقاه حتى صك ركابي في ركاب تلك الدابة وبرقت بارقة فتأملت وجه الراكب وإذا هي عريب فقلت: عريب؟ قالت: نع، أنت حمدون؟ قلت: نعم، فمن أين أتيت في هذا الوقت؟ قالت: من عند محمد بن حامد، قلت: وما صنعت عنده؟ قالت: عجبت من سؤالك هذا ترى أن عريب تخرج من مضرب الخليفة في مثل هذا الوقت لتزور محمد بن حامد وتقول لها: ماذا كنت تصنعين عنده خرجت لأصلي معه الترويح أو لأدرس عليه شيئا من الفقه يا أحمق خرجت لأزور حبيبي كما يتزاور المحبون، وما يفعلون من عتاب وصلح، وغضب، ورضا، وشكوى غرام، وبث أشواق وما أشبه. فأخجلتني وغاظتني، ثم رجعت إلى المأمون بعد أداء الرسالة وأخذنا في الحديث وتناشدنا الأشعار، وهممت والله أن أخبره خبرها، ثم رهبته فقلت: أقدم قبل ذلك تعريضا بشيء من الشعر فأنشده: ألا حي إطلالا لواسـعة الـحـبـل ألوف تسوي صالح القوم بالـرذل فلو أن من أمسى بجانـب تـلـعة إلى جبلي طي لساقطة الحـبـل جلوس إلى أن يقصر الظل عندهـا لراحوا وكل القوم منها على وصل قال: فقال لي المأمون اخفض صوتك لئلا تسمعك عريب فتغضب وتظن أننا في حديثها، فلما سمعت ذلك أمسكت عما أردت أن أخبره به واختار الله لي السلامة. وقال اليزيدي: خرجنا مع المأمون إلى بلاد الروم فرأيت عريب في هودج، فلما رأتني قالت: يا يزيدي أنشدني شعر قلت: نعم حتى أسمع فيه لحناً فأنشدتها: ماذا بقلبي من دوام الخفـق إذا رأيت لمعان البـرق من قبل الأردن أو دمشـق لأن من أهوى بذاك الأفق قال: فتنفست تنفسا ظننت أن ضلوعها قد تقصفت منه فقلت لها: هذا والله تنفس عاشق. فقالت: اسكت يا عاجز أنا أعشق بل أنا معشوقة في كل ناد، والله لقد نظرت نظرة مريبة في مجلس فادعاها من أهل المجلس عشرون رئيساً ظريفاً. قال أحمد بن حمدون: وقع بين عريب وبين محمد بن حامد خصام وكان يجد بها وجدا مفرطا فكادا يخرجان من شرهما إلى القطيعة وكان في قلبها منه كما لها عنده من الحب فلقيته يوما فقالت له: كيف قلبك يا محمد؟ قال: أشقى والله مما كان وأشد لوعة. فقالت: استبدل بديلا فقال لها: لو كانت البلوى بالخيار لفعلت فقالت: لقد طال إذا تعبك. فقال: وما يكون أصبر مكرها أما سمعت قول العباس بن الأحنف: تعب يكون مع الرجاء بذي الهوى خير له من راحة فـي الـياس لولا كرامكتم لما عاتـبـتـكـم ولكنتم عندي كبعض الـنـاس فلما سمعت ذلك ذرفت عيناها واعتذرت وعاتبته واصطلحا وعادا إلى ما كانا عليه من صدق المودة وحسن المعاشرة. وقال ابن المراكبي: قالت لي عريب: حج بي أبوك وكنت في طريقي أطلب الأعراب فأستنشدهم الأشعار وأكتب عنهم النوادر وجميع ما أسمعه منهم فوقف علينا شيخ من الأعراب يسأل فاستنشدته فأنشدني: يا عز هل لك في شيخ فتى أبدا وقد يكون شباب غير فتـيان فاستحسنته ولم أكن سمعته قبل ذلك قلت فأنشدني باقي الشعر فقال لي: هو يتيم، فاستحسنت قوله وبررته وحفظت البيت وغنيت فيه صوتا من الثقيل الأول ومولاي لا يعلم بذلك لأنه كان ضعيفا، فلما كان في ذلك اليوم عشيا قال لي: ما كان أحسن ذلك البيت الذي أنشدك إياه الأعرابي وقال لك: إنه يتيم أنشدينيه إن كنت حفظتيه فأنشدته وأعلمته أني غنيت به ثم غنيته له فوهب لي ألف درهم بهذا السبب وفرح بالصوت فرحا شديدا. وقال ميمون بن هارون: إنه كان في مجلس جعفر بن المأمون وعندهم أبو عيسى وعلي بن يحيى وبدعة جارية عرب وتحفة وهما تغنيان فذكر علي بن يحيى أن الصوت لغير عريب وذكر أنها لا تدعيه وكابر في ذلك فقام جعفر بن المأمون فكتب رقعة إلى عريب ونحن لا نعلم يسألها عن أمر الصوت وأن تكتب إليه بالقصة فكتبت إليه بخطها بعد البسملة: هنيئا لأرباب البيوت بيوتهـم وللعزب المسكين ما يتلمس أنا المسكين وحيدة فريدة بغير مؤنس وأنتم فيه وقد أخذتم أنسي ومن كان يلهيني (تغني بذلك جاريتها تحفة وبدعة) فأنتم في القصف والعزف وأنا في خلاف ذلك هناكم الله وأبقاكم، وسألت مد الله في عمرك عما اعترض فيه فلان في هذا الصوت والقصة فيه ما هو كذا وذكرت القصة بتمامها مع الأعرابي ولما وصل الجواب إلى جعفر بن المأمون قرأه وضحك، ثم رمى به إلى أبي عيسى وقال: اقرأ وكان علي بن يحيى إلى جانبي فأراد أن يستلب الرقعة فمنعته وقمت إلى ناحية وقرأتها فأنكر ذلك وقال: ما هذا فوارينا الأمر عنه لئلا تقع عربدة وكان مبغضا لها. وقال أحمد بن الفرات عن أبيه أنه قال كنا يوما عند جعفر بن المأمون نشرب وعريب حاضرة إذ غنى بعض من كان هناك: يا بدر إنك قد كسيت مشابهـا من وجه المستـنـير الائح وأراك تمصح بالمحاق وحسنها باق على الأيام ليس ببـارح فضحكت عريب وصفقت وقالت: ما على وجه الأرض أحد يعرف هذا الصوت غيري فلم يقدر أحد من القوم على مساءلتها عنه غيري فسألتها فقالت: أنا أخبركم بقصته ولولا أن صاحب القصة قد مات لما أخبرتكم بها وهو أن أبا محلم وفد بغداد فنزل بقرب دار صالح المسكين في خان هناك فاطلعت أم محمد ابنة صالح يوما فأعجبها جماله ورقته فولعت به وأحبته حبا مفرطا وأرادت التوصل إليه فجعلت لذلك علة بأن وجهت إليه تقترض منه مالا وتعلمه أنها في احتياج وأنها بعدة مدة ترده إليها بعث إليها بعشرة آلاف درهم وحلف أنه لو ملك غيرها لبعث بها إليها فاستحسنت ذلك منه واتصلت المودة بينهما، وكان القرض سببا للوصلة فكان يدخل إلى منزلها ليلا وكنت أنا أني لهم فشربنا ليلة في القمر وجعل أبو محلم ينظر إليه ثم دعا بدواة وقرطاس وكتب: يا بدر إنك قد كسيت مشابهـا من وجه أم محمد ابنة صالح والبيت الآخر وقال لي: غني فيه ففعلت واستحسناه وشربنا عليه فقالت أم محمد في آخر المجلس: يا أختي قد نبلت في هذا الشعر إلا أنه سيبقى علي فضيحة إلى آخر الدهر فقال أبو محلم: وأنا أغيره فجعل مكان أم محمد ابنة صالح ذاك المستنير اللائح وغنيته كما غيره وأخذه الناس عني ولو كانت أم محمد حية لما أخبرتكم بالخبر. وكتبت عريب يوما إلى ابن حامد تستزيره فأرسل إليها إني أخاف على نفسي فكتبت إليه: إذا كنت تحذر ما تحـذر وتزعم أنك لا تجسـر فما لي أقيم على صبوتي ويوم لقـائك لا يقـدر فلما قرأ الرقعة صار إليها من وقته وأرسل إليها يعاتبها في شيء فكتبت إليه تعتذر فلم يقبل فكتبت إليه هذين البيتين: تبينت عذري وما تـعـذر وأبليت جسمي وما تشعر ألفت السرور وخليتـنـي ودمعي من العين ما يفتر فلما اطلع على البيتين ذرفت عيناه وسعى إليها مستسمحا ومستجديا عفوها عما وقع منه، وقد تمت أخبار عريب. |
||||
|
| الأوسمة والجوائز لـ » المحارب |
| بينات الاتصال لـ » المحارب |
| اخر مواضيع » المحارب |
| إحصائية مشاركات » المحارب | |
| عدد المواضيـع : | 456 |
| عدد الـــــــردود : | 658 |
| المجمــــــــــوع : | 1,114 |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| طبقات الانساب في فلسطين | متتبع المواقع | منتدى آلِتآريخ وآلِمؤرخون | 3 | 10-23-2009 02:08 PM |
| رواتب ربات البيوت | مراسل الأشراف أون لاين | آلِقسم آلِأخبآري: آلِآرشيف آلِعآم | 0 | 02-22-2008 04:30 PM |
| على ذمة الوفاق سمو امير الرياض يرد على القويز | الشريف محمد بن علي الحسني | آلِفسآد وآلِجريمة | 3 | 01-05-2008 01:24 AM |
| الأمهات العاملات أسعد حالا من ربات البيوت | مراسل الأشراف أون لاين | آلِقسم آلِأخبآري: آلِآرشيف آلِعآم | 0 | 12-12-2007 04:18 PM |
| ( رواق الأنساب )فهرس كتاب : الدر النثير فيمن أشتهر وصح نسبه من شرفاء الوادغير بفجيج | سيد الادريسي الحسني | أنسآب آلِسآدة آلِأشرآف | 2 | 08-08-2007 10:58 AM |